وفي هذه السنه عقد المعتصم للافشين خيذر بن كاوس على الجبال، ووجه به لحرب بابك، وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، فعسكر بمصلى بغداد، ثم صار إلى برزند.
ذكر الخبر عن أمر بابك ومخرجه:
ذكر أن ظهور بابك كان في سنه احدى ومائتين، وكانت قريته ومدينته البذ، وهزم من جيوش السلطان، وقتل من قواده جماعة، فلما أفضى الأمر إلى المعتصم، وجه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبني الحصون التي خربها بابك فيما بين زنجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل، فتوجه أبو سعيد لذلك، وبنى الحصون التي خربها بابك، ووجه بابك سرية له في بعض غاراته، وصير أميرهم رجلا
[ ٩ / ١١ ]
يقال له معاوية، فخرج فأغار على بعض النواحي، ورجع منصرفا، فبلغ ذلك أبا سعيد محمد بن يوسف، فجمع الناس وخرج إليه يعترضه في بعض الطريق، فواقعه، فقتل من أصحابه جماعة، وأسر منهم جماعة، واستنقذ ما كان حواه، فهذه أول هزيمة كانت على اصحاب بابك ووجه ابو سعيد الرءوس والأسرى إلى المعتصم بالله.
ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث، وذلك أن محمد بن البعيث كان في قلعة له حصينة تسمى شاهي، كان ابن البعيث أخذها من الوجناء بن الرواد، عرضها نحو من فرسخين، وهي من كورة أذربيجان، وله حصن آخر في بلاد أذربيجان يسمى تبريز، وشاهي أمنعهما، وكان ابن البعيث مصالحا لبابك، إذا توجهت سراياه نزلت به فأضافهم، وأحسن إليهم حتى أنسوا به، وصارت لهم عادة ثم أن بابك وجه رجلا من اصحابه يقال له عصمه من اصبهبذته في سرية، فنزل بابن البعيث، فأنزل إليه ابن البعيث على العادة الجارية الغنم والإنزال وغير ذلك، وبعث إلى عصمة أن يصعد إليه في خاصته ووجوه أصحابه، فصعد فغداهم وسقاهم حتى أسكرهم، ثم وثب على عصمة فاستوثق منه، وقتل من كان معه من أصحابه، وأمره أن يسمى رجلا رجلا من أصحابه باسمه، فكان يدعى بالرجل باسمه فيصعد، ثم يأمر به فيضرب عنفه، حتى علموا بذلك، فهربوا ووجه ابن البعيث بعصمة إلى المعتصم- وكان البعيث أبو محمد صعلوكا من صعاليك ابن الرواد- فسأل المعتصم عصمة عن بلاد بابك، فأعلمه طرقها ووجوه القتال فيها، ثم لم يزل عصمة محبوسا إلى أيام الواثق ولما صار الأفشين إلى برزند عسكر بها، ورم الحصون فيما بين برزند وأردبيل، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خش، فاحتفر فيه خندقا، وأنزل الهيثم الغنوي القائد من أهل الجزيرة في رستاق يقال له أرشق، فرم حصنه، وحفر حوله خندقا، وأنزل علويه الأعور من قواد الأبناء في حصن مما يلي أردبيل يسمى حصن النهر، فكانت السابلة
[ ٩ / ١٢ ]
والقوافل تخرج من أردبيل معها من يبذرقها حتى تصل إلى حصن النهر، ثم يبذرقها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوي، ويخرج هيثم فيمن جاء من ناحيته حتى يسلمه إلى أصحاب حصن النهر، ويبذرق من جاء من أردبيل حتى يصير الهيثم وصاحب حصن النهر في منتصف الطريق، فيسلم صاحب حصن النهر من معه إلى هيثم، ويسلم هيثم من معه إلى صاحب حصن النهر، فيسير هذا مع هؤلاء.
وهذا مع هؤلاء وإن سبق أحدهما صاحبه إلى الموضع لم يجزه حتى يجيء الآخر، فيدفع كل واحد منهما من معه إلى صاحبه ليبذرقهم، هذا إلى أردبيل، وهذا إلى عسكر الأفشين، ثم يبذرق الهيثم الغنوي من كان معه إلى أصحاب أبي سعيد، وقد خرجوا فوقفوا على منتصف الطريق، معهم قوم، فيدفع أبو سعيد وأصحابه من معهم إلى الهيثم، ويدفع الهيثم من معه إلى أصحاب أبي سعيد، فيصير أبو سعيد وأصحابه بمن في القافلة إلى خش، وينصرف الهيثم وأصحابه بمن صار في أيديهم إلى أرشق حتى يصيروا به من غد، فيدفعوهم إلى علوية الأعور وأصحابه ليوصلوهم إلى حيث يريدون، ويصير أبو سعيد ومن معه إلى خش، ثم إلى عسكر الأفشين، فتلقاه صاحب سيارة الأفشين، فيقبض منه من في القافلة، فيؤديهم إلى عسكر الأفشين، فلم يزل الأمر جاريا على هذا، وكلما صار إلى أبي سعيد او الى أحد من المسالح أحد من الجواسيس وجهوا به إلى الأفشين، فكان الأفشين لا يقتل الجواسيس ولا يضربهم، ولكن يهب لهم ويصلهم ويسألهم ما كان بابك يعطيهم، فيضعفه لهم، ويقول للجاسوس: كن جاسوسا لنا.
سنه ٢٢٠