المناذرة
يطلق الأخباريون على المناذرة اسم "آل لخم" و"آل تنوخ" وقد اختلفوا في رواية أخبارهم، وتناقضت أقوالهم حول منشئهم، بالإضافة إلى الاضطراب الذي وقعوا فيه من حيث عدد ملوكهم وتسلسلهم ومدد حكمهم. ولذلك لم يكن في استطاعة المؤرخين المحدثين الأخذ بما يروى من أخبارهم على علاتها في التأريخ لهم، ومثل ذلك في التأريخ لمعاصريهم الغساسنة. وكان لا بد لهؤلاء المؤرخين من الرجوع إلى الكتب اليونانية واللاتينية والسريانية التي ضمنها مؤلفوها إشاراتٍ إلى آل جفنة "الغساسنة" وآل لخم، فاتخذوا منها ركائز لتصحيح أغلاط الأخباريين، مع حرصهم على الحذر منها لعدم خلوها من مظان الشك والشبهة.
[ ١٢٣ ]
يرجع الأخباريون أصل المناذرة إلى عرب الجنوب، وينسبونهم إلى كهلان قائلين: إن قبائل عربية عديدة قدمت من الجنوب إثر تهدم سد مأرب، وتجمعت حول البحرين، منها قبيلتا لخم وتنوخ من أزد عمان، ونزحت كل منهما، واحدة تلو الأخرى، إلى جهات جنوبي العراق، تلمسًا لأسباب الرزق في المناطق الخصبة التي كانت تغري البدو وتجذبهم إليها، شأنهما في ذلك شأن سائر القبائل العربية التي كانت تنزح إلى الشمال الخصيب في هجرات متعاقبة.
إن هذه الأقوال وإن تكن معقولة من حيث إمكان تجمع قبائل عربية في البحرين، ثم نزوحها إلى المناطق الشمالية، غير أنها لا تخلو من تناقض مع الحقائق التاريخية؛ ذلك أن سد مأرب لم يتهدم إلا في أواخر القرن السادس الميلادي، بينما يحدد الأخباريون نزوحهم إلى الهلال الخصيب، في وقت موافق للقرن الثالث الميلادي١. ثم إن الدراسات التي قام بها المؤرخون المحدثون قد دلت على أن لغة أهل الحيرة التي قامت فيها دولة المناذرة لم تكن على لهجة واحدة، بل هي خليط من لهجات فيها من الحميرية وفيها من العدنانية وفيها من الهجنة، كما فيها من الرطانة النبطية. وهذا ما دفع بعض المؤرخين المحدثين إلى القول بأنهم من عرب الشمال، بينما يتبين من الدراسات التي أشرت إليها أن الظن يتجه إلى كونهم قبائل عديدة فيها من القحطانية وفيها من العدنانية، شملتهم تسمية "تنوخ" لا قبيلة واحدة أصلها من الجنوب.
ولعل ما جاء في رواية للطبري عن كيفية هجرة العرب إلى الحيرة ما يؤيد هذا القول، إذ يبين أن قبائل عديدة منها قبائل معدية عدنانية كانت تسكن تهامة فحدثت بينهم حروب فتشتتوا "وأقبلت منهم قبائل نزلت البحرين، وبها جماعة من الأزد كانوا قد نزلوا فيها من زمن" ثم يعدد القبائل النازحة إلى البحرين، ومنها ما هو معدي ومنها ما هو يمني، ويختم روايته بقوله: "فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب فتحالفوا على التنوّخ، وتعاقدوا على التآزر والتناصر، فصاروا يدًا على الناس، وضمهم اسم تنوخ"٢. والواقع أن هذا الاندماج يتفق مع ما ذكرناه سابقًا من إمكانية اندماج القبائل المتحالفة في اسم واحد تعرف جميعها به بمرور الزمن.
_________________
(١) ١ محمد مبروك نافع: المصدر نفسه، ص١١٥. ٢ د. جواد علي: ٤/ ١٨؛ الطبري: ٢/ ٣.
[ ١٢٤ ]
ولم يشكل هؤلاء وحدهم سكان الحيرة بل كان إلى جانبهم سكانها الأصليون ويطلق عليهم اسم "العباد" وهم حضر مستقرون يدينون بالمسيحية على المذهب النسطوري، بالإضافة إلى جماعة يسمون "الأحلاف" الذين لحقوا بالقبائل العربية التي نزحت إلى الحيرة، ولم يكونوا في الأصل لا من تنوخ ولا من العباد. كما كان في الحيرة جماعة من "النبط" وهم من بقايا قدماء العراقيين، وكان بعضهم يتكلم العربية برطانة ظاهرة، كما كان فيها جماعات من الفرس واليهود١.
ويظهر أن قبائل تنوخ قد قصدت الحيرة مغتنمة فرصة الضعف التي مرت بها الدولة الفارسية في مطلع القرن الثالث الميلادي؛ بسبب التنافس بين الأسرتين الفارسيتين: البارثية والساسانية٢، فتقدمت نحو الضفة الغربية من وادي الفرات الأسفل، وأقامت بيوتًا من الشعر في المكان المعروف باسم الحيرة؛ وهي في الغالب مدينة قديمة، قد يكون اسمها مشتقًّا من الكلمة السريانية "حرتا Harta" التي تعني المخيم أو المعسكر. وسرعان ما تحضرت هذه القبائل وعملت في حماية القوافل التجارية المارة بأراضيها، وأسهمت في العمل التجاري، وأقامت علاقات تجارية مع تدمر، بعد أن اعترفت الدولة البارثية، ومن بعدها الدولة الساسانية باستقلالها الذاتي مضطرتين إلى ذلك بسبب ضعفهما.
يختلف المؤرخون العرب القدامى فيمن هو مؤسس دولة المناذرة؛ فيذهب بعضهم إلى القول أنه نصر بن ربيعة بن لخم بن عدي من عرب الجنوب، بينما يروي ابن الكلبي أن أول ملك من ملوكها هو مالك بن فهم من تنوخ، ولما توفي ملك بعده أخوه عمرو بن فهم، وتلاه جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم. على أن الغالب لدى المؤرخين القدامى أن جذيمة هو أول ملوك الحيرة، ويتحدث الأخباريون عنه أنه كان به برص، فهابت العرب أن تكنيه به إعظامًا له فسمته "جذيمة الوضاح" أو "جذيمة الأبرش"، ويروون أنه اتخذ
_________________
(١) ١ د. جواد علي: ٤/ ١٤-١٦. ٢ الفتن الداخلية بدأت داخل الدولة البرثية منذ عام ١٩٧م تارة بين أفراد الأسرة الحاكمة وتارة أخرى بين الدولة وشعبها الذي كان يثير على ملوكها الشغب لضعفهم، إلى أن ثار الشعب الفارسي سنة ٢٢٤م بزعامة أردشير بن بابك من آل ساسان الذي تغلب على الدولة السابقة، وأسس عام ٢٢٦ عهد أسرة جديدة هي الأسرة الساسانية "راجع: تاريخ الدول الفارسية في العراق، بقلم علي ظريف الأعظمي، ص٢٦-٢٧".
[ ١٢٥ ]
صنمين يقال لهما "الضيزنان" وضعهما في مكان معروف بالحيرة، وكان يستقي ويستنصر بهما، وأنه كان يغازي قبيلة "إياد" النازلة في عين أباغ فسرقتهما إياد، ثم اضطرت إلى مفاوضته في ردهما، فاشترط عليها أن ترسل معهما غلامًا عندها، سمع بجماله وظرفه يسمى "عدي بن نصر" فوافق على ذلك، وهناك من الأخباريين من يجعل عديًّا ابن عم له، فضم عديا إلى حاشيته وولاه شرابه١. وتتمة الرواية أن عديا أحب أختا لجذيمة اسمها "رقاش" وأحبته، فتحايلا على أخيها فخطبها عدي منه وهو سكران، وبنى بها في الليلة نفسها٢. ولما كان الصباح وصحا جذيمة أدرك الحيلة فخاف عدي وهرب. ثم وضعت رقاش صبيًّا جميلًا سمي "عمرو" لم يلبث جذيمة أن أحبه وجعله وليا لعهده، فلما توفي تسنم العرش مكانه. وهناك روايات أخرى تجعل عديًّا ابنًا لربيعة بن نصر أو لنصر بن ربيعة في روايات أخرى؛ ولذا عرف ملوك الحيرة باسم "آل نصر" أيضًا٣.
أما رواية ابن الكلبي في الأغاني فتجعل عديا غلاما من لخم كان مقيما مع أخواله من إياد، حينما استقدمه جذيمة ليكون نديمه، ولم تذكر قصة الضيزنين ومغازاة إياد، إنما تنتهي بقصة أسطورية تقول: إن الجن استطارت عمرًا فاختفى، ثم تشاء الصدف أن يلتقي برجلين ومعهما قينة تسمى أم عمرو نصبت قدرا وصنعت طعاما، وهو على هيئة ذَرِيَّة، أشعث أغبر طالت أظافره، يمد يده إليها فتناوله شيئا يأكله، ثم يمدها ثانية فتقول: "إن يُعْطَ العبد كراعًا يتسع ذراعًا" فتذهب مَثَلًا، ثم تناول صاحبيها شرابا وتربط دنها، فيقول لها عمرو:
صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذي لا تصبحينا
ثم يتعرف الرجلان عليه فيعيدانه إلى خاله، وتلبسه أمه لباس الملوك وتجعل في عنقه طوقًا، وتدخله على جذيمة فيقول: "شب عمرو عن الطوق" فتذهب مثلا.
_________________
(١) ١ د. جواد علي ٤/ ٢٤-٢٥. ٢ ابن الأثير: الكامل ١/ ١٩٧. ٣ د. جواد علي: ٤/ ٢٩.
[ ١٢٦ ]
ويربط ابن الكلبي بين هذه القصة وقصة أخرى نسبت إلى جذيمة، كما نسبت إلى عدة ملوك من خلفائه، هي قصة النديمين، إذ أراد مكافأة الرجلين فخيرهما فيما يطلبان فقالا: منادمتك ما بقيت وما بقينا، فيصبحان نديميه في القصة المعروفة، وقد ضرب بهما المثل كما في قول أبي خراش الهذلي:
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا خليلَا صفاء مالكٌ وعقيل
أو كقول آخر:
وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
ثم يستطرد صاحب الأغاني إلى قصة جذيمة مع الزباء التي استدرجته إلى عاصمتها بدعوى الزواج منه، لكنها فتكت به انتقامًا منه لقتله والدها -كما قدمت في بحث المملكة التدمرية- إنما يورد ما لا يقبله الذوق والمنطق التاريخي من تصوير الزباء، سواء كانت ملكة تدمر أو غيرها، بصورة لكعاء ليست بذات خفر١، مما لا يتفق مع أخلاق الملوك. وهكذا نلاحظ أن الأخباريين يتخبطون في روايات يسودها الاضطراب ويسيطر عليها الخيال، ولا نستطيع أن نستنتج منها مادة تاريخية يوثق بصحتها.
_________________
(١) ١ الأغاني: ١٦/ ٥٦٦٥، ابن الأثير: الكامل ١/ ١٩٨-٢٠٠.
[ ١٢٧ ]