الفصل السادس: حضارة دول اليمن القديمة
كان أهل اليمن ذوي حضارة ومدنية عريقتين، عمروا المدن وشيدوا القصور، وزينوها بالذهب والفضة، ونعموا بمباهج الحياة، ورفلوا بالثياب المترفة المصنوعة من الخز والحرير وغيرهما من فاخر الأقمشة، واقتنوا آنية الذهب والفضة والأثاث والرياش الفاخر -حسبما جاء في وصف المؤرخ "آغاثر دس" لحياتهم- وهذا يدل، ولا شك على أنهم كانوا على نصيب كبير من الغنى والازدهار. وكان سبب غناهم عنايتهم بالزراعة والتجارة، تلك العناية التي اضطلعت بها دولهم العديدة التي سبق لنا دراسة تاريخها السياسي ويبقى علينا أن نلم بلمحة عن حضارتها.
وإن البحث لا يستقيم إلا إذا قدمنا له بلمحة عن أصل نظام الحكم في اليمن، فقد شبهة بعضهم بالنظام الإقطاعي الذي كان سائدًا في أوروبا خلال القرون الوسطى، إذ كانت اليمن تقسم إلى مخاليف "مفردها: مخلاف وهو أكبر وحدة سياسية وإدارية" تتبعها محافد "مفردها: محفد" وينقسم المحفد إلى مدن وقرى. وربما كان اليمن القديم مؤلفا من ٨٤ مخلافًا ذكرها اليعقوبي كلها، كما فصل الهمداني كل مخلاف بقراه وأوديته وجباله في كتابه "صفة جزيرة العرب"١. ويوضح الباحث العربي جورجي زيدان تقسيمات المحافد بقوله: إن اليمن كانت تقسم إلى محافد وهذه إلى قصور. والقصر كان كالحصن أو القلعة يحيط به سور، ويقيم فيه شيخ أو أمير يحف به الأعوان والحاشية والخدم، ويعرف صاحب المحفد بلفظ "ذو" بمعنى صاحب، فيقال مثلًا: "ذو غمدان" و"ذو معين" بمعنى صاحب غمدان، صاحب معين. وتسمى هذه الطبقة باسم "طبقة الأذواء" الذين كانوا يتدرجون في المراتب، وكل منهم يتبع الآخر. وهم يشبهون بارونات ولوردات أو
_________________
(١) ١ جورجي زيدان: العرب قبل الإسلام، ص١٠٩-١١٠.
[ ٨٨ ]
نبلاء وفرسان النظام الإقطاعي في أوروبا. ولكل من المحافد حكومته القائمة بذاتها، وأشهر المحافد أو القصور التي وصلت إلينا أسماؤها: غمدان، ناعط، صرواح، سلحين، ظفار، شبام، براقش إلخ. وقد بقي بعض هذه القصور إلى ما بعد الإسلام وذكرها بعض المؤرخين في كتبهم.
وقد تجتمع عدة مخاليف في وحدة إدارية أكبر يتولى أمورها أمير واحد يسمى "قيل" "جمعها: أقيال" ويقابل لقب ملك، وكان الأقيال يتحاربون ويتغازون، ويستولى أحدهم على مخلاف جاره، ويضمه إلى مخلافه، ويبسط سيطرته على أهله، ويجعل من المخلافين أو المخاليف العديدة التي يستولي عليها مملكة كبيرة ينظمها، ويجعل محفدة عاصمتها، فتنتسب المملكة إليه. وقد يطول بقاء المملكة أو يقصر، يتقلص سلطانها أو يتسع، ويتتالى الحكم عليها في أولاده. على هذه الصورة نشأت الدول في الجنوب العربي اليمني.
[ ٨٩ ]