بالرغم من أن اللغة العربية الجنوبية واللغة العربية الشمالية تمتان إلى الأصل السامي الواحد وتتشابهان، فإن لغة الجنوب قد اختلفت نوعًا ما عن لغة الشمال، مما دعا علماء اللغات إلى اعتبارها من لغات القسم الجنوبي للمجموعة السامية. وقد تفرعت إلى لهجات بحسب عصور الحكم المتعاقبة "اللهجة المعينية والسبئية والحميرية" ثم بدأت بالضعف بعد أن أخذت دول اليمن في الانحطاط، وانتقلت الأهمية إلى مناطق الشمال التي استقطبت نفوس العرب بمركزها الديني والاقتصادي، وطغت لغتها على لغة الجنوب، حتى إذا دخل دين الإسلام إلى الجنوب العربي، ودخلت معه لغة قريش، تلاشت كل لهجات الجنوب تلاشيا تاما، ولم يبق منها سوى النقوش والكتابات التي عثر عليها المستشرقون والرحالة الأوربيون، ونقلوها إلى أوروبا، حيث انصرفوا إلى فك رموزها، إلى أن تمكن العالمان "أوسيندر ورود يكردي هال" من قراءتها وتفسير نصوصها.
ويسمى الخط الذي كانت تكتب به هذه اللغات بالخط المسند؛ لأن حروفه تشبه
[ ٩٥ ]
الخطوط المستقيمة المتعامدة التي يستند بعضها على بعض، وتتألف أبجديتها من "٢٩" حرفًا هي الحروف العربية الـ ٢٨، مضافًا إليها السين الثانية وهي مقتبسة من الأبجدية التي كشف عنها مؤخرًا في "سرابيط الخادم" بسيناء، والتي تبين أنها أصل للأبجدية الفينيقية أيضا، إذ كان كل من العرب والفينيقيين قد تأثروا بها واستوحوا منها بعض الإشارات، وأما أبجدية سيناء فقد تكون محورة عن الخط المصري القديم بحيث اقتبست أو استوحت منه الإشارة الدالة على المخارج الصوتية، وأهملت الإشارات الدالة على المعاني، فأحالت النظام الهجائي المعقد في الكتابة المصرية إلى نظام هجائي مبسط سهل الاستعمال. والكتابة اليمنية القديمة ليس لحروفها حركات في أواسط الكلم تحدد النطق بها؛ لذلك فإن ضبط النطق بها مسألة تخمينية. وتكتب الكلمات بحروف منفصلة عن بعضها كالكتابة الأوروبية، ويفصل بين كل كلمة وأخرى بخط عمودي. وأخيرًا فإن نسق الكتابة اليمنية من اليمين إلى الشمال. وقد وجدت بعض الكتابات التي سار فيها النسق على الشكل الحلزوني، أي: إن أول سطر من الكتابة يسير من اليمن إلى الشمال ويتبعه السطر الثاني من الشمال إلى اليمين، ثم الثالث من اليمين إلى الشمال، وهكذا دواليك.
[ ٩٦ ]