ثم ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، بعد أن قتل أخاه وثلاثة نفر من اهل بيته.
وحدثت عن هشام بن مُحَمَّد، قَالَ: استعد فيروز من خراسان، واستنجد بأهل طخارستان وما يليها، وسار إلى أخيه هرمز بن يزدجرد، وهو بالري- وكانت أمهما واحدة، واسمها دينك، وكانت بالمدائن تدبر ما يليها من الملك- فظفر فيروز بأخيه فحبسه، وأظهر العدل وحسن السيرة، وكان يتدين، وقحط الناس في زمانه سبع سنين، فأحسن تدبير ذلك الأمر حتى قسم ما في بيوت الأموال، وكف عن الجباية، وساسهم أحسن السياسة، فلم يهلك في تلك السنين أحد ضياعا إلا رجل واحد.
وسار إلى قوم كانوا قد غلبوا على طخارستان يقال لهم الهياطلة، وقد كان قوادهم في أول ملكة لمعونتهم إياه على أخيه، وكانوا- فيما زعموا- يعملون عمل قوم لوط، فلم يستحل ترك البلاد في أيديهم، فقاتلهم فقتلوه في المعركة، وأربعة بنين له، وأربعة أخوة، كلهم كان يتسمى بالملك، وغلبوا على عامة خراسان حتى سار إليهم رجل من اهل فارس يقال له سوخرا من أهل شيراز، وكان فيهم عظيما، فخرج فيمن تبعه شبه المحتسب المتطوع حتى لقي صاحب الهياطلة، فأخرجه من بلاد خراسان، فافترقا على الصلح، ورد ما لم يضع مما في عسكر فيروز من الإسراء والسبي وملك سبعا وعشرين سنه.
وقال غير هشام من أهل الأخبار: كان فيروز ملكا محدودا محارفا مشئوما على رعيته، وكان جل قوله وفعله فيما هو ضرر وآفة عليه وعلى أهل مملكته وأن البلاد قحطت في ملكه سبع سنين متوالية، فغارت الأنهار والقنى والعيون، وقحلت الأشجار والغياض، وهاجت عامة الزروع
[ ٢ / ٨٢ ]
والأجام في السهل والجبل من بلاده، وموتت فيها الطير والوحوش، وجاعت الأنعام والدواب، حتى كانت لا تقدر أن تحمل حمولة، وقل ماء دجلة، وعم أهل بلاده اللزبات والمجاعة والجهد والشدائد.
فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم انه لا خراج عليهم ولا جزية، ولا نائبة ولا سخرة، وأن قد ملكهم أنفسهم، ويأمرهم بالسعي فيما يقوتهم ويقيمهم، ثم أعاد الكتاب إليهم في اخراج كل من كان له منهم مطموره أو هرى أو طعام أو غيره، مما يقوت الناس، والتأسي فيه، وترك الاستئثار فيه، وأن يكون حال أهل الغنى والفقر وأهل الشرف والضعة في التأسي واحدا.
وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنسيا مات جوعا عاقب أهل المدينة، أو أهل القرية، أو الموضع الذي يموت فيه ذلك الإنسي جوعا، ونكل بهم أشد النكال.
فساس فيروز رعيته في تلك اللزبة والمجاعة سياسة لم يعطب أحد منهم جوعا، ما خلا رجلا واحدا من رستاق كورة اردشير خرة، يدعى بديه فتعظم ذلك عظماء الفرس، وجميع أهل اردشير خرة وفيروز، وإنه ابتهل إلى ربه في نشر رحمته له ولرعيته، وإنزال غيثه عليهم، فأغاثه الله، وعادت بلاده في كثرة المياه على ما كانت تكون عليه، وصلحت الأشجار.
وإن فيروز أمر فبنيت بالري مدينة، وسماها رام فيروز، وفيما بين جرجان وباب صول مدينة، وسماها روشن فيروز، وبناحيه اذربيجان مدينة وسماها شهرام فيروز
[ ٢ / ٨٣ ]
ولما حييت بلاد فيروز، واستوثق له الملك، وأثخن في أعدائه وقهرهم، وفرغ من بناء هذه المدن الثلاث، سار بجنوده نحو خراسان مريدا حرب اخشنوار ملك الهياطلة، فلما بلغ اخشنوار خبره اشتد منه رعبه فذكر أن رجلا من أصحاب اخشنوار بذل له نفسه، وقال له: اقطع يدي ورجلي، وألقني على طريق فيروز، وأحسن إلى ولدي وعيالي- يريد بذلك فيما ذكر الاحتيال لفيروز- ففعل ذلك اخشنوار بذلك الرجل، وألقاه على طريق فيروز، فلما مر به أنكر حاله وسأله عن أمره، فأخبره أن اخشنوار فعل ذلك به لأنه قَالَ له: لا قوام لك بفيروز وجنود الفرس فرق له فيروز ورحمه، وأمر بحمله معه، فأعلمه على وجه النصح منه له- فيما زعم- أنه يدله وأصحابه على طريق مختصر لم يدخل إلى ملك الهياطلة منه أحد، فاغتر فيروز بذلك منه، وأخذ بالقوم في الطريق الذي ذكره له الأقطع، فلم يزل يقطع بهم مفازة بعد مفازة، فكلما شكوا عطشا أعلمهم أنهم قد قربوا من الماء ومن قطع المفازة، حتى إذا بلغ بهم موضعا علم أنهم لا يقدرون فيه على تقدم ولا تأخر، بين لهم أمره، فقال أصحاب فيروز لفيروز: قد كنا حذرناك هذا أيها الملك فلم تحذر، فأما الآن فلا بد من المضي قدما حتى نوافي القوم على الحالات كلها فمضوا لوجوههم، وقتل العطش أكثرهم، وصار فيروز بمن نجا معه إلى عدوهم، فلما أشرفوا عليهم على الحال التي هم فيها دعوا اخشنوار إلى الصلح، على أن يخلي سبيلهم، حتى ينصرفوا إلى بلادهم، على أن يجعل فيروز له عهد الله وميثاقه الا يغزوهم ولا يروم أرضهم، ولا يبعث إليهم جندا يقاتلونهم، ويجعل بين مملكتها حدا لا يجوزه فرضي اخشنوار بذلك، وكتب له به فيروز كتابا مختوما، وأشهد له على نفسه شهودا، ثم خلى سبيله وانصرف.
فلما صار إلى مملكته حمله الأنف والحمية على معاودة اخشنوار، فغزاه بعد أن نهاه وزراؤه وخاصته عن ذلك، لما فيه من نقض العهد، فلم يقبل منهم
[ ٢ / ٨٤ ]
وأبى إلا ركوب رأيه، وكان فيمن نهاه عن ذلك رجل كان يخصه ويجتبي رأيه، يقال له مزدبوذ، فلما رأى مزدبوذ لجاجته، كتب ما دار بينهما في صحيفة، وسأله الختم عليها، ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد اخشنوار، وقد كان اخشنوار حفر خندقا بينه وبين بلاد فيروز عظيما، فلما انتهى إليه فيروز عقد عليه القناطر، ونصب عليها رايات جعلها أعلاما له ولأصحابه في انصرافهم، وجاز الى القوم، فلما التقى بعسكرهم احتج عليه اخشنوار بالكتاب الذي كتبه له، ووعظه بعهده وميثاقه، فأبى فيروز إلا لجاجا ومحكا وتواقفا، فكلم كل واحد منهما صاحبه كلاما طويلا، ونشبت بينهما بعد ذلك الحرب، وأصحاب فيروز على فتور من أمرهم، للعهد الذي كان بينهم وبين الهياطلة، وأخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها له فيروز، فرفعها على رمح وقال: اللهم خذ بما في هذا الكتاب فانهزم فيروز وسها عن موضع الرايات، وسقط في الخندق، فهلك، وأخذ اخشنوار أثقال فيروز ونساءه وأمواله ودواوينه، وأصاب جند فارس شيء لم يصبهم مثله قط وكان بسجستان رجل من أهل كورة اردشير خرة من الأعاجم، ذو علم وبأس وبطش، يقال له: سوخرا، ومعه جماعة من الاساورة، فلما بلغه خبر فيروز ركب من ليلته، فأغذ السير حتى انتهى إلى اخشنوار، فأرسل إليه وآذنه بالحرب، وتوعده بالجائحة والبوار، فبعث إليه اخشنوار جيشا عظيما فلما التقوا ركب إليهم سوخرا فوجدهم مدلين، فيقال: إنه رمى بعض من ورد عليه منهم رمية فوقعت بين عيني فرسه حتى كادت النشابة تغيب في رأسه، فسقط الفرس وتمكن سوخرا من راكبه، فاستبقاه وقال له:
انصرف إلى صاحبك فأخبره بما رايت، فانصرفوا الى اخشنوار، وحملوا الفرس معهم، فلما رأى أثر الرمية بهت وأرسل إلى سوخرا: أن سل حاجتك، فقال له: حاجتي أن ترد علي الديوان، وتطلق الأسرى ففعل ذلك، فلما صار الديوان في يده، واستنفذ الأسرى، استخرج من الديوان بيوت الأموال التي كانت
[ ٢ / ٨٥ ]
مع فيروز، فكتب إلى اخشنوار إنه غير منصرف إلا بها فلما تبين الجد، افتدى نفسه وانصرف سوخرا بعد استنقاذ الأسارى وأخذ الديوان وارتجاع الأموال، وجميع ما كان مع فيروز من خزائنه إلى أرض فارس، فلما صار إلى الأعاجم شرفوه وعظموا أمره، وبلغوا به من المنزلة ما لم يكن بعده إلا الملك.
وهو سوخرا بن ويسابور بن زهان بن نرسي بن ويسابور بن قارن ابن كروان بن أبيد بن أوبيد بن تيرويه بن كردنك بن ناور بن طوس ابن نودكا بن منشو بن نودر بن منوشهر.
وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس من خبر فيروز وخبر اخشنوار نحوا مما ذكرت، غير أنه ذكر أن فيروز لما خرج متوجها إلى اخشنوار، استخلف على مدينة طيسبون ومدينة بهرسير- وكانتا محلة الملوك- سوخرا هذا، قَالَ: وكان يقال لمرتبته قارن، وكان يلي معهما سجستان وأن فيروز لما بلغ منارة كان بهرام جور ابتناها فيما بين تخوم بلاد خراسان وبلاد الترك، لئلا يجوزها الترك إلى خراسان لميثاق كان بين الترك والفرس على ترك الفريقين التعدى لها، وكان فيروز عاهد اخشنوار الا يجاوزها الى بلاد الهياطلة، امر فيروز فصفد فيها خمسون فيلا وثلاثمائة رجل، فجرت أمامه جرا، واتبعها، أراد بذلك زعم الوفاء لاخشنوار بما عاهده عليه، فبلغ اخشنوار ما كان من فيروز في أمر تلك المنارة، فأرسل إليه يقول: انته يا فيروز عما انتهى عنه أسلافك، ولا تقدم على ما لم يقدموا عليه فلم يحفل فيروز بقوله، ولم تكرثه رسالته، وجعل يستطعم محاربة اخشنوار، ويدعوه إليها، وجعل اخشنوار يمتنع من محاربته
[ ٢ / ٨٦ ]
ويستكرهها، لأن جل محاربة الترك إنما هو بالخداع والمكر والمكايدة، وإن اخشنوار أمر فحفر خلف عسكره خندق عرضه عشرة أذرع، وعمقه عشرون ذراعا، وغمى بخشب ضعاف، وألقى عليه ترابا، ثم ارتحل في جنده، فمضى غير بعيد، فبلغ فيروز رحلة اخشنوار بجنده من عسكره، فلم يشك في أن ذلك منهم انكشاف وهرب، فأمر بضرب الطبول، وركب في جنده في طلب اخشنوار وأصحابه، فأغذوا السير، وكان مسلكهم على ذلك الخندق فلما بلغوه اقحموا على عماية، فتردى فيه فيروز وعامة جنده، وهلكوا من عند آخرهم.
وإن اخشنوار عطف على عسكر فيروز، فاحتوى على كل شيء فيه، وأسر موبذان موبذ، وصارت فيروز دخت ابنة فيروز فيمن صار في يده من نساء فيروز، وامر اخشنوار فاستخرجت جثة فيروز وجثة كل من سقط معه في ذلك الخندق، فوضعت في النواويس، ودعا اخشنوار فيروز دخت إلى أن يباشرها، فأبت عليه.
وأن خبر هلاك فيروز سقط إلى بلاد فارس، فارتجوا له وفزعوا، حتى إذا استقرت حقيقة خبره عند سوخرا تأهب وسار في عظم من كان قبله من الجند إلى بلاد الهياطلة فلما بلغ جرجان بلغ اخشنوار خبر مسيره لمحاربته، فاستعد وأقبل متلقيا له، وأرسل إليه يستخبره عن خبره، ويسأله عن اسمه ومرتبته، فأرسل أنه رجل يقال له سوخرا، ولمرتبته قارن، وأنه إنما سار إليه لينتقم منه لفيروز، فأرسل إليه اخشنوار يقول: إن سبيلك في الأمر الذي قدمت له كسبيل فيروز إذ لم يعقبه في كثرة جنوده من محاربته إياي إلا الهلكة والبوار.
فلم ينهنه سوخرا قول اخشنوار، ولم يعبأ به، وأمر جنوده فاستعدوا وتسلحوا، وزحف إلى اخشنوار لشدة إقدامه وحدة قلبه، فطلب موادعته وصلحه،
[ ٢ / ٨٧ ]
فلم يقبل منه سوخرا صلحا دون أن يصير في يده كل شيء صار عنده من عسكر فيروز فسلم اخشنوار إليه ما أصاب من أموال فيروز وخزائنه ومرابطه ونسائه، وفيهن فيروز دخت، ودفع إليه موبذان موبذ وكل أحد كان عنده من عظماء الفرس، فانصرف سوخرا بذلك كله إلى بلاد الفرس.
واختلف في مدة ملك فيروز، فقال بعضهم: كانت ستا وعشرين سنة.
وقال آخرون: كانت إحدى وعشرين سنة
[ ٢ / ٨٨ ]