قَالَ أبو جعفر: ونذكر الآن أمر طسم وجديس إذ كان أمرهم أيضا كان في أيام ملوك الطوائف، وإن فناء جديس كان على يد حسان بن تبع، إذ كنا قدمنا فيما مضى ذكر تبايعه حمير، الذين كانوا على عهد ملوك فارس.
وحدثت عن هشام بن مُحَمَّد وحَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وغيرهما من علماء العرب، أن طسما وجديسا كانوا من ساكني اليمامة، وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا، لهم فيها صنوف الثمار ومعجبات الحدائق والقصور الشامخة، وكان عليهم ملك من طسم ظلوم غشوم، لا ينهاه شيء عن هواه، يقال له عملوق، مضرا بجديس، مستذلا لهم،.
وكان مما لقوا من ظلمه واستذلاله، انه امر بالا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها، فقال رجل من جديس، يقال له الأسود بن غفار لرؤساء قومه: قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذي ينبغي للكلاب أن تعافه وتمتعض منه، فأطيعوني فإني أدعوكم إلى عز الدهر، ونفي الذل قَالُوا: وما ذاك؟ قَالَ: إني صانع للملك ولقومه طعاما، فإذا جاءوا نهضنا إليهم بأسيافنا وانفردت به فقتلته، وأجهز كل رجل منكم على جليسه، فأجابوه إلى ذلك، وأجمع رأيهم عليه فأعد طعاما، وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل، وقال: إذا أتاكم القوم يرفلون في حللهم، فخذوا سيوفهم، ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم، ثم اقتلوا الرؤساء، فإنكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئا، وحضر الملك فقتل وقتل الرؤساء، فشدوا على العامة منهم، فأفنوهم، فهرب رجل من طسم يقال له رياح بن مرة، حتى أتى حسان بن تبع، فاستغاث به، فخرج حسان في حمير،
[ ١ / ٦٢٩ ]
فلما كان من اليمامة على ثلاث، قَالَ له رياح: أبيت اللعن! إن لي أختا متزوجة في جديس، يقال لها: اليمامة، ليس على وجه الأرض أبصر منها، إنها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث، وإني أخاف أن تنذر القوم بك، فمر أصحابك، فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهي في يده، فأمرهم حسان بذلك، ففعلوا، ثم سار فنظرت اليمامة، فأبصرتهم، فقالت لجديس: لقد سارت حمير فقالوا: وما الذي ترين؟ قالت: أرى رجلا في شجرة، معه كتف يتعرقها، أو نعل يخصفها فكذبوها، وكان ذلك كما قالت، وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم.
وكانت اليمامه تسمى إذ ذاك جوا والقرية، وأتي حسان باليمامة ابنة مرة، فأمر بها ففقئت عيناها، فإذا فيها عروق سود، فقال لها: ما هذا السواد في عروق عينيك؟ قالت: حجير أسود يقال له الإثمد، كنت أكتحل به.
وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالإثمد، فأمر حسان بأن تسمى جو اليمامة.
وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا، فمن ذلك قول الأعشى:
كوني كمثل الذي إذ غاب وافدها أهدت له من بعيد نظرة جزعا
ما نظرت ذات أشفار كنظرتها حقا كما صدق الذئبي إذ سجعا
إذ قلبت مقلة ليست بمقرفة إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا
[ ١ / ٦٣٠ ]
قالت أرى رجلا في كفه كتف أو يخصف النعل، لهفى أية صنعا!
فكذبوها بما قالت فصبحهم ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا
فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم وهدموا شاخص البنيان فاتضعا
ومن ذلك قول النمر بن تولب العكلي:
هلا سألت بعادياء وبيته والخل والخمر التي لم تمنع
وفتاتهم عنز عشية آنست من بعد مرأى في الفضاء ومسمع
قالت أرى رجلا يقلب كفه أصلا وجو آمن لم يفزع
ورأت مقدمة الخميس وقبله رقص الركاب إلى الصياح بتبع
فكأن صالح أهل جو غدوة صبحوا بذيفان السمام المنقع
كانوا كأنعم من رأيت فأصبحوا يلوون زاد الراكب المتمتع
قالت يمامة احملوني قائما إن تبعثوه باركا بي أصرع
وحسان بن تبع، الذي أوقع بجديس، هو ذو معاهر، وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن، وهو أبو تبع بن حسان الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة، وكسا الكعبة، وأن الشعب من المطابخ إنما سمي هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع وإطعامه الناس، وإن أجيادا إنما سمي أجيادا، لأن خيله كانت هنالك، وإنه قدم يثرب فنزل منزلا يقال له منزل الملك اليوم، وقتل من اليهود مقتلة عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من الأوس والخزرج بسوء الجوار، وإنه وجه ابنه حسان الى السند
[ ١ / ٦٣١ ]
وسمرا ذا الجناح إلى خراسان، وأمرهما أن يستبقا إلى الصين، فمر سمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحها، وقتل مقاتلتها، وسبى وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين، فوافي حسان بها، فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك، ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إلى تبع بالأموال والغنائم.
ومما كان في أيام ملوك الطوائف ما ذكره الله ﷿ في كتابه من أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم
[ ١ / ٦٣٢ ]