ثم ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه قد سار إلى خاقان مستنصرا به على أخيه بلاش، فمر في طريقه بحدود
[ ٢ / ٩٠ ]
نيسابور، ومعه جماعة يسيرة ممن شايعه على الشخوص متنكرين، وفيهم زرمهر بن سوخرا، فتاقت نفس قباذ إلى الجماع، فشكا ذلك إلى زرمهر، وسأله أن يلتمس له امرأة ذات حسب، ففعل ذلك، وصار إلى امرأة صاحب منزله، وكان رجلا من الأساورة، وكانت له ابنة بكر فائقة في الجمال، فتنصح لها في ابنتها، وأشار عليها أن تبعث بها إلى قباذ، فأعلمت ذلك زوجها، ولم يزل زرمهر يرغب المرأة وزوجها، ويشير عليهما بما يرغبهما فيه حتى فعلا، وصارت الابنة إلى قباذ، واسمها نيوندخت، فغشيها قباذ في تلك الليلة، فحملت بانوشروان، فأمر لها بجائزة حسنة، وحباها حباء جزيلا.
وقيل إن أم تلك الجارية سألتها عن هيئة قباذ وحاله فأعلمتها أنها لا تعرف من ذلك غير أنها رأت سراويله منسوجا بالذهب، فعلمت أمها أنه من أبناء الملوك وسرها ذلك ومضى قباذ إلى خاقان، فلما وصل إليه أعلمه أنه ابن ملك فارس، وأن أخاه ضاده في الملك وغلبه، وأنه أتاه يستنصره فوعده أحسن العدة، ومكث قباذ عند خاقان أربع سنين يدافعه بما وعده فلما طال الأمر على قباذ أرسل إلى امرأة خاقان يسألها أن تتخذه ولدا، وأن تكلم فيه زوجها، وتسأله إنجاز عدته ففعلت، ولم تزل تحمل على خاقان حتى وجه مع قباذ جيشا، فلما انصرف قباذ بذلك الجيش، وصار في ناحية نيسابور سأل الرجل الذي كان أتاه بالجارية عن أمرها فاستخبر ذلك من أمها، فأخبرته أنها قد ولدت غلاما، فأمر قباذ أن يؤتى بها، فأتته ومعها انو شروان تقوده بيدها فلما دخلت عليه سألها عن قصة الغلام، فأخبرته أنه ابنه، وإذا هو قد نزع إليه في صورته وجماله.
ويقال: إن الخبر ورد عليه في ذلك الموضع بهلاك بلاش فتيمن بالمولود، وأمر بحمله وحمل أمه على مراكب نساء الملوك، فلما صار إلى المدائن،
[ ٢ / ٩١ ]
واستوثق له أمر الملك خص سوخرا، وفوض إليه أمره، وشكر له ما كان من خدمة ابنه إياه، ووجه الجنود إلى الأطراف، ففتكوا في الأعداء، وسبوا سبايا كثيرة، وبني بين الأهواز وفارس مدينة الرجان، وبنى أيضا مدينة حلوان، وبنى بكورة اردشير خرة في ناحيه كارزين مدينة يقال لها قباذ خرة، وذلك سوى مدائن وقرى أنشأها، وسوى أنهار احتفرها، وجسور عقدها.
فلما مضت أكثر أيامه، وتولى سوخرا تدبير ملكه وسياسة أموره مال الناس عليه، وعاملوه واستخفوا بقباذ، وتهاونوا بأمره، فلما احتنك لم يحتمل ذلك، ولم يرض به، وكتب إلى سابور الرازي- الذي يقال للبيت الذي هو منه مهران، وكان إصبهبذ البلاد- في القدوم عليه فيمن قبله من الجند، فقدم سابور بهم عليه، فواصفه قباذ حالة سوخرا، وأمره بأمره فيه، فغدا سابور على قباذ فوجد عنده سوخرا جالسا، فمشى نحو قباذ متجاوزا له متغافلا لسوخرا، فلم يأبه سوخرا لذلك من أرب سابور، حتى ألقى وهقا كان معه في عنقه، ثم اجتذبه فأخرجه فأوثقه واستودعه السجن، فحينئذ قيل: نقصت ريح سوخرا وهبت لمهران ريح، وذهب ذلك مثلا وأن قباذ أمر بعد ذلك بقتل سوخرا فقتل، وأنه لما مضى لملك قباذ عشر سنين اجتمعت كلمة موبذان موبذ والعظماء على إزالته عن ملكه، فأزالوه عنه وحبسوه، لمتابعته لرجل يقال له مزدك مع أصحاب له قَالُوا: إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وانه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره، فافترص السفلة ذلك واغتنموه، وكانفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلى الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله
[ ٢ / ٩٢ ]
ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم، وجعلوا أخا له يقال له جاماسب مكانه، وقالوا لقباذ: إنك قد أثمت فيما عملت به فيما مضى، وليس يطهرك من ذلك إلا إباحة نسائك، وأرادوه على أن يدفع إليهم نفسه فيذبحوه ويجعلوه قربانا للنار، فلما رأى ذلك زرمهر بن سوخرا خرج بمن شايعه من الأشراف باذلا نفسه، فقتل من المزدكية ناسا كثيرا، وأعاد قباذ إلى ملكه، وطرح أخاه جاماسب ثم لم يزل المزدكية بعد ذلك إنما يحرشون قباذ على زرمهر حتى قتله، ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم حتى حمله مزدك على ما حمله عليه، فانتشرت الأطراف وفسدت الثغور.
وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس أن العظماء من الفرس هم حبسوا قباذ حين اتبع مزدك وشايعه على ما دعاه إليه من أمره، وملكوا مكانه أخاه جاماسب بن فيروز وأن أختا لقباذ أتت الحبس الذي كان فيه قباذ محبوسا، فحاولت الدخول عليه، فمنعها إياه الرجل الموكل كان بالحبس ومن فيه، وطمع الرجل أن يفضحها بذلك السبب، وألقى إليها طمعه فيها، واخبرته أنها غير مخالفته في شيء مما يهوى منها، فأذن لها فدخلت السجن فأقامت عند قباذ يوما وأمرت فلف قباذ في بساط من البسط التي كانت معه في الحبس، وحمل على غلام من غلمانه قوي ضابط، وأخرج من الحبس فلما مر الغلام بوالي الحبس سأله عما كان حامله فأفحم، واتبعته أخت قباذ فأخبرته أنه فراش كانت افترشته في عراكها، وأنها إنما خرجت لتتطهر وتنصرف، فصدقها الرجل ولم يمس البساط، ولم يدن منه استقذارا له، وخلى عن الغلام الحامل لقباذ، فمضى بقباذ ومضت على أثره.
وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة ليستمد ملكها ويستجيشه فيحارب
[ ٢ / ٩٣ ]
من خالفه وخلعه وأنه نزل في مبدئه إليها بابرشهر رجل من عظماء أهلها، له ابنة معصر، وأن نكاحه أم كسرى أنوشروان كان في سفره هذا، وأن قباذ رجع من سفره ذلك معه ابنه أنوشروان وأمه، فغلب أخاه جاماسب على ملكه بعد أن ملك أخوه جاماسب ست سنين، وأن- قباذ غزا بعد ذلك بلاد الروم، وافتتح منها مدينة من مدن الجزيرة تدعى آمد، وسبى أهلها، وأمر فبنيت في حد ما بين فارس وأرض الأهواز مدينه، وسماها رامقباذ، وهي التي تسمى بومقباذ، وتدعى أيضا أرجان وكور كورة، وجعل لها رساتيق من كوره سرق، كوره رام هرمز، وملك قباذ ابنه كسرى، وكتب له بذلك كتابا وختمه بخاتمه.
فلما هلك قباذ- وكان ملكه بسني ملك أخيه جاماسب:
ثلاثا وأربعين سنة- فنفذ كسرى ما أمر به قباذ من ذلك
[ ٢ / ٩٤ ]