فمما كان فيها من ذلك إظهار مازيار بن قارن بن وندا هرمز بطبرستان الخلاف على المعتصم، ومحاربته أهل السفح والأمصار منها.
ذكر الخبر عن سبب إظهاره الخلاف على المعتصم وفعله ما فعل من الوثوب بأهل السفح:
ذكر أن السبب في ذلك، كان أن مازيار بن قارن كان منافرا لآل طاهر، لا يحمل إليهم الخراج، وكان المعتصم يكتب إليه يأمره بحمله إلى عبد الله بن طاهر، فيقول: لا أحمله إليه، ولكني أحمله إلى أمير المؤمنين، فكان المعتصم إذا حمل المازيار إليه الخراج، يأمر: إذا بلغ المال همذان رجلا من قبله أن يستوفيه ويسلمه إلى صاحب عبد الله بن طاهر ليرده إلى خراسان، فكانت هذه حالة في السنين كلها ونافر آل طاهر حتى تفاقم الأمر بينهم.
وكان الافشين يسمع من المعتصم أحيانا كلاما يدل على أنه يريد عزل آل طاهر عن خراسان، فلما ظفر الأفشين ببابك، ونزل من المعتصم المنزلة التي لم يتقدمه فيها أحد، طمع في ولاية خراسان، وبلغته منافرة مازيار آل طاهر، فرجا أن يكون ذلك سببا لعزل عبد الله بن طاهر، فدس الأفشين الكتب إلى المازيار يستميله بالدهقنة، ويعلمه ما هو عليه من المودة له، وأنه قد وعد ولاية خراسان، فدعا ذلك المازيار إلى ترك حمل خراجه إلى عبد الله ابن طاهر، وواتر عبد الله بن طاهر الكتب فيه إلى المعتصم، حتى أوحش
[ ٩ / ٨٠ ]
المعتصم منه وأغضبه عليه، وحمل ذلك المازيار إلى أن وثب وخالف، ومنع الخراج، وضبط جبال طبرستان وأطرافه.
وكان ذلك مما يسر الأفشين ويطمعه في الولاية، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بمحاربة مازيار، وكتب الأفشين إلى المازيار يأمره بمحاربة عبد الله بن طاهر، ويعلمه أنه يقوم له عند المعتصم بما يحب، وكاتبه المازيار أيضا، فلا يشك الأفشين أن المازيار سيواقف عبد الله بن طاهر ويقاومه، حتى يحتاج المعتصم إلى أن يوجهه وغيره إليه.
فذكر عن محمد بن حفص الثقفي الطبري أن المازيار لما عزم على الخلاف، دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه كرها، وأخذ منهم الرهائن، فحبسهم في برج الأصبهبذ، وأمر أكرة الضياع بالوثوب بأرباب الضياع وانتهاب أموالهم، وكان المازيار يكاتب بابك، ويحرضه ويعرض عليه النصرة فلما فرغ المعتصم من أمر بابك، أشاع الناس أن أمير المؤمنين يريد المسير إلى قرماسين، ويوجه الأفشين إلى الري لمحاربة مازيار، فلما سمع المازيار بإرجاف الناس بذلك، أمر أن يمسح البلد، خلا من قاطع على ضياعه بزيادة العشرة ثلاثة، ومن لم يقاطع رجع عليه، فحسب ما عليه من الفضل ولم يحسب له النقصان.
ثم أنشأ كتابا إلى عامله على الخراج، وكان عامله عليه رجلا يقال له شاذان بن الفضل، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الأخبار تواترت علينا، وصحت عندنا بما يرجف به جهال أهل خراسان وطبرستان فينا، ويولدون علينا من الاخبار ويحملون عليه رءوسهم، من التعصب لدولتنا والطعن في تدبيرنا، والمراسلة لأعدائنا وتوقع الفتن، وانتظار الدوائر فينا، جاحدين للنعم مستقلين للأمن والدعة والرفاهية والسعة التي آثرهم الله بها، فما يرد الري قائد ولا مشرق ولا مغرب، ولا يأتينا رسول صغير ولا كبير إلا قالوا كيت وكيت، ومدوا أعناقهم نحوه،
[ ٩ / ٨١ ]
وخاضوا فيما قد كذب الله أحدوثتهم، وخيب أمانيهم فيه مره بعد مره، فلا تنهاهم الأولى عن الآخرة، ولا يزجرهم عن ذلك تقية ولا خشية، كل ذلك نغضي عليه، ونتجرع مكروهه، استبقاء على كافتهم، وطلبا للصلاح والسلامة لهم إلحاحا، فلا يزيدهم استبقاؤنا إلا لجاجا، ولا كفنا عن تأديبهم إلا إغراء، إن أخرنا عنهم افتتاح الخراج نظرا لهم ورفقا بهم قالوا: معزول، وإن بادرنا به قالوا: لحادث أمر، لا يزدجرون عن ذلك بالشدة إن أغلظنا، ولا برفق إن أنعمنا، والله حسبنا وهو ولينا، عليه نتوكل وإليه ننيب وقد أمرنا بالكتاب إلى بندار آمل والرويان في استغلاق الخراج في عملهما، وأجلناهما في ذلك إلى سلخ تير ماه، فاعلم ذلك، وجرد جبايتك، واستخرج ما على اهل ناحيتك كملا، ولا يمضين عنك تير ماه، ولك درهم باق، فإنك إن خالفت ذلك إلى غيره لم يكن جزاؤك عندنا إلا الصلب، فانظر لنفسك، وحام عن مهجتك، وشمر في أمرك، وتابع كتابك إلى العباس وإياك والتغرير، واكتب بما يحدث منك من الانكماش والتشمير، فإنا قد رجونا أن يكون في ذلك مشغلة لهم عن الأراجيف، ومانع عن التسويف، فقد أشاعوا في هذه الأيام أن أمير المؤمنين أكرمه الله صائر إلى قرماسين، وموجه الافشين الى الري ولعمري لئن فعل أيده الله ذلك، أنه لمما يسرنا الله به، ويؤنسنا بجواره، ويبسط الأمل فيما قد عودنا من فوائده وأفضاله، ويكبت أعداءه وأعداءنا، ولن يهمل أكرمه الله أموره، ويرفض ثغوره، والتصرف في نواحي ملكه، لأراجيف مرجف بعماله، وقول قائل في خاصته، فإنه لا يسرب أكرمه الله جنده إذا سرب، ولا يندب قواده إذا ندب، إلا إلى المخالف فاقرأ كتابنا هذا على من بحضرتك من اهل الخراج، ليبلغ شاهدهم غائبهم، وعنف عليهم في استخراجه، ومن هم بكسره فليبد بذلك صفحته، لينزل الله به ما أنزل بأمثاله، فإن لهم أسوة في الوظائف وغيرها بأهل جرجان والري وما والاهما، فإنما خفف الخلفاء عنهم خراجهم، ورفعت الرفائع عنهم للحاجة التي كانت إليهم في محاربة أهل
[ ٩ / ٨٢ ]
الجبال ومغازي الديلم الضلال، وقد كفى الله أمير المؤمنين أعزه الله ذلك كله، وجعل أهل الجبال والديلم جندا وأعوانا، والله المحمود.
قال: فلما ورد كتاب المازيار على شاذان بن الفضل عامله على الخراج، أخذ الناس بالخراج، فجبى جميع الخراج في شهرين، وكان يجبى في اثني عشر شهرا، في كل أربعة أشهر الثلث، وإن رجلا يقال له علي بن يزداد العطار، وهو ممن أخذ منه رهينة، هرب وخرج من عمل المازيار، فأخبر أبو صالح سرخاستان بذلك، وكان خليفة المازيار على سارية، فجمع وجوه أهل مدينة سارية، وأقبل يوبخهم، ويقول: كيف يطمئن الملك إليكم! أم كيف يثق بكم! وهذا علي بن يزداد ممن قد حلف وبايع، وأعطى الرهينة ثم نكث وخرج، وترك رهينه، فأنتم لا تفون بيمين، ولا تكرهون الخلف والحنث، فكيف يثق بكم الملك، أم كيف يرجع لكم إلى ما تحبون! فقال بعضهم: نقتل الرهينة حتى لا يعود غيره إلى الهرب، فقال لهم: أتفعلون ذلك؟ قالوا: نعم، فكتب إلى صاحب الرهائن، فأمره أن يوجه بالحسن بن علي بن يزداد وهو رهينة أبيه، فلما صاروا به إلى سارية ندم الناس على ما قالوا لأبي صالح، وجعلوا يرجعون على الذي أشار بقتله بالتعنيف ثم جمعهم سرخاستان، وقد أحضر الرهينة، فقال لهم: إنكم قد ضمنتم شيئا، وهذا الرهينة فاقتلوه، فقال له عبد الكريم بن عبد الرحمن الكاتب: أصلحك الله! إنك أجلت من خرج من هذا البلد شهرين، وهذا الرهينة قبلك، نسألك أن تؤجله شهرين، فإن رجع أبوه وإلا أمضيت فيه رأيك.
قال: فغضب على القوم، ودعا بصاحب حرسه- وكان يقال له رستم ابن بارويه- فأمره بصلب الغلام وإن الغلام سأله أن يأذن له أن يصلي ركعتين، فأذن له، فطول في صلاته وهو يرعد، وقد مد له جذع، فجذبوا الغلام من صلاته، ومدوه فوق الجذع، وشدوا حلقه معه حتى اختنق، وتوفي فوقه، وأمر سرخاستان أهل مدينة سارية أن يخرجوا إلى آمل، وتقدم
[ ٩ / ٨٣ ]
إلى أصحاب المسالح في إحضار أهل الخنادق من الأبناء والعرب، فأحضروا ومضى مع أهل سارية إلى آمل، وقال لهم: إني أريد أن أشهدكم على أهل آمل، وأشهد أهل آمل عليكم، وأرد ضياعكم وأموالكم، فإن لزمتم الطاعة والمناصحة زدناكم من عندنا ضعف ما كنا أخذنا منكم فلما وافوا آمل جمعهم بقصر الخليل بن وندا سنجان، وصير أهل سارية ناحية عن غيرهم ووكل بهم اللوزجان، وكتب أسماء جميع أهل آمل حتى لم يخف منهم أحد عليه، ثم عرضهم بعد ذلك على الأسماء حتى اجتمعوا، ولم يتخلف منهم احد، واحدق الرجال في السلاح بهم، وصفوا جميعا، ووكل بكل واحد منهم رجلين بالسلاح، وأمر الموكل بهم أن يحمل رأس كل من كاع عن المشي، وساقهم مكتفين حتى وافى بهم جبلا يقال له هرمز داباذ، على ثمانية فراسخ من آمل وثمانية فراسخ من مدينة سارية، وكبلهم بالحديد، وحبسهم.
وبلغت عدتهم عشرين ألفا، وذلك في سنة خمس وعشرين ومائتين فيما ذكر عن محمد بن حفص.
فأما غيره من أهل الأخبار وجماعة ممن أدرك ذلك فإنهم قالوا: كان ذلك في سنة أربع وعشرين ومائتين، وهذا القول عندي أولى بالصواب، وذلك أن مقتل مازيار كان في سنة خمس وعشرين ومائتين وكان فعله ما فعل بأهل طبرستان قبل ذلك بسنة.
رجع الحديث إلى الخبر عن قصة مازيار وفعله بأهل آمل على ما ذكر عن محمد بن حفص قال: وكتب إلى الدري ليفعل ذلك بوجوه العرب والأبناء ممن كان معه بمرو، وكبلهم بالحديد، وحبسهم، ووكل بهم الرجال في حبسهم، فلما تمكن المازيار، واستوى له أمره وأمر القوم، جمع أصحابه، وأمر سرخاستان بتخريب سور مدينة آمل، فخربه بالطبول والمزامير، ثم سار إلى مدينة سارية، ففعل بها مثل ذلك.
ثم وجه مازيار أخاه فوهيار إلى مدينة طميس- وهي على حد جرجان من عمل طبرستان- فخرب سورها ومدينتها، وأباح أهلها، فهرب منهم من
[ ٩ / ٨٤ ]
هرب، وبلي من بلي ثم توجه بعد ذلك إلى طميس سرخاستان، وانصرف عنها قوهيار، فلحق بأخيه المازيار، فعمل سرخاستان سورا من طميس إلى البحر، ومده في البحر مقدار ثلاثة أميال وكانت الأكاسرة بنته بينها وبين الترك، لان الترك كانت تغير على أهل طبرستان في أيامها، ونزل معسكرا بطميس سرخاستان وصير حولها خندقا وثيقا وابراجا للحرس، وصير عليها بابا وثيقا، ووكل به الرجال الثقات، ففزع أهل جرجان وخافوا على أموالهم ومدينتهم، فهرب منها نفر إلى نيسابور، وانتهى الخبر إلى عبد الله بن طاهر وإلى المعتصم، فوجه إليه عبد الله بن طاهر عمه الحسن بن الحسين بن مصعب، وضم إليه جيشا كثيفا يحفظ جرجان، وأمره أن يعسكر على الخندق، فنزل الحسن بن الحسين معسكرا على الخندق الذى عمله سرخستان، وصار بين العسكرين عرض الخندق، ووجه أيضا عبد الله بن طاهر حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قومس معسكرا على حد جبال شروين، ووجه المعتصم من قبله محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم في جمع كثيف، وضم إليه الحسن بن قارن الطبري القائد ومن كان بالباب من الطبرية، ووجه منصور بن الحسن هار صاحب دنباوند إلى مدينة الري ليدخل طبرستان من ناحية الري، ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند، فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب بعث عند ذلك إبراهيم بن مهران صاحب شرطته وعلي بن ربن الكاتب النصراني، ومعهما خليفة صاحب الحرس إلى أهل المدن المحتبسين عنده، أن الخيل قد زحفت الى من كل جانب، وانما حبستكم ليبعث إلي هذا الرجل فيكم- يعني المعتصم- فلم يفعل، وقد بلغنى ان الحجاج ابن يوسف غضب على صاحب السند في امرأة أسرت من المسلمين، وأدخلت إلى بلاد السند حتى غزا السند، وأنفق بيوت الأموال حتى استنفذ المرأة وردها إلى مدينتها، وهذا الرجل لا يكترث بعشرين ألفا، ولا يبعث إلي يسأل فيكم، وإني لا أقدم على حربه، وأنتم ورائي، فأدوا إلي خراج سنتين، وأخلي سبيلكم، ومن كان منكم شابا قويا قدمته للقتال، فمن وفى لي منكم رددت عليه ماله، ومن لم يف أكون قد أخذت ديته، ومن كان شيخا أو ضعيفا صيرته من الحفظه والبوابين
[ ٩ / ٨٥ ]
فقال رجل يقال له موسى بن هرمز الزاهد- كان يقال أنه لم يشرب الماء منذ عشرين سنة- أنا أؤدي إليك خراج سنتين، وأقوم به، فقال خليفة صاحب الحرس لأحمد بن الصقير: لم لا تتكلم، وقد كنت أحظى القوم عند الأصبهبذ، وقد كنت أراك تتغذى معه، وتتكئ على وسادته! وهذا شيء لم يفعله الملك بأحد غيرك، فأنت أولى بالقيام بهذا الأمر من موسى، قال أحمد: إن موسى لا يقدر على القيام بجباية درهم واحد، وإنما أجابكم بجهل وبما هو عليه وعلى الناس أجمع، ولو علم صاحبكم أن عندنا درهما واحدا لم يحبسنا، وانما حبسنا بعد ما استنظف كل ما عندنا من الأموال والذخائر، فإن أراد الضياع بهذا المال أعطيناه فقال له علي بن ربن الكاتب: الضياع للملك لا لكم، فقال له إبراهيم بن مهران: أسألك بالله يا أبا محمد، لما سكت عن هذا الكلام! فقال له أحمد: لم أزل ساكتا حتى كلمني هذا بما قد سمعت سنه ٢٢٤ ثم انصرفت الرسل على ضمان موسى الزاهد، وأعلموا المازيار ضمانه، وانضم إلى موسى الزاهد قوم من السعاة، فقالوا: فلان يحتمل عشرة آلاف، وفلان يحتمل عشرين ألفا وأقل وأكثر، وجعلوا يستأكلون الناس أهل الخراج وغيرهم، فلما مضى لذلك أيام، رد مازيار الرسل مقتضيا المال، ومتنجزا ما كان من ضمان موسى الزاهد، فلم ير لذلك أثرا ولا تحقيقا، وتحقق قول أحمد، وألزمه الذنب وعلم المازيار أن ليس عند القوم ما يؤدون، وإنما أراد أن يلقي الشر بين أصحاب الخراج، ومن لا خراج عليه من التجار والصناع.
قال: ثم إن سرخاستان كان معه ممن اختار من أبناء القواد وغيرهم من أهل آمل فتيان لهم جلد وشجاعة، فجمع منهم في داره مائتين وستين فتى ممن يخاف ناحيته، وأظهر أنه يريد جمعهم للمناظرة، وبعث إلى الأكرة المختارين من الدهاقين، فقال لهم: إن الأبناء هواهم مع العرب والمسودة، ولست آمن غدرهم ومكرهم، وقد جمعت أهل الظنة ممن أخاف ناحيته، فاقتلوهم لتأمنوا، ولا يكون في عسكركم ممن يخالف هواه هواكم ثم أمر بكتفهم
[ ٩ / ٨٦ ]
ودفعهم إلى الأكره ليلا، فدفعوهم إليهم، وصاروا بهم إلى قناة هناك، فقتلوهم ورموا بهم في آبار تلك القناة وانصرفوا فلما ثاب إلى الأكرة عقولهم ندموا على فعلهم، وفزعوا من ذلك، فلما علم المازيار أن القوم ليس عندهم ما يؤدونه إليه، بعث إلى الأكرة المختارين الذين قتلوا المائتين والستين فتى، فقال لهم: إني قد أبحتكم منازل أرباب الضياع وحرمهم- إلا ما كان من جارية جميلة من بناتهم، فإنها تصير للملك- وقال لهم: صيروا إلى الحبس فاقتلوا أرباب الضياع جميعهم قبل ذلك، ثم حوزوا بعد ذلك، ما وهبت لكم من المنازل والحرم، فجبن القوم عن ذلك وخافوا وحذروا فلم يفعلوا ما أمرهم به.
قال: وكان الموكلون بالسور من أصحاب سرخاستان يتحدثون ليلا مع حرس الحسن بن الحسين بن مصعب، وبينهم عرض الخندق، حتى استأنس بعضهم ببعض، وتآمروا وحرس سرخاستان بتسليم السور إليهم، فسلموه، ودخل أصحاب الحسن بن الحسين من ذلك الموضع إلى عسكر سرخاستان في غفلة من الحسن بن الحسين ومن سرخاستان، فنظر أصحاب الحسن إلى قوم يدخلون من الحائط، فدخلوا معهم، فنظر الناس بعضهم إلى بعض، فثاروا.
وبلغ الحسن بن الحسين بن مصعب، فجعل يصيح بالقوم ويمنعهم، ويقول:
يا قوم، إني أخاف عليكم أن تكونوا مثل قوم داوندان، ومضى أصحاب قيس بن زنجويه- وهو من أصحاب الحسن بن الحسين- حتى نصبوا العلم على السور في معسكر سرخاستان، وانتهى الخبر إلى سرخاستان أن العرب قد كسروا السور، ودخلوا بغتة، فلم تكن له همة إلا الهرب، وكان سرخاستان في الحمام، فسمع الصياح، فخرج هاربا في غلالة وقال الحسن بن الحسين حين لم يقدر على رد أصحابه: اللهم إنهم قد عصوني وأطاعوك، اللهم فاحفظهم وانصرهم، ولم يزل أصحاب الحسن يتبعون القوم حتى صاروا إلى الدرب الذي على السور فكسروه، ودخل الناس من غير مانع حتى استولوا على جميع ما في العسكر، ومضى قوم في الطلب.
وذكر عن زراره بن يوسف السجزى أنه قال: مررت في الطلب، فبينا
[ ٩ / ٨٧ ]
أنا كذلك، إذ صرت إلى موضع عن يسرة الطريق، فوجلت من الممر فيه، ثم تقحمته بالرمح من غير أن أرى أحدا، وصحت: من أنت؟ ويلك! فإذا شيخ جسيم قد صاح زينهار- يعني الأمان- قال: فحملت عليه، فأخذته، وشددت كتافه، فإذا هو شهريار أخو أبي صالح سرخاستان، صاحب العسكر، قال: فدفعته إلى قائدي يعقوب بن منصور، وحال الليل بيننا وبين الطلب، فرجع الناس إلى المعسكر، وأتي بشهريار إلى الحسن بن الحسين فضرب عنقه وأما أبو صالح فمضى حتى صار على خمسة فراسخ من معسكره، وكان عليلا، فجهده العطش والفزع، فنزل في غيضة يمنة الطريق إلى سفح جبل، وشد دابته واستلقى، فبصر به غلام له ورجل من أصحابه يقال له جعفر بن ونداميد، فنظر إليه نائما، فقال سرخاستان:
يا جعفر، شربة ماء، فقد جهدني العطش، قال: فقلت: ليس معي إناء أغرف به من هذا الموضع، فقال سرخاستان: خذ رأس جعبتي فاسقني به، قال جعفر: وملت إلى عداد من أصحابي، فقلت لهم: هذا الشيطان قد أهلكنا فلم لا نتقرب به إلى السلطان، ونأخذ لأنفسنا الأمان! فقالوا لجعفر: كيف لنا به؟ قال: فوقفهم عليه، وقال لهم: أعينوني ساعة، وأنا أثاوره، فأخذ جعفر خشبة عظيمة وسرخاستان مستلق، فألقى نفسه عليه، وملكوه وشدوه كتافا مع الخشبة، فقال لهم أبو صالح: خذوا مني مائة ألف درهم واتركوني، فإن العرب لا تعطيكم شيئا، قالوا له: أحضرها، قال: هاتوا ميزانا، قالوا:
ومن اين هاهنا ميزان؟ قال: فمن اين هاهنا ما أعطيكم! ولكن صيروا معي إلى المنزل، وأنا أعطيكم العهود والمواثيق أني أفي لكم بذلك، وأوفر عليكم، فصاروا به إلى الحسن بن الحسين، فاستقبلتهم خيل للحسن بن الحسين، فضربوا رءوسهم، وأخذوا سرخاستان منهم، فهمتهم أنفسهم، ومضى أصحاب الحسن بأبي صالح إلى الحسن، فلما وقفوه بين يديه، دعا الحسن قواد طبرستان، مثل محمد بن المغيرة بن شعبة الأزدي وعبد الله بن محمد القطقطي الضبي والفتح بن قراط وغيرهم، فسألهم: هذا سرخاستان؟ قالوا: نعم، فقال لمحمد
[ ٩ / ٨٨ ]
ابن المغيرة، قم فاقتله بابنك وأخيك، فقام إليه فضربه بالسيف، وأخذته السيوف فقتل.