. قال: ثم إن الله ﷿ أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق- فيما ذكر- ببناء بيت له يعبد فيه، ويذكر فلم يدر إبراهيم في أي موضع يبني، إذ لم يكن بين له ذلك، فضاق بذلك ذرعا، فقال بعض أهل العلم: بعث الله إليه السكينة لتدله على موضع البيت، فمضت به السكينة، ومع إبراهيم هاجر زوجته وابنه إسماعيل، وهو طفل صغير.
وقال بعضهم: بل بعث الله اليه جبرئيل ع، حتى دله على موضعه، وبين له ما ينبغي أن يعمل.
ذكر من قال: الذي بعثه الله إليه لذلك السكينة:
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ: [أَنَّ رَجُلا قَامَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: أَلا تُخْبِرُنِي عَنِ الْبَيْتِ، أَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ؟ فَقَالَ: لا، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْبركَةِ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ كَيْفَ بُنِيَ إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ، فَضَاقَ إِبْرَاهِيمُ بِذَلِكَ ذَرْعًا، فَأَرْسَلَ ﷿ السَّكِينَةَ، وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجٌ وَلَهَا رَأْسَانِ، فَاتَّبَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَكَّةَ فَتَطَوَّتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ كَتَطَوِّي الْحَيَّةِ، وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَبْنِي حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ، فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ وَبَقِيَ حَجَرٌ، فَذَهَبَ الْغُلامُ يَبْنِي شيئا، فقال ابراهيم: أَبْغِنِي حَجَرًا كَمَا آمُرُكَ، فَانْطَلَقَ الْغُلامُ يَلْتَمِسُ لَهُ حَجَرًا، فَأَتَاهُ بِهِ، فَوَجَدَهُ قَدْ رَكَّبَ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ، مَنْ أَتَاكَ بِهَذَا الْحَجَرِ؟ فَقَالَ: أَتَانِي بِهِ مَنْ لَمْ يَتَّكِلْ عَلَى بِنَائِكَ، أَتَانِي بِهِ جبرئيل مِنَ السَّمَاءِ فَأَتَمَّاهُ]
[ ١ / ٢٥١ ]
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، [عن على ع قَالَ: لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ خَرَجَ مَعَهُ إِسْمَاعِيلُ وَهَاجَرُ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ رَأَى عَلَى رَأْسِهِ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ مِثْلَ الْغَمَامَةِ فِيهِ مِثْلُ الرَّأْسِ، فَكَلَّمَهُ، وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، ابْنِ عَلَى ظِلِّي- أَوْ عَلَى قَدْرِي- وَلا تَزِدْ وَلا تَنْقُصْ، فَلَمَّا بَنَى خَرَجَ وَخَلَفَ إِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ، فَقَالَتْ هَاجَرُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، إِلَى مَنْ تَكِلُنَا؟ قَالَ:
إِلَى اللَّهِ، قَالَتِ: انْطَلِقْ فَإِنَّهُ لا يُضَيِّعُنَا، قَالَ: فَعَطِشَ إِسْمَاعِيلُ عَطَشًا شديدا، فصعدت هاجر الصَّفَا، فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الصَّفَا، فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، حَتَّى فَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَتْ: يَا إِسْمَاعِيلُ، مُتْ حَيْثُ لا أَرَاكَ فَأَتَتْهُ وَهُوَ يَفْحَصُ بِرِجْلِهِ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَادَاهَا جَبْرَائِيلُ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا هَاجَرُ، أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: إِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا؟ قَالَتْ: وَكَلَنَا إِلَى اللَّهِ، قَالَ: وَكَلَكُمَا إِلَى كَافٍ، قَالَ: فَفَحَصَ الْغُلامُ الأَرْضَ بِإِصْبَعِهِ، فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ، فَجَعَلَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ، فَقَالَ: دَعِيهِ، فَإِنَّهَا رِوَاءٌ] .
حَدَّثَنِي مُوسَى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: لَمَّا عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل: أن طهرا بيتي للطائفين، انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو واسماعيل، وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ﷿ ريحا يقال لها ريح الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول ﷿: «وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ»
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عُمَارَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بن عرعرة، [عن على ابن ابى طالب ع أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِعِمَارَةِ الْبَيْتِ وَالأَذَانِ بِالْحَجِّ فِي النَّاسِ خَرَجَ مِنَ الشَّامِ وَمَعَهُ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ، وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ هاجر، وبعث الله معه السكينة، وهي رِيحٌ لَهَا لِسَانٌ تَكَلَّمُ بِهِ، يَغْدُو مَعَهَا إِبْرَاهِيمُ إِذَا غَدَتْ، وَيَرُوحُ مَعَهَا إِذَا رَاحَتْ، حَتَّى انْتَهَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا أَتَتْ مَوْضِعَ الْبَيْتِ اسْتَدَارَتْ بِهِ، ثُمَّ قَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: ابْنِ عَلَيَّ، ابْنِ عَلَيَّ، ابْنِ عَلَيَّ، فَوَضَعَ إِبْرَاهِيمُ الأَسَاسَ وَرَفَعَ الْبَيْتَ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى مَوْضِعِ الرُّكْنِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ لإِسْمَاعِيلَ: يَا بُنَيَّ، ابْغِ لِي حَجَرًا أَجْعَلُهُ عَلَمًا لِلنَّاسِ، فَجَاءَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَرْضَهُ وَقَالَ: ابْغِنِي غَيْرَ هَذَا، فَذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ لِيَلْتَمِسَ لَهُ حَجَرًا، فَجَاءَهُ وَقَدْ أُتِيَ بِالرُّكْنِ، فَوَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ، مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا الْحَجَرِ؟ قَالَ: مَنْ لَمْ يَكِلْنِي إِلَيْكَ يَا بُنَيَّ] .
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ الَّذِي خَرَجَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ من الشام لدلالته على موضع البيت جبرئيل ع، وَقَالُوا: كَانَ إِخْرَاجُهُ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ لِمَا كَانَ مِنْ غَيْرَةِ سَارَّةَ بِسَبَبِ وِلادَةِ هَاجَرَ مِنْهُ إِسْمَاعِيلَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه أن سارة قالت لإبراهيم: تسر هاجر، فقد أذنت لك فوطئها، فحملت بإسماعيل، ثم إنه وقع على سارة فحملت بإسحاق، فلما ولدته وكبر اقتتل هو وإسماعيل، فغضبت سارة
[ ١ / ٢٥٣ ]
على أم إسماعيل، وغارت عليها، فأخرجتها، ثم إنها دعتها فأدخلتها ثم غضبت أيضا فأخرجتها ثم أدخلتها، وحلفت لتقطعن منها بضعة، فقالت:
أقطع أنفها، أقطع أذنها، فيشينها ذلك، ثم قالت: لا بل أخفضها، فقطعت ذلك منها، فاتخذت هاجر عند ذلك ذيلا تعفي به عن الدم، فلذلك خفضت النساء، واتخذت ذيولا، ثم قالت: لا تساكني في بلد وأوحى الله إلى إبراهيم أن يأتي مكة، وليس يومئذ بمكة بيت، فذهب بها إلى مكة وابنها فوضعهما، وقالت له هاجر: إلى من تركتنا هاهنا؟ ثم ذكر خبرها، وخبر ابنها.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله ﷿ لما بوأ لإبراهيم مكان البيت ومعالم الحرم، فخرج وخرج معه جبرئيل، يقال: كان لا يمر بقرية إلا قال: بهذه امرت يا جبرئيل: فيقول: جبرئيل:
امضه، حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عصاه سلم وسمر، وبها أناس يقال لهم العماليق، خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدره، فقال ابراهيم لجبرئيل: اهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا فقال: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ» إلى- «لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» ثم انصرف إلى أهله بالشام وتركهما عند البيت، قال: فظمئ إسماعيل ظمأ شديدا، فالتمست له أمه ماء فلم تجده، فاستسمعت: هل تسمع صوتا؟ لتلتمس له شرابا، فسمعت كالصوت عند الصفا، فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئا، ثم سمعت صوتا نحو المروة،
[ ١ / ٢٥٤ ]
فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئا، ويقال: بل قامت على الصفا تدعو الله وتستغيثه لإسماعيل، ثم عمدت إلى المروة ففعلت ذلك ثم إنها سمعت أصوات سباع الوادي نحو إسماعيل حيث تركته، فأقبلت إليه تشتد، فوجدته يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يده، فشرب منها، وجاءتها أم إسماعيل فجعلتها حسيا، ثم استقت منها في قربتها تذخره لإسماعيل، فلولا الذي فعلت ما زالت زمزم معينا طاهرا ماؤها أبدا قال مجاهد: ولم نزل نسمع أن زمزم هزمه جبرئيل بعقبه لإسماعيل حين ظمئ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ جَرَّ الذُّيُولِ لَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: لَمَّا فَرَّتْ مِنْ سَارَةَ أَرْخَتْ ذَيْلَهَا لِتُعْفِيَ أَثَرَهَا، فَجَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَمَعَهَا إِسْمَاعِيلُ حَتَّى انْتَهَى بِهِمَا إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ، فَوَضَعَهُمَا ثُمَّ رَجَعَ، فَاتَّبَعَتْهُ فَقَالَتْ: إِلَى أَيِّ شَيْءٍ تَكِلُنَا؟ إِلَى طَعَامٍ تَكِلُنَا؟ إِلَى شَرَابٍ تَكِلُنَا؟ لا يَرُدُّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ:
آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذًا لا يُضَيِّعُنَا، قَالَ: فَرَجَعَتْ وَمَضَى حَتَّى إِذَا اسْتَوَى عَلَى ثَنِيَّةِ كُدَاءٍ، أَقْبَلَ عَلَى الْوَادِي فَقَالَ: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ» الآيَةَ قَالَ: وَمَعَ الإِنْسَانَةِ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَنَفِذَ الْمَاءُ، فَعَطِشَتْ فَانْقَطَعَ لَبَنُهَا، فَعَطِشَ الصَّبِيُّ فَنَظَرَتْ: أَيُّ الْجِبَالِ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ، فَصَعِدَتِ الصَّفَا فَتَسَمَّعَتْ:
هَلْ تَسْمَعُ صَوْتًا، أَوْ تَرَى أَنِيسًا؟ فَلَمْ تَسْمَعْ شَيْئًا فَانْحَدَرَتْ، فَلَمَّا
[ ١ / ٢٥٥ ]
أَتَتْ عَلَى الْوَادِي سَعَتْ- وَمَا تُرِيدُ السَّعْيَ- كَالإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ الَّذِي يَسْعَى وَمَا يُرِيدُ السَّعْيَ، فَنَظَرَتْ أَيُّ الْجِبَالِ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ، فَصَعِدَتِ الْمَرْوَةَ، فَتَسَمَّعَتْ: هَلْ تَسْمَعُ صَوْتًا أَوْ تَرَى أَنِيسًا؟ فَسَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ كَالإِنْسَانِ الَّذِي يُكَذِّبُ سَمِعَهُ: صَهٍ! حَتَّى اسْتَيْقَنَتْ، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَنِي صَوْتَكَ فَأَغِثْنِي، فَقَدْ هَلَكْتُ وَهَلَكَ مَنْ مَعِي، فَجَاءَ الْمَلَكُ بِهَا حَتَّى انْتَهَى بِهَا إِلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ فَفَارَتْ عَيْنًا، فَعَجِلَتِ الإِنْسَانَةُ تُفْرِغُ فِي شَنَّتِهَا، [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْلا أَنَّهَا عَجَّلَتْ لَكَانَتْ زَمْزَمَ عَيْنًا مَعِينًا] .
وَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لا تَخَافِي الظَّمَأَ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، فإنها عين يشرب ضيفان الله منها، وَقَالَ: إِنَّ أَبَا هَذَا الْغُلامِ سَيَجِيءُ فَيَبْنِيَانِ لِلَّهِ بَيْتًا هَذَا مَوْضِعُهُ.
قَالَ: وَمَرَّتْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ تُرِيدُ الشَّامَ، فَرَأَوُا الطَّيْرَ عَلَى الْجَبَلِ، فَقَالُوا:
إِنَّ هَذَا الطَّيْرَ لَعَائِفٌ عَلَى مَاءٍ، فَهَلْ عَلِمْتُمْ بِهَذَا الْوَادِي مِنْ مَاءٍ؟ فَقَالُوا: لا، فَأَشْرَفُوا فَإِذَا هُمْ بِالإِنْسَانَةِ، فَأَتَوْهَا فَطَلَبُوا إِلَيْهَا أَنْ يَنْزِلُوا مَعَهَا، فَأَذِنَتْ لَهُمْ، قَالَ: وَأَتَى عَلَيْهَا مَا يَأْتِي عَلَى هَؤُلاءِ النَّاسِ مِنَ الْمَوْتِ، فَمَاتَتْ وَتَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ فَسَأَلَ عَنْ مَنْزِلِ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى دُلَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَوَجَدَ امْرَأَةً لَهُ فَظَّةً غَلِيظَةً، فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زوجك فقولي له: جاء هاهنا شَيْخٌ مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّهُ يَقُولُ لَكَ: إِنِّي لا أَرْضَى لَكَ عَتَبَةَ بَابِكَ فحولها، وانطلق فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: ذَلِكَ أَبِي، وَأَنْتِ عَتَبَةُ بَابِي فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أُخْرَى منهم، وجاء ابراهيم حتى
[ ١ / ٢٥٦ ]
انْتَهَى إِلَى مَنْزِلِ إِسْمَاعِيلَ فَلَمْ يَجِدْهُ وَوَجَدَ امْرَأَةً لَهُ سَهْلَةً طَلِيقَةً فَقَالَ لَهَا:
أَيْنَ انْطَلَقَ زَوْجُكِ؟ فَقَالَتِ: انْطَلَقَ إِلَى الصَّيْدِ، قَالَ: فَمَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ:
اللَّحْمُ وَالْمَاءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي لَحْمِهِمْ وَمَائِهِمْ، ثَلاثًا وَقَالَ لها: إذا جاء زوجك فاخبريه، قولي له جاء هاهنا شَيْخٌ مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّهُ يَقُولُ لَكَ: قَدْ رَضِيتُ لَكَ عَتَبَةَ بَابِكَ، فَأَثْبِتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَتْهُ، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ الثَّالِثَةَ، فَرَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بن السائب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ إِبْرَاهِيمُ نَبِيُّ اللَّهِ بِإِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ فَوَضَعَهُمَا بِمَكَّةَ فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فلما مضى نادته هاجر: يا ابراهيم، انما أَسْأَلُكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تَضَعَنِي بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا زَرْعٌ وَلا ضَرْعٌ وَلا أَنِيسٌ وَلا مَاءٌ وَلا زَادٌ؟ قَالَ: رَبِّي أَمَرَنِي، قَالَتْ: فَإِنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَنَا، قَالَ: فَلَمَّا قَفَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: «رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَما نُعْلِنُ» يَعْنِي مِنَ الْحُزْنِ «وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ» فَلَمَّا ظَمِئَ إِسْمَاعِيلُ جَعَلَ يَدْحَصُ الأَرْضَ بِعَقِبِهِ فَذَهَبَتْ هَاجَرُ حَتَّى عَلَتِ الصَّفَا، وَالْوَادِي يَوْمَئِذٍ لأخ- يعنى عمبق- فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَأَشْرَفَتْ لِتَنْظُرَ: هَلْ تَرَى شَيْئًا؟ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَانْحَدَرَتْ فَبَلَغَتِ الْوَادِي، فَسَعَتْ فِيهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْهُ، فَأَتَتِ الْمَرْوَةَ فَصَعِدَتْ فَاسْتَشْرَفَتْ: هَلْ تَرَى شَيْئًا؟ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَتْ مِنَ الْمَرْوَةِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ يَدْحَصُ الأَرْضَ بِعَقِبِهِ، وَقَدْ نَبَعَتِ الْعَيْنُ
[ ١ / ٢٥٧ ]
وَهِيَ زَمْزَمُ، فَجَعَلَتْ تَفْحَصُ الأَرْضَ بِيَدِهَا عَنِ الْمَاءِ، وَكُلَّمَا اجْتَمَعَ مَاءٌ أَخَذَتْهُ بِقَدَحِهَا، فَأَفْرَغَتْهُ في سقائها، قال: [فقال النبي ص:
يَرْحَمُهَا اللَّهُ! لَوْ تَرَكَتْهَا لَكَانَتْ عَيْنًا سَائِحَةً تَجْرِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ] .
قَالَ: وَكَانَتْ جُرْهُمُ يَوْمَئِذٍ بِوَادٍ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ: وَلَزِمَتِ الطَّيْرُ الْوَادِي حِينَ رَأَتِ الْمَاءَ، فَلَمَّا رَأَتْ جُرْهُمُ الطَّيْرَ لَزِمَتِ الْوَادِي، قَالُوا مَا لَزِمَتْهُ إِلا وَفِيهِ مَاءٌ، فَجَاءُوا إِلَى هَاجَرَ، فَقَالُوا: لو شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك، قَالَتْ: نَعَمْ! فَكَانُوا مَعَهَا حَتَّى شَبَّ إِسْمَاعِيلُ وَمَاتَتْ هَاجَرُ، فَتَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ امْرَأَةً مِنْ جُرْهُمَ، قَالَ: فَاسْتَأْذَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَّةَ أَنْ يَأْتِيَ هَاجَرَ، فأذنت له، وشرطت عليه الا يَنْزِلَ، وَقَدِمَ إِبْرَاهِيمُ- وَقَدْ مَاتَتْ هَاجَرُ- إِلَى بَيْتِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ: ليس هاهنا، ذَهَبَ يَتَصَيَّدُ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ فَيَتَصَيَّدُ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ:
هَلْ عِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟ هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ؟ قَالَتْ: لَيْسَ عِنْدِي وَمَا عِنْدِي أَحَدٌ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلامَ، وَقُولِي لَهُ: فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، وَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَجَاءَ إِسْمَاعِيلُ، فَوَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: جَاءَنِي شَيْخٌ صِفَتُهُ كَذَا- وَكَذَا كَالْمُسْتَخِفَّةِ بِشَأْنِهِ- قَالَ: فَمَا قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ: قَالَ لِي: أَقْرِئِي زَوْجَكِ السَّلامَ، وَقُولِي لَهُ: فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ أُخْرَى، فَلَبِثَ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ سَارَّةَ أَنْ يَزُورَ إِسْمَاعِيلَ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَلا يَنْزِلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ:
ذَهَبَ يَتَصَيَّدُ وَهُوَ يَجِيءُ الآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَانْزِلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ! قَالَ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ عِنْدَكِ خُبْزٌ أَوْ بُرٌّ أَوْ شَعِيرٌ أَوْ تَمْرٌ؟
قَالَ: فَجَاءَتْ بِاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ، فَدَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ، فَلَوْ جَاءَتْ يَوْمَئِذٍ بِخُبْزٍ
[ ١ / ٢٥٨ ]
او بر او شعير او تمر لكانت اكثر ارض الله برا وشعيرا وتمرا، فَقَالَتِ:
انْزِلْ حَتَّى أَغْسِلَ رَأْسَكَ، فَلَمْ يَنْزِلْ، فَجَاءَتْهُ بِالْمَقَامِ فَوَضَعَتْهُ عَنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَبَقِيَ أَثَرُ قَدَمِهِ عَلَيْهِ، فَغَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ الأَيْمَنَ، ثُمَّ حَوَّلَتِ الْمَقَامَ إِلَى شقه الأيسر، فغسلت شِقِّهِ الأَيْسَرِ، فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلامَ، وَقُولِي لَهُ: قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ وَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، شَيْخٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبَهُمْ رِيحًا، فَقَالَ لِي: كَذَا وَكَذَا، وَقُلْتُ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، وَغَسَلْتُ رَأْسَهُ، وَهَذَا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ عَلَى الْمَقَامِ، قَالَ: وَمَا قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ: قَالَ لِي: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلامَ، وَقُولِي لَهُ: قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ، قَالَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ، فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ وَأَمَرَهُ اللَّهُ ﷿ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ، فَبَنَاهُ هُوَ واسماعيل، فلما بنياه قيل: «أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ»، فجعل لا يمر بقوم الا قال: يا ايها النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ بُنِيَ لَكُمْ بَيْتٌ فَحُجُّوهُ، فَجَعَلَ لا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ، لا صَخْرَةٌ وَلا شَجَرَةٌ وَلا شَيْءٌ إِلا قَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبيك قال: وَكَانَ بَيْنَ قَوْلِهِ: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ»، وَبَيْنَ قَوْلِهِ:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ» كَذَا وَكَذَا عَامًا، لَمْ يَحْفَظْ عَطَاءٌ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَثِيرَ بْنَ كَثِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ- يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ- فَوَجَدَ إِسْمَاعِيلَ يُصْلِحُ نَبْلا لَهُ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ رَبَّكَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: فَأَطِعْ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ، فَقَالَ ابراهيم:
[ ١ / ٢٥٩ ]
قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ قَالَ: إِذًا أَفْعَلُ، قَالَ: فَقَامَ مَعَهُ، فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِيهِ وَإِسمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَيَقُولانِ: «رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ رَفْعِ الْحِجَارَةِ قَامَ عَلَى حَجَرٍ، وَهُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ وَيَقُولانِ: «تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» .
فَلَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿ بِبِنَائِهِ، أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهُ: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ- فِيمَا ذَكَرَ لَنَا- مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ، قِيلَ لَهُ: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قال: اذن وعلى البلاغ، فنادى ابراهيم: يا ايها النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، قَالَ: فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ: أَفَلا تَرَى النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ يُلَبُّونَ! حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ الضَّبِّيُّ، عَنْ عَطَاءِ بن السائب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ أَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَيْهِ: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ:
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا، وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَحُجُّوهُ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْءٍ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ أَكَمَةٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ شَيْءٍ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ! حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ واضح، قال: حدثنا الحسين ابن وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ»، قال: قام ابراهيم ع خليل الله على الحجر فنادى:
[ ١ / ٢٦٠ ]
يا ايها النَّاسُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَأَسْمَعَ مَنْ فِي أَصْلابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَأَجَابَهُ مَنْ آمَنَ مِمَّنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَحُجَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ! حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سفيان، عن سلمة، عن مجاهد، قال: قيل لإبراهيم: أذن في الناس بالحج، فقال:
يا رب، كيف أقول؟ قال: قل: لبيك اللهم لبيك، قال: فكانت أول التلبية.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمر ابن عبد الله بن عروة، أن عبد الله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثي: كيف بلغك أن إبراهيم دعا إلى الحج؟ قال: بلغني أنه لما رفع هو وإسماعيل قواعد البيت، وانتهى إلى ما أراد الله من ذلك، وحضر الحج استقبل اليمن، فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب: أن لبيك اللهم لبيك! ثم استقبل المشرق فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب: أن لبيك اللهم! ثم إلى المغرب فدعا إلى الله وإلى حج بيته، فأجيب: أن لبيك اللهم لبيك! ثم إلى الشام فدعا إلى الله ﷿ وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك، ثم خرج بإسماعيل وهو معه يوم التروية، فنزل به منى ومن معه من المسلمين، فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بهم حتى أصبح، فصلى بهم صلاة الفجر، ثم غدا بهم إلى عرفة، فقال بهم هنالك، حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة، فوقف بهم على الأراك، وهو الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام يريه ويعلمه، فلما غربت الشمس دفع به وبمن معه حتى أتى المزدلفة، فجمع فيها بين الصلاتين:
المغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بها وبمن معه، حتى إذا طلع الفجر صلى بهم صلاة الغداة، ثم وقف به على قزح من المزدلفة فيمن معه، وهو الموقف
[ ١ / ٢٦١ ]
الذي يقف به الإمام حتى إذا أسفر دفع به وبمن معه يريه ويعلمه كيف يصنع، حتى رمى الجمرة الكبرى، وأراه المنحر من منى، ثم نحر وحلق، ثم أفاض به من منى ليريه كيف يطوف، ثم عاد به إلى منى ليريه كيف يرمي الجمار، حتى فرغ له من الحج وأذن به في الناس.
قال أبو جعفر: وقد روى عن رسول الله ص وعن بعض اصحابه ان جبرئيل هو الذي كان يري إبراهيم المناسك إذا حج ذكر الرواية بذلك عن رسول الله:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ موسى- وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى- قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ أَبِي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، [عن النبي ص قال:
اتى جبرئيل إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَرَاحَ بِهِ إِلَى مِنًى، فَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةَ وَالْفَجْرَ بِمِنًى، ثُمَّ غَدَا بِهِ إِلَى عَرَفَاتٍ، فَأَنْزَلَهُ الأَرَاكَ- أَوْ حَيْثُ يَنْزِلُ النَّاسُ- فَصَلَّى بِهِ الصَّلاتَيْنِ جَمِيعًا: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ وَقَفَ بِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ كَأَعْجَلِ مَا يُصَلِّي أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ الْمَغْرِبَ، أَفَاضَ حَتَّى أَتَى بِهِ جَمْعًا، فَصَلَّى بِهِ الصَّلاتَيْنِ جَمِيعًا: الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى إِذَا كَانَ كَأَعْجَلِ مَا يُصَلِّي أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ الْفَجْرَ صَلَّى بِهِ، ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى إِذَا كَانَ كَأَبْطَأ مَا يُصَلِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْفَجْرَ أَفَاضَ بِهِ إِلَى مِنًى، فَرَمَى الْجَمْرَةَ، ثُمَّ ذَبَحَ وَحَلَقَ، ثُمَّ أَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ أَوْحَى الله ﷿ الى محمد ص: «أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ]» .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص نحوه
[ ١ / ٢٦٢ ]
ثم إن الله تعالى ذكره ابتلى خليله ابراهيم ع بذبح ابنه.
واختلف السلف من علماء أمة نبينا ص في الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه، فقال بعضهم: هو إسحاق بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن إبراهيم، وقد روي عن رسول الله ص كلا القولين، لو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره، غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي رويت عنه ص أنه قال: هو إسحاق أوضح وأبين منه على صحة الأخرى.
والرواية التي رويت عنه أنه قال: هو إسحاق حَدَّثَنَا بِهَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنِ الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنِ [النبي ص فِي حَدِيثٍ ذُكِرَ فِيهِ: «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» قَالَ: هُوَ إِسْحَاقُ] .
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ أَصْلَحَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعَبَّاسِ غَيْرُ مرفوع الى رسول الله ص.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كريب قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بن عبد المطلب: «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» قَالَ: هُوَ إِسْحَاقُ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ أَنَّهُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ، فَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْخَطَّابِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُتْبِيِّ مِنْ وَلَدِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، قَالَ: كُنَّا عند معاويه
[ ١ / ٢٦٣ ]
ابن أَبِي سُفْيَانَ، فَذَكَرُوا الذَّبِيحَ: إِسْمَاعِيلَ أَوْ إِسْحَاقَ؟ فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتُمْ، كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله ص، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عُدَّ على مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين، فضحك رسول الله ص، فَقِيلَ لَهُ: [وَمَا الذَّبِيحَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا أَمَرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ: لِئَنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهَا لَيَذْبَحَنَّ أَحَدَ وَلَدِهِ، قَالَ: فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أَخْوَالُهُ وَقَالُوا: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ، فَفَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ وَإِسْمَاعِيلُ الثَّانِي] .
وَنَذْكُرُ الآنَ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ إِنَّهُ إِسْحَاقُ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ إِسْمَاعِيلُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ هُوَ إِسْحَاقُ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عظيم» قَالَ: هُوَ إِسْحَاقُ.
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الطَّحَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ دَاوُدَ ابن أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إِبْرَاهِيمُ هُوَ إِسْحَاقُ.
حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ:
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الذَّبِيحُ هُوَ إِسْحَاقُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» قَالَ: هُوَ إِسْحَاقُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر، قال: حدثنا شعبة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، قَالَ: افْتَخَرَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَنَا فُلانُ ابْنُ فُلانِ ابْنِ الأَشْيَاخِ الْكِرَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسحاق، ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله
[ ١ / ٢٦٤ ]
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، قال: حدثنا محمد ابن إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ كَعْبٍ، فِي قَوْلِهِ: «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» قَالَ:
مِنَ ابْنِهِ إِسْحَاقَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الله بن أبي بكر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيِّ، حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ، أَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إِبْرَاهِيمُ مِنَ ابْنَيْهِ إِسْحَاقَ.
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: أَلا أُخْبِرُكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّبِيِّ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
بَلَى، قَالَ كَعْبٌ: لَمَّا أُرِيَ إِبْرَاهِيمُ ذَبْحَ إِسْحَاقَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ أَفْتِنْ عِنْدَ هَذَا آلَ إِبْرَاهِيمَ لا أَفْتِنْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَبَدًا، فَتَمَثَّلَ الشَّيْطَانُ لَهُمْ رَجُلا يَعْرِفُونَهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى إِذَا خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْحَاقَ لِيَذْبَحَهُ دَخَلَ عَلَى سَارَّةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ أَصْبَحَ إِبْرَاهِيمُ غَادِيًا بِإِسْحَاقَ؟ قَالَتْ: غَدَا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لا وَاللَّهِ مَا لِذَلِكَ غَدَا بِهِ، قَالَتْ سَارَّةُ: فَلِمَ غَدَا بِهِ؟
قَالَ: غَدَا بِهِ لِيَذْبَحَهُ، قَالَتْ سَارَّةُ: لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، لَمْ يَكُنْ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ، قَالَ الشَّيْطَانُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَتْ سَارَّةُ: فَلِمَ يَذْبَحُهُ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَتْ ساره: فهذا حسن بِأَنْ يُطِيعَ رَبَّهُ إِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ.
فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ عِنْدِ سَارَّةَ حَتَّى أَدْرَكَ إِسْحَاقَ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى أَثَرِ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَصْبَحَ أَبُوكَ غَادِيًا بِكَ؟ قَالَ: غَدَا بِي لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لا وَاللَّهِ، مَا غَدَا بِكَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، وَلَكِنَّهُ غَدَا بِكَ لِيَذْبَحَكَ
[ ١ / ٢٦٥ ]
قَالَ إِسْحَاقُ: مَا كَانَ أَبِي لِيَذْبَحَنِي، قَالَ: بَلَى، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ امره بذلك، قال إسحاق: فو الله لِئَنْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لَيُطِيعَنَّهُ، فَتَرَكَهُ الشَّيْطَانُ وَأَسْرَعَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: أَيْنَ أَصْبَحْتَ غَادِيًا بِابْنِكَ؟ قَالَ: غَدَوْتُ بِهِ لِبَعْضِ حَاجَتِي، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا غَدَوْتَ بِهِ إِلا لِتَذْبَحَهُ، قَالَ: لِمَ أَذْبَحُهُ؟
قَالَ: زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ أَمَرَكَ بذلك، قال: فو الله لِئَنْ كَانَ أَمَرَنِي رَبِّي لأَفْعَلَنَّ، قَالَ: فَلَمَّا أَخَذَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ لِيَذْبَحَهُ وَسَلَّمَ إِسْحَاقُ أَعْفَاهُ اللَّهُ، وَفَدَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لإِسْحَاقَ: قُمْ أَيْ بُنَيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْفَاكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِسْحَاقَ: إِنِّي أُعْطِيكَ دَعْوَةً أَسْتَجِيبُ لَكَ فِيهَا، قَالَ إِسْحَاقُ: اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَدْعُوكَ أَنْ تَسْتَجِيبَ لِي: أَيُّمَا عَبْدٍ لَقِيَكَ من الأولين والآخرين لا يشرك بك شَيْئًا فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ.
حَدَّثَنِي عمرو بن علي، قال، حَدَّثَنَا أبو عاصم، قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، قال: [قال موسى: يا رب، يقولون يا إله ابراهيم وإسحاق ويعقوب، فيم قالوا ذلك؟ قال:
إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن] .
حَدَّثَنَا ابن بشار، قال: حَدَّثَنَا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن زيد ابن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: [قال موسى: أي رب بم أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما أعطيتهم؟ فذكر نحوه] .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، قَالَ: هُوَ إِسْحَاقُ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، قَالَ: الذَّبِيحُ هُوَ إِسْحَاقُ.
حَدَّثَنَا أبو كريب، قال: حَدَّثَنَا سفيان بن عقبة، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: قال يوسف للملك في وجهه ترغب
[ ١ / ٢٦٦ ]
أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله! حَدَّثَنَا أبو كريب، قال: حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل، قال: قال يوسف للملك، فذكر نحوه.
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود- وعن ناس من اصحاب النبي ص، ان ابراهيم ع أُرِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: أَوْفِ نَذْرَكَ الَّذِي نَذَرْتَ: إِنْ رَزَقَكَ اللَّهُ غُلامًا مِنْ سَارَّةَ أَنْ تَذْبَحَهُ.
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ وَشُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَسْرُوقٍ فِي قَوْلِهِ: «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» قَالَ:
هُوَ إِسْحَاقُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ:
حَدَّثَنَا أبو كريب وإسحاق بن إِبْرَاهِيمَ بن حبيب بن الشهيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،، قَالَ:
الذَّبِيحُ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا بَيَانٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»، قَالَ: إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ السُّكَّرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
[ ١ / ٢٦٧ ]
قَالَ: إِنَّ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي:
«وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ.
وحدثني بِهِ يَعْقُوبُ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: سُئِلَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ: أَيُّ ابْنَيْ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ؟ فَزَعَمَ أَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر، قال: حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ بَيَانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي، فَدَاهُ اللَّهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، قَالَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»، قَالَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ.
وحدثني يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ:، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: الْمُفَدَّى إِسْمَاعِيلُ، وَزَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ إِسْحَاقُ، وَكَذَبَتِ الْيَهُودُ.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الَّذِي فَدَاهُ اللَّهُ ﷿ قَالَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الْغَنَوِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ
[ ١ / ٢٦٨ ]
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: الَّذِي أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ ذَبْحَهُ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هذه الآية «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»، قَالَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ، قَالَ:
وَكَانَ قَرْنَا الْكَبْشِ مَنُوطَيْنِ بِالْكَعْبَةِ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: الذَّبِيحُ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْكَعْبَةِ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قَالَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هشم، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ:
«وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»، قَالَ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله ﷿ إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله ﷿ في قصة الخبر عن إبراهيم وما أمر به من ذبح ابنه، أنه إسماعيل، وذلك أن الله ﷿ يقول حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: «وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» ويقول: «فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ
[ ١ / ٢٦٩ ]
يَعْقُوبَ»، يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق، وله فيه من الله من الموعود ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثنا مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي، أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز، وهو خليفة إذ كان معه بالشام، فقال له عمر: ان هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم، فحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علماء اليهود فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك قال محمد بن كعب القرظي: وأنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟
فقال: إسماعيل، والله يا أمير المؤمنين، إن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره على ما أمر به، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، لأن إسحاق أبوهم.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن البصري، أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول ذلك كثيرا.
وأما الدلالة من القرآن التي قلنا إنها على أن ذلك إسحاق أصح، فقوله تعالى مخبرا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى ربه الى الشام مع زوجته
[ ١ / ٢٧٠ ]
ساره، فقال: «إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ»، وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له أم إسماعيل، ثم أتبع ذلك ربنا ﷿ الخبر عن إجابته دعاءه، وتبشيره إياه بغلام حليم، ثم عن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعى، ولا يعلم في كتاب ذكر لتبشير ابراهيم بولد ذكر إلا بإسحاق، وذلك قوله: «وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» وقوله: «فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ» ثم ذلك كذلك في كل موضع ذكر فيه تبشير إبراهيم بغلام، فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارة، فالواجب أن يكون ذلك في قوله: «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره اياه به من زوجته سارة.
وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يكن يأمر إبراهيم بذبح إسحاق، وقد أتته البشارة من الله قبل ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده، فإنها علة غير موجبة صحة ما قال، وذلك أن الله إنما أمر إبراهيم بذبح إسحاق بعد إدراك إسحاق السعي وجائز أن يكون يعقوب ولد له قبل أن يؤمر أبوه بذبحه، وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقا في الكعبة، وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة فعلق هنالك