فكان أول ذلك قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل، وأهل العلم يختلفون في اسم قابيل، فيقول بعضهم: هو قين بن آدم، ويقول بعضهم: هو قايين ابن آدم ويقول بعضهم: هو قاين ويقول بعضهم: هو قابيل.
واختلفوا أيضا في السبب الذي من أجله قتله:
فقال بعضهم في ذلك مَا حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بن هارون الهمداني، قال:
حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي- في خبر ذكره- عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس- وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب رسول الله ص، قَالَ: كَانَ لا يُولَدُ لآدَمَ مَوْلُودٌ إِلا وُلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ، فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلامَ هَذَا البطن جاريه هذا البطن الآخر ويزوج جاريه هذا البطن غلام هَذَا الْبَطْنِ الآخَرِ، حَتَّى وُلِدَ لَهُ ابْنَانِ، يُقَالُ لَهُمَا قَابِيلُ وَهَابِيلُ، وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ ضَرْعٍ، وَكَانَ قَابِيلُ أَكْبَرَهُمَا، وَكَانَتْ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنَ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَإِنَّ هَابِيلَ طَلَبَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قَابِيلَ، فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي وُلِدَتْ مَعِي، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ، وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا، فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا هَابِيلَ، فَأَبَى وَإِنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ، وَكَانَ
[ ١ / ١٣٧ ]
آدَمُ يَوْمَئِذٍ قَدْ غَابَ عَنْهُمَا وَأَتَى مَكَّةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ لآدَمَ: يَا آدَمُ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لا، قَالَ: فَإِنَّ لِي بَيْتًا بِمَكَّةَ فَأْتِهِ، فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ: احْفَظِي وَلَدَيَّ بِالأَمَانَةِ، فَأَبَتْ، وَقَالَ لِلأَرْضِ فَأَبَتْ، وَقَالَ لِلْجِبَالِ: فَأَبَتْ، فَقَالَ لِقَابِيلَ، فَقَالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَتَجِدُ أَهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ فَلَمَّا انْطَلَقَ آدَمُ قَرَّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَ قَابِيلُ يَفْخَرُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ هِيَ أُخْتِي، وَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكَ، وَأَنَا وَصِيُّ وَالِدِي، فَلَمَّا قَرَّبَا، قَرَّبَ هَابِيلُ جَذَعَةَ سَمِينَةً، وَقَرَّبَ قَابِيلُ حِزْمَةَ سُنْبُلٍ، فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَةً عَظِيمَةً فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا، فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لأَقْتُلَنَّكَ حَتَّى لا تَنْكِحَ أُخْتِي، فَقَالَ هَابِيلُ:
«إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ»، إِلَى قَوْلِهِ: «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ»، فَطَلَبَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَرَاغَ الْغُلامُ مِنْهُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأَتَاهُ يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ وَهُوَ يَرْعَى غَنَمَهُ فِي جَبَلٍ وَهُوَ نَائِمٌ، فَرَفَعَ صَخْرَةً فَشَدَخَ بِهَا رَأْسَهُ، فَمَاتَ وَتَرَكَهُ بِالْعَرَاءِ، لا يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ فَاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَحَفَرَ لَهُ ثُمَّ حثا عليه، فلما رآه قال: «يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي»، فَهُوَ قَوْلُهُ ﷿: «فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ» فَرَجَعَ آدَمُ فَوَجَدَ ابْنَهُ قَدْ قَتَلَ أَخَاهُ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ ﷿: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ» - إِلَى آخِرِ الآيَةِ- «إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا
» يَعْنِي قَابِيلَ حِينَ حَمَلَ أَمَانَةَ آدَمَ، ثُمَّ لَمْ يَحْفَظْ لَهُ أَهْلَهُ
[ ١ / ١٣٨ ]
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ آدَمَ كَانَ يُولَدُ لَهُ مِنْ حَوَّاءَ فِي كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَ الذَّكَرُ منهما زوج منه ولده الأُنْثَى الَّتِي وُلِدَتْ مَعَ أَخِيهِ الَّذِي وُلِدَ فِي الْبَطْنِ الآخَرِ، قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ.
فَرَغِبَ قَابِيلُ بِتَوْءَمَتِهِ عَنْ هَابِيلَ.
كَمَا حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال:
حدثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَرْمِي الْجَمْرَةَ، وَهُوَ متقنع متوكى عَلَى يَدِي، حَتَّى إِذَا وَازَيْنَا بِمَنْزِلِ سَمُرَةَ الصَّوَّافِ، وَقَفَ يُحَدِّثُنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نُهِيَ أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ أَخَاهَا تَوْءَمَهَا، وَيَنْكِحُهَا غَيْرُهُ مِنْ إِخْوَتِهَا، وَكَانَ يُولَدُ فِي كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ، فَوُلِدَتِ امْرَأَةٌ وَسِيمَةٌ وَوُلِدَتِ امْرَأَةٌ قَبِيحَةٌ، فَقَالَ أَخُو الدَّمِيمَةِ: أَنْكِحْنِي أُخْتَكَ وَأُنْكِحَكَ أُخْتِي، قَالَ: لا، أَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي، فَقَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ صَاحِبِ الْكَبْشِ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ، فَقَتَلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْكَبْشُ مَحْبُوسًا عِنْدَ اللَّهِ ﷿ حَتَّى أَخْرَجَهُ فِي فِدَاءِ إِسْحَاقَ، فَذَبَحَهُ عَلَى هَذَا الصَّفَا، فِي ثَبِيرٍ، عِنْدَ مَنْزِلِ سَمُرَةَ الصَّوَّافِ، وَهُوَ عَلَى يَمِينِكَ حِينَ تَرْمِي الْجِمَارَ.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ العلم من أهل الكتاب الأول، أن آدم ع كان يغشى حواء في الجنة قبل أن تصيب الخطيئة، فحملت له بقين بن آدم وتوءمته، فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا، ولم تجد عليهما طلقا حين ولدتهما، ولم تر معهما دما لطهر الجنة، فلما أكلا من الشجرة وأصابا المعصية، وهبطا إلى الأرض واطمأنا بها تغشاها، فحملت بهابيل وتوءمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب، ووجدت حين ولدتهما الطلق ورأت معهما الدم، وكانت حواء-
[ ١ / ١٣٩ ]
فيما يذكرون- لا تحمل إلا توءما ذكرا وأنثى، فولدت حواء لآدم أربعين ولدا لصلبه من ذكر وأنثى في عشرين بطنا، وكان الرجل منهم أي أخواته شاء تزوج إلا توءمته التي تولد معه، فإنها لا تحل له، وذلك أنه لم يكن نساء يومئذ إلا أخواتهم وأمهم حواء.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول أن آدم أمر ابنه قينا أن ينكح توءمته هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توءمته قينا، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قين وكره تكرما عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال، نحن ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي- ويقول بعض أهل العلم من أهل الكتاب الأول: بل كانت أخت قين من أحسن الناس، فضن بها عن أخيه، وأرادها لنفسه- والله أعلم أي ذلك كان- فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك، فأبى قين أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بني، فقرب قربانا، ويقرب أخوك هابيل قربانا، فأيكما قبل الله قربانه فهو أحق بها، وكان قين على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قين قمحا، وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه- وبعضهم يقول:
قرب بقره- فأرسل الله جل وعز نارا بيضاء، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قين وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله الله ﷿، فلما قبل الله قربان هابيل- وكان في ذلك القضاء له بأخت قين- غضب قين، وغلب عليه الكبر واستحوذ عليه الشيطان، فاتبع أخاه هابيل، وهو في ماشيته فقتله، فهما اللذان قص الله خبرهما في القرآن على محمد ص، فقال:
«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ» يعني أهل الكتاب «نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا
[ ١ / ١٤٠ ]
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما» إلى آخر القصة، قال: فلما قتله سقط في يديه، ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان- فيما يزعمون- أول قتيل من بني آدم:
«فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي» .
إلى قوله: «ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ» قال: ويزعم أهل التوراة أن قينا حين قتل أخاه هابيل، قال الله له: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبا، فقال الله له: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض! الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها، فتلقت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض، فقال قين: عظمت خطيئتي من أن تغفرها، قد اخرجتنى اليوم عن وجه الارض واتوارى من قدامك، وأكون فزعا تائها في الأرض، وكل من لقيني، قتلني فقال الله ﷿: ليس ذلك كذلك، فلا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحد سبعة، ولكن من قتل قينا يجزي سبعة، وجعل الله في قين آية لئلا يقتله كل من وجده، وخرج قين من قدام الله ﷿ من شرقي عدن الجنة.
وقال آخرون في ذلك: إنما كان قتل القاتل منهما أخاه أن الله ﷿ أمرهما بتقريب قربان، فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل من الآخر، فبغاه الذي لم يتقبل قربانه فقتله.
ذكر من قال ذلك:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر، قال: حدثنا
[ ١ / ١٤١ ]
عَوْفٌ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنَ الآخَرِ كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ حَرْثٍ، وَالآخَرُ صَاحِبَ غَنَمٍ، وَأَنَّهُمَا أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، وَأَنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ أَكْرَمَ غَنَمِهِ وَأَسْمَنَهَا وَأَحْسَنَهَا، طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْحَرْثِ قرب، شر حرثه: الكوزر وَالزِّوَانَ، غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ ﷿ تَقَبَّلَ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْغَنَمِ، وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْحَرْثِ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَقَالَ: أَيْمِ اللَّهِ، إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَنْبَسِطَ إِلَى أَخِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
كَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ، فَبَيْنَا ابْنَا آدَمَ قَاعِدَانِ إِذْ قَالا: لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا! وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ اللَّهُ ﷿ أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَأَكَلَتْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّهُ خَبَتِ النَّارُ، فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَاعِيًا وَالآخَرُ حَرَّاثًا، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ خَيْرَ غَنَمِهِ وَأَسْمَنَهَا، وَقَرْبَ الآخَرُ بَعْضَ زَرْعِهِ، فَجَاءَتِ النار فنزلت بينهما فَأَكَلَتِ الشَّاةَ وَتَرَكَتِ الزَّرْعَ، وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ قَالَ لأَخِيهِ: أَتَمْشِي فِي النَّاسِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَرَّبْتَ قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْكَ وَرُدَّ عَلَيَّ قُرْبَانِي! فَلا وَاللَّهِ لا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيَّ وَإِلَيْكَ وَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقَالَ: لأَقْتُلَنَّكَ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ:
مَا ذَنْبِي! إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ تَكُنْ قِصَّةُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فِي عَهْدِ آدَمَ، وَلا كَانَ القربان
[ ١ / ١٤٢ ]
فِي عَصْرِهِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانَ هَذَانِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالُوا: إِنَّ أَوَّلَ مَيِّتٍ مات في الارض آدم ع، لَمْ يَمُتْ قَبْلَهُ أَحَدٌ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا سفيان بن وكيع، قال: حَدَّثَنَا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن قال الله ﷿ فيهما: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ» من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات.
وقال بعضهم: إن آدم غشي حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوءمته قليما في بطن واحد، ثم هابيل وتوءمته في بطن واحد، فلما شبوا أراد آدم ع أن يزوج أخت قابيل التي ولدت معه في بطن واحد من هابيل، فامتنع من ذلك قابيل، وقربا بهذا السبب قربانا فتقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل، فحسده قابيل، فقتله عند عقبه حرى ثم نزل قابيل من الجبل، آخذا بيد أخته قليما، فهرب بها إلى عدن من أرض اليمن.
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قَالَ: لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ أَخَاهُ هَابِيلَ أَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ ثُمَّ هَبَطَ بِهَا مِنْ جَبَلِ بُوذَ إِلَى الْحَضِيضِ، فَقَالَ آدَمُ لِقَابِيلَ: اذْهَبْ فَلا تَزَالُ مَرْعُوبًا لا تَأْمَنُ مَنْ تَرَاهُ، فَكَانَ لا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ إِلا رَمَاهُ، فَأَقْبَلَ ابْنٌ لِقَابِيلَ أَعْمَى، وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لِلأَعْمَى ابْنُهُ:
هَذَا أَبُوكَ قَابِيلُ، فَرَمَى الأَعْمَى أَبَاهُ قَابِيلَ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ ابْنُ الأَعْمَى: قَتَلْتَ
[ ١ / ١٤٣ ]
يَا أَبَتَاهُ أَبَاكَ، فَرَفَعَ الأَعْمَى يَدَهُ، فَلَطَمَ ابْنَهُ فَمَاتَ ابْنُهُ، فَقَالَ الأَعْمَى: وَيْلٌ لِي! قَتَلْتُ أَبِي بِرَمْيَتِي، وَقَتَلْتُ ابْنِي بِلَطْمَتِي! وَذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ هَابِيلَ قُتِلَ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَأَنَّ قَابِيلَ كَانَ لَهُ يَوْمَ قَتَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَالصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ قتل أخاه من ابنى آدم هو ابن آدَمَ لِصُلْبِهِ، لِنَقْلِ الْحُجَّةِ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ هَنَّادَ بْنَ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ.
- وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: [قَالَ النَّبِيُّ ص: مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا،] وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ- وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي- جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عن النبي ص نَحْوَهُ.
فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ الله ص صِحَّةَ قَوْلِ مَنْ قَالَ:
إِنَّ اللَّذَيْنِ قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ قِصَّتَهُمَا مِنَ ابْنَيْ آدَمَ كَانَا ابْنَيْهِ لِصُلْبِهِ، لأَنَّهُ لا شَكَّ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ- كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ- لَمْ يَكُنِ الَّذِي وُصِفَ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ قَتَلَ أَخَاهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، إِذْ كَانَ الْقَتْلَ فِي بَنِي آدَمَ قَدْ كَانَ قَبْلَ إِسْرَائِيلَ وَوَلَدِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّهُمَا وَلَدَا آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟
[ ١ / ١٤٤ ]
قِيلَ: لا خِلافَ بَيْنَ سَلَفِ عُلَمَاءِ أُمَّتِنَا في ذلك، إذا فَسَدَ قَوْلُ مَنْ قَالَ:
كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَذُكِرَ أَنَّ قَابِيلَ لَمَّا قَتَلَ أَخَاهُ هابيل بكاه آدم ع فَقَالَ- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ بَكَاهُ آدَمُ، فَقَالَ:
تَغَيَّرَتِ الْبِلادُ ومن عليها فوجه الأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ
تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ وَلَوْنٍ وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحِ
قَالَ: فَأُجِيبَ آدم ع:
أَبَا هَابِيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعًا وَصَارَ الْحَيُّ كَالْمَيْتِ الذَّبِيحِ
وَجَاءَ بِشِرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا عَلَى خَوْفٍ فَجَاءَ بِهَا يَصِيحُ
وَذُكِرَ أَنَّ حواء ولدت لادم ع عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَطْنٍ، أَوَّلُهُمْ قَابِيلُ وَتَوْءَمَتُهُ قلِيمَا، وَآخِرُهُمْ عَبْدُ الْمُغِيثِ وَتَوْءَمَتُهُ أَمَةُ الْمُغِيثِ.
وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَذُكِرَ عَنْهُ مَا قَدْ ذَكَرْتُ قَبْلُ، وَهُوَ أَنَّ جَمِيعَ مَا وَلَدَتْهُ حَوَّاءُ لآدَمَ لِصُلْبِهِ أَرْبَعُونَ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فِي عِشْرِينَ بَطْنًا، وَقَالَ: قَدْ بَلَغَنَا أَسْمَاءُ بَعْضِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْنَا بَعْضٌ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
فكان من بلغنا اسمه خمسة عشر رجلا وأربع نسوة، منهم قين وتوءمته، وهابيل وليوذا وأشوث بنت آدم وتوءمها، وشيث وتوءمته، وحزورة وتوءمها، على
[ ١ / ١٤٥ ]
ثلاثين ومائه سنه من عمره ثم اباد بن آدم وتوءمته، ثم بالغ بن آدم وتوءمته، ثم أثاثي بن آدم وتوءمته، ثم توبه بن آدم وتوءمته، ثم بنان ابن آدم وتوءمته، ثم شبوبة بن آدم وتوءمته، ثم حيان بن آدم وتوءمته، ثم ضرابيس بن آدم وتوءمته، ثم هذر بن آدم وتوءمته، ثم يحود بن آدم وتوءمته، ثم سندل بن آدم وتوءمته، ثم بارق بن آدم وتوءمته، كل رجل منهم تولد معه امرأة في بطنه الذي يحمل به فيه.
وقد زعم أكثر علماء الفرس أن جيومرت هو آدم، وزعم بعضهم أنه ابن آدم لصلبه من حواء.
وقال فيه غيرهم أقوالا كثيرة، يطول بذكر أقوالهم الكتاب، وتركنا ذكر ذلك إذ كان قصدنا في كتابنا هذا ذكر الملوك وأيامهم، وما قد شرطنا في كتابنا هذا أنا ذاكروه فيه، ولم يكن ذكر اختلاف المختلفين في نسب ملك من جنس ما أنشأنا له صنعة الكتاب، فإن ذكرنا من ذلك شيئا فلتعريف من ذكرنا، ليعرفه من لم يكن به عارفا، فأما ذكر الاختلاف في نسبه فإنه غير المقصود به في كتابنا هذا.
وقد خالف علماء الفرس فيما قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم أنه آدم، ووافق علماء الفرس على اسمه وخالفه في عينه وصفته، فزعم أن
[ ١ / ١٤٦ ]
جيومرت الذى زعمت الفرس انه آدم ع انما هو جامر بن يافث ابن نوح، وأنه كان معمرا سيدا، نزل جبل دنباوند من جبال طبرستان من أرض المشرق، وتملك بها وبفارس، ثم عظم أمره وأمر ولده، حتى ملكوا بابل، وملكوا في بعض الأوقات الأقاليم كلها، وأن جيومرت منع من البلاد ما صار إليه، وابتنى المدن والحصون وعمرها، وأعد السلاح، واتخذ الخيل، وأنه تجبر في آخر عمره، وتسمى بآدم، وقال: من سماني بغير هذا الاسم ضربت عنقه، وأنه تزوج ثلاثين امرأة، فكثر منهن نسله، وأن ماري ابنه وماريانة أخته، ممن كان ولد له في آخر عمره، فأعجب بهما وقدمهما، فصار الملوك بذلك السبب من نسلهما، وأن ملكه اتسع وعظم.
وإنما ذكرت من أمر جيومرت في هذا الموضع ما ذكرت، لأنه لا تدافع بين علماء الأمم أن جيومرت هو أبو الفرس من العجم، وإنما اختلفوا فيه:
هل هو آدم أبو البشر على ما قاله الذين ذكرنا قولهم أم هو غيره؟ ثم مع ذلك فلأن ملكه وملك أولاده لم يزل منتظما على سياق، متسقا بأرض المشرق وجبالها إلى أن قتل يزدجرد بن شهريار من ولد ولده بمرو- أبعده الله- أيام عثمان بن عفان ﵁، فتأريخ ما مضى من سني العالم على أعمار ملوكهم أسهل بيانا، وأوضح منارا منه على أعمار ملوك غيرهم من الأمم، إذ لا تعلم أمة من الأمم الذين ينتسبون الى آدم ع دامت لها المملكة، واتصل لهم الملك، وكانت لهم ملوك تجمعهم، ورءوس تحامي عنهم من ناوأهم، وتغالب بهم من عازهم، وتدفع ظالمهم عن مظلومهم، وتحملهم من الأمور على ما فيه حظهم
[ ١ / ١٤٧ ]
على اتصال ودوام ونظام، يأخذ ذلك آخرهم عن أولهم، وغابرهم عن سالفهم- سواهم، فالتأريخ على أعمار ملوكهم أصح مخرجا، وأحسن وضوحا.
وأنا ذاكر ما انتهى إلينا من القول في عمر آدم ع وأعمار من كان بعده من ولده الذين خلفوه في النبوة والملك، على قول من خالف قول الفرس الذين زعموا أنه جيومرت، وعلى قول من قال: إنه هو جيومرت أبو الفرس، وذاكر ما اختلفوا فيه من أمرهم إلى الحال التي اجتمعوا عليها، فاتفقوا على من ملك منهم في زمان بعينه أنه كان هو الملك في ذلك الزمان إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا حول وَلا قوة إلا بالله، ثم سائق ذلك كذلك إلى زماننا هذا.
ونرجع الآن إلى الزيادة في الإبانة عن خطإ قول من قال: إن أول ميت كان في أول الارض آدم، وإنكاره الذين قص الله نبأهما في قوله:
«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا»، أن يكونا من صلب آدم من أجل ذلك.
فَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قال: حدثنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عن سمره بن جندب، [عن النبي ع قَالَ: كَانَتْ حَوَّاءُ لا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَنَذَرَتْ لِئَنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ لَتُسَمِّيَنَّهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَعَاشَ لَهَا وَلَدٌ فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، وانما كان ذلك عن وحى الشيطان] .
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لآدَمَ فَتُعَبِّدُهُمُ اللَّهَ ﷿ وَتُسَمِّيهِمْ: عَبْدَ اللَّهِ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ،
[ ١ / ١٤٨ ]
فيصيبهم الموت، فأتاها ابليس وآدم ع، فَقَالَ: إِنَّكُمَا لَوْ تُسَمِّيَانَهُ بِغَيْرِ الَّذِي تُسَمِّيَانَهُ بِهِ لَعَاشَ، فَوَلَدَتْ لَهُ ذَكَرًا، فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ»، إِلَى قَوْلِهِ: «جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما» الى آخر الآية حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن سعيد بن جبير: «فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما» الى قوله:
«فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» .
قال: ولما حملت حواء في أول ولد ولدته حين أثقلت أتاها إبليس قبل أن تلد فقال: يا حواء، ما هذا في بطنك؟ فقالت: ما ادرى من؟ فقال:
أين يخرج؟ من أنفك؟ أو من عينك؟ أو من أذنك؟ قالت: لا أدري، قال: أرأيت إن خرج سليما أمطيعتي أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم، قال:
سميه عبد الحارث- وقد كان يسمى إبليس لعنه الله الحارث- فقالت: نعم، ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال لي: كذا وكذا، فقال: ان ذاك الشيطان فاحذريه، فإنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، ثم أتاها إبليس لعنه الله فأعاد عليها، فقالت: نعم، فلما وضعته أخرجه الله سليما فسمته عبد الحارث، فهو قوله: «جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما» الى قوله: «فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» .
حَدَّثَنَا ابن وكيع، قال: حَدَّثَنَا جرير وابن فضيل، عن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: قيل له: أشرك آدم؟ قال: اعوذ بالله ان ازعم ان آدم ع أشرك! ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس
[ ١ / ١٤٩ ]
فقال لها: من أين يخرج هذا؟ من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟
فقنطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سويا- قال ابن وكيع: زاد ابن فضيل:
لم يضرك ولم يقتلك- أتطيعينني؟ قالت: نعم، قال: فسميه عبد الحارث، ففعلت- زاد جرير: فإنما كان شركه في الاسم.
حَدَّثَنَا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال:
حَدَّثَنَا أسباط، عن السدي: فولدت- يعني حواء- غلاما، فأتاها إبليس فقال: سموه عبدي، وإلا قتلته، قال له آدم: قد أطعتك وأخرجتني من الجنة فأبى أن يطيعه، فسماه عبد الرحمن، فسلط عليه إبليس لعنه الله فقتله، فحملت بآخر فلما ولدته، قال: سميه عبدى والا قتلته، قال له آدم ع: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة فأبى فسماه صالحا، فقتله، فلما كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه عبد الحارث، وكان اسم إبليس الحارث، - وإنما سمى ابليس حين ابلس تحير- فذلك حين يقول الله ﷿: «جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما» - يعني في الأسماء.
فهؤلاء الذين ذكرت الرواية عنهم بما ذكرت، من أنه مات لآدم وحواء أولاد قبلهما، ومن لم نذكر أقوالهم ممن عددهم أكثر من عدد من ذكرت قوله والرواية عنه، قالوا خلاف قول الحسن الذي روي عنه أنه قال: أول من مات آدم ع.
وكان آدم مع ما كان الله ﷿ قد أعطاه من ملك الأرض والسلطان فيها قد نبأه، وجعله رسولا إلى ولده، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها آدم ع بخطه، علمه إياها جبرئيل ع.
وَقَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمَاضِي بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
[ ١ / ١٥٠ ]
أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، [عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله ص جالس وحده، فجلست اليه فقال لي: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ، فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا، فَلَمَّا رَكَعْتُهُمَا جَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلاةِ فَمَا الصَّلاةُ؟ قَالَ: خَيْرُ مَوْضُوعٍ، اسْتُكْثِرَ أَوِ اسْتُقِلَّ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً قَالَ فِيهَا: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْمُرْسَلُ مِنْ ذلك؟ قال: ثلاثمائة وَثَلاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا، يَعْنِي كَثِيرًا طَيِّبًا، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ كَانَ أَوَّلَهُمْ؟ قَالَ: آدَمُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَآدَمُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ سَوَّاهُ قُبُلا] .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثنى محمد ابن إِسْحَاقَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، [عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَنَبِيًّا كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ نَبِيًّا، كَلَّمَهُ اللَّهُ قُبُلا] .
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى آدَمَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَحُرُوفُ الْمُعْجَمِ فِي إِحْدَى وعشرين ورقه
[ ١ / ١٥١ ]