ثم ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنه بهرام جور بن يزدجرد الخشن ابن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف وذكر أن مولده كان هرمز دروز فروردين ماه، لسبع ساعات مضين من النهار فان أباه يزدجرد دعا ساعه ولد بهرام ممن كان ببابه من المنجمين، فأمرهم بإقامة كتاب مولده وتبينه بيانا يدل على الذي يئول إليه كل أمره، فقاسوا الشمس ونظروا في مطالع النجوم، ثم أخبروا يزدجرد أن الله مورث بهرام ملك أبيه، وأن رضاعه بغير أرض يسكنها الفرس، وأن من الرأي أن يربى بغير بلاده، فأجال يزدجرد الرأي في دفعه في الرضاع والتربية إلى بعض من ببابه من الروم أو العرب أو غيرهم ممن لم يكن من الفرس، فبدا له في اختيار العرب لتربيته وحضانته، فدعا بالمنذر
[ ٢ / ٦٨ ]
ابن النعمان، واستحضنه بهرام، وشرفه وأكرمه، وملكه على العرب، وحباه بمرتبتين سنيتين، تدعى إحداهما: رام ابزوذ يزدجرد، وتأويله زاد سرور يزدجرد، والأخرى تدعى بمهشت، وتأويلها أعظم الخول، وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلته، وأمره أن يسير ببهرام إلى بلاد العرب.
فسار به المنذر إلى محلته منها، واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة، وأذهان ذكية، وآداب رضية، من بنات الأشراف، منهن امرأتان من بنات العرب، وامرأة من بنات العجم، وأمر لهن بما أصلحهن من الكسوة والفرش والمطعم والمشرب وسائر ما احتجن إليه، فتداولن رضاعه ثلاث سنين، وفطم في السنة الرابعة، حتى إذا أتت له خمس سنين، قَالَ للمنذر:
أحضرني مؤدبين ذوي علم، مدربين بالتعليم، ليعلموني الكتابة والرمي والفقه.
فقال له المنذر: إنك بعد صغير السن، ولم يأن لك أن تأخذ في التعليم، فالزم ما يلزم الصبيان الأحداث، حتى تبلغ من السن ما يطيق التعلم والتأدب، واحضر من يعلمك كل ما سألت تعلمه فقال بهرام للمنذر: أنا لعمري صغير، ولكن عقلي عقل محتنك، وأنت كبير السن وعقلك عقل ضرع.
أما تعلم أيها الرجل، أن كل ما يتقدم في طلبه ينال في وقته، وما يطلب في وقته ينال في غير وقته، وما يفرط في طلبه يفوت فلا ينال! وانى من ولد ملوك، والملك صائر إلي بإذن الله، وأولى ما كلف به الملوك وطلبوه صالح العلم، لأنه لهم زين، ولملكهم ركن به يقوون فعجل علي بمن سألتك من المؤدبين.
فوجه المنذر ساعة سمع مقالة بهرام هذه إلى باب الملك من أتاه برهط من فقهاء الفرس، ومعلمي الرمى والفروسية ومعلمي الكتابه وخاصه ذوى الأدب، وجمع له حكماء من حكماء فارس والروم، ومحدثين من العرب، فألزمهم بهرام، ووقت لأصحاب كل مذهب من تلك المهن وقتا يأتونه فيه، وقدر
[ ٢ / ٦٩ ]
لهم قدرا يفيدونه ما عندهم، فتفرغ بهرام لتعلم كل ما سأل أن يتعلم، وللاستماع من أهل الحكمة وأصحاب الحديث، ووعى كل ما استمع، وثقف كل ما علم بأيسر تعليم وألفى بعد أن بلغ اثنتي عشرة سنة، وقد استفاد كل ما أفيد وحفظه، وفاق معلميه ومن حضره من أهل الأدب، حتى اعترفوا له بفضله عليهم.
وأثاب بهرام المنذر ومعلميه، وأمرهم بالانصراف عنه، وأمر معلمي الرمي والفروسية بالإقامة عنده، ليأخذ عنهم كل ما ينبغي له التدرب به، والإحكام له، ثم دعا بهرام بالنعمان بن المنذر، وأمره أن يؤذن العرب بإحضار خيلهم من الذكور والإناث على أنسابها، فآذن النعمان للعرب بذلك، وبلغ المنذر الذي كان من رأي بهرام في اختيار الخيل لمركبه، فقال لبهرام: لا تجشمن العرب إجراء خيلهم، ولكن مر من يعرض الخيل عليك، واختر منها رضاك، وارتبطه لنفسك فقال له بهرام: قد أحسنت القول، ولكنى افضل الرجال سؤددا وشرفا، وليس ينبغي أن يكون مركبي إلا أفضل الخيل، وإنما يعرف فضل بعضها على بعض بالتجربة، ولا تجربة بلا إجراء.
فرضي المنذر مقالته، وأمر النعمان العرب فأحضروا خيولهم، وركب بهرام والمنذر لحضور الحلبة، وسرحت الخيل من فرسخين، فبدر فرس أشقر للمنذر تلك الخيل جميعا سابقا، ثم أقبل بعده بقيتها بداد بداد من بين فرسين تاليين، أو ثلاثة موزعة، أو سكيتا فقرب المنذر بيده ذلك الأشقر إلى بهرام، وقال: يبارك الله لك فيه، فأمر بهرام بقبضه وعظم سروره به، وتشكر للمنذر.
وإن بهرام ركب ذات يوم الفرس الأشقر الذي حمله عليه المنذر إلى الصيد، فبصر بعانة، فرمى عليها وقصد نحوها، فإذا هو بأسد قد شد على
[ ٢ / ٧٠ ]
عير كان فيها، فتناول ظهره بفيه ليقصمه ويفترسه، فرماه بهرام رمية في ظهره، فنفذت النشابة من بطنه وظهر العير وسرته حتى أفضت إلى الأرض.
فساخت فيها إلى قريب من ثلثيها، فتحرك طويلا، وكان ذلك بمشهد ناس من العرب وحرس بهرام وغيرهم فأمر بهرام فصور ما كان منه في أمر الأسد والعير في بعض مجالسه.
ثم إن بهرام أعلم المنذر أنه على الإلمام بأبيه، فشخص إلى أبيه، وكان أبوه يزدجرد لسوء خلقه لا يحفل بولد له، فاتخذ بهرام للخدمة، فلقي بهرام من ذلك عناء.
ثم أن يزدجرد وفد عليه أخ لقيصر، يقال له: ثياذوس، في طلب الصلح والهدنة لقيصر والروم، فسأله بهرام أن يكلم يزدجرد في الإذن له في الانصراف إلى المنذر، فانصرف إلى بلاد العرب، فاقبل على التنعم والتلذذ.
وهلك أبوه يزدجرد وبهرام غائب، فتعاقد ناس من العظماء واهل البيوتات الا يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته، وقالوا: إن يزدجرد لم يخلف ولدا يحتمل الملك غير بهرام، ولم يل بهرام ولاية قط يبلى بها خبره، ويعرف بها حاله، ولم يتأدب بأدب العجم، وإنما أدبه أدب العرب، وخلقه كخلقهم، لنشئه بين أظهرهم واجتمعت كلمتهم وكلمة العامة على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك، يقال له كسرى، ولم يقيموا أن ملكوه فانتهى هلاك يزدجرد والذي كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام وهو ببادية العرب، فدعا بالمنذر والنعمان ابنه، وناس من علية العرب، وقال لهم: إني لا أحسبكم تجحدون خصيصي والدي، كان أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه كان عليكم، مع فظاظته وشدته كانت على الفرس، وأخبرهم بالذي أتاه من نعي أبيه، وتمليك الفرس من ملكوا عن تشاور منهم في ذلك.
فقال المنذر: لا يهولنك ذلك حتى الطف الحيله فيه وإن المنذر
[ ٢ / ٧١ ]
جهز عشرة آلاف رجل من فرسان العرب، ووجههم مع ابنه إلى طيسبون وبهأردشير مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قريبا منهما، ويدمن إرسال طلائعه إليهما، فإن تحرك أحد لقتاله قاتله وأغار على ما والاهما، وأسر وسبى، ونهاه عن سفك الدماء فسار النعمان حتى نزل قريبا من المدينتين، ووجه طلائعه إليهما، واستعظم قتال الفرس وإن من بالباب من العظماء وأهل البيوتات أوفدوا جواني صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر، وكتبوا إليه يعلمونه أمر النعمان، فلما ورد جواني على المنذر وقرأ الكتاب الذي كتب إليه، قَالَ له: الق الملك بهرام، ووجه معه من يوصله إليه فدخل جواني على بهرام فراعه ما رأى من وسامته وبهائه، وأغفل السجود دهشا، فعرف بهرام أنه إنما ترك السجود لما راعه من روائه، فكلمه بهرام، ووعده من نفسه أحسن الوعد، ورده إلى المنذر، وأرسل إليه أن يجيب في الذي كتب، فقال المنذر لجواني:
قد تدبرت الكتاب الذي أتيتني به، وإنما وجه النعمان إلى ناحيتكم الملك بهرام حيث ملكه الله بعد أبيه، وخوله إياكم.
فلما سمع جواني مقالة المنذر، وتذكر ما عاين من رواء بهرام وهيبته عند نفسه، وإن جميع من شاور في صرف الملك عن بهرام مخصوم محجوج، قَالَ للمنذر: إني لست محيرا جوابا، ولكن سر إن رأيت إلى محلة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات، وتشاوروا في ذلك.
وأت فيه ما يجمل، فإنهم لن يخالفوك في شيء مما تشير به.
فرد المنذر جواني إلى من أرسله إليه، واستعد وسار بعد فصول جواني من عنده بيوم ببهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب وذوي البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك، حتى إذا وردهما، أمر فجمع الناس، وجلس بهرام على منبر من ذهب مكلل بجوهر، وجلس المنذر عن يمينه،
[ ٢ / ٧٢ ]
وتكلم عظماء الفرس وأهل البيوتات، وفرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد أبي بهرام كانت، وسوء سيرته، وإنه أخرب بسوء رأيه الأرض، وأكثر القتل ظلما، حتى قد قتل الناس في البلاد التي كان يملكها، وأمورا غير ذلك فظيعة وذكروا أنهم إنما تعاقدوا وتواثقوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك، وسألوا المنذر الا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه.
فوعى المنذر ما بثوا من ذلك، وقال لبهرام: أنت أولى بإجابة القوم مني فقال بهرام: إني لست أكذبكم معشر المتكلمين في شيء مما نسبتم إليه يزدجرد لما استقر عندي من ذلك، ولقد كنت زاريا عليه لسوء هديه، ومتنكبا لطريقه ودينه، ولم أزل أسأل الله أن يمن علي بالملك، فأصلح كل ما أفسد، وأرأب ما صدع، فإن أتت لملكي سنة ولم أف لكم بهذه الأمور التي عددت لكم تبرأت من الملك طائعا، وقد أشهدت بذلك علي الله وملائكته وموبذان موبذ وليكن هو فيها حكما بيني وبينكم وأنا مع الذي بينت على ما أعلمكم من رضاي بتمليككم من تناول التاج والزينة، من بين أسدين ضاريين مشبلين، فهو الملك.
فلما سمع القوم مقالة بهرام هذه، وما وعد من نفسه، استبشروا بذلك، وانبسطت آمالهم، وقالوا فيما بينهم: إنا لسنا نقدر على رد قول بهرام، مع أنا إن تممنا على صرف الملك عنه نتخوف أن يكون في ذلك هلاكنا لكثرة من استمد واستجاش من العرب، ولكنا نمتحنه بما عرض علينا مما لم يدعه إليه إلا ثقة بقوته وبطشه وجرأته، فإن يكن على ما وصف به نفسه، فليس لنا رأي إلا تسليم الملك إليه، والسمع والطاعة له، وإن يهلك ضعفا ومعجزة، فنحن من هلكته برآء، ولشره وغائلته آمنون.
وتفرقوا على هذا الرأي، فعاد بهرام بعد أن تكلم بهذا الكلام، وجلس كمجلسه الذي كان فيه بالأمس، وحضره من كان يحاده فقال لهم: إما
[ ٢ / ٧٣ ]
أن تجيبوني فيما تكلمت أمس، وإما أن تسكتوا باخعين لي بالطاعة.
فقال القوم: أما نحن، فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى، ولم نر منه إلا ما نحب، ولكنا قد رضينا مع ذلك أن يوضع التاج والزينة كما ذكرت بين أسدين، وتتنازعانهما أنت وكسرى، فأيكما تناولها من بينهما، سلمنا له الملك.
فرضي بهرام بمقالتهم، فأتى بالتاج والزينة موبذان موبذ، الموكل كان بعقد التاج على رأس كل ملك يملك، فوضعهما في ناحية، وجاء بسطام إصبهبذ، بأسدين ضاريين مجوعين مشبلين، فوقف أحدهما عن جانب الموضع الذي وضع فيه التاج والزينة، والآخر بحذائه، وأرخى وثاقهما، ثم قَالَ بهرام لكسرى: دونك التاج والزينة فقال كسرى: أنت أولى بالبدء وبتناولهما مني، لأنك تطلب الملك بوراثة، وأنا فيه مغتصب فلم يكره بهرام قوله، لثقته كانت ببطشه وقوته، وحمل جرزا، وتوجه نحو التاج والزينة، فقال له موبذان موبذ: استماتتك في هذا الأمر الذي أقدمت عليه، إنما هو تطوع منك، لا عن رأي أحد من الفرس، ونحن برآء إلى الله من إتلافك نفسك.
فقال بهرام: أنتم من ذلك برآء، ولا وزر عليكم فيه ثم أسرع نحو الأسدين، فلما رأى موبذان موبذ جده في لقائهما، هتف به وقال: بح بذنوبك، وتب منها، ثم أقدم إن كنت لا محالة مقدما، فباح بهرام بما سلف من ذنوبه، ثم مشى نحو الأسدين، فبدر إليه أحدهما، فلما دنا من بهرام وثب وثبة، فعلا ظهره، وعصر جنبي الأسد بفخذيه عصرا اثخنه، وجعل يضرب على رأسه بالجرز الذي كان حمل، ثم شد الأسد الآخر عليه، فقبض على أذنيه، وعركهما بكلتا يديه، فلم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما على رأسهما بالجرز الذي كان حمله: وكان ذلك من صنيعه بمرأى من كسرى ومن حضر ذلك المحفل
[ ٢ / ٧٤ ]
فتناول بهرام بعد ذلك التاج والزينة، فكان كسرى أول من هتف به، وقال: عمرك الله بهرام! الذى من حوله سامعون، وله مطيعون، ورزقه ملك أقاليم الأرض السبعة ثم هتف به جميع الحضر، وقالوا: قد أذعنا للملك بهرام، وخضعنا له ورضينا به ملكا وأكثروا الدعاء له وإن العظماء وأهل البيوتات وأصحاب الولايات والوزراء لقوا المنذر بعد ذلك اليوم، وسألوه أن يكلم بهرام في التغمد لإساءتهم في أمره، والصفح والتجاوز عنهم، فكلم المنذر بهرام فيما سألوه من ذلك، واستوهبه ما كان احتمل عليهم في نفسه، فأسعفه بهرام فيما سأل، وبسط آمالهم.
وإن بهرام ملك وهو ابن عشرين سنة، وأمر من يومه ذلك أن يلزم رعيته راحة ودعة، وجلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية، يعدهم الخير من نفسه، ويأمرهم بتقوى الله وطاعته.
ثم لم يزل بهرام حيث ملك مؤثرا للهو على ما سواه، حتى كثرت ملامة رعيته إياه على ذلك، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده، والغلبة على ملكه، وكان أول من سبق إلى المكاثرة له عليه خاقان ملك الترك، فإنه غزاه في مائتين وخمسين ألف رجل من الترك، فبلغ الفرس اقبال خاقان في جمع عظيم إلى بلادهم، فتعاظمهم ذلك وهالهم، ودخل عليه من عظمائهم أناس لهم رأي أصيل، وعندهم نظر للعامة، فقالوا له: إنه قد ازمك أيها الملك من بائقة هذا العدو ما قد شغلك عما أنت عليه من اللهو والتلذذ، فتأهب له كيلا يلحقنا منه أمر يلزمك فيه مسبة وعار فقال لهم بهرام: إن الله ربنا قوي ونحن أولياؤه ولم يزدد إلا مثابرة على اللهو والتلذذ والصيد.
وانه تجهز فسار الى اذربيجان لينسك في بيت نارها، ويتوجه منها إلى
[ ٢ / ٧٥ ]
أرمينية، ويطلب الصيد في آجامها، ويلهو في مسيره في سبعة رهط من العظماء وأهل البيوتات، وثلاثمائة رجل من رابطته ذوي بأس ونجدة، واستخلف أخا له يسمى نرسي على ما كان يدبر من ملكه فلم يشك الناس حين بلغهم مسير بهرام فيمن سار واستخلافه أخاه على ما استخلف في أن ذلك هرب من عدوه، وإسلام لملكه، وتآمروا في إنفاذ وفد إلى خاقان، والإقرار له بالخراج، مخافة منه لاستباحة بلادهم، واصطلامة مقاتلتهم إن هم لم يذعنوا له بذلك.
فبلغ خاقان الذي أجمع عليه الفرس من الانقياد والخضوع له، فآمن ناحيتهم، وأمر جنده بالتورع، فأتى بهرام عين كان وجهه ليأتيه بخبر خاقان، فأخبره بأمر خاقان وعزمه، فسار إليه بهرام في العدة الذين كانوا معه فبيته، وقتل خاقان بيده، وأفشى القتل في جنده، وانهزم من سلم من القتل منهم، ومنحوه أكتافهم، وخلفوا عسكرهم وذراريهم وأثقالهم، وأمعن بهرام في طلبهم يقتلهم ويحوي ما غنم منهم، ويسبي ذراريهم وانصرف وجنده سالمين، وظفر بهرام بتاج خاقان وإكليله، وغلب على بلاده من بلاد الترك، واستعمل على ما غلب عليه منها مرزبانا حباه سريرا من فضة، وأتاه أناس من أهل البلاد المتاخمة لما غلب عليه من بلاد الترك خاضعين باخعين له بالطاعة، وسألوه أن يعلمهم حد ما بينه وبينهم فلا يتعدوه، فحد لهم حدا، وأمر فبنيت منارة، وهي المنارة التي أمر بها فيروز الملك ابن يزدجرد، فقدمت إلى بلاد الترك، ووجه بهرام قائدا من قواده إلى ما وراء النهر منهم، وامره بقتالهم فقاتلهم وأثخنهم، حتى أقروا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية.
وإن بهرام انصرف إلى أذربيجان، راجعا إلى محلته من السواد، وأمر بما كان في إكليل خاقان من ياقوت أحمر وسائر الجوهر، فعلق على بيت نار أذربيجان، ثم سار وورد مدينة طيسبون، فنزل دار المملكة بها، ثم
[ ٢ / ٧٦ ]
كتب إلى جنده وعماله بقتله خاقان، وما كان من أمره وأمر جنده ثم ولى أخاه نرسي خراسان، وأمره أن يسير إليها وينزل بلخ، وتقدم إليه بما أراد.
ثم إن بهرام سار في آخر ملكه إلى ماه للصيد بها، فركب ذات يوم للصيد، فشد على عير، وأمعن في طلبه، فارتطم في جب، فغرق، فبلغ والدته فسارت إلى ذلك الجب بأموال عظيمة، وأقامت قريبة منه، وأمرت بإنفاق تلك الأموال على من يخرجه منه، فنقلوا من الجب طينا كثيرا وحماه، حتى جمعوا من ذلك آكاما عظاما، ولم يقدروا على جثة بهرام.
وذكر أن بهرام لما انصرف إلى مملكته من غزوه الترك، خطب أهل مملكته أياما متوالية، حثهم في خطبته على لزوم الطاعة، وأعلمهم أن نيته التوسعة عليهم، وإيصال الخير إليهم، وإنهم إن زالوا عن الاستقامة نالهم من غلظته أكثر مما كان نالهم من أبيه، وإن أباه كان افتتح أمرهم باللين والمعدلة، فجحدوا ذلك أو من جحده منهم، ولم يخضعوا له خضوع الخول والعبيد للملوك فأصاره ذلك إلى الغلظة وضرب الأبشار وسفك الدماء وإن انصراف بهرام من غزوه ذلك كان على طريق أذربيجان، وإنه نحل بيت نار الشيز ما كان في إكليل خاقان من اليواقيت والجوهر وسيفا كان لخاقان مفصصا بدر وجوهر وحلية كثيرة، وأخدمه خاتون امرأة خاقان، ورفع عن الناس الخراج لثلاث سنين شكرا على ما لقي من النصر في وجهه، وقسم في الفقراء والمساكين مالا عظيما، وفي البيوتات وذوي الأحساب عشرين ألف ألف درهم، وكتب بخبر خاقان إلى الآفاق كتبا، يذكر فيها أن الخبر ورد عليه بورود خاقان بلاده وإنه مجد الله وعظمه وتوكل عليه، وسار نحوه في سبعه رهط من اهل البيوتات، وثلاثمائة فارس من نخبة رابطته على طريق أذربيجان وجبل القبق، حتى نفذ على براري خوارزم ومفاوزها، فابلاه
[ ٢ / ٧٧ ]
الله أحسن بلاء، وذكر لهم ما وضع عنهم من الخراج، وكان كتابه في ذلك كتابا بليغا.
وقد كان بهرام حين أفضى إليه الملك أمر أن يرفع عن أهل الخراج البقايا التي بقيت عليهم من الخراج، فأعلم أن ذلك سبعون ألف ألف درهم، فأمر بتركها وبترك ثلث خراج السنة التي ولي فيها.
وقيل إن بهرام جور لما انصرف إلى طيسبون من مغزاه خاقان التركي، ولى نرسي أخاه خراسان، وأنزله بلخ، واستوزر مهر نرسى بن برازه، وخصه وجعله بزرجفرمذار، وأعلمه أنه ماض إلى بلاد الهند، ليعرف أخبارها، والتلطف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته، ليخفف بذلك بعض مئونة عن أهل مملكته، وتقدم إليه بما أراد التقدم إليه فيما خلفه عليه إلى أوان انصرافه، وإنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكرا، فمكث بها حينا لا يسأله أحد من أهلها عن شيء من أمره غير ما يرون من فروسيته وقتله السباع، وجماله وكمال خلقه ما يعجبون منه فلم يزل كذلك حتى بلغه أن في ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل، وقتل ناسا كثيرا، فسال بعضهم أن يدله عليه ليقتله، وانتهى أمره إلى الملك فدعا به، وأرسل معه رسولا ينصرف إليه بخبره فلما انتهى بهرام والرسول إلى الأجمة التي فيها الفيل، رقى الرسول إلى شجرة لينظر إلى صنع بهرام ومضى بهرام ليستخرج الفيل، فصاح به، فخرج إليه مزبدا وله صوت شديد، ومنظر هائل، فلما قرب من بهرام رماه رمية وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب، ووقذه بالنشاب، حتى بلغ منه، ووثب عليه فأخذه بمشفره، فاجتذبه جذبة جثا لها الفيل على ركبتيه، فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه، فاحتز رأسه وحمله على ظهره حتى أخرجه إلى الطريق، ورسول الملك ينظر إليه فلما انصرف الرسول اقتص خبره على الملك، فعجب من شدته وجرأته، وحباه حباء عظيما، واستفهمه أمره فقال له بهرام: أنا رجل من عظماء الفرس، وكان
[ ٢ / ٧٨ ]
ملك فارس سخط علي في شيء فهربت منه إلى جوارك، وكان لذلك الملك عدو قد نازعه ملكه، وسار إليه بجنود عظيمة، فاشتد وجل الملك صاحب بهرام منه لما كان يعرف من قوته، وأراده على الخضوع له وحمل الخراج إليه، وهم صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك، فنهاه بهرام عن ذلك، وضمن له كفاية أمره، فسكن إلى قوله، وخرج بهرام مستعدا له، فلما التقوا قَالَ لاساوره الهند: احرسوا ظهري ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرجل على رأسه فتنتهي ضربته إلى فمه، ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين، وياتى الفيل فيقد مشفره بالسيف، ويحتمل الفارس عن سرجه- والهند قوم لا يحسنون الرمي، وأكثرهم رجالة لا دواب لهم- وكان بهرام إذا رمى أحدهم أنفذ السهم فيه، فلما عاينوا منه ما عاينوا، ولوا منهزمين لا يلوون على شيء، وغنم صاحب بهرام ما كان في عسكر عدوه، وانصرف محبورا مسرورا، ومعه بهرام، فكان في مكافاته إياه إن أنكحه ابنته، ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند، وكتب له بذلك كتابا، وأشهد له على نفسه شهودا، وأمر بتلك البلاد حتى ضمت إلى أرض العجم، وحمل خراجها إلى بهرام، وانصرف بهرام مسرورا.
ثم انه اغزى مهر نرسى بن برازة بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل، وأمره أن يقصد عظيمها، ويناظره في أمر الإتاوة وغيرها، مما لم يكن يقوم بمثله إلا مثل مهر نرسي، فتوجه في تلك العدة، ودخل القسطنطينية، وقام مقاما مشهورا، وهادنه عظيم الروم، وانصرف بكل الذي أراد بهرام، ولم يزل لمهر نرسي مكرما، وربما خفف اسمه فقيل نرسي وربما قيل مهر نرسه، وهو مهر نرسى بن برازه بن فرخزاذ بن خورهباذ بن سيسفاذ ابن سيسنابروه بن كي أشك بن دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب.
وكان مهر نرسي معظما عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه، وجودة آرائه، وسكون العامة إليه، وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه في القدر، وعملوا للملوك من الأعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته، وإن منهم ثلاثة قد كانوا برزوا:
[ ٢ / ٧٩ ]
احدهم زروانداذ، كان مهر نرسي قصد به للدين والفقه، فأدرك من ذلك أمرا عظيما، حتى صيره بهرام جور هربذان هربذ، مرتبة شبيهة بمرتبة موبذان موبذ وكان يقال للآخر: ما جشنس، ولم يزل متوليا ديوان الخراج أيام بهرام جور وكان اسم مرتبته بالفارسية راستراي وشانسلان وكان الثالث اسمه كارد صاحب الجيش الأعظم، واسم مرتبته بالفارسية اسطران سلار، وهذه مرتبة فوق مرتبة الإصبهبذ تقارب مرتبة الأرجبذ، وكان اسم مهر نرسي بمرتبته بالفارسية بزرجفرماندار، وتفسيره بالعربية وزير الوزراء أو رئيس الرؤساء وقيل إنه كان من قرية يقال لها ابروان من رستاق دشتبارين من كورة أردشير خرة، فابتنى فيه وفي جره من كورة سابور لاتصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة، واتخذ فيها بيت نار- هو باق فيما ذكر إلى اليوم وناره توقد إلى هذه الغاية- يقال لها مهر نرسيان، واتخذ بالقرب من ابروان أربع قرى، وجعل في كل واحدة منها بيت نار، فجعل واحدا منها لنفسه، وسماه فراز مرا آور خذايان، وتفسير ذلك: اقبلي إلي سيدتي، على وجه التعظيم للنار، وجعل الآخر لزراونداذ، وسماه زراوندادان، والآخر لكارد وسماه كارداذان، والآخر لماجشنس، وسماه ماجشنسفان، واتخذ في هذه الناحية ثلاث باغات، جعل في كل باغ منها اثنتى عشره ألف نخلة، وفي باغ اثني عشر ألف اصل زيتون، وفي باغ اثنتى عشره ألف سروة، ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيران في يد قوم من ولده معروفين إلى اليوم، وإن ذلك- فيما ذكر- إلى اليوم باق على أحسن حالاته.
وذكر أن بهرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم، مضى إلى بلاد السودان من ناحية اليمن، فأوقع بهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبى منهم خلقا، ثم انصرف إلى مملكته ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت.
واختلفوا في مدة ملكة، فقال بعضهم: كان ملكه ثماني عشرة سنة وعشره
[ ٢ / ٨٠ ]
أشهر وعشرين يوما وقال آخرون كان ملكه ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما