ثم ملك كسرى انوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور فلما ملك كتب إلى أربعة فاذوسبانين- كان كل واحد منهم على ناحية من نواحي بلاد فارس ومن قبلهم- كتبا نسخة كتابه منها إلى فاذوسبان أذربيجان: بسم الله الرحمن الرحيم من الملك كسرى بن قباذ إلى واري ابن النخيرجان فاذوسبان أذربيجان وأرمينية وحيزها، ودنباوند وطبرستان وحيزها، ومن قبله: سلام، فإن أحرى ما استوحش له الناس فقد من تخوفوا في فقدهم إياه زوال النعم ووقوع الفتن، وحلول المكاره بالأفضل فالأفضل منهم، في نفسه أو حشمه أو ماله أو كريمه، وإنا لا نعلم
[ ٢ / ٩٨ ]
وحشة ولا فقد شيء أجل رزيئة عند العامة، ولا أحرى أن تعم به البلية من فقد ملك صالح.
وإن كسرى لما استحكم له الملك أبطل ملة رجل منافق من أهل فسا يقال له: زراذشت بن خركان ابتدعها في المجوسية، فتابعه الناس على بدعته تلك، وفاق أمره فيها، وكان ممن دعا العامة إليها رجل من أهل مذرية يقال له: مزدق بن بامداذ، وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه، التآسي في أموالهم وأهليهم، وذكر أن ذلك من البر الذى يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وإنه لو لم يكن الذي أمرهم به، وحثهم عليه من الدين كان مكرمة في الفعال، ورضا في التفاوض فحض بذلك السفلة على العلية، واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهل السبيل للغصبة إلى الغصب، وللظلمة إلى الظلم، وللعهار إلى قضاء نهمتهم، والوصول إلى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن، وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله فنهى الناس كسرى عن السيرة بشيء مما ابتدع زراذشت خركان، ومزدق بن بامداذ، وأبطل بدعتهما، وقتل بشرا كثيرا ثبتوا عليها، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه منها، وقوما من المنانية، وثبت للمجوس ملتهم التي لم يزالوا عليها.
وكان يلى الاصبهبذه- وهي الرياسة على الجنود- قبل ملكه رجل، وكان إليه إصبهبذة البلاد، ففرق كسرى هذه الولاية والمرتبة بين اربعه اصبهذين، منهم اصبهذ المشرق وهو خراسان وما والاها، واصبهذ المغرب، واصبهذ نيمروز، وهي بلاد اليمن، واصبهذ اذربيجان وما والاها، وهي
[ ٢ / ٩٩ ]
بلاد الخزر، وما والاها، لما رأى في ذلك من النظام لملكه، وقوى المقاتلة بالأسلحة والكراع، وارتجع بلادا كانت من مملكة فارس، خرج بعضها من يد الملك قباذ إلى ملوك الأمم لعلل شتى واسباب، منها السند، وبست، والرخج، وزابلستان، وطخارستان، ودردستان، وكابلستان، وأعظم القتل في أمة يقال لها البارز، وأجلى بقيتهم عن بلادهم، وأسكنهم مواضع من بلاد مملكته، وأذعنوا له بالعبودية، واستعان بهم في حروبه، وأمر فأسرت أمة أخرى، يقال لها صول، وقدم بهم عليه، وأمر بهم فقتلوا، ما خلا ثمانين رجلا من كماتهم استحياهم، وأمر بإنزالهم شهرام فيروز، يستعين بهم في حروبه.
وأن أمة يقال لها أبخز، وأمة يقال لها بنجر، وأمة يقال لها بلنجر، وأمة يقال لها ألان، تمالئوا على غزو بلاده، وأقبلوا إلى أرمينية ليغيروا على أهلها، وكان مسلكهم إليها يومئذ سهلا ممكنا، فأغضى كسرى على ما كان منهم، حتى إذا تمكنوا في بلاده وجه إليهم جنودا، فقاتلوهم واصطلموهم ما خلا عشرة آلاف رجل منهم أسروا، فأسكنوا أذربيجان وما والاها، وكان الملك فيروز بنى في ناحية صول وألان بناء بصخر إرادة أن يحصن بلاده عن تناول تلك الأمم إياها، وأحدث الملك قباذ بن فيروز من بعد أبيه في تلك المواطن بناء كثيرا، حتى إذا ملك كسرى أمر فبنيت في ناحية صول بصخر منحوت في ناحية جرجان مدن وحصون وآكام وبنيان كثير، ليكون حرزا لأهل بلاده يلجئون إليها من عدو إن دهمهم.
وإن سنجبوا خاقان كان أمنع الترك وأشجعهم، وأعزهم وأكثرهم جنودا، وهو الذي قاتل وزر ملك الهياطلة غير خائف كثرة الهياطلة ومنعتهم، فقتل وزر ملكها وعامة جنوده، وغنم أموالهم، واحتوى على
[ ٢ / ١٠٠ ]
بلادهم إلا ما كان كسرى غلب عليه منها، وإنه استمال أبخز، وبنجر، وبلنجر، فمنحوه طاعتهم وأعلموه أن ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم، وأنه أقبل في مائة ألف وعشرة آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول، وأرسل إلى كسرى في توعد منه إياه واستطالة عليه، أن يبعث إليه بأموال، وإلى أبخز وبنجر وبلنجر بالفداء الذي كانوا يعطونه اياه قبل ملك كسرى، وأنه إن لم يعجل بالبعثة إليه بما سأل وطيء بلاده وناجزه فلم يحفل كسرى بوعيده، ولم يجبه إلى شيء مما سأله لتحصينه كان ناحية باب صول، ومناعة السبل والفجاج التي كان سنجبوا خاقان سالكها إياه، ولمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسة آلاف مقاتل من الفرسان والرجالة.
فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول، فانصرف بمن كان معه إلى بلاده خائبا، ولم يقدر من كان بإزاء جرجان من العدو- للحصون التي كان أمر كسرى فبنيت حواليها- أن يشنوها بغارة، ويغلبوا عليها، وكان كسرى أنوشروان قد عرف الناس منه فضلا في رأيه وعلمه وعقله، وبأسه وحزمه، مع رأفته ورحمته بهم، فلما عقد التاج على رأسه دخل إليه العظماء والأشراف فاجتهدوا في الدعاء له، فلما قضوا مقالتهم، قام خطيبا، فبدأ بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم، وتوكله بتدبير أمورهم، وتقدير الأقوات والمعايش لهم، ولم يدع شيئا إلا ذكره في خطبته، ثم أعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم، وإمحاء دينهم، وفساد حالهم في أولادهم ومعاشهم، وأعلمهم أنه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه، وحث الناس على معاونته.
ثم أمر برءوس المزدكية فضربت أعناقهم، وقسمت أموالهم في أهل الحاجة، وقتل جماعة كثيرة ممن كان دخل على الناس في أموالهم، ورد الأموال إلى أهلها، وأمر بكل مولود اختلف فيه عنده أن يلحق بمن هو منهم، إذا لم
[ ٢ / ١٠١ ]
يعرف أبوه، وأن يعطي نصيبا من مال الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل، وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها، وبرضى أهلها ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده، وبين تزويج من غيره، إلا أن يكون كان لها زوج أول، فترد إليه وأمر بكل من كان أضر برجل في ماله أو ركب أحدا بمظلمة أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فكتبوا له، فأنكح بناتهم الأكفاء، وجعل جهازهم من بيت المال وأنكح شبانهم من بيوتات الاشراف وساق عنهم واغناهم، وامرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله وخير نساء والده بين أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصرن في الأجر إلى أمثالهن، أو يبتغي لهن أكفاءهن من البعولة وأمر بكري الأنهار، وحفر القني وأسلاف أصحاب العمارات وتقويتهم، وأمر بإعادة كل جسر قطع أو قنطرة كسرت، أو قرية خربت أن يرد ذلك إلى أحسن ما كان عليه من الصلاح، وتفقد الأساورة، فمن لم يكن له منهم يسار قواه بالدواب والعدة، وأجرى لهم ما يقويهم ووكل ببيوت النيران، وسهل سبل الناس، وبنى في الطرق القصور والحصون، وتخير الحكام والعمال والولاة، وتقدم إلى من ولى منهم ابلغ التقدم، وعمد الى سير أردشير وكتبه وقضاياه، فاقتدى بها وحمل الناس عليها، فلما استوثق له الملك، ودانت له البلاد سار نحو أنطاكية بعد سنين من ملكه، وكان فيها عظماء جنود قيصر، فافتتحها.
ثم أمر أن تصور له مدينة أنطاكية على ذرعها وعدد منازلها وطرقها، وجميع ما فيها، وأن يبتنى له على صورتها مدينة إلى جنب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة بالرومية على صورة أنطاكية، ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إياها.
فلما دخلوا باب المدينة مضى أهل كل بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية، كأنهم لم يخرجوا عنها.
ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها، ثم الإسكندرية وما دونها، وخلف طائفة من
[ ٢ / ١٠٢ ]
جنوده بأرض الروم، بعد أن أذعن له قيصر وحمل إليه الفدية، ثم انصرف من الروم، فأخذ نحو الخزر فأدرك فيهم تبله، وما كانوا وتروه به في رعيته ثم انصرف نحو عدن، فسكر ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلي أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل وقتل عظماء تلك البلاد.
ثم انصرف إلى المدائن، وقد استقام له ما دون هرقلة من بلاد الروم وأرمينية، وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن.
وملك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه، ثم أقام في ملكه بالمدائن، وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهده ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة مطالبا بوتر فيروز جده- وقد كان أنوشروان صاهر خاقان قبل ذلك- فكتب إليه قبل شخوصه يعلمه ما عزم عليه، ويأمره بالمسير إلى الهياطلة فأتاهم، فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته وتجاوز بلخ وما وراءها، وأنزل جنوده فرغانة.
ثم انصرف من خراسان، فلما صار بالمدائن وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة، فبعث معهم قائدا من قواده في جند من أهل الديلم وما يليها، فقتلوا مسروقا الحبشي باليمن، وأقاموا بها.
ولم يزل مظفرا منصورا تهابه جميع الأمم، ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظرائهم، وكان مكرما للعلماء.
وملك ثمانيا وأربعين سنة، وكان مولد النبي ص في آخر ملك أنوشروان.
قَالَ هشام: وكان ملك أنوشروان سبعا وأربعين سنة قَالَ: وفي زمانه ولد عبد الله بن عبد المطلب ابو رسول الله ص، في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه
[ ٢ / ١٠٣ ]
قَالَ هشام: لما قوي شأن أنوشروان بعث إلى المنذر بن النعمان الأكبر- وأمه ماء السماء امرأة من النمر- فملكه الحيرة وما كان يلي آل الحارث بن عمرو، آكل المرار فلم يزل على ذلك حتى هلك.
قال: وانوشروان غزا بزجان، ثم رجع فبنى الباب والأبواب وقال هشام: ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان- وأمه هر ابنة النعمان- سبع سنين.
ثم ملك بعده النعمان بن الأسود بن المنذر- وأمه أم الملك ابنة عمرو بن حجر اخت الحارث بن عمرو الكندى- أربع سنين.
ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي بن الذميل بن ثور ابن أسس بن ربي بن نمارة بن لخم، ثلاث سنين.
ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء- وهو ذو القرنين، قَالَ: وإنما سمى بذلك لضفيرتين كانتا له من شعره، وأمه ماء السماء، وهي مارية ابنه عوف ابن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناه بن عامر الضيحان ابن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، فكان جميع ملكه تسعا وأربعين سنة.
ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر- وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار- ست عشرة سنة.
قَالَ: ولثماني سنين وثمانية أشهر من ملك عمرو بن هند ولد رسول الله ص، وذلك في زمن أنوشروان وعام الفيل الذي غزا فيه الأشرم أبو يكسوم البيت
[ ٢ / ١٠٤ ]