الأخطار الخارجية الأندلس والممالك الإسبانية الشمالية:
أفادت الممالك الإسبانية الشمالية من حالة انفراط عرى الوحدة الوطنية في الأندلس، وتوغلت مسافات بعيدة في عمق الأراضي العربية وفي مناطق عديدة وعلى طول خط الحدود الذي يجمع بينها وبين الدولة العربية، وقد كانت مملكلة ليون (جليقية) حاملة لواء القضاء على السيادة العربية في الأندلس تجمعها ومملكة نبرة (بلاد البشكنس) عرى التحالف المستمر والهدف المشترك -وإن اختلفت المصالح والأطماع لكل منهما- واستغلال شتى الظروف للعبث بأمن الأندلس.
وفي بداية عصر عبد الرحمن الناصر أغارت قوات اردونيو الثاني ملك ليون على مدينة يابره، وتمكنت قواته من دخول المدينة سنة ٣٠١ هـ بعد أن لاقت مقاومة عنيفة من قبل حاميتها التي فضل رجالها الاستشهاد دفاعًا عنها ولم ينج منهم إلا العشرات انسحبوا عنها إلى مدينة باجة بعد استشهاد عاملها مروان بن عبد الملك (١)، وترك الغزاة المدينة بعد اجتياحها ونهبها وتخريبها، قاصدين القضاء على تفكير العرب بالعودة مرة أخرى إلى إعمار وسكنى هذه المدينة، خاصة وأنهم كانوا عاجزين عن تزويد منطقة بعيدة كهذه بالطاقات البشرية التي تؤمن لهم استمرار السيطرة عليها والدفاع عنها. وعلى الرغم من استمرار خراب المدينة لمدة تزيد على السنة فإن الحياة ما لبثت أن عادت إليها وعمرها العرب بالطاقات البشرية، وأعادوا بناء ما خربه الغزاة (٢).
وفي سنة ٣٠٣ هـ عاود اردونيو سياسته العدوانية فهاجم غرب الأندلس مستهدفًا
_________________
(١) ابن حيان: ٥/ ٩٣ - ٩٥.
(٢) ابن حيان: ٥/ ٩٦.
[ ١٦٤ ]
كورة ماردة، فعبر نهر التاجة، واستولى على حصن مادلين، ثم قصد قلعة الحنش الذي استبسل في الدفاع حتى أبيدت حاميته " إلا قليلًا ممن نجا به الركض عند اشتغال العدو باحتياز غنائمهم، ودخل العدو الحصن وقتلوا جميع من كان فيه وسبوا نساءهم وذراريهم وقتل ابن راشد رئيسهم في جملة من قتل، وهدم الحصن فألحق أعلاه بأسفله " (٣). ومن قلعة الحنش سار اردونيو بقواته نحو ماردة التي أعجزته حصانتها ومنعتها ففضل الارتداد عنها بعد أن وصله أهلها بمبلغ من المال (٤). وفي الوقت الذي كانت قوات اردونيو تعيث فسادًا في أراضي الأندلس كان شانجو بن غرسية ملك نافار يهاجم مدينة تطيلة في الثغر الأعلى معرضًا المدينة وقراها إلى الخراب والدمار الذي يعد نهجًا طبيعيًا اعتمده أمراء وملوك هذه الممالك (٥).
وردًا على هذه الاعتداءات فقد قامت القوات الأندلسية بتجهيز حملة قادها أحمد بن محمد بن أبي عبدة سنة ٣٠٤ هـ توغلت في أراضي العدو، وتمكنت من تحقيق أهدافها المرسومة (٦)، وإن كانت هذه الحملة كما يبدو غارة محدودة المدى لم تسفر إلا عن تخريب بعض الحصون (٧)، واستكشاف المنطقة وتحديد أماكن وجود العدو ومكامن قواته، لذا عاد القائد أحمد بن أبي عبدة في السنة التالية على رأس فرقة من الجند هدفها احتلال حصن شنت اشتبين (قاشترمورش) أحد أهم الحصون التي أقامته دولة ليون على الجهة اليمنى من نهر دويرة (٨)، ودارت بين الطرفين حرب صعبة صبر لها الفريقان، وكاد النصر ينتهي للقوات العربية لولا تراجع بعض المتخاذلين وارتدادهم مما أضر إضرارًا بالغًا بالصفوف التي انكشفت أمام الأعداء فضلًا عن استشهاد القائد ابن أبي عبدة نفسه فتراجعت معظم القوات منسحبة إلى الداخل، وقد شجعت هذه العملية اردونيو وحليفه شانجة على محاصرة مدينة ناجرة لعدة أيام عاثت قواتهما خلالها في أطرافها فسادًا قبل الانتقال إلى مدينة تطيلة ونهب قراها، وعبر شانجة بقواته نهر ابرة فقاتل حصن بلتيرة ونهب ما أمكنه وأحرق المسجد الجامع فيه ثم ارتد منسحبًا إلى قواعده (٩).
_________________
(١) ابن حيان: ٥/ ١٢٠ وما بعدها.
(٢) ابن حيان: ٥/ ١٢٣.
(٣) ابن حيان: ٥/ ١٢٤.
(٤) ابن حيان: ٥/ ١٢٧، ابن عذاري: ٢/ ١٦٩.
(٥) أحمد بدر: ٥٩.
(٦) أحمد بدر: ٥٩.
(٧) ابن حيان: ٥/ ١٤٣.
[ ١٦٥ ]
وقد خلقت هذه العمليات العسكرية قلقًا عميقًا لدى عبد الرحمن الناصر حمله في النهاية على إجراء تعديلات في خططه العسكرية بعد أن أصبحت تجاوزات قوات الممالك الشمالية على الدولة العربية أمرًا لا يمكن الإغضاء عنه فقرر توجيه ضربة انتقامية لمملكة ليون تصيبها في الصميم (١٠)، وقام بقيادة قواته مخترقًا الثغر الأوسط ثم عبر نهر دويره ونازل في طريقه مدنًا وحصونًا عديدة منها مدينة أوسمة وحصن شنت اشتبين ومدينة قلونية، وتمكن من إحراز عدة انتصارات على أعدائه ودحرهم في مكان يسمى (خونكير) غربي بنبلونة حيث أبيدت معظم القوات المتحالفة ولوحقت فلولها التي تجمعت في حصن مويش والذي تم تدميره تمامًا بعد سحق الفلول المعتصمة فيه (١١).
وذلك سنة ٣٠٨ هـ/٩٢٠ م.
وكانت نتائج هذه الحملة بما حققته من مكاسب عسكرية وتغيرات جغرافية بعد استيلاء عبد الرحمن الناصر على بعض المواقع المهمة، كافية لكبح جماح قوات اردونيو، خاصة وأن الجبهة الداخلية لم تعد الشغل الشاغل للناصر بعد أن تمكن من فرض سلطته على أهم معاقل التمرد، وصار لديه من القدرة ما يساعده على إحباط مثل هذه العمليات وتلقينها ما تستحق من العقاب والردع (١٢)، وقد أثبتت الأيام صلابة نظام الناصر فعندما سولت نفس شانجة أمير نافار سنة ٣١١ هـ له مهاجمة حصن بقيرة والاستيلاء عليه واقتراف جريمة قتل الأسرى في عاصمته بنبلونة (١٣)، كان رد الناصر سريعًا وقاسيًا فقد أمر في السنة التالية باجتياح بلاد نافار وطرق العاصمة نفسها فدمرها وأحرقها وعلى الرغم من محاولات قوات نافار العديدة لصد قوات الناصر إلا أن جميع المحاولات باءت بهزائم متلاحقة اعتبر بها شانجة لسنوات عديدة (١٤).
وقد دخلت مملكة ليون في صراع شديد على السلطة بعد وفاة اردونيو الثاني سنة ٣١٣ هـ، واستمر هذا الصراع قرابة سبع سنوات، وكان من فوائده على الدولة العربية في الأندلس أن شلت الطاقات العدوانية لهذه الدولة وحليفتها نافار (١٥). وتفرغ الناصر لتصفية أطراف التمرد في الداخل والعمل على تثبيت أركان الدولة كما يجب لها أن
_________________
(١) بيضون: ٣٠٠.
(٢) ابن حيان: ٥/ ١٦٣، ابن عذاري: ٢/ ١٧٩.
(٣) بيضون: ٣٠٠.
(٤) ابن حيان: ٥/ ١٨٦، ابن عذاري: ٢/ ١٨٤.
(٥) ابن حيان: ٥/ ١٨٩.
(٦) ابن حيان: ٥/ ٣٤٤ وما بعدها، تاريخ ابن خلدون: ٤/ ١٤٢.
[ ١٦٦ ]
تكون عليه من الحرمة والاحترام، فتم القضاء نهائيًا على تمرد أبناء عمر بن حفصون ودخلت قوات الناصر قلعة ببشتر الحصينة وعمل على ضرب الفلول الأخرى حتى اذعنت إذعانًا تامًا. لهذا كله كانت قوات الدولة العربية في الأندلس مستعدة للردع الوقائي الشديد لأي اعتداء يصيبها من قبل ملك ليون راميرو الثاني الذي تمكن من عرش ليون سنة ٣٢٠ هـ (١٦) وكان معروفًا بعدائه الشديد للدولة العربية وهجماته على مناطق عديدة من الأراضي العربية (١٧)، واستمرت المناوشات بين الطرفين سجالًا تراوحت بينهما عوامل النصر والهزيمة حتى سنة ٣٢٧ هـ (٩٣٩ م) عندما قرر الناصر خوض غمار المعركة الحاسمة وقاد جيشه بنفسه للقاء قوات تحالف الممالك الشمالية بقيادة راميرو الثاني وفي عمق أراضيه.
وواقعة سنة ٣٢٧ هـ/٩٣٩ م أو كما تسمى بواقعة الخندق قد وقعت قرب شنت مانكس (سيمانقة)، وانتهت لصالح التحالف الشمالي بعد أن انسحبت القوات العربية إلى عمق أراضيها، وعلى الرغم من صمت المصادر العربية واختصار الأخرى (١٨) في الكلام على طبيعة الظروف التي أحاطت بقوات الناصر وأدت إلى هذه الهزيمة غير المتوقعة نرى العكس تمامًا في بعض المصادر الإفرنجية التي بسطت الكلام والحديث المسهب عن انتصار قوات ليون وحلفائه والمبالغة في جسامة الخسائر التي فقدتها قوات الناصر في ميدان المعركة.
وخير من تعرض لهذه الواقعة من المؤرخين العرب ابن حيان في " مقتبسه " حيث أتى عليها بشيء من التفصيل معتمدًا رواية الرازي ونصها: " لما عزم الناصر لدين الله على غزو أعداء الله أهل جليقة تقدم في الاستعداد لها قبل أوانها، فجبى وبالغ في حشد أهل الأندلس، وتخطاهم إلى أهل ولايته من أهل الحضر منهم وقبائل البربر البادية، فبث كتبه إليهم يحضهم على الجهاد، ويستنفرهم له، ويرغبهم فيه، ويضرب لهم في التراقي إلى الأندلس في المسير معه موعدًا واسعًا، لن يخلفه، ويشدد على عماله في الأندلس في ابتعاث من قبلهم، وتضييق المعاذير عليهم، والاحتفال في
_________________
(١) خبر تملكه عرش ليون في المقتبس لابن حيان: ٥/ ٣٤٦ و٣٤٧.
(٢) ابن حيان: ٥/ ٣٧٩.
(٣) لم يتعرض ابن عذاري في أحداث سنة ٣٢٧ هـ إلى ذكر موقعة الخندق ينظر: البيان المغرب: ٢/ ٢١٠، أما ابن خلدون فلم يزد عن قوله: " ثم كانت بعدها غزوة الخندق ولم يغز الناصر بعدها بنفسه ". ينظر: العبر ٤/ ١٤٢.
[ ١٦٧ ]
إزعاجهم، وضمن كتبه النافذة إليهم فصلًا، تشاهده الناس يومئذٍ وبعده، نصه: (وليكن حشدك حشرًا لا حشدًا) فانبعث منهم خلق عظيم بين الكره والموافقة، حمل أهل قرطبة حضرته، من ذلك أثقله وأحفله، لينفي بذلك الطماعية من أهل الكور في أخذ عفوهم، فانتهى من الاحتفال الغاية واستكثر من الآلات السفرية والعدد الحربية والأسلحة الشاكة، واستظهر على الاستقلال بذلك كله، بوفور الكراع وقوة الظهر والإكثار من المال للنفقة، واستقل بغزوته هذه بثقل لم يستقل بمثله قبل ملك ولا أمير من سلفه
وكان الناصر لدين الله قد أخرج قبل خروجه لهذه الغزوة الوزير القائد أحمد بن محمد بن إلياس بقطع من جيشه إلى ثغر الغرب احتياطًا على أهله كي لا تكون للعدو عليهم حيلة، عند إيغاله هو بالصائفة في أرضهم وتقدم الناصر بعده في عساكر الصائفة قاصدًا سبيل جهاده، حتى وافى بحملته مدينة طليطلة يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان، فأقام بها ستة أيام ثم رحل عنها يوم الخميس إلى الحصن ولمش ويوم الجمعة بعده إلى قلعة خليفة ويوم الأحد إلى محلة فج حميد واقتحم الناصر لدين الله بعساكره أرض العدو، فجال فيها أيامًا من محلة إلى أخرى (١٩).
ويصف الرازي المعركة بقوله: " وكسر العسكر على باب شنت مانكش يوم الأربعاء (لعشرة بقيت من شوال) ثم صابحهم الحرب يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال، فجالت بين الفريقين بأشد ما يكون وأصعبه، ثم ناجزوا الحرب يوم الجمعة بعده، فصابروا المسلمين صبرًا عظيمًا إلى أن توجهت عليهم كرة، ثم كانت لهم كرة انحاز لها المسلمون، فانكشفوا انكشافًا قبيحًا، نيل فيه منال ممض، وألجأهم العدو في انحيازهم إلى خندق بعيد المهوى؛ إليه تنسب الوقعة، لم يجدوا عنه محيدًا فتردى فيه خلق، وداس بعضهم بعضًا، لكثرة الخلق، وفيض الجموع وآل الناصر إلى كثف ما الجمع تخطتهم الركبة، فضم كشفهم، واحتل بهم بأعلى نهر بشورقة، وقد قصر العدو عن اتباعه، فاضطرب هنالك يومه ثم رحل قافلًا حتى خرج إلى مدينة الفرج المسماة وادي الحجارة ثم تقدم إلى قرطبة " (٢٠).
وتنحصر أسباب الهزيمة على الرغم من الاستعدادات والقوات الضخمة إلى عاملين أساسيين:
_________________
(١) المقتبس: ٥/ ٤٣٣ وما بعدها.
(٢) ابن حيان: ٥/ ٤٣٥.
[ ١٦٨ ]
الأول: فقدان الوحدة بين صفوف هذا الجيش الكبير الذي حشر حشرًا مكرهًا غير مخير (٢١)، وتعيين نجدة بن حسين الصقلبي قائدًا أعلى له عامل مضاف ولَّد نوعًا من التذمر أثر تأثيرًا سلبيًا على معنويات بعض فرقه وإلى هذا يشير ابن حيان بقوله: " وبدا من قوم من وجوه الجند في هذا اليوم النفاق لأضغان احتملوها على السلطان، ففتقوا الصفوف، وشارعوا في الهرب وجروا على المسلمين الهزيمة " (٢٢).
والثاني: لم يكن ميدان المعركة في صالح القوات العربية، ولم يسمح لها بالمناورة الكافية عند الضرورة، لذا حسمت المعركة مع أول ارتداد أصاب بعض فرق هذه القوات، ولم يتمكن الناصر من معالجة الموقف بعد مقتل نجدة الصقلبي وإبعاد قواته المتراجعة بدون نظام إلى الخندق الذي أصبح مقبرة حقيقية لمعظم قواته المرتدة.
وكان وقع هذه الهزيمة شديدًا على الناصر، ومن هنا فقد حاول تسويغها بمنشور عام فصل فيه الظروف التي أحاطت بقواته والأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة أورد ابن حيان نصه في كتابه المقتبس (٢٣).
أما الرواية الإفرنجية فقد أغرقت في تعظيم الانتصار ونتائجه وبالغت في عدد القتلى من جيش الأندلس (٢٤).
ومهما يكن من أمر فإن هذه المعركة لم تكن إلا واحدة من المعارك التي قامت بها القوات العربية في عمق أراضي الممالك الشمالية ولم تكن نتائجها أكثر من كونها معركة خسرها العرب في هذه المناطق، أعقبها معارك أخرى عديدة سنتعرض لتفاصيل بعضها في الفصول القادمة.
- الأندلس والدولة الفاطمية:
اتسمت العلاقة بين الأندلس والفاطميين في المغرب بالعداء الشديد وقد حاول كل منهما التوسع على حساب الآخر بشتى الوسائل والطرق واعتمد الطرفان أساليب مختلفة للإخلال بأمن الطرف الآخر وإثارة المتاعب، وقد تراوحت تلك الأساليب بين الحرب
_________________
(١) نص الرازي الآنف الذكر.
(٢) المقتبس: ٥/ ٤٣٦، ابن الخطيب، أعمال الأعلام: ٣٧ وسمى منهم ابن حيان: فرتون بن محمد الطويل الذي أعدم مع من أعدم حال وصول الناصر مدينة قرطبة.
(٣) ٥/ ٤٣٨ - ٤٤٣.
(٤) من هذه الروايات رواية ألفونسو الحكيم في تاريخه العام، ينظر: عنان: ٢/ ٤١٩.
[ ١٦٩ ]
الباردة وإرسال الجواسيس لاقتناص المعلومات إلى استخدام القوة وتناطح أساطيل كلا الطرفين، وإذا كان لكل طرف من الأطراف وسائله وأهدافه فهو في نفس الوقت يمتلك الإجراءات الوقائية لتحركات الطرف المضاد.
فمنذ استقرار الأمور لعبيد الله المهدي أول خلفاء الدولة الفاطمية، بدأ يتطلع بنظره إلى ناحية مصر والأندلس وباتت الأحلام تراوده لفصل المغرب الإسلامي بأجمعه وجعله تحت نفوذ دولته نكاية بالخلافة العباسية، وبدأت مشاريعه مبكرة ففي سنة ٣٠١ هـ أرسل حملة عسكرية إلى مصر وعلى الرغم من أن حملته هذه لم تحقق الغرض المقرر لها، إلا أن الدولة الفاطمية استفادت كثيرًا لاستكشاف قوة مصر العسكرية، وقدرة السلطة الحاكمة فيها على تعبئة القوات.
أما الأندلس فكانت هي الأخرى هدفًا للدولة الفاطمية ومع بداية الحرب الباردة بين الطرفين لم يعدم الفاطميون الرجال (٢٥) الذين دخلوا الأندلس لجمع المعلومات عن أحوالها وقدراتها العسكرية والاقتصادية، والوقوف على مواطن القوة والضعف في البلاد.
وعلى الرغم من ضغوط الفاطميين الشديدة على الأندلس في عهد المهدي وخلفائه من بعده فلم يتمكن الفاطميون من تحقيق النجاح الكافي لدعوتهم أو ترويج تلفيقاتهم في الأوساط الأندلسية اللهم إلا عند بعض الأنصار الذين التحقوا بعد ذلك بخدمة الفاطميين لأكثر من سبب وعند بعض المتمردين والخارجين على السلطة الشرعية من الذين والوا الدولة الفاطمية طمعًا في المساعدات العسكرية، مع استعداد هذه الدولة التام لإمداد كل المتمردين ما دام ذلك الإمداد يشكل إدامة لتواصل الاضطراب في أمن الأندلس.
وقد فشلت كل مخططات الدولة الفاطمية ضد الأندلس بفضل سياسة عبد الرحمن الناصر ويقظة أجهزته التي تمكنت من كشف جميع المؤامرات قبل تنفيذها، وليس هذا فحسب فقد بدأ الناصر حربًا دفاعية خطط لها بدقة ونفذت بأسلحة مختلفة وردود فعل سريعة أعيت الدولة الفاطمية وأفشلت خططها تجاه الأندلس، والطرق التي اعتمدها عبد الرحمن الناصر هي:
_________________
(١) يذهب بعض المؤرخين الأندلسيين، على اعتبار ابن حوقل، وابن هارون البغدادي، وأبو اليسر الرياضي وآخرين غيرهم جواسيس دخلوا الأندلس بتكليف من الدولة الفاطمية.
[ ١٧٠ ]
١ - إعلان الخلافة في الأندلس سنة ٣١٦ هـ تحديًا للدولة الفاطمية، وقد سبق الحديث عن ذلك.
٢ - العمل على كسب ولاء القبائل في العدوة المغربية وتحريضها للقيام على الدولة الفاطمية، فقد تمكن من كسب زعماء زناتة المشهورة في المغرب العربي وعلى رأس هؤلاء الزعماء زعيم قبيلة مغراوة الزناتية محمد بن خزر الذي كان يسيطر على المغرب الأوسط بأكمله عدا مدينة تاهرت (٢٦)، وكانت هذه القبائل في صراع دائم مع الفاطميين وحلفائهم من قبائل صنهاجة، وقد بايع محمد بن خزر الناصر سنة ٣١٧ هـ ودعا له دون الفاطميين (٢٧).
وأعلن أيضًا موسى بن أبي العافية الزناتي سنة ٣١٧ هـ ولاءه للخلافة الأندلسية (٢٨)، وكان ابن أبي العافية مشهورًا بمقارعته لجيوش الفاطميين والقوات المتحالفة معهم، وقد خاض في سبيل ذلك سلسلة من الحروب استمرت سنوات طوالًا استنزفت من طاقات الدولة الفاطمية الكثير من العدد والعدة (٢٩).
واعترف الأمراء الأدارسة المتآمرون في المغرب الأقصى بين سنتي ٣١٦ هـ و٣١٨ هـ بخلافة الناصر لدين الله ونبذوا الدعوة الفاطمية وكان آخرهم الأمير الحسن بن عيسى الحسني الذي والى الناصر في سنة ٣١٨هـ (٣٠). وإن كان موقف الأدارسة يتراوح بين تأييد الفاطميين تارة والأندلس تارة أخرى والانقلاب على الخلافتين حين تتوفر لهم القوة والمنعة.
وممن خاطب الناصر أيضًا واعترف بخلافته صقور بن سنان " وكان ابتداؤه لذلك في سنة ٣١٦ هـ، كتب يمت بالولاية ويخطب القبول وازدلف بهدية حسنة من خيل وإبل وأنعام وغزلان، حسن موقعها من الناصر لدين الله لغرابتها بأرضها ما ضعَّف له عنها المكافأة وأسجل له على عمله، وألحقه بأهل ولايته " (٣١).
وإضافة إلى ذلك فقد حمى الخليفة الناصر اللاجئين السياسيين أفرادًا وزعماء من
_________________
(١) عاصمة الدولة الرستمية، أسسها عبد الرحمن بن رستم وانتهت هذه الدولة على يد الفاطميين.
(٢) ابن حيان: ٥/ ٢٥٧، وينظر: كتاب البيعة ص ٢٦٥.
(٣) ابن حيان: ٥/ ٢٦١، الناصري، الاستقصا: ١/ ١٨٨.
(٤) ابن حيان: ٥/ ٣٠٧ وينظر الصفحات: ٣٤٧ و٣٦٩، ٣٧١.
(٥) ابن حيان: ٥/ ٢٦١ - ٢٦٣.
(٦) ابن حيان: ٥/ ٢٦١ ذكره في أحداث سنة ٣١٧هـ.
[ ١٧١ ]
أمثال ابن الخراز المليلي الذي كان قاضيًا بمدينة مليلة، وحكم بن محمد القيرواني القرشي الذي تعرض للسجن في عهد عبيد الله المهدي (٣٢)، ولجأ إليه بنو سعيد بن صالح أمراء نكور بعد أن دخلها مصالة بن حبوس وقتل صاحبها سعيدًا في سنة ٣٠٥ هـ، وعمل الناصر على تمكين صالح بن سعيد من استعادة نكور واستخلاصها من عامل مصالة بن حبوس (٣٣).
وساند جميع الثورات القائمة في المغرب ضد الدولة الفاطمية ومنها ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد الزناتي التي استغرقت عهد الخليفة الفاطمي محمد القائم وسنوات من عهد ولده إسماعيل المنصور، وقد أمد الناصر هذه الثورة بكل أسباب التواصل من أموال وسلاح بحيث أصبحت تهدد كيان الدولة الفاطمية برمته في بلاد المغرب نتيجة الانتصارات التي حققها الثائر على القوات الفاطمية في معارك عديدة، ولم تستطع جيوش الفاطميين من إنهاء هذه الثورة إلا بعد أن استعانت بقبيلة صنهاجة وحينئذٍ تمكنت من قوات الثائر وقتله سنة ٣٣٦ هـ (٣٤).
٣ - العمل على بناء قوة بحرية مهاجمة:
اهتم الأندلسيون بالقوة البحرية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما تعرضت بعض السواحل الأندلسية ومدنها إلى هجمات النورمان، ولم يكتفوا بقوات الأسطول الدفاعية بل بدأوا استجابة لمتطلبات أمن البلاد بصناعة السفن المختلفة الأحجام، فمع بداية عصر عبد الرحمن الناصر، وتزايد خطر الفاطميين بدأت الأندلس تعمل بشكل سريع لمنافسة القوى الأخرى في البحر المتوسط، وتحكم سيطرتها على مياهها الإقليمية لا سيما منطقة جبل طارق وعملت دوريات الأسطول الأندلسي على منع الإمدادات التي كانت الدولة الفاطمية تمول بها المتمردين في الأندلس ومنهم زعيمهم عمر بن حفصون وتمكنت ولمرات عديدة من إغراق السفن الفاطمية، أو أسرها داخل وخارج المياه الإقليمية للأندلس. ولم يكتف عبد الرحمن الناصر بهذه الاجراءات، بل عمد إلى مهاجمة أهم المدن المغربية المطلة على البحر المتوسط وضمها إلى سلطانه، ففي سنة ٣١٤هـ استولى الأسطول الأندلسي على مدينة مليلة وطنجة (٣٥)، وفي سنة ٣١٩هـ استولى
_________________
(١) سالم: تاريخ المغرب الكبير ٢/ ٦١٤.
(٢) سالم: المصدر السابق: ٢/ ٦١٥؛ وينظر: المقتبس ٥/ ٢١٦.
(٣) ابن عذاري: ١/ ٢١٦.
(٤) سالم، المغرب الكبير: ٢/ ٦١١؛ أحمد بدر ٨٧.
[ ١٧٢ ]
على مدينة سبتة (٣٦). وحاول في سنة ٣٢٠ هـ السيطرة على جزيرة ارشقول (٣٧) الحصينة لكن الحملة لم تحقق هدفها واضطر إلى تركها عائدًا إلى قواعده في المرية (٣٨).
وقد أصبحت المناطق التي سيطر عليها الأسطول الأندلسي قواعد للإنطلاق في العمق المغربي، في نفس الوقت عدت بمثابة حزام الأمان للسواحل الأندلسية المقابلة. ومنذ ذلك الحين بدأت القوات البحرية الأندلسية بتسديد الضربات للفاطميين ومهاجمة ممتلكاتهم في المغرب الأقصى، بل أخذت تهاجم سفنهم في عمق البحر وتقطع على الأخرى خطوط العودة، وعلى الرغم من أن الفاطميين ردوا بالمثل وهاجموا المرية قاعدة الأسطول الأندلسي سنة ٣٤٤هـ وأحرقوا جميع السفن الراسية فيها، ولكنهم لم يتمكنوا من تحجيم تحركاته، فعاود الأسطول الأندلسي الهجوم، وقصد هذه المرة سواحل سوسة ومرسى الخزر وعاث فيهما دون أن يتمكن الفاطميون من رده أو التقليل من خسائرهم.
_________________
(١) ابن حيان: ٥/ ٢٨٨؛ وينظر: محمد بن تاويت، تاريخ سبتة، الدار البيضاء ط ١، ١٩٨٢ ص:٢٢ وما بعدها.
(٢) قريبة من سواحل تلمسان في المغرب الأوسط (الجزائر).
(٣) سالم، المغرب الكبير: ٢/ ٦١٢.
[ ١٧٣ ]