وفي هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة: لمحمد وسماه المنتصر، ولأبي عبد الله بن قبيحة- ويختلف في اسمه، فقيل إن اسمه محمد، وقيل:
[ ٩ / ١٧٥ ]
اسمه الزبير، ولقبه المعتز- ولإبراهيم وسماه المؤيد بولاية العهد، وذلك- فيما قيل- يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة- وقيل لليلتين بقيتا منه- وعقد لكل واحد منهم لواءين، أحدهما أسود وهو لواء العهد، والآخر أبيض وهو لواء العمل، وضم إلى كل واحد من العمل ما أنا ذاكره.
فكان ما ضم إلى ابنه محمد المنتصر من ذلك إفريقية والمغرب كله من عريش مصر إلى حيث بلغ سلطانه من المغرب وجند قنسرين والعواصم والثغور الشامية والجزرية وديار مضر وديار ربيعه والموصل وهيت وعانات والخابور وقرقيسيا وكورباجرمى وتكريت وطساسيج السواد وكور دجلة والحرمين واليمن وعك وحضر موت واليمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفرج بيت الذهب وكور الأهواز والمستغلات بسامرا وماه الكوفة وماه البصره وماسبذان ومهرجانقذق وشهرزور ودراباذ والصامغان وأصبهان وقم وقاشان وقزوين وأمور الجبل والضياع المنسوبة إلى الجبال وصدقات العرب بالبصرة.
وكان ما ضم إلى ابنه المعتز كور خراسان وما يضاف إليها، وطبرستان والري وأرمينية وأذربيجان وكور فارس ضم إليه في سنة أربعين خزن بيوت الأموال في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر بضرب اسمه على الدراهم.
وكان ما ضم إلى ابنه المؤيد جند دمشق وجند حمص وجند الأردن وجند فلسطين، فقال أبو الغصن الأعرابي:
إن ولاة المسلمين الجله محمد ثم أبو عبد الله
ثمت إبراهيم آبي الذله بورك في بني خليفة الله
وكتب بينهم كتابا نسخته:
هذا كتاب كتبه عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، وأشهد الله على نفسه بجميع ما فيه ومن حضر من أهل بيته وشيعته وقواده وقضاته وكفاته وفقهائه وغيرهم من المسلمين لمحمد المنتصر بالله، ولأبي عبد الله المعتز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله، بني أمير المؤمنين، في أصالة من رأيه، وعموم من عافية بدنه، واجتماع من فهمه، مختارا لما شهد به، متوخيا بذلك طاعة ربه، وسلامة رعيته واستقامتها وانقياد طاعتها، واتساع كلمتها،
[ ٩ / ١٧٦ ]
وصلاح ذات بينها، وذلك في ذي الحجة سنه خمسه وثلاثين ومائتين انه جعل، إلى محمد المنتصر بالله بن جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ولاية عهد المسلمين في حياته والخلافة عليهم من بعده، وأمره بتقوى الله التي هي عصمة من اعتصم بها ونجاة من لجأ إليها، وعز من اقتصر عليها، فإن بطاعة الله تتم النعمة، وتجب من الله الرحمة، والله غفور رحيم وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين الخلافة من بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين إلى أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، ثم من بعد أبي عبد الله المعتز ابن أمير المؤمنين الخلافة إلى إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين لمحمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابنى امير المؤمنين السمع والطاعة والنصيحة والمشايعة والموالاة لأوليائه والمعاداة لأعدائه، في السر والجهر، والغضب والرضا، والمنع والإعطاء، والتمسك ببيعته، والوفاء بعهده، لا يبغيانه غائلة، ولا يحاولانه مخاتلة، ولا يمالئان عليه عدوا، ولا يستبدان دونه بأمر يكون فيه نقض لما جعل إليه أمير المؤمنين من ولاية العهد في حياته والخلافة من بعده.
وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبي عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابني أمير المؤمنين الوفاء بما عقده لهما، وعهد به إليهما من الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، وإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخليفة من بعد أبي عبد الله المعتز بالله ابن امير المؤمنين، والإتمام على ذلك، والا يخلعهما ولا واحدا منهما، ولا يعقد دونهما ولا دون واحد منهما بيعة لولد، ولا لأحد من جميع البرية، ولا يؤخر منهما مقدما، ولا يقدم منهما مؤخرا، ولا ينقصهما ولا واحدا منهما شيئا من أعمالهما التي ولاهما عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين وكل واحد منهما، من الصلاة والمعاون والقضاء
[ ٩ / ١٧٧ ]
والمظالم والخراج والضياع والغنيمة والصدقات وغير ذلك من حقوق أعمالهما، وما في عمل كل واحد منهما، من البريد والطرر وخزن بيوت الأموال والمعاون ودور الضرب وجميع الأعمال التي جعلها أمير المؤمنين، ويجعلها إلى كل واحد منهما، ولا ينقل عن واحد منهما أحدا من ناحيته من القواد والجند والشاكرية والموالي والغلمان وغيرهم، ولا يعترض عليه في شيء من ضياعه وإقطاعاته وسائر أمواله وذخائره وجميع ما في يده، وما حواه وملكت يده من تالد وطارف، وقديم ومستأنف، وجميع ما يستفيده ويستفاد له بنقص، ولا يحرم ولا يجنف، ولا يعرض لأحد من عماله وكتابه وقضاته وخدمه ووكلائه وأصحابه، وجميع أسبابه بمناظرة ولا محاسبة، ولا غير ذلك من الوجوه والأسباب كلها، ولا يفسخ فيما وكده أمير المؤمنين لهما في هذا العقد والعهد، بما يزيل ذلك عن جهته، أو يؤخره عن وقته، أو يكون ناقضا لشيء منه.
وجعل عبد الله جعفر المتوكل على الله أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين إن أفضت إليه الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين مثل الشرائط التي اشترطها على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين بجميع ما سمى فيه ووصف في هذا الكتاب، وعلى ما بين وفسر، مع الوفاء من أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، بما جعله أمير المؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين من الخلافة وتسليم ذلك راضيا به ممضيا له، مقدما ما فيه حق الله عليه وما أمره به أمير المؤمنين، غير ناكث ولا ناكب بذلك، ولا مبدل، فإن الله تعالى جده وعز ذكره يتوعد من خالف أمره، وعند عن سبيله في محكم كتابه: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
» على أن لأبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن امير المؤمنين، الامان، وهما مقيمان بحضرته أو أحدهما، أو كانا غائبين عنه، أو مجتمعين كانا أو متفرقين ويستمر أبو عبد الله
[ ٩ / ١٧٨ ]
المعتز بالله ابن أمير المؤمنين في ولايته بخراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمومة إليها، ويستمر إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين في ولايته بالشام وأجنادها، فعلى محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، أن يمضي أبا عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين إلى خراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمومة إليها، وأن يسلم له ولايتها وأعمالها كلها وأجنادها والكور الداخلة فيما ولي جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين أبا عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، فلا يعوقه عنها، ولا يحبسه قبله ولا في شيء من البلدان دون خراسان والكور والأعمال المضمومة إليها، وإن يعجل إشخاصه إليها واليا عليها وعلى جميع أعمالها، مفردا بها مفوضا إليه أعمالها كلها، لينزل حيث أحب من كور عمله، ولا ينقله عنها، وأن يشخص معه جميع من ضم إليه أمير المؤمنين، ويضم من مواليه وقواده وشاكريته وأصحابه وكتابه وعماله وخدمه ومن اتبعه من صنوف الناس بأهاليهم وأولادهم وعيالهم وأموالهم، ولا يحبس عنه أحدا، ولا يشرك في شيء من أعماله أحدا، ولا يوجه عليه أمينا ولا كاتبا ولا بريدا، ولا يضرب على يده في قليل ولا كثير.
وأن يطلق محمد المنتصر بالله لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخروج إلى الشام وأجنادها فيمن ضم أمير المؤمنين ويضمه إليه من مواليه وقواده وخدمه وجنوده وشاكريته وصحابته وعماله وخدامه ومن اتبعه من صنوف الناس باهاليها وأولادهم وأموالهم، ولا يحبس عنهم أحدا، ويسلم اليه ولايتها وأعمالها وجنودها كلها، لا يعوقه عنها، ولا يحبسه قبله ولا في شيء من البلدان دونها، وأن يعجل إشخاصه إلى الشام وأجنادها واليا عليها، ولا ينقله عنها، وأن عليه له فيمن ضم إليه من القواد والموالي والغلمان والجنود والشاكرية وأصناف الناس وفي جميع الأسباب والوجوه مثل الذي اشترط على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين في خراسان وأعمالها على ما رسم من ذلك، وبين ولخص، وشرح في هذا الكتاب.
ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتز بالله ابن
[ ٩ / ١٧٩ ]
أمير المؤمنين- إذا أفضت الخلافة إليه، وإبراهيم المؤيد بالله مقيم بالشام- أن يقره بها أو كان بحضرته، أو كان غائبا عنه، أن يمضيه إلى عمله من الشام، ويسلم إليه أجنادها وولايتها وأعمالها كلها، ولا يعوقه عنها، ولا يحبسه قبله ولا في شيء من البلدان دونها، وأن يعجل إشخاصه إليها واليا عليها وعلى جميع أعمالها، على مثل الشرط الذي أخذ لأبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين في خراسان وأعمالها، على ما رسم ووصف وشرط في هذا الكتاب، لم يجعل أمير المؤمنين لواحد ممن وقعت عليه وله هذه الشروط، من محمد المنتصر بالله، وأبي عبد الله المعتز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله، بني أمير المؤمنين، أن يزيل شيئا مما اشترطنا في هذا الكتاب، ووكدنا، وعليهم جميعا الوفاء به، لا يقبل الله منهم إلا ذلك، ولا التمسك إلا بعهد الله فيه، وكان عهد الله مسؤلا.
أشهد الله رب العالمين جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ومن حضره من المسلمين بجميع ما في هذا الكتاب على إمضائه إياه، على محمد المنتصر بالله، وأبي عبد الله المعتز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله، بني أمير المؤمنين بجميع ما سمى ووصف فيه، وكفى بالله شهيدا ومعينا لمن أطاعه راجيا، ووفى بعهده خائفا وحسيبا، ومعاقبا من خالفه معاندا، أو صدف عن أمره مجاهدا.
وقد كتب هذا الكتاب أربع نسخ، وقعت شهادة الشهود بحضرة أمير المؤمنين في كل نسخة منها، في خزانة أمير المؤمنين نسخة، وعند محمد المنتصر ابن أمير المؤمنين نسخة، وعند أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين نسخة، ونسخة عند إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين.
وقد ولى جعفر الإمام المتوكل على الله أبا عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين أعمال فارس وأرمينية وأذربيجان إلى ما يلي أعمال خراسان وكورها والأعمال المتصلة بها والمضمومة إليها، على أن يجعل له على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين في ذلك الذي جعل له في الحياطة في نفسه والوثاق في أعماله، والمضمومين إليه، وسائر من يستعين به من الناس جميعا في خراسان والكور المضمومة إليها والمتصلة بها على ما سمى ووصف في هذا الكتاب
[ ٩ / ١٨٠ ]
وقال إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول يمدح بني المتوكل الثلاثة:
المنتصر، والمعتز، والمؤيد:
أضحت عرى الإسلام وهي منوطة بالنصر والإعزاز والتأييد
بخليفة من هاشم وثلاثة كنفوا الخلافة من ولاة عهود
قمر توالت حوله أقماره يكنفن مطلع سعده بسعود
كنفتهم الآباء واكتنفت بهم فسعوا بأكرم أنفس وجدود
وله في المعتز بالله:
أشرق المشرق بالمعتز بالله ولاحا إنما المعتز طيب بث في الناس ففاحا
وله أيضا فيها:
الله أظهر دينه وأعزه بمحمد والله أكرم بالخلافة جعفر بن محمد
والله أيد عهده بمحمد ومحمد ومؤيد لمؤيدين إلى النبي محمد
وفيها كانت وفاة إسحاق بن إبراهيم صاحب الجسر في يوم الثلاثاء لست بقين من ذي الحجة وقيل كانت وفاته لسبع بقين منه، وصير ابنه مكانه، وكسي خمس خلع، وقلد سيفا، وبعث المتوكل حين انتهى إليه خبر مرضه بابنه المعتز لعيادته مع بغا الشرابي وجماعة من القواد والجند وذكر أن ماء دجلة تغير في هذه السنة إلى الصفرة ثلاثة أيام، ففزع
[ ٩ / ١٨١ ]
الناس لذلك، ثم صار في لون ماء المدود وذلك في ذي الحجة.
وفيها أتي المتوكل بيحيى بن عمر بن حسين بن زيد بن علي بن ابى طالب ع من بعض النواحي، وكان- فيما ذكر- قد جمع قوما، فضربه عمر بن فرج ثمان عشرة مقرعة، وحبس ببغداد في المطبق.
وحج بالناس في هذه السنة محمد بْن داود.
[ ٩ / ١٨٢ ]
ثم دخلت