وكما نسب الأخباريون عرب الجنوب إلى قحطان، نسبوا عرب الشمال إلى عدنان فسموهم العدنانيين أو المستعربة، ومنهم من نسبهم إلى "معد" وسموهم "المعديين"، أو إلى ابنه "نزار" فسموهم "النزاريين". ومع أن العلماء المحدثين يشكون في صحة هذه الأنساب، إلا أن هناك إجماعًا تامًّا بين النسابين على أن العرب المستعربة تنحدر من إسماعيل "﵇"، بتأييد من القرآن الكريم الذي لم يشر مع ذلك إلى انحدار العرب من جدين كبيرين أو أكثر ولم يذكر قط لا قحطان ولا عدنان بل خاطب العرب المسلمين بكونهم من نسل إسماعيل بن إبراهيم.
وقد تكون تسمية العدنانية باسم "العرب المستعربة" لكونهم -على ما ذكر النسابون- قد انضموا إلى العروبة بينما لم يكونوا من العرب الأصليين، باعتبار أن الجد الذي يرجع النسابون نسب عدنان إليه هو إسماعيل بن إبراهيم الكلداني الأصل، إذ تقول القصة التي تروي خبر إبراهيم أنه ولد في مدينة "أور" الكلدانية ببلاد الرافدين من أب نجار كان يصنع الأصنام.
وأنه لما قدم إلى مصر، هربًا من قومه الذين كفروه بعد أن دعاهم إلى الهداية ونبذ الأصنام، تزوج من زوجته الثانية هاجر المصرية التي ولدت له إسماعيل. وقد اضطر إلى القدوم بها مع ابنهما إسماعيل إلى الحجاز حيث تركها، فشب إسماعيل وتزوج من فتاة جرهمية ورزق منها اثني عشر ولدًا ذكرًا تناسلوا وكثرت ذراريهم، وتألفت من مجموعهم قبائل العرب المستعربة؛ ولذا وضعهم النسابون في المرتبة الثالثة من طبقات العرب.
[ ٥٧ ]
إلا أن بعض المحدثين قد ذهبوا إلى القول بأن هذا التقسيم إن هو إلا من صنع الأخباريين اليمنيين الذين أرادوا الحط من قدر خصومهم عرب الشمال بنفي العروبة الأصلية عنهم، وقد رد بعضهم سبب الخصومة والعداء إلى ما يكون عادة من نزاع بين البداوة والحضارة١.
وأما قصة عدنان فيكتنفها الشك من جميع جوانبها؛ ذلك أن النسابين قد اختلفوا في نسبه اختلافًا كبيرًا، أضفى على حياته وشخصيته ظلالًا كثيفة من الغموض. لقد اختلفوا في عدد الآباء والأجداد الذين تعاقبوا بينه وبين إسماعيل، كما اختلفوا في طول المدة التي فصلت بينهما، لا سيما وأن أسماء من ذكروا من هؤلاء الآباء والجدود تبدو عليها المسحة الأعجمية؛ إذ إنها غريبة عن الأسماء العربية، ولا بد أن الأخباريين قد أخذوها من أهل الكتاب وقصصهم، بينما يلاحظ أن الأسماء التي وردت بعد عدنان من أولاد وذرارٍ هي أسماء عربية صحيحة، لا علاقة لها بالتوراة، ويبدو أن النسابين العرب لم يقتبسوها من روايات أهل الكتاب.
_________________
(١) ١ أحمد أمين: فجر الإسلام، ص٦.
[ ٥٨ ]