المظاهر الحضارية
١ - العلاقات الدبلوماسية:
اجتمعت في شخصية الخليفة عبد الرحمن الناصر مواهب عدة، أهلته لأن يكون حاكمًا ناجحًا، فهو سياسي مرن وقائد شجاع وإداري صلب، يضاف إلى ذلك ثقافة أدبية واسعة وذوق فني رفيع وشخصية كهذه، لا بد أن تترك بصماتها على دولة الأندلس بصورة عامة لا سيما قرطبة التي تألقت نصف قرن من الزمن مع هذا الخليفة الذي وصل بفضل جهوده الجبارة ومنجزاته العظيمة، إلى أن يجعل منها جوهرة العصر تزدحم بالسكان وتشمخ في سمائها العمائر والقصور، ويؤمها أصحاب العلم وطلابه من كل صوب، وبدأ الناصر بعد رحيل منافسه المعز إلى المشرق (١) وأفول شمس الإمبراطورية الكارولنجية، الشخصية الأكثر قوة في غربي البحر المتوسط وفوق ذلك كان باستطاعته أن يدعي الزعامة الدينية للعالم الإسلامي بعد تحجيم هذا الدور الذي استأثر به الخلفاء العباسيون زمنًا قبل أن يطغى عليهم ضباط القصر من الترك والديلم، وهكذا فإن الخليفة الناصر تحول في السنوات العشر الأخيرة من عهده إلى رجل العالم الإسلامي القوي، " له من متانة نظامه في الداخل وسمعته السياسية في الخارج، ما يؤهله لأن يكون موضع إعجاب وتقدير الشخصيات المعاصرة التي سعت إلى صداقته وإقامة علاقات ودية معه " (٢). والدول التي سعت إلى مصادقته وحرصت على إرسال السفراء إلى قرطبة هي:
١ - الدولة البيزنطية:
وكانت في مقدمة الدول الساعية إلى توطيد العلاقات مع الأندلس ولعل العداء
_________________
(١) يعني نقل مقر الدول الفاطمية إلى مصر.
(٢) بيضون: ٣٠٧.
[ ١٧٤ ]
المشترك للدولة العباسية كان من بين الأسباب في توطيد تلك العلاقات، وقد عاصر الخليفة الناصر من أباطرة بيزنطة الإمبراطور قسطنطين السابع المشهور عنه اهتمامه بالعلوم والآداب وكتب الأقدمين.
ويتحدث مؤرخونا عن سفارتين بيزنطيتين وصلتا الأندلس.
الأولى: كانت سنة ٣٣٦ هـ (٣) حيث بالغ الناصر في تزيين بلاطه والاحتفال بالسفراء وفي ذلك يقول ابن خلدون: " وزين القصر الخلافي بأنواع الزينة وأصناف الستور وجعل السرير الخلافي بمقاعد الأبناء والأخوة والأعمام والقرابة، ورتب الوزراء والخدمة في موقعهم ودخل الرسل فهالهم ما رأوا وقربوا حتى أدوا رسالتهم وأمر يومئذٍ الأعلام أن يخطبوا في ذلك المحفل ويعظموا أمر الإسلام والخلافة فاستعدوا لذلك ثم بهرهم هول المجلس فوجموا وشرعوا في القول فارتج عليهم (٤) فقام منذر بن سعيد البلوطي من غير استعداد ولا رويّة، ولا تقدم له أحد في ذلك بشيء فخطب وأنشد شعرًا طويلًا ارتجله في ذلك الغرض " (٥).
ورافقت هذه السفارة في طريق العودة بعثة من قبل الدولة العربية في الأندلس كان على رأسها هشام بن هذيل يحمل جوابًا من خليفته الناصر ويؤكد على توثيق العلاقات بين البلدين وقد استغرقت سفارة ابن هذيل قرابة السنتين (أي إلى سنة ٣٣٨ هـ) عاد بعدها إلى الأندلس (٦). وقيل: إنه عاد صحبة سفارة ثانية للإمبراطورية البيزنطية (٧) استقبلت بمثل ما استقبلت به السفارة الأولى، ويذكر ابن عذاري أن السفراء الوافدين حملوا كتابًا من إمبراطور دولتهم في رق سمائي اللون مكتوب بالذهب وعلى الكتاب طابع ذهب زنته أربعة مثاقيل على أحد وجوهه صورة المسيح ﵇، وعلى الوجه الآخر صورة الإمبراطور قسطنطين (٨) وولده.
وفي نفح الطيب (٩) وصف طريف مسهب لاستقبال هذه السفارة وعلى الرغم من أن
_________________
(١) في البيان المغرب لابن عذاري ٢/ ٣١٣ سنة ٣٣٤ هـ.
(٢) كان من بينهم أبو علي القالي البغدادي.
(٣) تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٤٣، وينظر: نفح الطيب ١/ ٣٦٤.
(٤) ابن خلدون: ٤/ ١٤٢.
(٥) ابن خلدون: ٤/ ١٤٣، ويشير ابن عذاري: ٢/ ٢١٥ إلى السفارة الثانية في سنة ٣٣٨ دون الإشارة إلى مهمة ابن هذيل.
(٦) البيان المغرب: ٢/ ٢١٥.
(٧) ١/ ٣٦٦ وما بعدها.
[ ١٧٥ ]
الخلط بين وقائع استقبال السفارتين لا يمكن الإغضاء عنه؛ إلا أنها لا تخلو من فائدة، فهي تصور تصويرًا دقيقًا فخامة بلاط الدولة العربية في الأندلس ومكانة هذه الدولة بين دول العالم آنذاك.
ومن نتائج هذه السفارات دخول بعض المؤلفات المهمة إلى الأندلس ككتاب الحشائش لديسقوريدس وكتاب هروشيش في التأريخ (١٠)، ونقل أكثر من مائة سارية وتحف غريبة استخدمت في بناء وتزيين مدينة الزهراء كما سيأتي بيانه.
٢ - الدول الرومانية المقدسة:
يشير ابن عذاري (١١) وابن خلدون (١٢) باختصار شديد إلى سفارة من قبل إمبراطور الألمان أتو الكبير، وصلت الأندلس سنة ٣٤٢ هـ (١٣)، وكانت برئاسة الراهب جان دي جورز (نسبة إلى دير جورز القريب من مدينة متز) وهو أحد علماء عصره في البحث والمناظرة (١٤)، وقد استقبلت هذه السفارة بما يليق أن يقابل به السفراء، ونزل أعضاؤها في أحد القصور الرسمية، وطبيعي أن يحاط بلاط الخليفة علمًا بأهداف ومهمة السفارة قبل الإذن لها بالمثول أمامه. ولكن ممثل الإمبراطور كما يبدو لم يكن على قدر من السلوك الدبلوماسي، ففي حين وصلت إلى مسامع البلاط أن السفير يحمل رسالة تتضمن انتقادًا لنظام الحكم العربي في الأندلس، وعبارات تمس مقدسات العقيدة، أصر السفير على مواجهة الخليفة، وطرح محتويات الرسالة أمامه وقد رفض الخليفة الناصر استقباله حتى يستوثق من أن الرسالة التي يحملها السفير تمثل وجهة نظر الإمبراطور أوتو الكبير أو أن حاملها الوافد " اهتبلها للإفضاء عن آرائه العدوانية في مجلس الخليفة " (١٥) وتم الاتفاق على إرسال سفارة عربية إلى أوتو الكبير تطلب منه تغيير سفارته أو تغيير الرسالة التي تحملها، فقام بهذه المهمة أحد المستعربين الذين يجيدون اللغة اللاتينية إجادة تامة ويدعى رثموندو أو ربيع بن زيد (١٦)، وقد استقبلت هذه البعثة من الإمبراطور
_________________
(١) أحمد بدر: ١٣٩.
(٢) البيان المغرب: ٢/ ٢١٨.
(٣) تاريخ ابن خلدون: ٤/ ١٤٣.
(٤) انفرد ابن عذاري بذكر تاريخ وصول هذه السفارة، وحددها عنان في كتابه، دول الإسلام: ٢/ ٤٥٦ بسنة ٣٤٤هـ.
(٥) عنان: دول الإسلام: ٢/ ٤٥٧.
(٦) بيضون: ٨١١.
(٧) عادة المستعربين اتخاذ الأسماء العربية إضافة إلى أسمائهم الأعجمية.
[ ١٧٦ ]
في بلاطه بمدينة فرانكفورت، وأنهت مهمتها بنجاح وعادت إلى الأندلس برفقة سفارة ألمانية جديدة حملت توجيهات محددة إلى السفارة السابقة (١٧)، وعندئذٍ سمح الخليفة الناصر للسفراء بالمثول أمامه وكانت مهمتهم تتحدد بنقطتين:
الأولى: عقد الصداقة بين الطرفين.
والثانية: العمل على إيقاف غارات البحريين الأندلسيين على أملاك الإمبراطورية الرومانية.
ورغم صمت الروايات عن نتائج هذه السفارة، فمن المرجح أن حكومة قرطبة أبدت استعدادها لكل تعاون يدخل ضمن نطاق توثيق الصداقة بين الطرفين وفي نفس الوقت أبدت أسفها عن عدم الوعد بإيقاف الغارات البحرية التي كان يقوم بها البحريون الأندلسيون (١٨) في غاليس وشمال إيطاليا وسويسرة وأماكن أخرى، لكون هؤلاء يعملون لحسابهم الخاص ويسيطرون على مناطق وجزر هي في الأصل خارج نطاق سيادة الدولة العربية في الأندلس، ولا يوجد أي نوع من أنواع العلاقة بين الطرفين (١٩).
وإذا كانت هذه السفارة قد فشلت في تحقيق المهمة الرئيسة التي أوفدت من أجلها، إلا أن فوائدها كانت قيمة ومهمة في جوانب أخرى، فقد أسهمت في تقديم معرفة أفضل لبلاط الخليفة عن أحوال الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وثروتها وقواتها ونظام الحكم السائد هناك (٢٠). وإن ربيع بن زيد (رثموندو) لقي المؤرخ لوتيراند في ألمانيا وحثه على وضع كتاب في التاريخ يهتم بأخبار وحوادث العصر (٢١).
٣ - الممالك الإسبانية الشمالية:
كانت الصراعات العسكرية بين الأندلس والممالك الإسبانية الشمالية طاغية على سواها من مظاهر التعاون الودي، فهذه الممالك كانت تدخل حلقة الموادعة عندما تكون عاجزة عن القيام بأي فعل عسكري اتجاه الدولة العربية في الأندلس، وتنهي من جانب
_________________
(١) عنان، دول الإسلام: ٢/ ٤٥٧.
(٢) أسس مجموعة من البحارة الأندلسيين في حدود سنة ٢٢٧ هـ دويلة سميت باسم دويلة القلال (فراكسنيتوم) في ولاية البروفانس جنوب فرنسا، واستمرت هذه الولاية في جهادها البحري حتى سقوطها سنة ٣٦٥ هـ. ينظر، الحجي، التاريخ الأندلسي ٣١٣.
(٣) عنان: ٢/ ٤٥٨؛ وينظر؛ شكيب أرسلان، تاريخ غزوات العرب: ٢٠٧.
(٤) أحمد بدر: ١٤٢.
(٥) أحمد بدر: ١٤٢.
[ ١٧٧ ]
واحد كل عهد أو اتفاق إذا ما وجدت الفرصة السانحة لاختراق سيادة الدولة العربية فالعلاقات بينها وبين الأندلس " لم تحتل غير جانب سطحي في إطار ما نسميه حاليًا بالعلاقات الدولية، لأن الجانب الأهم كانت تشهده ساحات القتال في معركة إثبات الوجود " (٢٢).
وعلى الرغم من ذلك، فقد أدى تفوق الأندلس على جميع الدول المجاورة في مجال التقدم والرقي، إلى أن تخطب تلك الدول بعد أن أعجزتها الحيل ود حكومة قرطبة، وتطلب عقد معاهدات السلام والعون والرأي في حل المشاكل، ففي سنة ٣٤٤هـ وصلت سفارة ملك ليون اردونيو الرابع لعقد معاهدة السلام بين الدولتين، ووافقت حكومة قرطبة على مقترح السفارة وبعثت سفارتها إلى مملكة ليون حيث تم إبرام الاتفاق المذكور.
وفي السنة التالية ٣٤٥ هـ دخل في المعاهدة المذكورة أمير قشتالة فردناند وبناءً على طلب ملك ليون (٢٣).
وفي سنة ٣٤٧ هـ وصلت إلى قرطبة ملكة نافار طوطة ومعها ولدها الأمير غرسية وطائفة من كبار رجال الدولة، فاستقبلوا في الزهراء وتم عقد معاهدة السلم بين الطرفين (٢٤).
٤ - ووفدت إلى العاصمة الأندلسية سفارة ملك الصقالبة بطرس وردت حكومة قرطبة بسفارة مماثلة برئاسة ربيع الأسقف.
٥ - ثم سفارة ملك فرنسا لويس الرابع لتوطيد العلاقة بين البلدين (٢٥).
لقد تمكن الخليفة عبد الرحمن الناصر من خلق نوع من التوازن السياسي في عصره، وأصبحت الدولة العربية في الأندلس مركزًا لذلك التوازن (٢٦). وقد تبوأت الأندلس مركز الصدارة في العالم الإسلامي آنذاك وغدت قرطبة مركز الجاذبية الدبلوماسية تتجه إليها أنظار الدول الأوروبية المختلفة في معالجة ما يعضل عليهم في الأمور السياسية (٢٧)، يقول المقري: " إن ملك الناصر بالأندلس كان في غاية الفخامة
_________________
(١) بيضون: ٣١٢.
(٢) تاريخ ابن خلدون: ٤/ ١٤٣، المقري: ١/ ٣٦٥.
(٣) تاريخ ابن خلدون: ٤/ ١٤٣، وينظر: عنان، دول الإسلام: ٢/ ٤٥٩.
(٤) تاريخ ابن خلدون: ٤/ ١٤٣ وينظر: عنان: ٢/ ٤٥٦.
(٥) بيضون: ٣١١.
(٦) عنان: دول الإسلام: ٢/ ٤٥١.
[ ١٧٨ ]
ورفعة الشأن، وهادته الروم، وأزدلفت إليه تطلب مهادنته ومتاحفته بعظيم الذخائر، ولم تبقَ أمَّة سمعت به من ملوك الروم والأفرنجة والمجوس (٢٨)، وسائر الأمم إلا وفدت عليه خاضعة راغبة، وانصرفت عنه راضية " (٢٩).
٢ - الازدهار الاقتصادي:
عرفت الأندلس في عهد الناصر بأنها أغنى دولة في العصور الوسطى نتيجة ازدهار الزراعة والصناعة والتجارة وكثرة أموال الغنائم، والأخماس، ودخلت البلاد طورًا من الرخاء والغنى لم يسبق أن وصلته في عصورها السابقة.
والأندلس بلد زراعي قبل كل شيء، وكان الخراج والجزية والأخماس هي المصادر الرئيسة لخزينة الدولة، وبدأت الزراعة بالازدهار نتيجة اهتمام الدولة بهذا المورد المهم فحسنت أحوال العمال الزراعيين وأسقطت بعض الضرائب عن المزارعين، وهيأت لهم ظروفًا زادت من استغلال الأرض وزيادة الإنتاج، واشتهرت الأندلس بزراعة القمح (٣٠) والزيتون وأنواع الفاكهة، فضلًا عن غاباتها التي تعد مصدرًا مهمًا من مصادر الثروة ومادة أولية تدخل في كثير من الصناعات الخفيفة والثقيلة؛ والثروة الحيوانية والسمكية التي اشتهرت بها مناطق واسعة من الأندلس (٣١).
واستغل الأندلسيون الثروات الطبيعية فاستخرجوا المعادن المختلفة كالذهب والفضة والرصاص والحديد والزئبق والبلور والكبريت والملح، واشتهرت مناطق بعينها بمثل هذه المعادن فالفضة والنحاس كانا يستخرجان من المناطق الشمالية قرطبة ولوشة وتدمير والزئبق من جبال البرانس، والقصدير من اكشونبة، والبلور من لورقة، واشتهرت جبال قرطبة وباغة بأنواع الرخام الجيد وسرقسطة بالملح الأبيض الصافي (٣٢).
والمعادن الآنفة الذكر وغيرها كانت تستخدم في بعض الصناعات التي تحتاجها البلاد لا سيما صناعة الأسلحة من سيوف ورماح ودروع إلى الصناعات الأخرى التي
_________________
(١) يعني: النورمان.
(٢) نفح الطيب: ١/ ٣٦٦.
(٣) قال المقري: " ومن خواص طليطلة أن حنطتها لا تتغير ولا تتسوس على طول السنين يتوارثها الخلف عن السلف " نفح الطيب: ١/ ١٤٣. وينظر: ابن خرداذبة، المسالك والممالك: ٩٠ طبعة ليدن، وابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان ٨٧ - طبعة ليدن.
(٤) عنان، دول الإسلام في الأندلس: ٢/ ٦٨٩.
(٥) المقري: نفح الطيب: ١/ ١٤٣ و١٤٥ و١٥٠، عنان، دول الإسلام: ٢/ ٦٩٠.
[ ١٧٩ ]
اشتهرت بها مدن الأندلس كالنسيج والملابس (٣٣) والأثاث والورق والزجاج والفخاريات وما يدخل في عداد الكماليات والتحفيات من الصناعات.
وأما التجارة فقد كانت من عماد الاقتصاد في الأندلس، وكانت المرية ومالقة من الموانئ التي شهدت تبادلًا تجاريًا مع أقطار أخرى وكانت حصة الدولة جباية الرسوم التجارية المقررة في ذلك الوقت (٣٤). ودخل الأندلس أيضًا العديد من التجار المغاربة والمشارقة حاملين معهم بضاعة بلادهم بعدما وجدوا في قرطبة وغيرها من المدن أسواقًا نافقة وتجارة لا تبور، وتميز بعض هؤلاء التجار وخصوصًا أهل المشرق بترويج تجارة الكتب والمؤلفات النادرة (٣٥).
ومواكبة للإزدهار الإقتصادي الذي عم البلاد أمر الخليفة الناصر سنة ٣١٦ هـ باتخاذ دار السكة في قرطبة لضرب العين من الدنانير والدراهم وولى عليها أحمد بن محمد بن حدير، وضربت أول دنانيرها ودراهمها يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان من العام المذكور، وكانت الدنانير تضرب من الذهب والدراهم من الفضة. واستمرت هذه الدار بضرب النقود، حتى انتقال الناصر إلى مدينة الزهراء، وأنشأ دارًا للضرب فيها، فعطل دار السكة بقرطبة وأغلق بابها، وتقلد عبد الرحمن بن يحيى دار الضرب في مدينة الزهراء فاتصل الضرب بها حتى أفول نجم الزهراء في عهد المنصور بن أبي عامر (٣٦).
أما جباية الأندلس في عهد الناصر فقد بلغت أرقامًا تعد بملايين الدنانير فالجباية من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار (أي ما يعادل: خمسة ملايين وأربعمائة وثمانين ألف دينار)، ومن السوق والمستخلص سبعمائة وخمسة وستين ألف دينار (٣٧)، وأما أخماس الغنائم فلا يحصيها ديوان (٣٨)، وكانت أموال الدولة مقسمة ثلاثة أثلاث، ثلث يصرف على القوات العسكرية وثلث للإعمار والبناء والثلث الأخير احتياطي في خزينة الدولة يستخدم وقت الطوارئ (٣٩)، وقد ترك الناصر في
_________________
(١) اشتهرت المرية بصناعة الحرير وغيرها من المنسوجات، نفح الطيب ١/ ٦٣.
(٢) اشتهرت الأندلس بتجارة العنبر الذي كان يصدر إلى مصر وبقية الأقطار الأخرى، نفح الطيب: ١/ ١٤٣.
(٣) التجار الذين دخلوا الأندلس من أهل المغرب والمشرق كثيرون، ينظر مثلًا - كتاب الصلة، لابن بشكوال، والتكملة لابن الآبار، تحت عنوان " الغرباء الذين دخلوا الأندلس ".
(٤) ابن حيان: ٥/ ٢٤٣.
(٥) ابن عذاري: ٢/ ٢٣١ و٢٣٢.
(٦) المقري: ١/ ٣٧٩.
(٧) ابن عذاري: ٢/ ٢٣١، المقري: ١/ ٣٧٩.
[ ١٨٠ ]
خزائنه عند وفاته " خمسة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرات " من الدنانير (أي ما يعادل خمسة آلاف مليون دينار) (٤٠).
٣ - المنشآت المعمارية:
تعد المنشآت المعمارية مظهرًا متقدمًا من مظاهر الحضارة، ومن ثم فهي تعد دلالة على الرخاء الاقتصادي، ولقد امتلكت الأندلس في عهد الخلافة كل المقومات المؤهلة لأن تكون بحق وليدة عصر الخليفة الناصر، وأن تصبح العاصمة قرطبة صورة حقيقية لمظاهر ازدهار وبذخ ذلك العصر. فقد كانت من أكبر وأجمل عواصم العالم آنذاك (٤١).
فمع نمو عدد سكانها البالغ أكثر من خمسمائة ألف، توسعت عمائرها ومبانيها، فمن المساجد حَوَت ما يقارب الأربعمائة وواحد وتسعين مسجدًا (٤٢). اشترك في بنائها الأمراء والخلفاء ورجال الدولة والميسورون من السكان، واتخذت أسماءها حسب حاراتها أو مؤسسيها (٤٣)، ويعد المسجد الجامع أشهر وأكبر المساجد على الإطلاق، وهو آية من آيات الفن ترك أمراء بنو أمية بصماتهم عليه زيادة وتوسعًا إلى أن انتهى بكامل روعته في عصر الخليفة الناصر (٤٤)، وبلغ عدد دور قرطبة ما يقارب المائة ألف دار (٤٥) تنتشر في أرباض المدينة الواحد والعشرين (٤٦) واشتهرت قرطبة بحماماتها البالغة ثلاثمائة حمام (٤٧) وبفنادقها وساحاتها وحدائقها (٤٨)، ولعل من أهم آثار الناصر المعمارية، مدينة الزهراء (٤٩)
_________________
(١) المقري: ١/ ٣٧٩، عنان، دول الإسلام: ٢/ ٤٤٧.
(٢) ابن حوقل، صورة الأرض: ١٠٧، بيروت.
(٣) العذري، نصوص عن الأندلس: ١٢٤، تحقيق عبد العزيز الأهواني، الحميري، الروض المعطار: ٤٥٨ تحقيق إحسان عباس. وقارن: ابن عذاري ٢/ ٢٣٢.
(٤) مثلًا: مسجد ابن ضرغام، وأبي عبيد، والليث، وابن ياسين، ورحلة الشتاء والصيف والسقا، والغازي، والزجاجين وغيرها.
(٥) أنشأ الناصر في سنة ٣٤٠ هـ منارة جديدة للمسجد، تميزت بضخامتها وعلوها الشاهق زينها بما تستحق حتى عرفت به، الحميري: ٤٥٨، ابن الخطيب، أعمال الأعلام: ٣٨.
(٦) تنظر الروايات التي أوردها المقري في النفح: ١/ ٥٤٠.
(٧) منها: الأرباض القبلية بعدوة النهر، ربض شقندة، وربض منية عجب، وأما الغربية فتسعة: ربض حوانيت الريحاني، وربض الرقاقين، وربض مسجد الكهف، وربض بلاط مغيث ينظر: المقري ١/ ٤٦٥. وفي البيان المغرب ٢/ ٢٣٢ لابن عذاري " ثمانية وعشرين ربضًا ".
(٨) المقري: ١/ ٥٤٠ وقيل سبعمائة حمام، وقيل تسعمائة
(٩) المقري: ١/ ٤٤٦؛ ابن حوقل: ١٠٨.
(١٠) ينظر: قصر الزهراء في الأندلس، نجلة العزي- بغداد، ١٩٧٧.
[ ١٨١ ]
التي تعد مأثرة مهمة من مآثره، بنيت على مسافة ٨ كم شمال غربي العاصمة قرطبة على سفح جبل العروس، وأسباب بناء هذه المدينة تتحدد بالدوافع الآتية (٥٠):
١ - أريد لهذه المدينة أن تكون مقرًا للخلافة الجديدة.
٢ - الابتعاد عن صخب العاصمة قرطبة بعد أن ضاقت مرافقها نتيجة الزخم السكاني الذي كان يزداد سنويًا.
٣ - بناء المدن صفة وصف بها الخلفاء والسلاطين العظماء تخليدًا لعصورهم المجيدة.
٤ - عرف عن الناصر كلفه ببناء القصور والاعتناء بتنميقها وتزيينها وصرفه الأموال الكثيرة في هذا المجال (٥١).
وبدأ ببناء الزهراء في محرم سنة ٣٢٥ هـ (٥٢)، وخول ولي العهد الحكم بمهمة الإشراف على بنائها (٥٣)، وقد عمل في بناء الزهراء جيش من العمال والمهرة (٥٤)، أشرف عليهم خيرة المهندسين والمعماريين في ذلك الوقت، وقامت المدينة على مسطح من الأرض طوله من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع (٥٥)، واستمر البناء فيها نحوًا من أربعين سنة (٥٦)، وبلغت
_________________
(١) يذكر المؤرخون رواية قصصية مفادها أن الخليفة الناصر ماتت له سرية، وتركت مالًا كثيرًا، فأمر أن يفك بذلك المال أسرى المسلمين، وطلب في بلاد الإفرنج أسيرًا فلم يوجد، فشكر الله تعالى على ذلك، فقالت له جاريته الزهراء اشتهيت لو بنيت لي مدينة تسميها باسمي، وتكون خاصة لي نفح الطيب: /٥٢٣.
(٢) له مع القاضي منذر بن سعيد البلوطي أحاديث مذكورة في هذا الخصوص، حيث عمد القاضي المذكور إلى توجيه النقد اللاذع للخليفة الناصر نتيجة إسرافه في بناء القصور والمنتزهات وصرفه للأموال الطائلة من أجل ذلك، ينظر: النباهي: المرتبة العليا: ٦٩ و٧٢، طبعة بيروت.
(٣) المقري: ١/ ٥٢٤ و٥٢٦، وينظر: نجلة العزي، ٣٣.
(٤) ابن عذاري: ٢/ ٢٣١.
(٥) في نفح الطيب: ١/ ٥٢٦ " كان يتصرف في عمارة الزهراء كل يوم من الخدم والفعلة عشرة آلاف رجل، ومن الدواب ألف وخمسمائة دابة. وكان من الرجال من له درهم ونصف ومن الدرهمان والثلاثة، وكان يصرف فيها كل يوم من الصخر المنحوت المعدل ستة آلاف صخرة سوى الأجر والصخر غير المعدل ".
(٦) المقري: ١/ ٥٢٤.
(٧) وهم النويري في نهاية الأرب عندما حدد مدة إنجاز مدينة الزهراء بإثني عشرة عامًا. ينظر: نجلة العزي: ٣٣.
[ ١٨٢ ]
نفقات كل سنة أكثر من ثلاثمائة ألف دينار (٥٧). وانتقل إليها الناصر بحاشيته وخواصه وخدمه في سنة ٣٣٦ هـ (٥٨).
واشتملت مبانيها على أربعة آلاف سارية ما بين كبيرة وصغيرة حاملة ومحمولة جلب بعضها من رومة والبعض الآخر من القسطنطينية ومصاريع أبوابها كانت تزيد على خمسة عشر ألف باب، ملبسة بالحديد والنحاس المموَّه (٥٩). وجلب الرخام المستخدم في بنائها من مدن اشتهرت بهذه المادة، فمنه ما جلب من مدينة المرية ورية وأصناف منه جلبت من المغرب العربي ومن مدينتي صفاقس وقرطاجنة واجتهد الناصر باختيار التحف النادرة من الشام والقسطنطينية (٦٠)، وكان القصر الخليفي في المدينة وما حواه من قاعات (٦١) يعد آية من آيات الإبداع فقد زين بكل ما يسر النفس وأتحف بكل نادر ونفيس، وقد أطال المؤرخون في وصف قصر الزهراء وتعرضوا لبلاطه ولمحتوياته، وقاعاته الملوكية والتماثيل التي زينت تلك القاعات وفسح القصر (٦٢).
وفضلًا عن القصر فقد بنى في الزهراء مسجدًا طوله من القبلة إلى الجوف -عدا المقصورة- ثلاثون ذراعًا وعرض البهو الأوسط من الشرق إلى الغرب ثلاثة عشر ذراعًا، تم بناؤه وإتقانه في مدة ثمانية وأربعين يومًا، وكان يعمل به أكثر من ألف عامل منهم ثلاثمائة بناء، ومائتا نجار والبقية من الأجراء وبقية العمال المهرة (٦٣).
ولم تعمر مدينة الزهراء طويلًا فقد ظلت مقرًا للخلافة في عهد الناصر وولده الحكم المستنصر ثم فقدت أهميتها وبريقها السياسي عندما سيطر الحاجب المنصور بن أبي عامر على مقاليد الأمور وبنى مدينته المعروفة بالزاهرة، وفقدت الزهراء رسومها عندما اجتاحت الأندلس وقرطبة خاصة عوامل الفتنة والفوضى جراء النزاع على السلطة في بداية القرن الخامس الهجري، وتعرضت هذه المدينة إلى الدمار والحرق ونهب ما حوته من نفيس التحف.
_________________
(١) المقري: ١/ ٥٦٨.
(٢) العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس: ٢٠٦؛ وينظر: أعمال الأعلام: عن الخدم والجواري والحرس الخاص ومقدار ما كان يدخل الزهراء يوميًا من المواد التموينية.
(٣) المقري: ١/ ٥٦٦.
(٤) ابن عذاري: ٢/ ٢٣١،
(٥) عن قاعات قصر الزهراء، ينظر: نجلة: ١٠٠ وما بعدها.
(٦) ابن عذاري: ٢/ ٢٣١. المقري: ١/ ٢٥٧.
(٧) المقري: ١/ ٢٦٤.
[ ١٨٣ ]
واهتم الإسبان في العصر الحديث بالكشف عن آثار مدينة الزهراء فمنذ بداية سنة ١٩١٠ م بدأت الحفريات في منطقة تمتد حوالي ١٥١٨ مترًا من الشرق إلى الغرب و٧٤٥ مترًا من الشمال إلى الجنوب، وعلى الرغم من أن هذه المنطقة لم تكشف كلها فإن المكتشف من الآثار يكفي لتكوين صورة واضحة عن هندسة المدينة وفخامتها (٦٤).
" وتنقسم أطلال الزهراء بصفة عامة إلى مجموعات ثلاث، مدرجة من أعلى إلى أسفل. وتشمل المجموعة الأولى مواقع القصر الخليفي والمقام الخاص، وتشمل الثانية فيما يبدو مساكن الحاشية والحرس، وتشمل المجموعة الثالثة، وهي الواقعة أسفل الربوة في بسيط معتدل من الأرض، أربعة أفنية كبيرة عالية، هي التي يجري اليوم ضمها وإعادة تشكيلها، وفيما يظن أنها البهو العظيم الذي كان مخصصًا لاستقبال الملوك وأكابر السفراء، وقد تم اكتشاف هذا البهو الذي يعد أعظم ما كشف حتى اليوم من آثار الزهراء في سنة ١٩٤٤ م ووجد سائر حطامه وزخارفه مدفونًا تحت الأنقاض، ويعكف الأثريون والإسبان منذ أعوام على إقامة الصرح وتنسيقه، مما وجد من أنقاضه وأعمدته وزخارفه، وقد أقيم حتى اليوم في وسطه ما اصطلح على تسميته (بهو السفراء) أو باسمه التاريخي (المجلس المؤنس) وهو يتكون من أربعة أفنية متلاصقة تبلغ واجهتها نحو أربعين مترًا، وقد قسمت من الداخل إلى ثلاث أروقة مستطيلة، يتوسطها رواق رابع ذو عقود من الجانبين، ويقوم كل فناء منها على خمسة عقود، وقد ركب على هذه العقود ما وجد بين الأطلال من رؤوس وقواعد رخامية مزخرفة، وفي وسط الرواق الثالث عقد جميل عال يفضي إلى بهو داخلي، زين جانباه بالزخارف الرخامية، ويبلغ طول كل رواق من الأروقة المذكورة نحوًا من عشرين مترًا، وعرضه نحو ثمانية أمتار، وقد صنعت العقود كلها على نمط واحد وزينت من أعلاها بما أمكن جمعه من قطع الزخارف الرخامية التي وجدت، وقد شيدت هذه الأروقة على ارتفاع يبلغ نحو عشرة أمتار " (٦٥).
ومع استمرار أعمال الحفريات في مدينة الزهراء، فقد تم اكتشاف الكثير من معالم المدينة، ومنها اكتشاف دار الجند سنة ١٩١٢ م وتم تجديده سنة ١٩٤٤ م واكتشاف الجناح الشرقي سنة ١٩٥٤ م والبحيرات سنة ١٩٤٥ م وبدأ العمل بها سنة ١٩٥٤ م ودار الرخام الذي بدأ التنقيب به سنة ١٩٦٤ م، ثم ممر الجند الشرقي والساباط سنة ١٩٦٤ م أيضًا (٦٦).
_________________
(١) عنان، دول الإسلام: ٢/ ٤٤٣.
(٢) عنان، دول الإسلام: ٢/ ٤٤٣ وينظر: نجلة العزي: ٨٤.
(٣) نجلة العزي: ٨٨ - ٩١.
[ ١٨٤ ]
ولعل أعمال الحفريات المستقبلية تكشف لنا عن معالم أخرى لهذه المدينة التي هي من دون شك إحدى الصور التي تحكي قصة الحضارة العربية في بلاد الأندلس. وما وصلت إليه من الرقي والتقدم، في وقت كانت فيه أوروبا غارقة في مجاهل التخلف، وقد بلغت الأندلس لا سيما العاصمة قرطبة درجة رفيعة من الحضارة كان تأثيرها واضحًا على جميع الدول المعاصرة، وإذا استثنينا من هذا المبحث شهرة الأندلس خلال هذه الفترة في العلوم والآداب (ينظر الفصل الخاص بتراث الأندلس العلمي) فيكفي أن نشير إلى تقدم العرب الأندلسيين في العلوم المختلفة النقلية والعقلية وعلوهم على غيرهم في مجالات علوم الفلك والرياضيات والكيمياء والطب على نحو تجاوز كل تقدير (٦٧).
وقد أشاد الباحثون المحدثون إشادة كبيرة بشخصية وعصر الخليفة عبد الرحمن الناصر وفي ذلك يقول العلامة الهولندي دوزي: " لقد كانت هذه نتائج باهرة، ولكنا نجد إذا ما درسنا ذلك العصر الزاهر، أن الصانع يثير الإعجاب والدهشة، بأكثر مما يثيرها المصنوع، تثيرها تلك العبقرية الشاملة التي لم يفلت شيء منها، والتي كانت تدعو إلى الإعجاب في تصرفها نحو الصغائر، كما تدعو إليه في أسمى الأمور، إن ذلك الرجل الحكيم النابه الذي استأثر بمقاليد الحكم، وأسس وحدة الأمة، ووحدة السلطة معًا وشاد بواسطة معاهداته نوعًا من التوازن السياسي، والذي اتسع تسامحه الفياض لأن يدعو إلى نعيمه رجالًا (٦٨) غير مسلمين، لأجدر بأن يعتبر قرينًا لملوك العصر الحديث، لا خليفة من خلفاء العصور الوسطى " (٦٩).
مات الخليفة الناصر في رمضان سنة ٣٥٠ هـ/تشرين الأول ٩٦١ م بعد حكم دام نصف قرن من الزمن قضاه في نضال شاق لإعادة وحدة البلاد الوطنية، وكبح جماح الدول الطامعة في الأندلس، وخلف منجزات عظيمة على كافة المستويات جنى ثمارها من بعده خليفته وولده الحكم المستنصر.
_________________
(١) سالم، المسلمون وأثرهم في الأندلس: ٣١٧.
(٢) الإشارة هنا، إلى أمراء وملوك الممالك الشمالية الإسبانية.
(٣) عنان، دول الإسلام: ٢/ ٤٦٣.
[ ١٨٥ ]