ذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام،
[ ٩ / ١٥١ ]
وقد قعد مجلسا كان أول مجلس قعده، فكان أول ما تغني به من الغناء في ذلك المجلس، ان تغنت شاريه جارية إبراهيم بن المهدي:
ما درى الحاملون يوم استقلوا نعشه للثواء أم للفناء
فليقل فيك باكياتك ما شئن صباحا ووقت كل مساء
قال: فبكى والله وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، ثم اندفع بعض المغنيين فغنى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجل!
قال: فازداد والله في البكاء، وقال: ما سمعت كاليوم قط تعزيه باب ونعى نفس، ثم ارفض ذلك المجلس.
وذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع أن علي بن الجهم قال في الواثق بعد أن ولي الخلافة:
قد فاز ذو الدنيا وذو الدين بدولة الواثق هارون
أفاض من عدل ومن نائل ما أحسن الدنيا مع الدين!
قد عم بالإحسان في فضله فالناس في خفض وفي لين
ما أكثر الداعي له بالبقا وأكثر التالي بآمين
وقال علي بن الجهم أيضا فيه:
وثقت بالملك الواثق بالله النفوس
ملك يشقى به المال ولا يشقى الجليس
أنس السيف به واستوحش العلق النفيس
أسد تضحك عن شداته الحرب العبوس
يا بني العباس يأبى الله إلا أن تسوسوا
[ ٩ / ١٥٢ ]
فغنت قلم جارية صالح بن عبد الوهاب في هذين الشعرين، وغنت في شعر محمد بن كناسة:
في انقباض وحشمة فإذا جالست أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها وقلت ما شئت غير محتشم
فغنته الواثق، فاستحسنه، فبعث إلى ابن الزيات: ويحك من صالح ابن عبد الوهاب هذا! فابعث إليه فأشخصه، وليحمل جاريته، فغدا بها صالح إلى الواثق، فأدخلت عليه، فلما تغنت ارتضاها، فبعث إليه، فقال: قل، فقال: مائة ألف دينار يا أمير المؤمنين وولاية مصر، فردها، ثم قال أحمد بن عبد الوهاب أخو صالح في الواثق:
أبت دار الأحبة أن تبينا أجدك ما رأيت لها معينا
تقطع حسرة من حب ليلى نفوس ما أثبن ولا جزينا
فصنعت فيه قلم جارية صالح، فغناه زرزر الكبير للواثق، فقال: لمن ذا؟ فقال: لقلم، فبعث الى ابن الزيات، فاشخص صالحا ومعه قلم، فلما دخلت عليه، قال: هذا لك؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين، قال:
بارك الله عليك! وبعث إلى صالح: استم وقل قولا يتهيأ أن تعطاه، فبعث إليه: قد أهديتها إلى أمير المؤمنين، فبارك الله لأمير المؤمنين فيها.
قال: قد قبلتها، يا محمد، عوضه خمسة آلاف دينار، وسماها اغتباط فمطله ابن الزيات، فأعادت الصوت وهو:
أبت دار الأحبة ان تبينا اجدك هل رايت لها معينا
فقال لها: بارك الله عليك وعلى من رباك، فقالت: يا سيدي وما ينتفع من رباني، وقد أمرت له بشيء لم يصل اليه! فقال الواثق: يا سمانه، الدواة، فكتب إلى ابن الزيات: ادفع إلى صالح بن عبد الوهاب ما عوضناه من ثمن
[ ٩ / ١٥٣ ]
اغتباط خمسة آلاف دينار، وأضعفها قال صالح: فصرت إلى ابن الزيات فقربني، وقال: هذه الخمسة الأولى، خذها، والخمسة آلاف الأخرى أدفعها إليك بعد جمعة، فإن سئلت، فقل: إني قبضت المال قال: فكرهت أن أسأل فأقر بالقبض، فاختفيت في منزلي حتى دفع إلي المال، فقال لي سمانه:
قبضت المال؟ قلت: نعم، وترك عمل السلطان، وتجر بها، حتى توفي.