النظم السياسية العربية في الأندلس
أهم النظم السياسية التي سنتناول دراستها في الأندلس هي:
١ - نظام الخلافة.
٢ - نظام الحجابة والوزارة.
٣ - نظام الإدارة.
٤ - نظام الشرطة.
١ - نظام الخلافة:
فتحت الأندلس عام (٩٢ - ٩٥ هـ) على عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (٨٦ - ٩٦ هـ) فأصبحت ولاية تابعة للخلافة الأموية في بلاد الشام، ولما سقطت الخلافة الأموية بالمشرق عام ١٣٢ هـ حاول والي الأندلس يوسف الفهري (١٢٩ - ١٣٨ هـ) أن يكون أميرًا مستقلًا لا يتبع أحدًا بعد سقوط خلافة الأمويين. إلا أن وصول عبد الرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك الملقب بالداخل، غير الأمور وجعل الأندلس إمارة أموية بدأ فيها عهد جديد يسمى عصر الإمارة الأندلسية ١٣٨ - ٣١٦ هـ، وهي إمارة وراثية حكمتها الأسرة الأموية (أسرة عبد الرحمن الداخل) وتولاها الإبن عن والده، أو الأخ عن أخيه، أو الحفيد عن جده كما هو معروف، وعاصرت هذه الإمارة دول إسلامية ذات نظام خلافي، وهي الدولة العباسية ١٣٢ - ٦٥٦ هـ، ودولة الأدارسة ١٧٢ - ٢٩٦ هـ ودول الخوارج وهي دولة بني مدرار في سجلماسة ١٤٠ - ٢٩٦ هـ ودولة بني رستم في تاهرت ١٤٤ - ٢٩٦ هـ والدولة الفاطمية في المغرب ٢٩٦ - ٣٦٢ هـ.
[ ٣٦١ ]
فالدولة العباسية يحكمها خليفة من سلالة العباس عم الرسول ﷺ وهو الخليفة الشرعي الذي يعترف بخلافته عموم المسلمين، قياسًا إلى وحدة الخلافة الإسلامية من الناحية النظرية، وبقيت الإمارة الأموية في الأندلس تقدر وحدة الخلافة الإسلامية، إلى أن قامت الدولة الفاطمية من منطقة المغرب عام ٢٩٦ هـ. وعلى الرغم من أن دول الخوارج ودولة الأدارسة تسمي حاكمها الإمام أولًا، وعلى الرغم من أن بعض أئمة الخوارج من سجلماسة أعلنوا ولاءهم للخلافة العباسية، ثانيًا (١). فإن الإمارة الأموية في الأندلس لم تخرج من التقليد حتى قامت الخلافة الفاطمية في المغرب، التي أسقطت دول الخوارج ودولة الأدارسة ودولة الأغالبة (١٨٤ - ٢٩٦ هـ) فأصبحت هذه الخلافة وجهًا لوجه مع الإمارة الأموية في الأندلس لا يفصلهما إلا المضيق، ودخلت هاتان الدولتان في صراعات مريرة، من أشهر مظاهرها إعلان الخلافة الأندلسية عام ٣١٦ هـ من قبل الأمير عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) الذي لقب من هذا العام ولقب الذين جاء من بعده وإلى عام ٤٢٢ هـ بلقب الخليفة الأندلسي - وبذلك كسرت قاعدة وحدة الخلافة الإسلامية، وأصبحت للخلافة ثلاثة نظم من العالم الإسلامي، وهي: الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية والخلافة الأندلسية، وبرر الفقهاء تعدد الخلفاء إذا كانت هناك مصلحة تقتضي ذلك، واعترفوا بشرعية خليفتين للمسلمين في آن واحد بشرط أن يكون بينهما مسافة كبيرة ومسافة شاسعة لمنع الاصطدام والفتن بين المسلمين (٢).
من الناحية التاريخية الواقعية كانت الإمارة الأموية في الأندلس، إمارة وراثية مستقلة سياسيًا عن خلافة المشرق العباسية، ولها علاقات ودية مع دول الخوارج. إلا أنه من الناحية الروحية فإن الإمارة الأموية في الأندلس لم تعترف بالخلافة العباسية، إلا فترة وجيزة، تراوحت بين عدة أشهر، وعدة سنوات من حكم عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ) ثم قطعت الخطبة للخليفة العباسي (٣).
ويلاحظ أن أمراء بني أمية الذين حكموا الأندلس قبل الناصر، وإن كانوا قد قطعوا
_________________
(١) ينظر، ابن خلدون، العبر، ج ٦ ص ١٣٠.
(٢) ينظر، العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٧٩.
(٣) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٣٥ - ٣٦ - ابن الكردبوس، تاريخ الأندلس، ص ٦٠ - ٦١ - ابن أبي دينار، المؤنس، ص ٤٢ - ٤٣، ص ٩٧. - المقري، نفح، ج ٤، ص ٥٩ - العبادي، دراسات، ص ٥٧ - ٥٨.
[ ٣٦٢ ]
الدعاء لبني العباس، الا أنهم لم يلقبوا أنفسهم بلقب خليفة واكتفوا بلقب الأمير أو بني الخلائف أو الإمام (٤).
وهناك روايات تذكر أن عبد الرحمن الداخل لم يخطب للعباسيين طيلة حياته، ولم يخطب الأمراء من بعده كذلك لبني العباس (٥).
ويبدو لنا أن الأمير عبد الرحمن الداخل لم يخطب لبني العباس، ولكن في الوقت نفسه، نراه هو والأمراء الذين تولوا الأندلس من بعده لم يلقبوا بلقب خليفة المسلمين، احترامًا للخليفة الشرعي حامي الحرمين الشريفين، وهو الخليفة العباسي (٦). هذا هو الأصل النظري للخلافة الإسلامية، غير أن مجريات الأمور وتغيرات الظروف حتمت كسر هذا الأصل، فقامت الخلافة الأندلسية عام ٣١٦ هـ وذلك للأسباب الآتية:
١ - قيام الدولة الفاطمية في شمال أفريقية عام ٢٩٦ هـ، وهي ذات أطماع مكشوفة تجاه الأندلس.
٢ - ضعف الخلافة العباسية في المشرق أيام الخليفة المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠ هـ) واستبداد القواد الأتراك بها وعبثهم في شؤون الخلافة.
٣ - الاستجابة لرغبة الأندلسيين في أن يكون أميرهم خليفة للمسلمين، وبخاصة بعد قضائه على أهم حركات التمرد، فأصبح الأمير بحاجة إلى رفع مكانة الأمير السياسية والدينية (٧).
هكذا لقب الناصر نفسه، " الناصر لدين الله أمير المؤمنين " وأصدر منشورًا يتضمن ذلك (٨).
وهكذا تحولت الأندلس من إمارة إلى خلافة، واستمر لقب خليفة في ذرية عبد الرحمن الناصر من بعده حتى سقوط الدولة الأموية في الأندلس عام ٤٢٢ هـ (٩).
_________________
(١) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٥٨، ص ٦٤، ص ٦٥ - المقري، نفح، ج ١، ص ١٩٨.
(٢) ينظر، المسعودي، التنبيه والإشراف، ص ٣٣٢ - ابن أبي دينار، المؤنس، ص ٤٢ - ٤٣ - فريدة الأنصاري، الإمارة الأموية، ص ٨٥.
(٣) العبادي، دراسات، ص ٥٨.
(٤) ينظر، ابن خلدون، المقدمة، ص ٢٢٨ - العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٨٠ - الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٣٠٠.
(٥) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٩٨ - سالم، تاريخ المسلمين، ص ٣١٩.
(٦) العبادي، دراسات، ص ٦١.
[ ٣٦٣ ]
ونظام الخلافة في الأندلس يقوم على أساس التوريث أيضًا، ويستند إلى السياسة أولًا ثم إلى الدين ثانيًا، عكس الخلافة الراشدة التي قامت على الشورى والانتخاب.
وفي الوقت الذي نجد فيه الخليفة العباسي (يحكم بتفويض من الله) كما قال الخليفة المنصور: " إنما أنا سلطان الله في أرضه "، وإن الخليفة الفاطمي يرى نفسه إمامًا معصومًا من الخطأ، ولا يسأل عما يفعل، نرى الخليفة الأندلسي يقدم نفسه للناس بصفة، إنسان عادي يخطئ ويصيب، والناس أحرار في نقده، كما فعل قاضي قرطبة المنذر بن سعيد البلوطي (١٠). الذي أخذ ينتقد الخليفة الناصر على الأموال الطائلة التي صرفها في بناء مدينة الزهراء، وهو جالس في مسجد الزهراء، وكان رد فعل الخليفة الأندلسي أنه أقسم أن لا يصلي وراء هذا القاضي، ورفض اقتراح عزله عن الخطبة والقضاء (١١).
من هذا نرى أن نشأة الخلافة الأندلسية تخالف نشأة الخلافة في الممالك الإسلامية الأخرى، فهي عبارة عن عقد بين الحاكم والمحكوم، في حين أن الخلافة العباسية تقوم على أساس الميراث عن العباس عم الرسول ﷺ، والخلافة الفاطمية تقوم على الحق الطبيعي الموروث الذي يأتي عن طريق فاطمة الزهراء (١٢).
استمرت الخلافة الأموية في الأندلس تجمع بين السلطتين الزمنية والروحية، إلى أن جاء الحاجب المنصور وأولاده من بعده، فانتزعوا منها السلطة الزمنية اعتبارًا من عام ٣٦٦ هـ، فاستبدوا بالأمر وأصبح حال الخلافة الأندلسية كحال الخلافة العباسية أيام سيطرة البويهيين (٣٣٤ - ٤٤٧ هـ) وسيطرة السلاجقة (٤٤٧ - ٥٩٠ هـ)، وكحال الخلافة الفاطمية بعد سيطرة الوزراء عليها بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر عام ٤٧٨ هـ.
ومعروف تاريخيًا أن فترة الحجابة انتهت عام ٣٩٩ هـ، وبدأت فتنة الخلافة الأندلسية وتسمى الفتنة المبيرة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، التي كانت مليئة بالفتن والاضطرابات، وتصارعت فيها عناصر البربر والصقالبة وأهل قرطبة، وحكمها عدة خلفاء ضعفاء يتجاوز عددهم ١٤ خليفة حكم بعضهم أكثر من مرة (١٣).
وفي سنة ٤٢٢ هـ سقطت الدولة الأموية بعد عزل آخر خلفائها هشام الثالث المعتد
_________________
(١) النباهي، تاريخ قضاة الأندلس (المرقبة العليا)، ص ٦٩ - ٧٠.
(٢) العبادي، دراسات، ص ٦٣.
(٣) العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٨١ - ٣٨٢.
(٤) ينظر، الحميدي، جذوة المقتبس، ص ١٨ وبعدها - هيكل، الأدب الأندلسي، ص ٣٤٢ (هامش ٢).
[ ٣٦٤ ]
بالله، وإجلاء من تبقى من المروانية عن قرطبة، وأعلن الوزير أبو الحزم بن جهور إلغاء الخلافة وأصبح الأمر شورى فظهرت حكومة الجماعة في قرطبة (١٤)، ثم قامت دويلات الطوائف في سائر أنحاء الأندلس.
لا ينكر أن معظم ملوك الطوائف كانوا في قرارة أنفسهم يتطلعون إلى الخلافة، فقد كان كل واحد منهم يود أن يصل إليها (١٥)، وأن تتجمع له الصفات المعنوية التي كان يتمتع بها الخلفاء الأمويون، إلا أنه لم يجرأ أحدهم على ذلك، ولو أنهم تلقبوا بألقاب الخلفاء. فنرى مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية ينصب (أبا عبد الله بن عبد الله بن الوليد ويعرف بالمعيطي وهو من بني أمية) (١٦). شبه خليفة، وسماه بأمير المؤمنين المستنصر بالله (١٧).
كما قام الحاجب إسماعيل بن عباد بإرسال الرسل إلى جميع أنحاء الأندلس يطلب الدخول في طاعة الخليفة المزعوم (هشام المؤيد) الذي اختلفت الروايات في مصيره.
وقد استجاب لذلك الكثير من ملوك الطوائف أمثال: مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية، وعبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، وأبي الحزم جهور صاحب قرطبة، وبني ذي النون ملوك طليطلة (١٨).
ولعل هذه الظاهرة التي سمتها بعض المراجع بـ (وهم الخلافة) يقصد بها وجود خليفة يتمتع ظاهريًا بنوع من القوة والنفوذ وذلك إرضاء لعامة أهل الأندلس الذين ما زالوا يذكرون الأوقات الطيبة عن الخلافة الأموية، هذا إلى جانب المظاهر الروحانية والدينية التي تحيط بالخلافة. فقد كان للخليفة وحده حق الإمامة والزعامة الدينية، لذلك لم يكن من السهل على أكثر أمراء الطوائف أن يحتلوا مكان الخليفة، لأنهم كانوا مجرد حكام صغار لا ينحدرون من سلالات معروفة تتناسب مع وقار الخلافة وهيبتها (١٩).
وقد وجهت انتقادات لاذعة لأمراء الطوائف الذين اتخذوا ألقاب الخلفاء استكمالًا لمظاهر السلطان والعظمة (٢٠)، وقد أشار إلى ذلك الشاعر (أبو علي الحسن بن رشيق) بقوله:
_________________
(١) عنان، دول الطوائف، ٢٢.
(٢) السامرائى، علاقات، ٤٠ وما بعدها.
(٣) ابن بشكوال، الصلة، ج ١، ص ٢٦٩ ترجمة رقم (٥٩٣).
(٤) ابن الأثير، الكامل، ج ٩، ص ٢٨٠.
(٥) ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ٢٧٨ - ٢٧٩ - عنان، دولة الطوائف، ص ٩٩.
(٦) تشراكوا، مجاهد العامري، ص ٤٠ - السامرائي، علاقات، ص ٤٦ - ٤٧.
(٧) عنان، دولة الطوائف، ص ١٤ - ١٥.
[ ٣٦٥ ]
مما يزهدني في أرض أندلس أسماء مقتدر فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صورة الأسد (٢١)
انتهى عصر الطوائف، بدخول الأندلس ضمن أملاك الدولة المرابطية فأصبحت الأندلس ولاية مرابطية يحكمها أمراء مرابطيون تابعون لحكام المرابطين في مراكش، إلا أنه يلاحظ أن الدولة المرابطية أعلنت ولاءها المبكر للخلافة العباسية، وبالذات اعتبارًا من عام ٤٥٠ هـ، وأرسل حكام المرابطين السفارات إلى بغداد لهذا الغرض وأشهرها سفارة العالم أبي بكر عبد الله بن محمد المعافري وولده القاضي أبي بكر (٤٨٥ - ٤٩٣ هـ). كما اتخذ المرابطون اللون الأسود شعارًا لهم، ومن المعروف أن هذا اللون هو شعار العباسيين، وضربوا على نقودهم لقب الخليفة العباسي، ولقب حاكم المرابطين إسمه باسم أمير المسلمين (٢٢).
ثم خضعت الأندلس لدولة الموحدين، وحكمها ولاة تابعون لحكام الموحدين في المغرب. ورأى الموحدون أنهم أحق الناس بالخلافة، ولأنهم دون غيرهم الموحدون المؤمنون، فأقاموا لأنفسهم خلافة شرعية خاصة، ولقبوا أنفسهم بأمراء المؤمنين، وعززوا ذلك بانتمائهم إلى بيت رسول الله عن طريق الأدارسة، واتخذوا اللون الأخضر شعارًا لهم (٢٣). وكان من أهداف الخلفاء الموحدين النزوح نحو المشرق وفرض خلافتهم على مشرق العالم الإسلامي، ومعنى ذلك أن الموحدين لا يعترفون بالخلافة العباسية (٢٤).
ولما ثار محمد بن هود على الموحدين عام ٦٢٥ هـ وأقام إمارة مستقلة له، لقب نفسه بأمير المسلمين مقلدًا بذلك أمراء المرابطين، فقطع الخطبة للموحدين وخطب للخليفة العباسي، ونشر الرايات السود (٢٥). وفي عام ٦٣١ هـ وصل إلى الأندلس أبو علي حسن بن علي الكردي المقب بالكمال قادمًا من بغداد رسولًا من قبل الخليفة
_________________
(١) ابن الأثير، الكامل، ج ٩، ص ٢٨٤ - ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ٢٤٤ - الحموي، معجم الأدباء، ج ١٩، ص ٣٧ - ٣٨.
(٢) ينظر، السامرائي، علاقات، ص ٣٧٧ وما بعدها.
(٣) المراكشي، المعجب، ص ٢٤٥ - ص ٢٥٥ - العبادي، دراسات ص ١١٠ - عبد الله علي علام، الدعوة الموحدية بالمغرب، ص ١٦٦.
(٤) العبادي، دراسات، ص ١١٤، ص ١١٦.
(٥) أبو رميلة، علاقات، ص ١٩٦.
[ ٣٦٦ ]
العباسي المستنصر بالله (٦٢٣ - ٦٤٠ هـ)، حاملًا كتاب تقليد ابن هود ولاية الأندلس، ولقبه المتوكل أمير المسلمين، والراية السوداء، والخلع والهدايا (٢٦). كذلك لما ثار أبو جميل زيان على الموحدين عام ٦٢٦ هـ، دعى للخليفة العباسي المستنصر بالله أيضًا (٢٧).
ومملكة غرناطة التي حكمتها الأسرة النصرية بالوراثة، فقد أعلن أمراء هذه الأسرة ولاءهم للخلافة العباسية حينًا ولملوك بلاد عدوة المغرب حينًا آخر، ولقب أمراؤهم بلقب السلطان وأمير المسلمين، مع العلم أن ألقابًا أخرى غلبت على بعضهم كالمخلوع والزُغل والزغيبي. وعرف بعض سلاطينهم بالقوة، ووقع البعض الآخر تحت سيطرة الوزراء (٢٨).
٢ - نظام الحجابة والوزراء:
أ - الحجابة:
الحاجب منصب إداري مشرقي، مهمته إدخال الناس على الخليفة حسب مقامهم وأهمية أعمالهم (٢٩). ولكن هذا المنصب في الأندلس الذي أوجده الأمير عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ) وقلده أخلص رجاله، من أمثال: يوسف بن بخت وعبد الواحد ابن مغيث الرومي وغيرهم (٣٠)، هو بمثابة رئيس الوزراء الذي يعتبر حلقة الوصل بين الأمير الأموي وبين وزرائه (٣١).
واعتمدت الإمارة الأموية على أسر معينة فولت رؤساءها الحجابة مثل أسرة أبي عبدة، وأسرة ابن شُهيد وغيرهما. ففي عهد الأمير هشام ١٧٢ - ١٨٠ هـ تولى الحجابة أبو أمية عبد الغافر بن أبي عبدة، وكان حاجب الأمير الحكم بن هشام ١٨٠ - ٢٠٦ هـ أخاه أبا عبدة عبد العزيز (٣٢). ويخبرنا ابن عذاري بأن حجاب الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) هما عيسى بن شهيد وابن أبي عبدة (٣٣).
_________________
(١) عنان، عصر الموحدين، ص ٤١١ - ٤١٢.
(٢) أبو رميلة، علاقات، ص ٢٠٨.
(٣) فرحات، غرناطة، ص ٦٩ - ٧٢ - أبو رميلة، علاقات، ص ٢١٥ - ٢١٦.
(٤) حسن إبراهيم حسن وآخر، النظم الإسلامية، ص ١٨٦.
(٥) إبراهيم الدوري، عبد الرحمن الداخل، ص ٢٣٠ وما بعدها.
(٦) ابن خلدون، المقدمة، ص ٢٤٠ - ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج ١، ص ٤٥٠ - ٤٥١.
(٧) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ٢، ص ٣٠ - عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٥١.
(٨) البيان المغرب، ج ٢، ص ٩٣.
[ ٣٦٧ ]
وتولى عيسى بن الحسن بن أبي عبدة الحجابة للأمير محمد (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) بعد وفاة الحاجب عيسى بن شُهيد. ووصفت لنا بعض الروايات بساطة هذا الحاجب وسلامة نيته (٣٤).
وشغل أبو عثمان عبيد الله بن محمد بن الغمر بن أبي عبدة حاجب الأمير محمد في عهد والده الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ). ويبدو لنا أن هذا المنصب الإداري (حاجب أولاد الأمراء) لا يعطي صلاحيات الحاجب نفسها الذي يكون بمثابة رئيس الوزراء. وربما يعني الوزير الخاص للأمير الولد في عهد والده. وقد استغنى الأمير عبد الله عن منصب الحجابة آخر أيامه مكتفيًا بوصيفه بدر بن أحمد الصقلبي الذي كان ينظم أموره (٣٥). وكان بدر مولى الأمير الناصر من أشهر حجاب هذا الأمير (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ)، واشتهر الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي بتولي هذه الخطة على أيام الخليفة الحكم (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) (٣٦).
وبعد وفاة الحكم عام ٣٦٦ هـ سيطر الحاجب المنصور على مقاليد الأمور وعرفت هذه الفترة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ بفترة الحجابة تولى أمرها الحاجب المنصور وأولاده من بعده وقد أحاط الحاجب المنصور نفسه بهالة من الأبهة والفخامة حتى إن الوزراء وغيرهم كانوا يقبلون يديه، كما أنه حجر على الخليفة هشام وساواه في المراتب (٣٧).
ولما سقطت الخلافة الأندلسية، وقامت على أنقاضها دويلات الطوائف، اتخذ بعضهم لقب الحاجب مثل سابور الفارسي، وهو أول المستقلين في منطقة بطليوس.
وباديس بن حبوس صاحب غرناطة، وأحمد بن قاسم أمير البونت (٣٨).
وعندما أصبحت الأندلس ولاية مرابطية، لم نر في نظم المرابطين من حمل إسم الحاجب، وكذلك الحال بالنسبة لدولة الموحدين. إلا أن الوزير أحيانًا في دولة الموحدين يقوم مقام الحاجب، أي إختصاصه هنا رئيس تشريفات، فهو الذي يحجب الخليفة عن الخاصة والعامة ويأذن للوفود بالدخول عليه مع تقديم كل فرد بذكر إسمه
_________________
(١) ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ٢٥ - ٢٩.
(٢) ابن حيان، المقتبس، ج ٣، ص ٤.
(٣) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٥٨، ص ٢٥١.
(٤) أيضًا، ج ٢، ص ٢٧٩ - العبادي، دراسات، ص ١٥٠.
(٥) الحميري، الروض المعطار، ص ٥٦ - العبادي، دراسات، ص ١٥٠ - ١٥١.
[ ٣٦٨ ]
ونسبه وبلده (٣٩). ولكن وجد حجاب للمهدي بن تومرت وللخلفاء الموحدين الآخرين، ولكن الذي يبدو أن هؤلاء لم يكونوا بمثابة رئيس وزراء، بل عملهم يقتصر على خدمة الخليفة الموحدي ومرافقته في حله وترحاله (٤٠).
ووجد لقب الحاجب في مملكة غرناطة أي بمعنى رئيس الوزراء، وكان له نفوذ كبير (٤١). وكان الحاجب يوجه الهيئة الحاكمة ويتولى رئاسة القصر الملكي، والسلطان محمد الرابع هو أول من أوجد هذا المنصب عام ٧٢٩ هـ/عندما عين أبا النعيم رضوان حاجبًا له وسلمه إدارة المملكة السياسية والعسكرية (٤٢).
ب - الوزارة:
وجد نظام الوزارة في الأندلس منذ قيام الإمارة الأموية. وكانت وزارة متعددة المناصب، لها رئيس وزارة يسمى الحاجب، وهو حلقة اتصال بين الوزراء والأمير.
وهذا التعدد في عدد الوزراء لا نجده في المشرق، حيث كانت السلطة مركزةً في يد وزير واحد، وقلما وجد وزيران. أما في الأندلس فلكل ناحية من نواحي الإدارة العامة لها وزير يختص بها، وهناك بيت خاص لانعقاد مجلس الوزراء في قصر الإمارة (٤٣).
وبعد أن توطدت الأمور للأمير عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ)، إستوزر عدة أشخاص من رجاله الأكفاء منهم: أبو عبده حسان بن مالك وابنه عبد الغافر؛ وشهيد بن عيسى بن شُهيد، وثعلبة بن عبيد الجذامي وغيرهم (٤٤). وعَدّل الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) نظام الوزراء، فقسمها إلى عدة وزارات مختلفة، وألزم وزراءه الحضور يوميًا إلى بيت الوزارة الذي خصصه لهم في قصر الإمارة، وذلك من أجل مشاورتهم في جميع أمور الدولة (٤٥). ومن أشهر وزراء هذا الأمير حسن بن عبد الغافر
_________________
(١) ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة، ص ٤٥٧.
(٢) المراكشي، المعجب، ص ٣٣٨ - العبادي، دراسات، ص ١٥٨ - ١٥٩.
(٣) العبادي، دراسات، ص ٢٣٠.
(٤) فرحات، غرناطة، ص ٧٤.
(٥) ابن خلدون، المقدمة، ص ٢٣٩ - ٤٠ - ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج ١، ص ٤٥٠ - العبادي، دراسات، ص ١٤٤ - ١٤٦.
(٦) ينظر، مؤلف مجهول، أخبار مجموعة، ص ٧٦ - ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٢٤٦ - ٢٤٧، ج ٢، ص ٣٠ - ابن عذاري، البيان المغرب، ج ٢، ص ٤٨ - إبراهيم الدوري، عبد الرحمن الداخل، ص ٢٣٦ وبعدها.
(٧) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٨٠ - العبادي، دراسات، ص ١٤٢ - ١٤٣.
[ ٣٦٩ ]
ابن أبي عبدة (٤٦). وأقر الأمير محمد بن عبد الرحمن ٢٣٨ - ٢٧٣ هـ حاجب أبيه عيسى ابن شُهيد ومعظم الوزراء الذين كانوا يتولون خدمة أبيه (٤٧).
كما أن الأمير محمد وضع نظامًا جديدًا للوزارة يمتاز فيه الوزراء بنوع من التعظيم، وقدم الوزراء الشاميين على الوزراء البلديين وأعلاهم في الجلوس على كراسيهم ببيت الوزارة (٤٨).
وفي عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) ازداد عدد الوزراء، واحتلت أسرة أبي عبدة مكانة في هذا العصر حيث تولى خمسة أفراد منها الوزارة في آن واحد (٤٩).
واستمر الأمير عبد الله على سياسة والده الأمير محمد في تقديم الوزراء الشاميين على الوزراء البلديين. فقد اجتمع في عهده وزير شامي وهو موسى بن حُدير، ووزير بلدي وهو عيسى بن أحمد بن محمد أبي عبدة. وأراد عيسى التقدم على صاحبه معتزًا بمكانة أبيه الوزير القائد أبي العباس صاحب الفضل في إنقاذ الإمارة من الضياع، لكن الأمير عبد الله آثر أن يظل الأمر كما رسمه أبوه للوزارة، أي قرر أن يظل بنو حدير متقدمين على بني أبي عبدة (٥٠).
وفي عهد الخليفة الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) استمرت أسرة أبي عبدة تتولى المناصب الوزارية وقد اعتمد عليها الناصر اعتمادًا كبيرًا في الشؤون الإدارية والحربية (٥١). وفي عهد هذا الخليفة أطلق لقب (ذو الوزارتين) على بعض الوزراء والحجاب في الأندلس، فقد أطلقه الناصر على وزيره أحمد بن عبد الملك بن شُهيد عام ٣٢٧ هـ (٥٢)، وهو لقب تشريفي مثل لقب (ذو السيفين) الذي منحه الحكم لقائده غالب بن عبد الرحمن، بعد أن قلده سيفين عقب انتصاره على بقايا الأدارسة عام ٣٦٤ هـ (٥٣).
_________________
(١) ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ٢٩ - عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٧٤.
(٢) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٩٠.
(٣) ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ١٣٧ - ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ١٢٠ - ١٢١.
(٤) ابن حيان، المقتبس، ج ٣، ص ٥ - ٦ - ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، ص ١٠٤ - ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ١٤٦، ص ٢٤٥، ص ٢٤٧.
(٥) ابن حيان؛ المقتبس، ج ٢، ص ١٩٦ - ١٩٧ - ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ١٢٠ - ١٢١.
(٦) ابن حيان، المقتبس، ج ٥، ص ٩٧، ص ٢١٠، ص ٢١٥، ص ٢٤٢ - ابن عذاري، البيان المغرب، ج ٢، ص ١٥٨، ص ١٦٠، ص ١٦٤.
(٧) المقري، نفح، ج ١، ص ٣٣٣ - ٣٣٤.
(٨) سالم، دراسات، ص ١٤٨ - ١٤٩ - Provençal، op. cit، ٣، P: ٢١-٢٢
[ ٣٧٠ ]
وفي فترة الحجابة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ قلت أهمية الوزير، مما فرض عليه من الخضوع للحاجب وتقبيل يديه، وبذلك ضعفت شخصية الوزير، ومما يدل على ذلك أن زيري ابن عطية زعيم قبيلة مغراوة الزناتية في المغرب احتقر لقب وزير الذي أنعم عليه به الحاجب المنصور، بعد مساعدته في إخماد حركة الحسن بن كنون (٥٤).
ولما سقطت الخلافة الأندلسية وقام عصر الطوائف. انحطت مرتبة الوزير وصار هذا المنصب يمنح للطبقة الوسطى من الموظفين والكتاب وشيوخ القرى. كذلك زاد استعمال الألقاب التشريفية المزدوجة مثل: ذو الوزارتين وذو الرياستين، وذو المجدين وذو السيادتين (٥٥). ولكن مع هذا وجد وزراء مشهورون في هذه الفترة أمثال أبي بكر بن عمار وزير المعتمد بن عباد، والوزير ابن الحضرمي وزير المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس، والوزير ابن الحديدي وزير المأمون بن ذنون صاحب طليطلة. وغيرهم كثير (٥٦).
وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية، واحتل الوزير في عهدهم مكانًا مرموقًا، وكان الشخص المقرب من السلطان، وكان يستشيره في كل الأمور (٥٧). ووجد في دولة المرابطين نوعان من الوزراء:
١ - وزراء عسكريون، وهم من قرابة السلطان، ومن قبائل لمتونة وصنهاجة.
٢ - وزراء كتاب وهم من الفقهاء.
ومن الوزراء الأندلسيين الذين اعتمد عليهم السلطان المرابطي علي بن يوسف، الوزير الفقيه مالك بن وهيب الإشبيلي، وهو الذي أشار على هذا السلطان بقتل محمد ابن تومرت لما استفحل أمره (٥٨). واشتهر كذلك الوزير أبو بكر بن باجة العالم المشهور (٥٩).
وفي عهد الموحدين، اعتمدوا نظام الوزارة بجانب مشيخة الموحدين وعرفوا بإسم
_________________
(١) السلاوي، الاستقصاء، ج ١، ص ٢١١ - العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٤٤٨.
(٢) العبادي، دراسات، ص ١٥١.
(٣) ينظر، عنان، دول الطوائف، ص ٦٦، ص ٨٩، ص ٩٨.
(٤) حسن أحمد محمود، قيام دولة المرابطين، ص ٣٦٢ - العبادي، دراسات، ص ١٥١.
(٥) المراكشي، المعجب، ص ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٦) السامرائي، علاقات، ص ٤١٧.
[ ٣٧١ ]
العشرة أو أهل الجماعة (٦٠). وكان منصب الوزير من المناصب المهمة، وقد شغله عدد من أبناء الخلفاء وإخوتهم ولذا سموا بالسادة أو الأسياد، وهؤلاء الوزراء الأسياد يتخذون غالبًا وزراء يعاونوهم (٦١).
ومن الوزراء أصحاب الأصول الأندلسية الذين وزروا للخلفاء الموحدين، أبو العلاء إدريس بن إبراهيم بن جامع وزير الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ)، وكان والده إبراهيم بن جامع من مدينة شريش الأندلسية وكان من أعوان ابن تومرت، وأصبح لأبي العلاء مكانة مرموقة في البلاط الموحدي (٦٢). وكذلك الوزير أبو بكر محمد بن عبد الملك بن أبي العلاء بن زهر الأيادي (توفي عام ٥٩٥ هـ) الذي كان وزيرًا للخليفة يعقوب المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ)، وكان دائم التردد بين المغرب والأندلس (٦٣).
وكان وزير الموحدين أحيانًا يقوم بمهمة الإشراف على الأندلس وتفقد أحوالها، وبعضهم شارك في معارك الجهاد الأندلسية التي خاضتها القوات الموحدية والأندلسية ضد الممالك الإسبانية، واستشهدوا فيها (٦٤).
ونرى كذلك أن بعض حكام مدن الأندلس الموحدين يُعين لهم وزير يساعده في إدارة الولاية (٦٥).
أما نظام الوزارة في عهد مملكة غرناطة، فكان له مكانة عالية، وكان الوزير دائمًا ينوب عن السلطان، وهو الذي يهيمن على شؤون الدولة المدنية والعسكرية، ولذا كثيرًا ما كان الوزير الغرناطي يلقب بألقاب تدل على قوة نفوذه مثل: لقب الرئيس وعماد الدولة، وذي الوزارتين وغير ذلك (٦٦). وتقلد منصب الوزارة في مملكة غرناطة أشخاص من علية القوم، وأشخاص عاديون، وأحيانًا من أرقاء الإسبان (٦٧).
_________________
(١) القلقشندي، صبح الأعشى، ج ٥، ص ١٢٦ - علام، الدولة الموحدية بالمغرب، ص ٦٧.
(٢) العبادي، دراسات، ص ١٥٧.
(٣) المراكشي، المعجب، ص ٣١٦.
(٤) السلاوي، الاستقصا، ج ٢، ص ١٧٩ - ١٨٠.
(٥) المراكشي، المعجب، ص ٣٥٩ - العبادي، دراسات، ص ١٦٦، ص ١٦٨.
(٦) ابن عذاري، البيان الموحدي، ص ٦٧.
(٧) ينظر، العبادي، دراسات، ص ٢٣٠.
(٨) ابن الخطيب، اللمحة البدرية. ص ٩٤، ص ١١٥ - فرحات، غرناطة، ص ٧٤ - ٧٥.
[ ٣٧٢ ]
وكان لوزراء بني الأحمر أدوار سياسية مهمة من خلال المهمات التي أوكلت إلى بعضهم، فالوزير ابن الخطيب ذهب سفيرًا إلى فاس، ثم أرسل مرة أخرى إلى عدوة المغرب كي يطلب عون المرينيين لصد الخطر الإسباني. والوزير ابن زمرك قام بتسع رحلات إلى بلاد الإسبان من أجل عقد معاهدات صلح، وبعض الوزراء قاد بعض الحملات العسكرية أمثال الوزير أبي النعيم رضوان (٦٨).
واكتفى بعض سلاطين غرناطة بوزير واحد، بينما نجد في عهد السلاطين الآخرين عدة وزراء، ووصل عددهم إلى خمسة وزراء، واشتهرت بعض العائلات بتولي أبنائها مناصب الوزارة مثل عائلة آل الأمين وبني عبد البر وبني سراج وغيرهم (٦٩).
٣ - النظام الإداري (ولاية الأقاليم):
ترددت الأندلس، في ارتباطها الإداري، بين ولاية الشمال الأفريقي والإشراف المباشر لمركز الخلافة. وعندما تكون الأندلس تابعة لولاية الشمال الأفريقي يقوم والي القيروان بتعيين ولاة الأندلس، مثل الحر بن عبد الرحمن الثقفي (توفي عام ١٠٠ هـ)، وعنبسة بن سحيم الكلبي (توفي عام ١٠٧ هـ). ثم اتبعت الأندلس مركز الخلافة الأموية في دمشق أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) من أجل الإسراع في الإنجاز والإشراف المباشر، فعين السمح بن مالك واليًا عليها (توفي عام ١٠٢ هـ) (٧٠). لكنها عادت ولاية تابعة لأفريقية في ولاية عنبسة (استشهد عام ١٠٧ هـ)، ومن جاء بعده (٧١).
وهكذا ترددت تبعية الأندلس بين الإشراف المباشر للخلافة عليها، وبوساطة ولاية الشمال الأفريقي، حسب مقتضيات الأمور (٧٢).
لكن قد تفرض ظروف الأندلس أحيانًا تعيين والٍ بسرعة، فيتفق أهل الأندلس على شخص معين يولونه أمر الأندلس، حتى يأتي غيره، ويؤيد الخليفة أو والي أفريقية هذا.
كما حدث بعد مقتل عبد العزيز بن موسى، إذ عين أهل الأندلس الوالي أيوب بن حبيب اللخمي (رجب - ذو الحجة ٩٧ هـ). كذلك الحال عند استشهاد السمح (عام ١٠٢ هـ).
_________________
(١) أيضًا، ص ١٢٢ - ابن خلدون، العبر، ج ٧، ص ٣٠٦.
(٢) ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٥٢، ص ٦٣، ٧١، ص ٧٩ - فرحات، غرناطة، ص ٧٧.
(٣) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ٢٦.
(٤) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٩.
(٥) الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ١٣٢، ص ١٣٧.
[ ٣٧٣ ]
وفي هذه الحال يكتب بالأمر إلى والي الشمال الأفريقي لإقراره أو تعيين غيره (٧٣).
وكانت الأندلس، أغلب فترة الولاة (٩٥ - ١٣٨ هـ) تابعة لولاية أفريقية، وكانت مدينة أشبيلية قاعدة الولاية، ثم انتقلت إلى مدينة قرطبة ذات الموقع المتوسط بين الساحل والداخل (٧٤).
استفاد عرب الأندلس من النظام الإداري الذي وجدوه بالأندلس، فعدلوا به بعض الشيء، في عصر الولاة (٩٥ - ١٣٨ هـ)، بحسب ما اقتبسوه من النظم الإدارية المشرقية، ومال أهل الأندلس في التنظيم الإداري نحو الأقسام الإدارية الصغيرة تسهيلًا لتوفير الأمن وتنظيم الأمور المالية (٧٥).
ويبدو أن النظام الإداري للأندلس لم تتضح معالمه إلا في أواخر عصر الولاة، وذلك عندما قسم الوالي يوسف الفهري (١٢٩ - ١٣٨ هـ) الأندلس إلى خمس ولايات وهي: ولاية الأندلس (ولاية باطقة) وتقع بين نهر وادي يانة والبحر المتوسط، وأشهر مدنها قرطبة، وقرمونة، إشبيلية، ومالقة، والبيرة، وجيان، وإستجة. وولاية طليطلة (ولاية قرطاجنة القديمة) وتمتد بين جبال قرطبة حتى نهر دويرة، وأشهر مدنها: طليطلة ومرسية ولورقة وشاطبة ودانية وبلنسية ووادي الحجارة وقونقة. وولاية ماردة (ولاية جليقية القديمة - لوجدانيا) وتمتد فيما وراء نهر وادي يانة شرقًا حتى المحيط الأطلسي غربًا، وأشهر مدنها: ماردة وباجة وأشبونة وإسترقة وسمورة وشلمنقة. وولاية سرقسطة (ولاية كانتبرية القديمة) وتمتد من ساحل البحر المتوسط عند طركونة وبرشلونة إلى جبال البرنية وبلاد البشكنس، وأشهر مدنها: سرقسطة وطركونة وبرشلونة ولاردة وطرطوشة ووشقة. وولاية أربونة (ولاية الثغر) في الأراضي الفرنسية وتشمل مصب نهر الرون، وأشهر مدنها: أربونة وقرقشونة ونيم وماجلونة (٧٦).
نلاحظ من كل هذا أن الوالي الكبير في قرطبة مسؤول عن الولاة الخمسة لهذا التنظيم الإداري، وكل والٍ فرعي مسؤول عن ولايته، لأن كل ولاية تتبعها مجموعة مدن وهي الكور، وكل كورة يتبعها عدة أقاليم (قرى كبيرة)، وكل إقليم يتبعه عدة أجزاء
_________________
(١) مؤلف مجهول، أخبار مجموعة، ص ٢٥ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٧، ص ٢٩.
(٢) الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ١٣٢ - سالم، قرطبة، ج ١، ص ٣٠ - ٣١.
(٣) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٥٥٤، ص ٥٧٧.
(٤) عنان، دولة الإسلام، ج ١ ص ١٣٢ - ١٣٣.
[ ٣٧٤ ]
(أرياف) (٧٧). وقد أورد لنا العذري الكثير من أسماء الأقاليم والأجزاء التابعة لكورة بلنسية ولكورة سرقسطة، وذكر لنا أقاليم البيرة وأجزاءها، وكدلك أقاليم إشبيلية، وأقاليم قرطبة (٧٨).
في عصر الإمارة (١٣٨ - ٣١٦ هـ)، أصبحت الأندلس إمارة مستقلة قاعدتها قرطبة، وتولى أمرها الداخل وذريته من بعده، كما هو معروف. ويبدو لنا خلال هذه الفترة أن النظام الإداري في الأندلس بقي على حاله السابق، واعتمد الداخل والأمراء من بعده في إدارة الثغور والولايات والكور على جماعة مختارة من الأعوان المخلصين، ومن أفراد البيت الحاكم، مع الاعتماد على أسر اشتهرت في الأندلس، مثل أسرة أبي عبدة، وأسرة بني شُهيد وأسرة مغيث الرومي وغيرهم. فمثلًا أعطى عبد الرحمن الداخل ولاية إشبيلية إلى حسان بن مالك (أبو عبدة)، وقضى هذا الوالي على حركات التمرد هناك، وضبط أحوال الولاية، وأصبح لهذه الأسرة (أسرة أبي عبدة) نفوذ كبير في هذه الولاية (٧٩).
وخلال عصر الإمارة هذا استجدت عدة ظواهر فيما يتعلق بالنظام الإداري:
١ - الظاهرة الأولى:
فقدت الأندلس ولاية أربونة (ولاية الثغر)، حيث استرجعتها فرنسا، كما زحفت عبر جبال البرتات وسيطرت على مدينة برشلونة عام ١٨٥ هـ/٨٠١ م، وجعلت هذه المدينة قاعدة لولاية فرنسية تسمى بالثغر القوطي أو المارك الإسباني ويتألف من مدن جيرونة وسولسونة وبرشلونة وأربونة وغيرها. وبذلك أصبحت هذه الولاية الفرنسية سدًا حاجزًا بين المسلمين في الأندلس وبلاد فرنسا، وحاولت إمارة الأندلس استرجاع هذه المناطق فلم تلق نجاحًا كبيرًا، ما عدا حملات عسكرية جهادية تكتفي بالنصر أحيانًا على الأعداء دون استرجاع المدن (٨٠).
_________________
(١) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٥٧٩ وما بعدها.
(٢) نصوص عن الأندلس، ص ١٧، ص ٢٠، ص ٢٤، ص ٩٠، ص ١٠٩، ص ١٢٤.
(٣) ينظر، ابن حيان، المقتبس، ج ٣، ص ٦٨ - مؤلف مجهول، فتح الأندلس، ص ٦٧ - ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ١٤٦ - ابن خلدون، تاريخ - ج ٤، ص ١٣٥.
(٤) ينظر، النويري، نهاية الأرب، ج ٢٢، ص ٢١ - عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٢٣ السامرائي، الثغر الأعلى ص ٢٤١ - Provençal، op، cit، I، ١٢٨. - رينو، غزوات، ص ١٦٥ - ١٦٦.
[ ٣٧٥ ]
٢ - الظاهرة الثانية:
في أواخر عصر الولاة، وبداية عصر الإمارة بدأت الفلول الإسبانية تجمع نفسها، فأقامت لها إمارات صغيرة في الشمال الإسباني مستغلة سوء الأحوال في الأندلس، فظهر المارك الإسباني، وقامت إمارة النافار، وإمارة أشتوريش (إمارة ليون) (٨١). فظهرت إمارات حدودية أندلسية مقابلة لهذه الإمارات الإسبانية، تسمى بالثغور الأندلسية، وهذه الثغور ثلاثة هي:
١ - الثغر الأعلى:
ويشمل في الجغرافية الأندلسية ولاية سرقسطة وأعمالها. وتعتبر مدينة سرقسطة قاعدة لهذا الثغر، ويواجه هذا الثغر المارك الإسباني وإمارة النافار.
٢ - الثغر الأوسط:
يشمل ولاية طليطلة، وكانت قاعدته الأولى مدينة سالم ثم أصبحت مدينة طليطلة، ويواجه هذا الثغر إمارة ليون بالدرجة الأولى.
٣ - الثغر الأدنى:
ويشمل المنطقة الواقعة بين نهر دويرة ونهر التاجة، ومن أشهر مدن هذا الثغر مدينة قورية ومدينة قلمرية، وكانت مدينة قورية عمومًا قاعدة لهذا الثغر. وأصبح مدلول مصطلح الثغور في الجغرافية الأندلسية يعني هذه الثغور الثلاثة (٨٢). ومن سكنها يطلق عليه لقب ثغري (٨٣).
وتأتي أهمية هذه الثغور من كونها أصبحت المراكز المهمة التي تنطلق منها الجيوش الأندلسية لمجاهدة الإمارات الإسبانية التي ظهرت في الشمال والتي أخذت تسترجع المدن الأندلسية تباعًا. كما أصبحت هذه الثغور مركزًا مهمًا لحركات التمرد ضد حكومة الإمارة في قرطبة، وقد أحرجت مركزها في كثير من الأحيان.
_________________
(١) أرسلان، الحلل السندسية، ج ٢، ص ١١٣ - السامرائي، الثغر الأعلى، ص ١٥٩.
(٢) ينظر: ابن بشكوال، الصلة، ج ١، ص ١٤.
(٣) السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٣٩ وما بعدها.
[ ٣٧٦ ]
٣ - الظاهرة الثالثة:
فتح الجزائر الشرقية عام ٢٩٠ هـ/٩٠٣ م بقيادة عصام الخولاني وذلك في عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ). وأصبحت هذه الجزائر تابعة إداريًا إلى الأندلس وعين عصام الخولاني أول عامل أندلسي عليها (٨٤).
ويبدو لنا أن النظام الإداري أصيب بالإرتباك خلال عصر الأمير عبد الله، نظرًا لقيام حركات التمرد في سائر أنحاء الأندلس، ولم يبق لحكومة الإمارة في قرطبة سلطان حقيقي إلا في منطقة العاصمة وأحوازها (٨٥).
وقد بذل هذا الأمير قصارى جهده من أجل إعادة سلطان قرطبة على الولايات، وكذلك فعل الأمير عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣١٦ هـ) قبل أن يعلن الخلافة الأندلسية، وقد بدأ عصره بقمع هذه الفتن وسار بنفسه يعاونه خيرة قوّاده في إخماد حركات التمرد، وقد أفلح في ذلك (٨٦). ولعل القضاء على حركات التمرد هذه من الأسباب التي دفعت هذا الأمير إلى إعلان الخلافة (٨٧).
ويبدو خلال عصر الخلافة (٣١٦ - ٤٢٢ هـ) أن النظام الإداري هو استمرار لهذا النظام منذ عصر الإمارة، ولكن الشيء الجديد الذي استحدث خلال عصر الخلافة، هو إيجاد إمارة الثغور إيجادًا مستقلًا، وأعطيت إمارة الثغر الأعلى أهمية كبيرة (٨٨). وبعد الهزيمة المنكرة التي لحقت بالخليفة الناصر وجيشه أمام جيوش مملكة ليون الإسبانية عام ٣٢٧ هـ/٩٣٩ م في معركة الخندق (٨٩)، اهتم الناصر بأمور الثغور الأندلسية واستمر في إعطاء إدارتها إلى الأسر المتنفذة فيها وهي أسرة بني تُجيب وأسرة بني ذي النون وبني الطويل وبني رزين، وكان يغدق عليهم الصلات والهدايا، وكان يزودهم كل عام بالعدد والسلاح من أجل الاستمرار في مدافعة ممالك الإسبان (٩٠).
_________________
(١) ابن خلدون، العبر، ج ٤، ص ١٦٤ - السامرائي، " الجزائر الشرقية "، ص ١٦.
(٢) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٣٢٣.
(٣) ينظر، نهلة شهاب أحمد " أسرة أبي عبدة ودورها في تاريخ الأندلس " حيث وضح دور هذه الأسرة في قمع الفتن الداخلية خلال عصر الإمارة.
(٤) العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٨٠.
(٥) الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٣١٥.
(٦) المسعودي، مروج، ج ١، ص ١٦٢ - مجهول، أخبار مجموعة، ص ١٥٦ - ابن الأثير، الكامل، ج ٨، ص ٣٥٨ - ابن الخطيب، أعمال، ص ٣٦ - المقري، نفح، ج ١، ص ٣٦٣.
(٧) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٤٢١.
[ ٣٧٧ ]
وفي عام ٣٣٥ هـ/٩٤٦ م عني الناصر بتجديد مدينة سالم وهي أقصى مدن الأندلس الشمالية الغربية على حدود مملكة ليون، فحصّنها وزودها بالعتاد والرجال، وكانت قد خربت من جرّاء غزوات الإسبان المتكررة (٩١).
وسار عبد الرحمن الناصر على خطى جده الداخل في الاسترابة من القبائل العربية، وأقصى زعماءها عن مناصب النفوذ والإدارة، فعهد الخليفة الناصر المناصب المهمة إلى الموالي والصقالبة (٩٢)، ولكن في عهد ولده الخليفة الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) اعتمد على خيرة الرجال في الجيش والإدارة، سواء من العرب أو البربر، ويأتي في مقدمتهم الحاجب المنصور والحاجب جعفر بن عثمان المصحفي. وكان القائد غالب بن عبد الرحمن الناصري والي مدينة سالم من رجالات الحكم المهمين، وهو الذي قلده الخليفة الحكم سيفين مذهبين من ذخائر سيوفه وسماه (ذا السيفين) (٩٣). واعتمد الحاجب المنصور على نظام إداري متين مما مكنه من مواصلة الجهاد المستمر للممالك الإسبانية والانتصار عليها دائمًا، ولذا وصف بمواصلة الحزم والحذر، ودائم السهر، لمراقبة أحوال البلاد (٩٤).
واضطرب النظام الإداري على ضوء اضطراب الأندلس السياسي خلال عصر الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، كما هو معروف، وأصبح ولاة المدن في حل من تبعيتهم لقرطبة عاصمة الخلافة، واستقل كل والٍ وحاكم في منطقته وبذلك قام عصر الطوائف. وفي هذا العصر لم يتوفر في الأندلس نظام إداري موحد، بل إن كل مملكة من ممالك الطوائف لها نظامها الإداري، فهناك الأمير المقيم في قاعدة الإمارة، ولديه مجموعة من العمال أو الولاة الذين يعينهم لإدارة المدن والحصون التابعة لإمارته، ومن أجل ضمان السيطرة العسكرية على جميع أنحاء الإمارة الطائفية، نظرًا لحرج هذه الإمارات بعضها أمام بعض، وأمام الممالك الإسبانية في الشمال (٩٥).
لذا نرى أن ملوك الطوائف يعهدون إدارة المدن والحصون المهمة إلى إخوانهم وأبنائهم وإلى أعوانهم المخلصين. ولكن حب الزعامة أولًا وبعد العامل عن مراقبة سيده
_________________
(١) الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٣٠٤.
(٢) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٤٥٠.
(٣) ابن حيان، المقتبس، تحقيق الحجي، ص ٢٣٦.
(٤) ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ص ٥٨، ص ٧٤ - ٧٥.
(٥) محمد بن عبود، التاريخ السياسي والاجتماعي لإشبيلية، ص ١٠٧.
[ ٣٧٨ ]
ثانيًا، وضحت لنا ظاهرة تمرد العمال على أسيادهم في عصر الطوائف، كما هو الحال في مملكة غرناطة ومملكة إشبيلية ومملكة سرقسطة ومملكة بطليوس وغيرها (٩٦).
وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية تتبع مراكش في عدوة المغرب، وعين لها قائد أعلى وهو الحاكم العام أو أمير الأندلس، وللمدن قادة آخرون خاضعون للقائد العام، ومهمة هؤلاء الإشراف على النواحي العسكرية والإدارية بالدرجة الأولى.
وكانت الأندلس أيام المرابطين مقسمة إلى ست ولايات هي: غرناطة وقرطبة وإشبيلية وبلنسية ومرسية وسرقسطة (سقطت عام ٥١٢ هـ قبل انتهاء العصر المرابطي).
وكانت مدينة قرطبة عاصمة الإمارة المرابطية ثم انتقلت في أوائل عهد علي بن يوسف إلى غرناطة، وفي أواخر عهده أعاد العاصمة إلى قرطبة مرة أخرى (٩٧).
وكانت مناصب الولاية المحلية في الأندلس، وقفًا على الأمراء والقادة المرابطين، ولا سيما أقرباء الحكام، وكان في مقدمة هؤلاء الأمير سير بن أبي بكر اللمتوني والي إشبيلية، ومحمد بن الحاج والي بلنسية وسرقسطة والأمير أبو محمد مزدلي والي قرطبة، والأمير وأنور بن بكر والي الجزائر الشرقية (٩٨). وكان اختيار الوالي يقوم على أساس مكانته وعدالته وعلمه، وإذا أظهر شيئًا من التقصير يعزل أو ينقل إلى مكان آخر. وكان التأكيد والتوصية بحسن السيرة والرفق بالناس أمرًا أساسيًا، سواء بالنسبة لحاكم الدولة المرابطية أم للولاة والحكام المحليين (٩٩).
وأصبحت الأندلس ولاية موحدية، وكانت قاعدة الحكومة الموحدية في الأندلس مدينة إشبيلية، لأنها كانت أول قاعدة أندلسية نادت بطاعة الموحدين، ولأنها أول مدينة سيطر عليها الموحدون. إلا أن عبد المؤمن بن علي في أواخر أيامه أمر ولده أبا يعقوب يوسف والي إشبيلية، أن ينتقل إلى قرطبة ويتخذها قاعدة الحكم الموحدي في الأندلس لأنها تقع في وسط الأندلس. وبعد فترة قصيرة رجعت إشبيلية قاعدة للحكم طيلة العهد الموحدي (١٠٠). وإذا كانت نظم الحكم المرابطية للأندلس يغلب عليها الطابع العسكري،
_________________
(١) ينظر، عنان، دول الطوائف، ص ٦٤، ص ٨٨، ص ٢٧٢.
(٢) عنان، عصر المرابطين، ص ٦٠، ص ١٤٤، ص ٤١٥.
(٣) أيضًا، ص ٤١٥.
(٤) ينظر، الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٥) عنان، عصر الموحدين، ص ٦١٨ - ٦١٩، ص ٦٤١.
[ ٣٧٩ ]
فإن النظم الموحدية كانت أميل إلى الطابع المدني. وكانت ولاية الأندلس في العهد الموحدي تنقسم إلى عدة ولايات وهي: ولاية الغرب وتشمل شلب ويابره وباجة وماردة وبطليوس. وولاية إشبيلية وتشمل شريش وشذونة وقرمونة وإستجة وقرطبة وجيان، وولاية غرناطة وتشمل وادي آش والمنكب والمرية ومالقة والجزيرة الخضراء. وولاية بلنسية وتشمل قسطلونة وشاطبة ودانية والجزائر الشرقية. وولاية مرسية وتشتمل على لقنت ولورقة وأريولة (١٠١). وكان يتولى حكم هذه الولايات عادة أبناء الخليفة الموحدي وإخوته أو أقرباؤه وأصهاره. وكان يتولى منصب الحاكم العام للأندلس على الأغلب واحد من أبناء الخليفة أو إخوته، وكان أول من تولاها من أبناء الخليفة السيد أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وذلك في عام ٥٥١ هـ. وكان لكل ولاية أندلسية حكومتها المحلية التي تضم إلى جانب الوالي الموحدي، الوزير والكاتب وصاحب الجباية عدا المناصب الدينية (١٠٢).
ومملكة غرناطة الواقعة في الطرف الجنوبي من الأندلس، شملت ثلاث ولايات كبيرة ولاية غرناطة في الوسط وفيها العاصمة غرناطة، وولاية المرية في المشرق، وولاية مالقة في الجنوب والغرب (١٠٣). ومجموع أقاليم هذه المملكة كما يخبرنا ابن الخطيب ثلاثة وثلاثون إقليمًا (١٠٤). وكانت هذه الأقاليم خاضعة لسلطة العمال والولاة الذين يختارهم السلطان النصري من ثقات رجاله، فيتخذ الولاة من قصبة المدينة (قلعتها) مقرًا لولايتهم. ولكن بعض الولاة كانوا بحكم نفوذهم وقوتهم يفرضون أنفسهم على الأقاليم ويتوارثون حكمها فيقرهم السلطان على مقاطعاتهم بعد أن يظهروا الطاعة ويؤدوا الأموال (١٠٥)، ولعب الكثير من حكام الأقاليم دورًا كبيرًا في تقرير مصير الحكم خلال هذا العصر، كما حصل خلال حكم السلطان محمد الثاني الفقيه (٦٧٢ - ٧٠١ هـ) مثلًا (١٠٦).
_________________
(١) عنان، عصر الموحدين، ص ٦٤١.
(٢) ينظر، الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٤٩٨، ص ٥٠٠ - عنان، عصر الموحدين، ص ٦٤٢.
(٣) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ١١٥ - ١١٩ - عنان، نهاية الأندلس، ص ٥٥.
(٤) اللمحة البدرية، ص ٢٨.
(٥) فرحات، غرناطة، ص ٨٤.
(٦) ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٥٨ وبعدها. ينظر، ص ٦٦ - ٦٧، ص ٧٥.
[ ٣٨٠ ]
٤ - نظام الشرطة:
بدأت ولاية الشرطة في الأندلس منذ عصر الأمير عبد الرحمن الداخل، (١٣٨ - ١٧٢ هـ) بعدما شعر بخطر اليمانية عليه بعد الانتصار في معركة المسارة، وذلك عندما منعهم من نهب قصور قرطبة (١٠٧). وأسند إدارتها إلى عبد الرحمن بن نعيم، ومن بعده للحصين بن الدجن العقيلي (١٠٨). وأول من تولى قيادة الشرطة من أسرة أبي عبدة هو عبد الغافر بن أبي عبدة، حيث تولاها للأمير هشام (١٧٢ - ١٨٠ هـ) (١٠٩).
والأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) هو الذي ميز ولاية السوق عن أحكام الشرطة المسماة بولاية المدينة، فأفردها وقرر لواليها ثلاثين دينارًا في الشهر، ولوالي المدينة مائة دينار (١١٠). ويبدو أن صاحب المدينة كان يشرف على الخدمات العامة في العاصمة، إضافة إلى صلاحيات ولاية الشرطة العليا، ويستخدم سلطة جهاز الشرطة أيضًا في التحقيقات المدنية (١١١). وقسمت ولاية الشرطة إلى قسمين: ولاية الشرطة العليا (الكبرى) وجعل لصاحبها الحكم على أهل المراتب السلطانية والضرب على أيديهم في الظلامات، وعلى أيدي أقربائهم من أهل الجاه. وجعل لصاحبها كرسيًا بباب دار الإمارة، وفي خدمته عدة رجال ينفذون أوامره. وولاية الشرطة الصغرى.
وجعل لصاحبها الحكم على عامة الناس (١١٢). وأخبرتنا بعض الروايات، أنه في عام ٣١٧ هـ/٩٣٠ م استحدث منصب ولاية الشرطة الوسطى التي أعطيت إلى سعيد بن سعيد ابن حدير (١١٣).
وفي عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) تولى ولاية الشرطة العليا (صاحب المدينة) أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبدة، وكذلك أبو عثمان عبيد الله بن محمد الغمر بن أبي عبدة (١١٤). وفي بداية عهد الأمير عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ -
_________________
(١) إبراهيم الدوري، عبد الرحمن الداخل، ص ٢٥١.
(٢) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ٢، ص ٣٥٥.
(٣) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٦١.
(٤) خلاف " صاحب الشرطة " ص ٦٣.
(٥) ابن خلدون، المقدمة، ص ٢٥١ - ٢٥٢ - بدر، دراسات، ج ١، ص ١٦٥.
(٦) أيضًا، ص ٢٥١ - خلاف، " صاحب الشرطة "، ص ٦٤، ومجلة أوراق، ص ٧٣.
(٧) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٠٢.
(٨) ابن القوطية، تاريخ، ص ١٠٤ - ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ١٤٦.
[ ٣٨١ ]
٣٥٠ هـ) حصرت ولاية الشرطة العليا في أولاد الوزير القائد أبي العباس أحمد بن محمد، فتولاها أولاده الثلاثة: عباس وعبد الله وعيسى، وتولاها كذلك حفيده أحمد ابن عيسى (١١٥).
ونجد في أحداث القرن الرابع الهجري أن صاحب المدينة كان مستقلًا عن صاحب الشرطة، ونستدل على ذلك بما قاله ابن حيان في أحداث عام ٣٦١ هـ: " نظر الوزير صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان مع صاحب الشرطة والسوق أحمد بن نصر فيما عهد إليه الخليفة المستنصر بالله " (١١٦). واستمر كذلك أيام الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) الأنواع الثلاثة للشرطة، العليا والوسطى والصغرى (١١٧).
وأعطيت لصاحب الشرطة صلاحيات واسعة في الأندلس، تصل أحيانًا إلى تنفيذ حكم الإعدام دون الرجوع إلى الحاكم (الخليفة) (١١٨). وقد أشار ابن عبدون لهذه الخطة وسمى صاحبها الحاكم، وذكر لنا الصفات الجليلة التي يجب أن تتوفر فيه (١١٩). ويبدو أن هذه الصفات كانت نظرية، فوجد عمليًا من تولى أمر الشرطة من وصف بالتأخر في عقله وعلمه أمثال أمية بن أحمد بن حمزة القرشي الأموي (توفي عام ٣٩٣ هـ) (١٢٠)، ومحمد بن يحيى بن قاسم القيسي (توفي عام ٤١١ هـ)، وحسن بن محمد بن ذكوان (توفي عام ٤٥١ هـ) (١٢١).
ووجدت لدينا روايات تشير إلى أن صاحب الشرطة قد كلف بأعمال خارج اختصاصه، فمثلًا نرى صاحب الشرطة أحمد بن نصر شارك مع غيره في تشييد محراب المسجد الجامع على عهد الخليفة الحكم المستنصر (١٢٢). كما كلفه الخليفة المستنصر - بعد أن أعطاه ولاية السوق، بتوسيع المحجة العظمى بسوق قرطبة لضيقها وهدم
_________________
(١) ينظر، ابن حيان، المقتبس، ج ٥، ص ٩٧، ص ١٠٧، ص ٢١٠، ص ٢١٥ - ابن عذاري، البيان المغرب، ج ٢، ص ١٥٩ - ١٦٠، ص ١٦٧، ص ١٩٣، ص ١٩٦ - ١٩٧.
(٢) ابن حيان، المقتبس، تح الحجي، ص ٦٦.
(٣) أيضًا، ص ٥٩ - خلاف، " صاحب الشرطة " ص ٦٥، ومجلة أوراق، ص ٧٢ - ٧٦.
(٤) ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ٥٤.
(٥) ثلاث رسائل أندلسية في الحسبة، ص ١١.
(٦) ابن الفرضي، تاريخ، ترجمة رقم ٢٦٦.
(٧) ابن بشكوال، الصلة، ترجمة (٣١٢)، ترجمة رقم (١١٠٢).
(٨) ابن الفرضي، تاريخ، ترجمة رقم ١٦٧.
[ ٣٨٢ ]
الحوانيت من أجل التوسيع، وكذلك كلفه بنقل دار البرد من غربي قرطبة إلى دار الزوامل التي بالمصارة من طرف قرطبة. وكلف أيضًا بقضاء كورة جيان (١٢٣). وشارك أصحاب الشرطة أيضًا في عصر الحكم المستنصر في عمليات الجهاد حيث خرجوا عام ٣٦٤ هـ مع جيش الصائفة (١٢٤). وكان صاحب الشرطة أحيانًا هو قائد الجيش في بعض الولايات الأندلسية، حيث يكلفه الخليفة في بعض المهام، كما هو حال صاحب الشرطة العليا وقائد بلنسية وطرطوشة هشام بن محمد بن عثمان (١٢٥). وفي عام ٣٦١ هـ أعطى الخليفة الحكم الشرطة الوسطى لمحمد بن أبي عامر وجعله أيضًا قاضي القضاة (١٢٦).
وكان الخليفة الحكم يعهد لصاحب الشرطة والسوق بأعمال البر كتوزيع الأموال على الفقراء والمساكين (١٢٧).
ومارس صاحب الشرطة بعض المهام الدبلوماسية، ففي عام ٣٦٠ هـ كلف الخليفة الحكم صاحب الشرطة هشام بن محمد بن عثمان وقائد طرطوشة وبلنسية أن يصحب الوفود الإسبانية الوافدة إلى العاصمة، وربما كان ذلك لقرب منطقة عمله من الممالك الإسبانية (١٢٨).
وتخبرنا بعض النصوص أن وظيفة صاحب الشرطة وصاحب المدينة كانت تجمع في وظيفة واحدة أحيانًا في عهد الخليفة هشام المؤيد، حيث جمعت لمحمد بن أبي عامر (١٢٩)، الذي عم في زمنه الأمن في مدينة قرطبة (١٣٠). وتولى خطة الشرطة بعض العلماء والفقهاء في فترة الحجابة أمثال سعيد بن أحمد بن حدير الذي تولى الشرطة في بداية عهد هشام المؤيد (١٣١). والأديب أحمد بن أبان المتوفى عام (٣٨٢ هـ) (١٣٢)، وغيرهم.
_________________
(١) ابن الفرضي، تاريخ، ترجمة رقم ١٦٧ - ابن حيان، المقتبس، تح الحجي، ص ٦٦، ص ٧١.
(٢) ابن حيان، المقتبس، تح الحجي، ص ٢١٦.
(٣) أيضًا، ص ٤٧ - ٤٨.
(٤) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٤٧.
(٥) ابن حيان، المقتبس، ص ٧٧.
(٦) ابن حيان، المقتبس، ص ٢٠ - ٢١ - خلاف، " صاحب الشرطة "، ص ٧٠.
(٧) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٦٦ - المقري، نفح، ج ٤، ص ٨٨.
(٨) أيضًا، ج ٢، ص ٢٦٦ - خلاف، " صاحب الشرطة "، ص ٧٠ - ٧١.
(٩) ابن الفرضي، تاريخ، ترجمة رقم ١٩٠.
(١٠) أيضًا ترجمة رقم ٥٣١ - ابن بشكوال، الصلة، ترجمة رقم ٦.
[ ٣٨٣ ]
ونرى من خلال تراجم أصحاب الشرطة في عصر الحكم المستنصر والحاجب المنصور، أن صاحب الشرطة قام بأكثر من عمل إداري ودبلوماسي وعمراني وعسكري إلى جانب عمله الرئيسي (١٣٣)، وذكرت بعض المصادر التاريخية (١٣٤)، بتلقب ابن حيان المؤرخ بصاحب الشرطة، ويبدو أن هذا اللقب كان لقبًا فخريًا أو تشريفيًا ليس إلا (١٣٥).
وفي عهد الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، تعرض صاحب الشرطة للعزل والقتل نظرًا لتعاقب الخلفاء في هذه الفترة، والذي كان كل خليفة جديد يعمل على تعيين صاحب شرطة من رجاله وعزل السابق وربما يقتله، حيث صلب الخليفة محمد بن هشام حاكم المدينة عبد الله بن عمر عندما سيطر على قرطبة عام ٣٩٩ هـ (١٣٦). وفي أيام الخليفة محمد المهدي تولى الفقيه أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن حزم الحكم بالجانب الغربي من قرطبة (١٣٧). ولعل هذه الرواية تدل على أن خلفاء الفتنة ربما قسموا قرطبة إلى مناطق وعينوا على كل منطقة منها صاحب شرطة، أو أن كثرة الحوادث في الجانب الغربي كانت مدعاة لهذا التعيين، أو ربما لأن الجانب الغربي هو الذي تقع فيه بيوت الأغنياء فهي بحاجة إلى حماية (١٣٨).
وذكر لنا ابن بشكوال في ترجمته لمحمد بن قاسم بن محمد الأموي (الجالطي) أنه تقلد أحكام الشرطة للخليفة هشام بن الحكم، وكان محمودًا في عمله، وقتله البربر يوم دخولهم قرطبة عام ٤٠٣ هـ (١٣٩)، وكذلك قتلوا صاحب الشرطة الآخر العالم عبد الله بن حسين (ابن الغربالي) (١٤٠).
وممن ولي الشرطة في عهد الفتنة وذكرهم ابن بشكوال دون أن نستطيع تحديد وقت عملهم في هذه الخطة: محمد بن يونس (توفي عام ٤١٨ هـ) (١٤١)، ومحمد بن
_________________
(١) خلاف، " صاحب الشرطة "، ص ٧٢.
(٢) ابن خير، الفهرسة، ص ٣٢٦ - المقري، نفح، ج ٢، ص ١٠٢.
(٣) ابن حيان، المقتبس، ج ٢، مقدمة المحقق، ص ٤٤.
(٤) ابن عذاري، ج ٣، ص ٥٤ - ٥٥.
(٥) ابن بشكوال، الصلة ترجمة رقم ٨٦.
(٦) خلاف، " صاحب الشرطة "، ص ٧٤ - مجلة أوراق، ص ٧٧.
(٧) الصلة - ترجمة، رقم ١٠٦٠.
(٨) ابن الآبار، التكملة، ترجمة رقم ١٢٧٧.
(٩) الصلة، ترجمة رقم ١١٠٩.
[ ٣٨٤ ]
يحيى (ابن الخفارية) توفي عام ٤١١ هـ (١٤٢). وأحمد بن الحسين (١٤٣)، ومحمد بن محمد ابن إبراهيم القبسي (١٤٤).
وفي عصر الطوائف اتسمت خطّة الشرطة بالاستقرار، واعتمد كل أمير من أمراء الطوائف على صاحب شرطة، واختاروه من البيوتات الأندلسية المعروفة (١٤٥). ففي مملكة غرناطة في عهد أسرة بني زيري شغل هذه الوظيفة بربر صنهاجة، وأيضًا اليهود.
وفي قرطبة عهد أبو الوليد بن جهور إلى الفقيه حسن بن محمد بن ذكوان (توفي عام ٤٥١ هـ) أحكام الشرطة والسوق ثم رفع إلى قاضي الجماعة (١٤٦). وتولى أيضًا في هذا العهد الفقيه عبد الرحمن بن مخلد أحكام الشرطة والسوق حتى وفاته عام ٤٣٧ هـ (١٤٧).
وتولاها أيضًا في عهد الجهاورة مضافة إلى خطة السوق الوزير أبو بكر محمد بن الليث ابن حريش، والذي استمر يمارس هذه الوظيفة في عهد الطوائف بعد سقوط إمارة الجهاورة، حيث نراه يمارس أعماله في عام ٤٥٧ هـ وعرضت عليه مجموعة قضايا في مدينة قرطبة، وعندما تختلف عليه الأمور يشاور الفقهاء والقضاة وغيرهم لحل الإشكال (١٤٨).
وفي مملكة بني عباد تولى أحكام الشرطة الفقيه محمد بن مكي (توفي عام ٤٧٤ هـ) وجمعت له مع السوق والأحباس وأمانة الجامع (١٤٩).
وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية، وتزودنا الروايات بأن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن مخلد تولى الأحكام بقرطبة مدة طويلة وتوفي سنة ٥١٥ هـ (١٥٠). وإذا أخذنا بنظر الاعتبار رسالة ابن عبدون (توفي عام ٥٢٠ هـ) في الحسبة، وهو من الذين خدموا في بلاط علي بن يوسف، والتي تشير إلى منع طوائف الحشم والعبيد التابعين لولاة
_________________
(١) أيضًا ترجمة رقم ١١٠٢.
(٢) أيضًا ترجمة رقم ١٢٧.
(٣) أيضًا ترجمة رقم ١١٤٢.
(٤) خلاف، " صاحب الشرطة "، ص ٧٥.
(٥) ابن بشكوال، الصلة، ترجمة رقم ٣١٢.
(٦) أيضًا، ترجمة رقم ٧٠٣.
(٧) ينظر، خلاف، " صاحب الشرطة في الأندلس "، مجلة أوراق، ص ٧٨ وما بعدها.
(٨) أيضًا، ترجمة رقم ١٢١٠.
(٩) ابن بشكوال، الصلة، ترجمة رقم ٧٤٦.
[ ٣٨٥ ]
الأمر من التلثم -وهو شعار المرابطين- وأن لا يتلثم إلا صنهاجي أو لمتوني أو لمطي، فهذا يدل على مراقبة المرابطين لأحوال الرعية، وربما كلف بالأمر صاحب الشرطة أو صاحب السوق (١٥١).
وكان منصب صاحب الشرطة من المناصب الإدارية المهمة في الدولة الموحدية، وتبدو أهميته خاصة عند اضطراب الأمور، وكان يشغل هذا المنصب رجال من ذوي المكانة الرفيعة في الدولة ومن كابر الوزراء.
ويبدو لنا من الرسالة التي وجهها عبد المؤمن بن علي عام ٥٤٣ هـ إلى الأعيان والمشيخة في الأندلس، والتي تنحصر في خمسة أمور هي:
وجوب التزام الدقة في تطبيق الأحكام الشرعية، ووجوب الكف عن أخذ أية مغارم أو مكوس لا تبيحها الشريعة، ولا يجوز الحكم في مواد الحدود بالإعدام أو تنفيذه قبل الرجوع إلى الخليفة، ويجب تحريم الخمور ومطاردتها في سائر أنحاء الدولة، ويجب حماية أموال الدولة وعدم التصرف بها بدون حق (١٥٢)، يتبين لنا من هذا كله الإشارة إلى بعض اختصاصات صاحب الشرطة والمدينة والسوق وتحديدها، على الرغم من عدم ورود اسمهم. وقد سار خلفاء الموحدين على هذا النهج فيما بعد كما فعل الخليفة يوسف بإصدار رسالة مشابهة في عام ٥٦١ هـ موجهة إلى أخيه والي قرطبة (١٥٣).
وفي مملكة غرناطة، أعطيت صلاحيات واسعة للقاضي. وكان يعاونه في تصريف القضايا الثانوية قاض مساعد يعرف بصاحب الأحكام، ولعله هو صاحب الشرطة (١٥٤).
ويعاونه أيضًا صاحب السوق المسؤول عن أمور السوق بصورة عامة، كما أنه مسؤول عن تطبيق فروض الدين، وملاحقة المنكرات (١٥٥). ومن أبرز رجال الحسبة والشرطة في مملكة غرناطة القاضي أبو بكر محمد بن فتح الأنصاري الإشبيلي (توفي عام ٦٩٨ هـ) (١٥٦). وكان صاحب الشرطة يعرف في مملكة غرناطة باسم متولي الشرطة، وصاحب المدينة وصاحب الليل. وكان يساعده حراس يجوبون الشوارع ويراقبون
_________________
(١) عنان، عصر المرابطين، ص ٤٣٢ - ٤٣٣.
(٢) عنان، عصر المرابطين، ص ٤٠٠ - ٤٠١.
(٣) عنان، عصر الموحدين، ص ٦١٩ - ٦٢٠.
(٤) النباهي، تاريخ قضاة الأندلس، ص ٥.
(٥) فرحات، غرناطة، ص ١٠١ - ١٠٢.
(٦) النباهي، تاريخ قضاة الأندلس، ص ١٢٥ - ١٢٦.
[ ٣٨٦ ]
الطرقات، وقد أطلق عليهم إسم الدرابين الذين كانوا يحملون السلاح وتصحبهم الكلاب (١٥٧).
النظم العسكرية:
وندرس فيها الجيش والبحرية:
١ - الجيش:
عندما بدأ طارق بن زياد بتنفيذ خطة فتح الأندلس، عام ٩١ هـ/٧١٠ م أرسل حملة استطلاعية بقيادة أبي زرعة طريف بن مالك المعافري، وكانت هذه القوة الاستطلاعية تتألف من أربعمائة راجل ومئة فارس (١٥٨).
وفي رجب من عام ٩٢ هـ/٧١١ هـ عبر القائد طارق بن زياد على رأس جيش من العرب والبربر قوامه سبعة آلاف رجل، ثم أنجدهم موسى بن نصير بخمسة آلاف مقاتل من العرب والبربر، وضمت الحملة أيضًا سبعمئة رجل من السودان (١٥٩).
وفي رمضان عام ٩٣ هـ/٧١٢ م عبر موسى بن نصير إلى الأندلس يرافقه جيش عربي قوامه ثمانية عشر ألف رجل، معظم هؤلاء من القبائل اليمانية، وبقية العشائر العربية الأخرى التي كانت موجودة في القيروان، وضمت الحملة أعدادًا كبيرة من رجال قريش البارزين، إضافة إلى الإداريين ورجال الدين (١٦٠). ومعنى هذا أن الجيش الإسلامي الذي قام بعملية فتح الأندلس يتألف من العرب والبربر وقليل من السودانيين.
فتحت جنوب ووسط الأندلس خلال الأعوام ٩٢ - ٩٤ هـ/٧١١ - ٧١٣ م، ودارت معارك عنيفة كمعركة وادي البرباط والمعارك الجانبية التي تم بها فتح قرطبة أو إشبيلية وغيرها من مدن الجنوب والوسط (١٦١)، أما الشمال الإسباني فتم فتحه في فترة لا تتجاوز ثمانية أشهر من عام ٩٥ هـ وإذا استعرضنا النصوص المتوفرة لدينا فيما يخص سير
_________________
(١) فرحات، غرناطة، ص ٩٠.
(٢) المقري، نفح، ج ١، ص ٢٥٤.
(٣) ينظر، مجهول، أخبار مجموعة، ص ٧ - ابن الأثير، الكامل، ج ٤، ص ٥٦١ - ٥٦٣.
(٤) ذنون، الفتح، ص ١٦٢.
(٥) ينظر، مجهول، أخبار مجموعة، ص ١٥ - ابن عذاري، ج ٢، ص ١٣ - المقري، نفح، ج ١، ص ٢٧٧.
[ ٣٨٧ ]
الجيش في الشمال الإسباني يتبين لنا أن معظمه قد فتح صلحًا، وأن معاقله الحصينة فتحت أبوابها للمسلمين دون مقاومة، ما عدا بعض المدن الواقعة على البحر قاومت الفتح، وارتضوا دفع الجزية وعاشوا بسلام في ظل الحكم العربي، عكس ما رأيناه في جنوبي الأندلس حيث بذل الفاتحون طاقات كبيرة في فتح مدنه، حيث بقي موسى بن نصير أكثر من عام يفتح أو يعيد فتح المدن في جنوبي الأندلس قبل أن يلتقي مع قائده طارق بن زياد قرب طليطلة (١٦٢).
كما أن أراضي الشمال الإسباني والتي حددت بالأراضي الواقعة شمالي نهر الوادي الكبير (١٦٣)، فقد فتحت صلحًا ورضي أهلها بدفع الجزية والعيش بسلام في ظل حكم العرب كما بيّنا، أما الأراضي الجنوبية فتعتبر أرض عنوة، أي فتحت بالحرب، فوزعت على المحاربين وأعطيت لهم سجلات بتمليكها (١٦٤). أما فيما يخص سكن المسلمين في أراضي الشمال الإسباني، أرض الصلح، فقد أشار المقري بقوله: " وكان العرب والبربر كلما مر قوم منهم بموضع استحسنوه حطوا به ونزلوه قاطنين " (١٦٥)، ويعني هذا أنهم استقروا خاصة في المناطق التي تعد غير مأهولة بالسكان، وزاولوا فيها الزراعة، ويبدو أنهم كانوا يؤدون العشر إلى الدولة (١٦٦).
ومنذ بداية عصر الولاة ٩٥ - ١٣٨ هـ تدخل الجيش في أمر إدارة الأندلس، عندما قام قادة الجند بقتل والي الأندلس عبد العزيز بن موسى عام ٩٧ هـ، وولوا مكانه أيوب ابن حبيب اللخمي (١٦٧). الذي لم ينعم بالولاية طويلًا، فاستبدل بالحر بن عبد الرحمن الثقفي (٩٧ - ١٠٠ هـ) الذي وصل إلى قرطبة ومعه أربعمئة رجل، وأول عمل قام به إصلاح الجيش ومطاردة المعتدين من الجند واتبع معهم سياسة شديدة الوطأة (١٦٨).
ويبدو أن عملية اصطحاب الأتباع كلما يأتي والٍ إلى الأندلس، مع اهتمامه في إصلاح شؤون الجيش أصبحت خطة ثابتة خلال عصر الولاة، لأن بقاء المسلمين في الأندلس
_________________
(١) السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٨٩.
(٢) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٦٢٥.
(٣) ينظر، نص الرسالة الشريفية، ص ٢٠٧ - ٢٠٨ - الغساني، رحلة الوزير، ص ١١٣.
(٤) نفح، ج ١، ص ٢٧٦.
(٥) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٦٢٨.
(٦) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٤.
(٧) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٧٣.
[ ٣٨٨ ]
كان متوقفًا على قوة الجيش ومدى مقارعته للأعداء من الإسبان في الشمال، أو المتمردين في داخل الولاية.
وبذلك أصبح الاهتمام بالجيش -وهو جيش غير نظامي قائم على إمداد القبائل العربية والبربرية حكومة الوالي بالرجال عند الجهاد- وتنظيم رجاله من أولى الأعمال المهمة التي يقوم بها والي الأندلس، فنرى مثلًا اهتمام عبد الرحمن الغافقي في ولايته الثانية بالجيش، وعني بإصلاحه وتنظيمه، وأنشأ فرقًا قوية مختارة من فرسان البربر بإشراف نخبة من ضباط العرب (١٦٩). وهذا ما مكنه من قيادة الجيش عبر الأراضي الفرنسية فكانت موقعة بلاط الشهداء المعروفة عام ١١٤ هـ.
ومن الأمور الأخرى التي يمكن ملاحظتها خلال عصر الولاة، أن الولاة الذين حكموا الأندلس بعد معركة بلاط الشهداء عام ١١٤ هـ، يصطحبون معهم جيشًا منتخبًا من جند أفريقيا لتعزيز حكمهم أولًا، ولإخماد حركات التمرد في الشمال الإسباني ثانيًا.
والظاهرة الأخرى التي برزت في عصر الولاة، هو قيام الكور المجندة، وهي الأماكن التي وزع فيها الجيش الشامي (جيش بلج بن بشر القشيري)، بعد أن لعب الوالي بلج دورًا كبيرًا في أحداث ولاية الأندلس المعروفة، وفي عهد الوالي أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي (١٢٥ - ١٢٧ هـ) فرق الجند الشامي في الكور مقابل أن يؤدوا خدمة عسكرية (١٧٠)، وقد حرص الوالي أبو الخطار في هذا التوزيع على أن تكون الكور التي ينزلون بها مشابهة إلى حد كبير للأماكن التي جاءوا منها من المشرق، ولعل ذلك محاولة من هذا الوالي لبعثرة طاقاتهم بعد أن رأى خطرهم يكمن في وجودهم بمنطقة واحدة (١٧١). فأنزل أهل حمص في مدينة إشبيلية، وأهل دمشق أنزلهم غرناطة، وأهل الأردن أنزلهم مالقة، وأهل مصر أنزلهم مرسية (تدمير)، وأهل قنسرين أنزلهم جيان، وفرض على كل قبيلة أن تجبي غلة تلك الناحية التي نزلت فيها، وتأخذ عطاءها منها والزيادة لبيت المال (١٧٢). وتعهدت حكومة الولاية بعدم التدخل في شؤونهم أو شؤون الإقليم (١٧٣).
وما يلاحظ كذلك في عصر الولاة، أن قادة جيوش الثغور زجوا أنفسهم في
_________________
(١) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٨٥.
(٢) بدر، دراسات، ج ١، ص ٥٩.
(٣) بيضون، الدولة العربية، ص ١٢٥.
(٤) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٦١ - ٦٢ - ابن القوطية، تاريخ، ص ٤٥ - الحميري، الروض المعطار، ص ١٨١ - ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ١٠٩.
(٥) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٢٢١، ص ٥١١ - ٥١٢.
[ ٣٨٩ ]
الخلافات الداخلية، بدل أن يصرفوا طاقاتهم لصد خطر الأعداء. فنرى عبد الرحمن بن علقمة عامل أربونة أقصى ثغور الأندلس يشارك بجيشه ضد جيش بلج القشيري والتقى الجيشان في موقع (أقوة بر طوره) من إقليم ولبه، واستطاع عبد الرحمن بن علقمة من إصابة بلج مما أدى إلى موته في اليوم التالي، ولكن خسر عبد الرحمن العدد الكبير من جيشه (١٧٤)، فخسرت بذلك قاعدة أربونة خيرة المجاهدين (١٧٥).
رجع والي أربونة إلى قاعدته في عهد الوالي أبي الخطار، إلا أن عامل أربونة تمرد مرة ثانية على الوالي يوسف الفهري (١٢٩ - ١٣٨ هـ) مما أدى إلى مقتله، ففقدت قاعدة أربونة واليها الشجاع، وأصبحت عرضة لهجمات القوات الفرنسية التي استرجعتها عام ١٤١ هـ (١٧٦).
أما الجيش في عصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ، فبدأ الأمير الأول الداخل بإنشاء جيش يعتمد عليه في تثبيت حكمه وحشد له المتطوعة والمرتزقة من سائر الطوائف، وبلغت قواته نحو مائة ألف مقاتل، هذا عدا الحرس الخاص الذي يتكون من الموالي والبربر والرقيق الصقالبة، وقد بلغت قواته نحو أربعين ألف (١٧٧). وبدأ الداخل ينظر بعين الريبة إلى الجند العربي فأسقط ألويتهم بعد أن قامت ضده ثورات عربية أشهرها التي قادها العلاء بن مغيث (١٧٨). واعتمد الداخل بالدرجة الأولى على البربر بناءً على مشورة أحد أقربائه، وأحسن استقبال من وفد إليه من بربر العدوة الذين انخرطوا في جيش الداخل.
فكانوا يده الحديدية التي يضرب بها أعداءه (١٧٩)، كما استعان بعنصر الصقالبة الذين كانوا يشترون بالمال ويدربون على أعمال الفروسية والقتال وعلى الطاعة العمياء للدولة والإخلاص لها (١٨٠).
_________________
(١) ينظر، ابن عبد الحكم، فتوح، ص ١٠٠ - مجهول، أخبار مجموعة، ص ١٤١ - ٤٤ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٣٣.
(٢) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٢٨٧.
(٣) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٣٨ - المقري، نفح، ج ٣، ص ٢٦ - السامرائي، الثغر الأعلى، ص ١٤٩.
(٤) ينظر، المقري، نفح، ج ٣، ص ٣٧، ج ٤، ص ٣٦ - عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٠٠.
(٥) الحميري، الروض، ص ٣٦.
(٦) ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ٦٠ - إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص ٢١.
(٧) دوزي، تاريخ مسلمي إسبانيا، ج ١، ص ٢٣٥ - إبراهيم الدوري، عصر عبد الرحمن الداخل، ص ٢٥٠.
[ ٣٩٠ ]
وإذا كان الأمير هشام ١٧٢ - ١٨٠ هـ قد اهتم بالجيش، وهيأه لمعارك الجهاد، إلا أنه في الوقت نفسه رتب في ديوان الجند أرزاقًا لأسر الشهداء، كما افتدى أسرى المسلمين ولم يبق في عهده منهم أحد في قبضة العدو (١٨١). ولكن نرى الأمير الحكم (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) يستكثر الموالي والحشم في الجيش، وأنشأ الحرس الخاص، وفي عهده أكثر من جلب الصقالبة، وكان هؤلاء الصقالبة على الأغلب من الرقيق والخصيان الذين يؤتى بهم من بلاد الفرنج وحوض نهر الدانوب وغيرها، وكان يؤتى بهم أطفالًا من الجنسين ويربون تربية إسلامية، ثم يدربون على أعمال الفروسية والإدارة، وتولوا مناصب مهمة، وبلغ عددهم في عهد الحكم زهاء خمسة آلاف (١٨٢). وكان للحكم فرقة من الحرس الخاصة معظمهم من فيء أربونة ورثهم عن والده هشام، وقد أبلوا في الدفاع عنه يوم الربض أحسن البلاء. وكانت للحكم ألفا فرس من الجياد الصافنات مرتبطة على شاطئ النهر تجاه القصر، ويشرف عليها جماعة من العرفاء الجيدين (١٨٣).
ومعنى هذا أن الأمير الحكم أسس فرقًا من الجيش النظامي وخاصة بعد فشل ثورة الربض عام ٢٠٢ هـ التي قام بها الفقهاء ضده، والتي كادت تطيح بعرشه، فكوّن لنفسه فرقة من الحرس الخاص عرفوا باسم الصقالبة، وسموا أيضًا الخرس لعجمة ألسنتهم (١٨٤). واستمر أمراء الأندلس من إكثار الموالي والصقالبة وجعلهم حرسًا خاصًا لهم، فقد اصطفى الأمير عبد الرحمن الأوسط مثلًا خمسة آلاف مملوك، ثلاثة آلاف فارس يرابطون إزاء باب القصر فوق الرصيف، وألفا رجل على أبواب القصر المختلفة (١٨٥). واهتم الأمير محمد بتقوية الجيش وذلك نتيجة الظروف الصعبة التي مرت بها الأندلس في عهده، وتلقي الأرقام عن عدد الفرسان الذين يحشدون في مختلف الكور والمدن لغزوات الصوائف، ضوءًا على مدى قوة الجيش الأندلسي في عهده، فكورة غرناطة (٢٩٠٠)، وجيان (٢٢٠٠)، وقبره (١٨٠٠)، وباغه (٩٠٠)، موتاكرنا (٢٦٩) والجزيرة (٢٩٠) وأستجة (١٢٠٠)، وقرمونة (١٨٥)، وشذونة (٦٧٩٠)، ورية (٢٦٠٧)، وشريش (٣٤٢) وفحص البلوط (٤٠٠)، ومورور (١٤٠٣)، وتدمير (٢٠٠)، أما قرطبة
_________________
(١) مجهول، أخبار مجموعة، ص ١٢٠ - عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٢٩.
(٢) ابن الأثير، الكامل، ج ٦، ص ١٢٨ - المقري، نفح، ج ١، ص ١٥٩.
(٣) مجهول، أخبار مجموعة، ص ١٢٩ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٧٩.
(٤) ابن خلدون، العبر، ج ٤، ص ٢٧٧ - السامرائي " التعبئة العسكرية "، ص ٤٠.
(٥) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٧٧.
[ ٣٩١ ]
العاصمة فكانت تختار الرقم قياسًا لقدراتها، ويحشد أبناؤها بطريق التطوع خلافًا لأهل النواحي الأخرى. وكانت هذه الفرق تسمى بفرق الفرسان المستنفرين الذين يجري استنفارهم أوقات الصوائف، أو كلما بدرت من العدو حركة اعتداء على أهل الثغور، ويضاف إلى هذه الفرق حشود المتطوعين في سبيل الله. وبذلك ندرك مدى حجم جيش الأندلس خلال هذه الفترة، والذي كان هذا الأمير دائمًا يقود الجيش إلى أرض العدو ويمكث فيها أكثر من ستة أشهر (١٨٦).
ويلاحظ في عصر الإمارة أنها اعتمدت على قادة عسكريين مشهورين ينتمون إلى أسر أندلسية معروفة، فكان لهم دور كبير في قمع الفتن الداخلية أولًا، ولهم الدور نفسه في محاربة الممالك الإسبانية ثانيًا. فمثلًا أسرة ابن أبي عبدة، اشتهر رجالها في إخماد حركات التمرد وبخاصة في عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) التي عجت الأندلس بحركات المتمردين، فتصدّى رجالها لهذه الحركات التي كان من أشهرها حركة عمر بن حفصون وإبراهيم بن حجاج، واشتهر في هذه الأسرة أبو العباس أحمد بن محمد أبي عبدة الوزير وأولاده عباس وعيسى. فقد اعتمد هذا القائد بالدرجة الأولى على نخبة مختارة من رجاله يبلغ عددهم ثلاثمئة فارس يعتمد عليهم في حروبه، من مجموع جيشه الذي استكثر فيه الرجال وشجعان أهل الثغور، وابتاع العبيد حتى بلغ عدد جيشه خمسة آلاف فارس عدا المشاة (١٨٧).
كما اشتهرت هذه الأسرة في مجاهدة الممالك الإسبانية، وأحرز أفرادها النصر في كثير من المعارك (١٨٨)، واستشهد بعض رجالها في معارك الجهاد أمثال الوزير أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي عبدة (١٨٩). كما كان لها دور بارز في صد هجوم النورمان على الأندلس عام ٢٤٥ هـ في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) (١٩٠).
وأسرة مغيث الرومي أيضًا اشتهرت بحروب الجهاد ضد الممالك الإسبانية واشتهر
_________________
(١) ينظر، ابن عذاري، ج ٢، ص ١١١ - عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٣١١.
(٢) ينظر، ابن القوطية، تاريخ، ص ١٠٧ - ١٠٨ - ابن حيان، المقتبس، ج ٣، ص ١٢٩.
(٣) ينظر، ابن حيان، المقتبس، ج، ص ٣١٩ - ٣٢٠ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٩٨ - ٩٩ - النويري " نهاية الأرب، ج ٢٢، ص ٥٥.
(٤) ينظر، ابن حيان، المقتبس، ج ٥، ص ١٣٥ - ١٣٦ - السامرائي. الثغر الأعلى، ص ٢٢٢.
(٥) ينظر، ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ٣٠٨ - العذري، نصوص عن الأندلس، ص ١١٨.
[ ٣٩٢ ]
من رجالها القائد عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث وبخاصة في عهد الأمير الحكم والأمير عبد الرحمن، وأخيه القائد عبد الملك (١٩١).
كما اعتمدت حكومة الإمارة على أسر عربية ومولدة وبخاصة في مناطق الثغور، وكلفتها مهمة مجاهدة الممالك الإسبانية القريبة من أراضيها، أمثال أسرة بني تُجيب العربية وأسرة بني الطويل وبني عمروس وأسرة بني قسي المولدة في منطقة الثغر الأعلى، وأسرة بني سالم البربرية وأسرة بني ذي النون البربرية في منطقة الثغر الأوسط.
وعلى الرغم من وجود علاقات متشابكة بين هذه الأسر أولًا وبينها وبين حكومة قرطبة وصفت أحيانًا بالعداء، إلا أن هذه الأسر وبخاصة في عصر الإمارة كان لها دور مشرف في مجاهدة الممالك الإسبانية المجاورة لها أحيانًا بمفردها، وأحيانًا بالإشتراك مع قوات قرطبة الزاحفة إلى الشمال (١٩٢).
ومما يلاحظ أيضًا في عصر الإمارة أن الأمير الأندلسي أحيانًا يخرج بنفسه إلى الشمال الإسباني في حملات الصوائف من أجل تأديب الممالك الإسبانية، أو رد اعتدائها على الأراضي الأندلسية، وأحيانًا أيضًا يرسل ولي عهده في قيادة الجيش مع صحبة خيرة قواته. فمثلًا الأمير الناصر خرج عام ٣١١ هـ إلى بلاد النافار وسميت هذه الغزوة بغزوة بنبلونة، ورجع إلى قرطبة بعد أربعة أشهر، بعد أن دمر أهم مدن وحصون النافار (١٩٣). والأمير عبد الرحمن الأوسط سار بنفسه عام ٢٢٥ هـ إلى مملكة ليون وافتتح الكثير من حصونها (١٩٤). وفي عام ٢٣٥ هـ أرسل الأمير عبد الرحمن الأوسط إبنه المنذر إلى مملكة ليون أيضًا، وأحرز النصر هناك (١٩٥)، وهناك عشرات الأمثلة لهذا الأمر.
وبقيت هذه المظاهر العامة نفسها، مستمرة في عصر الخلافة ٣١٦ - ٤٢٢ هـ. وقد بدأ الخليفة الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) اهتمامه بالجيش الذي أصبح عماد الدولة وسياج الملك، فسهر على إصلاح الجيش الذي أضناه الكفاح ضد حركات التمرد وضد الممالك الإسبانية، وحشد له الجند من سائر أنحاء الأندلس والمغرب، واستكثر من
_________________
(١) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٨١ - ٨٢ - ابن الخطيب، أعمال، ص ١٩ - السامرائي، الثغر الأعلى، ص ١٦٦، ص ١٦٨، ص ٢٠١.
(٢) ينظر، السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٣٣٧ وما بعدها.
(٣) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٨٩.
(٤) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٨٥ - النويري، نهاية الأرب، ج ٢٢، ص ٤٦.
(٥) ابن الأثير، الكامل، ج ٧، ص ٥١.
[ ٣٩٣ ]
الأسلحة والذخائر. وقد صقلت الحروب والغزوات المستمرة كفاءة الجيش ودرّبته، وأمدته بطائفة من أمهر القادة وأشدهم بأسًا في الحروب، وكان إقدام الخليفة على تولي قيادة الجيش بنفسه مجددًا لعهد الحماسة الحربية والانتصارات الباهرة (١٩٦).
واستمر الخليفة الناصر يعتمد على الصقالبة في جيشه وبوّأهم مكانة مرموقة في الجيش والقصر. وكان لهذه السياسة التي أسرف الناصر في اتباعها، أسوأ الأثر في نفوس الزعماء العرب، وفي انحلال قوى الجيش المعنوية. وهذه الأمور من الأسباب التي أدت إلى هزيمة الناصر في معركة الخندق عام ٣٢٧ هـ/٩٣٩ م التي خاضها ضد مملكة ليون. والتي نجا منها وقليل من أتباعه بأعجوبة (١٩٧). وبعد هذه المعركة لم يخرج الناصر إلى محاربة الأعداء، واكتفى بتزويد الأسر المتنفذة في منطقة الثغر الأعلى والثغر الأوسط بالمال والعتاد والرجال لكي يقوموا بواجب الجهاد سنويًا ضد الممالك الإسبانية المجاورة (١٩٨).
واستمر الخليفة الحكم المستنصر ٣٥٠ - ٣٦٦ هـ يعتمد على الصقالبة، وأعطاهم قيادة الجيش وأهم المناصب. وكان في الوقت نفسه يراقب تحركات الممالك الإسبانية بدقة، على الرغم من ميل هذه الممالك إلى المهادنة والسلم مع حكومة قرطبة (١٩٩).
ومع هذا كان الخليفة الحكم يقود أحيانًا الجيوش بنفسه إلى الشمال الإسباني، كما حصل في عام ٣٥٢ هـ، وأحيانًا يعهد قيادة الجيش إلى القائد غالب بن عبد الرحمن، وحينًا آخر يكلف قادة أسرة بني تجيب العربية أمراء سرقسطة بهذه المهمة (٢٠٠).
وفي فترة الحجابة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ وعندما سيطر الحاجب المنصور على الأمور، قام بتنظيم الجيش، فأنشأ فرقًا جديدة من البربر وبخاصة من زناتة وصنهاجة، ومن الجند الإسبان من ليون والنافار وقشتالة، وبذل لهم الأموال السخية، واجتذب قلوبهم بماله وعدله. وغير الحاجب المنصور أنظمة الجيش القديمة، فقدم رجال البربر، وأخر زعماء العرب وأقصاهم من مناصبهم، وفرق جند القبيلة الواحدة في صفوف مختلفة، وكانوا
_________________
(١) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٤٤٦.
(٢) ينظر، ابن حيان، المقتبس، ج ٥، ص ٤٣٥.
(٣) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٤٢١.
(٤) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٥١٢، ص ٥١٤.
(٥) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٣٦، ص ٢٤١.
[ ٣٩٤ ]
من قبل ينتظمون في صف واحد. وإذا كان الخليفة الناصر قد بدأ بسحق القبائل العربية وإضعاف قوتها، فإن الحاجب المنصور كمّل المهمة نهائيًا (٢٠١).
كما أنه عمل على تصفية الصقالبة، وخصومه الآخرين، ولما توفي عام ٣٩٢ هـ كان عدد الفرسان المرتزقة عنده، والذين حارب بهم عشرة آلاف وخمسمائة، وفرسان الثغور مقارب من هذا العدد أيضًا (٢٠٢). واشتهر الحاجب المنصور بغزواته المتكررة إلى الشمال الإسباني، وزودتنا الروايات بالكثير من أسماء هذه الغزوات التي اعتمد فيها على قوة جيشه المرتزق، والتي لم يهزم في أحدها (٢٠٣).
وكان عدد الجيش المرابط يتضاعف وقت الصوائف بما ينضم إليه من صفوف المتطوعة، وقد بلغ عدد الفرسان في بعض الصوائف ستة وأربعين ألفًا، وكان عدد المشاة يتضاعف كذلك، وقد يبلغ المائة ألف أو يزيد. وكان المنصور يقتني الخيول لاستخدامها في الجهاد، ومطايا الركوب، ودواب الأحمال، وقد بلغت وحدها أربعة آلاف جمل خصصت لحمل الأمتعة والأثقال. وأما عن عدة الحرب، فقد كان المنصور يحتفظ بكميات عظيمة من الخيام والسهام والدروع، وعدد من المجانيق وغيرها من آلات الحصار (٢٠٤). ومما يؤثر عن علاقة المنصور بجيشه، أنه كان لقوة ذاكرته، يعرف كثيرًا من جنده بالإسم، أو يعرف على الأقل كثيرًا مما امتاز منهم خلال المعارك بالشجاعة، ويدعوهم إلى مائدته باستمرار عقب كل انتصار (٢٠٥).
خلال فترة الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، وقع الصراع بين جند الأندلس الذين انقسموا إلى فريقين متصارعين، الأندلسيون في جانب، والبربر في جانب آخر. وقد لحق البربر خلال هذه الفترة أذى كبير، إلا أنهم استعادوا قواتهم ودخلوا قرطبة وسيطروا عليها عام ٤٠٣ هـ. وهناك ظاهرة أخرى في هذه الفترة هي استعانة بعض خلفاء هذه الفترة بالجند المرتزقة من نصارى الشمال الإسباني، الذين لعبوا دورًا كبيرًا في أحداث هذه الفترة (٢٠٦).
_________________
(١) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٥٣١.
(٢) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٨٦، ص ٣٠١.
(٣) العذري، نصوص عن الأندلس؛ ص ٧٤ وما بعدها.
(٤) ابن الخطيب، أعمال، ص ٩٩، ص ١٠١ - ١٠٢ - عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٥٧١.
(٥) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٥٧٢.
(٦) السامرائي، علاقات، ص ٣٤ وما بعدها.
[ ٣٩٥ ]
ثم قام عصر الطوائف، وتحولت فيه الأندلس إلى دويلات متنازعة. فهناك دويلات الأندلسيين، ومن أشهرها بنو عباد في إشبيلية وبنو جهور في قرطبة وبنو هود في سرقسطة، وبنو صمادح في المرية والعامريون في بلنسية والمرية، ودويلات الصقالبة، إمارة مجاهد العامري في دانية، وإمارة خيران وزهير في المرية ومرسية ونبيل في طرطوشة، وهناك دويلات البربر، وهم بنو زيري في غرناطة، وبنو برزال في قرمونة، وبنو يفرن في رندة وبنو الأفطس في بطليوس، وبنو ذي النون في طليطلة (٢٠٧).
امتازت هذه الدويلات بأن كل مجموعة منها اعتمدت على عناصر عسكرية من بني جلدتها. ومن ثم دخلت في حروب داخلية، لأن كل أمير يريد أن يوسع ملكه ويمد سلطانه على حساب جيرانه من أمراء الطوائف سواء بالقوة أو بالحيل السياسية. وهناك ظاهرة أخرى نراها في هذا العصر هي استعانة أكثر أمراء الطوائف بالممالك الإسبانية التي كانت ترسل لهم فرق المرتزقة لكي تعين بعضهم على البعض الآخر، ليس من أجل تحقيق هدف سامي، بل من أجل العمل على تمزيق وحدة الصف العربي في بلد الأندلس وقد نجحوا (٢٠٨). وكلنا يعرف الخدمات التي كان يقدمها الكمبيادور الفارس القشتالي لبلاط سرقسطة حتى استأسد على بعض ملوك الطوائف وسيطر على بلنسية وعاث فيها فسادًا وما جاورها من الممالك (٢٠٩). وتوجت الأحداث هذا العصر بسقوط طليطلة عام ٤٧٨ هـ بأيدي قوات الفونسو السادس ملك قشتالة الإسباني، واتخذها عاصمة لدولته، حينها أدرك أمراء الطوائف خطر التوسع الإسباني، فاستنجدوا بالإخوة المرابطين فكانت معركة الزلاقة عام ٤٧٩ هـ، حيث بدأ دور الجهاد المشترك بين دولة المرابطين وملوك الطوائف ضد الممالك الإسبانية (٤٧٩ - ٤٨٣ هـ) حيث قامت معركتان مهمتان هما معركة الزلاقة عام ٤٧٩ هـ ومعركة حصن الييط عام ٤٨١ هـ (٢١٠).
ثم أصبحت الأندلس ولاية مرابطية بعد عزل أمراء الطوائف من قبل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين المرابطي. وقد اعتمدت الدولة المرابطية على الجيش في تأسيس كيانها أولًا، وفي الجهاد المشترك مع أمراء الطوائف ضد الممالك الإسبانية ثانيًا، وفي خلع ملوك الطوائف والإنفراد في مجاهدة الإسبان ثالثًا. ولما كان الجهاد أساس وجود
_________________
(١) ينظر، تشراكوا، مجاهد، ص ٥٢ - ٥٥.
(٢) ينظر، السامرائي، علاقات، ص ٦٩ وما بعدها.
(٣) ينظر، كريم عجيل، الحياة العلمية، ص ١٢٨ وما بعدها.
(٤) السامرائي، علاقات، ص ١٧٠ وما بعدها.
[ ٣٩٦ ]
القوات المرابطية بالأندلس، فقد رابط في الأندلس سبعة عشر ألف فارس مرابطي، سبعة آلاف بإشبيلية وقواعد الغرب، وألف فارس بقرطبة، وألف فارس كذلك بغرناطة، وأربعة آلاف فارس في الشرق، والأربعة آلاف الباقية موزعة على مختلف القواعد والثغور لرد هجمات الممالك الإسبانية. وكان الفارس المرابطي في الأندلس يتقاضى خمسة دنانير في الشهر، غير نفقته الخاصة وعلف فرسه، ومن أظهر منهم شجاعة وتفوق عهد إليه بولاية موضع ينتفع بفوائده (٢١١).
أما جند أهل الأندلس في الجيش المرابطي داخل الأندلس، فعبارة عن وحدات خاصة، تحمل أعلام المدن التي تنتمي إليها، مثل أشبيلية وقرطبة وغرناطة ومالقة وبلنسية ومرسية وغيرها. إلا أن القوات الأندلسية لم يكن لها شأن كبير في الجيش المرابطي الذي كان يعتمد على نفسه وقيادته بصورة خاصة (٢١٢).
وكان عماد الجيش المرابطي الفرسان الذين بلغوا في عهد يوسف بن تاشفين نحو مئة ألف فارس من مختلف القبائل، هذا غير المشاة من الرماة وغيرهم. وأنشأ يوسف حرسه السود الخاص من عبيد الصحراء من غانة ويتألف من نحو ألفي مقاتل، دربوا أحسن تدريب حتى غدوا قوة ضاربة، وأبلوا بلاءً حسنًا في معركة الزلاقة، وأنشأ يوسف بن تاشفين قوة كبيرة خاصة من فرسان زناتة ولمطة وجزولة عرفت باسم الحشم، كما أنشأ فرقة خاصة لحرسه من الإسبان، ومعظمهم من المعاهدين الذين اعتنقوا الإسلام، وقد نمت هذه الفرقة في عهد ولده علي، حتى غدت فرقة كبيرة في الجيش المرابطي، ويقودها فارس قشتالي يسمى الربرتير، واشتركت هذه الفرقة (تسمى أيضًا الجند الروم) مع الجيش المرابطي في معارك عديدة (٢١٣).
وفي معارك الجهاد التي خاضتها القوات المرابطية ضد الممالك الإسبانية اشتركت معها عناصر من عرب بني هلال -الذين جاؤوا إلى إفريقية بالأصل لتدمير مملكة بني مناد الصنهاجية مدفوعة من قبل الدولة الفاطمية، إلا أن هذه القبائل وظفت من قبل المرابطين والموحدين في معارك الجهاد- (٢١٤) وقد استشهد الكثير منهم وبخاصة في
_________________
(١) الحلل الموشية، ص ٥٧ وما بعدها - عنان، عصر المرابطين، ص ٤١٩ - ٤٢٠.
(٢) روض القرطاس، ص ٨٩، عنان، عصر المرابطين؛ ص ٤١٩.
(٣) عنان، عصر المرابطين، ص ٤١٨ - السامرائي، علاقات، ص ٢٨٦ - ينظر، محمد ولد داده، مفهوم الملك في المغرب، ص ١٢٠.
(٤) ينظر، ابن الآبار، الحلة، ج ٢، ص ٢١ - ابن خلدون، العبر، ج ٦، ص ١٣ - السامرائي، علاقات، ص ٣٥٨ وما بعدها.
[ ٣٩٧ ]
معركة إقليش عام ٥٠١ هـ التي انتصر فيها الجيش المرابطي ضد مملكة ليون الإسبانية (٢١٥).
وعندما تقوم القوات المرابطية بواجب الجهاد في سبيل الله في الأندلس ينضم إليها صفوف المتطوعة من العلماء ومن عامة الناس، وكان لهؤلاء المتطوعة دور كبير في بعض المعارك (٢١٦).
كانت قيادة الجيش المرابطي في الأندلس تعهد إلى خيرة قادة المرابطين، والذين كان معظمهم من أفراد البيت المرابطي، وقد اشتهروا في معارك الجهاد الأندلسية، واستشهد بعضهم. وفي الوقت نفسه يقوم أمير المسلمين المرابطي أو ولي عهده بتفقد القطعات المرابطية في الأندلس ويصلح من أحوالها، وأحيانًا يقودها بنفسه في بعض معارك الجهاد. ونظرًا لكل هذه الأمور فقد فقدت دولة المرابطين خيرة رجالها الشجعان في بلد الأندلس أثناء قيامها بواجب الجهاد، وهذا من جملة الأسباب التي أدت إلى ضعف أمر هذه الدولة مبكرًا (٢١٧).
وبعد سقوط دولة المرابطين، وقيام دولة الموحدين، أصبحت الأندلس ولاية موحدية، وورث الموحدون مهمة مجاهدة الممالك الإسبانية ببلد الأندلس. ولذا نرى أن دولة الموحدين تعتمد على قبائل مصمودة أولًا في إعداد الجيش، ومن ثم استعانت بقبائل بني هلال ثانيًا والتي استخدموها في معارك الجهاد بالأندلس (٢١٨). وكذلك كانت القوات الأندلسية تؤلف بالجيش الموحدي بالأندلس جناحًا هامًا، وتشترك في سائر الغزوات التي قادتها الجيوش الموحدية ضد الممالك الإسبانية، وكانت هذه القوات الأندلسية تشتهر بشجاعتها وتفانيها في معارك الجهاد في سبيل الله من أجل الدفاع عن بلدها الأندلس، وكانت تقاتل في طليعة الجيوش الموحدية لخبرتها في قتال الإسبان، وكثيرًا ما تكون سببًا في إحراز النصر، ونرى كذلك أن القادة الموحدين يستمعون باستمرار إلى مشورة القادة الأندلسيين العسكرية (٢١٩).
واستعان الموحدون بفرق عسكرية من المرتزقة الإسبان، وكان من أشهر قادتها
_________________
(١) ابن القطان، نظم الجمان، ص ٩ - ١٠ - مؤنس، " الثغر الأعلى "، ص ١٢٩.
(٢) السامرائي، علاقات، ص ٢٨٠.
(٣) ينظر، السامرائي، علاقات، ص ٢٥٠ وما بعدها.
(٤) عنان، عصر الموحدين، ص ٦٣٥.
(٥) عنان، عصر الموحدين، ص ٦٣٦.
[ ٣٩٨ ]
علي بن الربرتير (٢٢٠).
وكان الخلفاء الموحدون يعبرون باستمرار إلى الأندلس لتفقد أحوالها العسكرية، وقد بنوا قواعد عسكرية جديدة فيها مثل مدينة الفتح في منطقة جبل طارق، وقاد بعضهم الحملات الجهادية أو عهد بقيادتها إلى أحد أولاده، وكان أفراد البيت الموحدي هم قادة الجيش الموحدي المرابط في الأندلس. فقد رأينا قيادة الخليفة المنصور الموحدي لمعركة الأرك عام ٥٩١ هـ الذي انتصر فيها على مملكة قشتالة (٢٢١). واشترك الخليفة الموحدي الناصر في معركة العقاب عام ٦٠٩ هـ ضد مملكة قشتالة، فاندحر المسلمون فيها كما هو معروف (٢٢٢).
ولم تصمد مملكة غرناطة هذه الفترة الطويلة أمام هجمات الإسبان، لو لم يكن لها جيش منظم قوي أولًا، تسانده جموع المتطوعة في سبيل الله التي ترى أن بقاءها مقتصر على حملها للسلاح ثانيًا. وقوة هذا الجيش النصري تعتمد على: جودة التحصينات النصرية في مملكة غرناطة التي تتألف من الأبراج والحصون والقلاع وبخاصة أبراج الطلائع وهي أبراج للمراقبة (٢٢٣).
كان السلطان النصري قائدًا للجيش أو يعهد بقيادته إلى أفراد الأسرة الحاكمة، أو أشهر رجالات الدولة، وقد عني السلاطين بهذا الجيش الذي يتوقف عليه بقاء المملكة، وأنشأوا له ديوانًا يرعى مصالحه (٢٢٤).
وبجانب الجيش النصري توجد مشيخة الغزاة: وتتألف من المجاهدين المغاربة الذين أرسلتهم الدولة المرينية إلى مملكة غرناطة لمساعدتها في حروب الجهاد، ولها رئيس من بني مرين يسمى بشيخ الغزاة، وكان لهذه المشيخة دور مشرّفٌ في معارك الجهاد بالأندلس (٢٢٥)، ومع هذا زجوا أنفسهم في الخلافات الداخلية مع سلاطين بني الأحمر (٢٢٦). وفي أواخر العصر النصري وبعد اشتداد الضغط الإسباني على مملكة
_________________
(١) ابن القطان، نظم الجمان، ص ٩٦ - ابن الآبار، الحلة، ج ٢، ص ١٩٣.
(٢) ينظر، الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٤٩٠ - أبو رميلة، علاقات، ص ٢٣٦ وما بعدها.
(٣) أبو رميلة، علاقات، ص ٢٥٥ وما بعدها.
(٤) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ١١٥، ص ١٢٥.
(٥) فرحات، غرناطة، ص ٨٧.
(٦) ينظر، ابن خلدون، العبر، ج ٧، ص ٧٧١ - ابن الخطيب، الإحاطة، ج ٢، ص ١٦، ص ٣٨ - المقري، نفح، ج ٤، ص ٣٨٥ - عنان، نهاية الأندلس، ص ١٠٧.
(٧) ينظر، ابن الخطيب، اللمحة البدرية، حيث يذكر شيخ الغزاة عند كلامه عن سلاطين غرناطة.
[ ٣٩٩ ]
غرناطة عمد رؤساء الجند إلى إنشاء فرق صغيرة لها تنظيمها الخاص وهي شبه مستقلة عن الجيش النظامي، تباغت معسكرات العدو وتلحق به الدمار (٢٢٧). وفي أواخر العهد النصري أيضًا ظهر سلاح البارود في مملكة غرناطة، وعند الإسبان، فكانت المدن تختزن منه كميات كبيرة، كما دخلت المدفعية ميادين الحرب في مجال الدفاع عن المدن (٢٢٨).
التعبئة العسكرية في الأندلس:
فتح المسلمون الأندلس (٩٢ - ٩٥ هـ) وأفادوا من وديان أنهارها الممتدة على هيئة خطوط مستعرضة بين الشرق والغرب، وجعلوا منها خطوطًا دفاعية لحماية دولتهم من أخطار الدول الإسبانية. فاتخذوا من وادي نهر الأبرو خطًا دفاعيًا أول وسموه بالثغر الأعلى، كما اتخذوا من وادي نهر التاجة خطًا دفاعيًا ثانيًا وسموه بالثغر الأوسط والأدنى (٢٢٩). وقد كان الثغر الأعلى أسبق الثغور الأندلسية في الظهور، وبخاصة بعد انتهاء موسى بن نصير وطارق بن زياد من إتمام فتح الشمال الإسباني، فظهر الثغر الأعلى مجاورًا لأرض العدو وهي بلاد فرنسا، وامتد هذا الثغر في عصر الولاة (٩٥ - ١٣٨ هـ) إلى مدينة أربونة التي تعتبر أقصى ثغر بالأندلس (٢٣٠). أما الثغران الأوسط والأدنى فقد ظهر بعد قيام الممالك الإسبانية من الركن الشمال الغربي من إسبانيا وبداية توسعها على حساب أراضي الأندلس وبخاصة عند بداية عصر الإمارة. وبذلك بدأ الصراع المستمر بين المسلمين والإسبان ولهذا اعتبرت الأندلس في نظر المسلمين ثغرًا للدولة الإسلامية وأرضًا للجهاد والمرابطة، ولقد فرض هذا الوضع عليها أن تجند أبناءها منذ الصغر ليكونوا على أهبة الاستعداد (٢٣١). ولما لم يكن في الأندلس بادئ الأمر جيش نظامي قائم بذاته فقد كانت القبائل العربية والبربرية التي سكنت الأندلس تمد الدولة بالجيوش اللازمة للجهاد. وقد استمر هذا النظام العسكري إلى أيام الأمير الحكم (١٨٠ - ٢٠٦ هـ)، فقد رأى هذا الأمير أن يؤسس فرقًا من الجيش النظامي وبخاصة بعد فشل حركة الربض عام ٢٠٢ هـ التي قام بها الفقهاء، والتي كادت تطيح بعرشه، فكون
_________________
(١) فرحات، غرناطة، ص ٩٠.
(٢) فرحات، غرناطة، ص ٩٥.
(٣) البكري، جغرافية الأندلس، ص ٩٥ (هامش ٤).
(٤) تقويم البلدان، ص ١٨٣.
(٥) السامرائي، " التعبئة العسكرية "، ص ٤٠.
[ ٤٠٠ ]
لنفسه فرقة من الحرس الخاص عرفوا باسم الصقالبة، وسموا أيضًا الخرس لعجمة ألسنتهم (٢٣٢).
إن معظم الحملات العسكرية التي خرجت من قرطبة إلى الشمال الإسباني كان لها نظام خاص في التجمع والسير. فكان النفير العام يعلن في جميع أنحاء البلاد للخروج إلى الجهاد، فيتوافد الجنود من مختلف ولايات الأندلس متجهين إلى العاصمة. وفي منطقة في شرقي قرطبة كان يعسكر هذا الحشد الكبير في مكان متسع يسمى (ساحة العرض أو ساحة الحشد أو فحص السرادق) (٢٣٣). وبعد أن يكتمل شمل الجنود يخرج إليهم الأمير الأموي من قصره وسط الهتاف والتكبير فيعسكر مع جنده ويستعرض أسلحتهم المختلفة، ويعين قائد الحملة. وقبل الرحيل كان الأمير أو الخليفة وجنوده يقيمون صلاة عامة في المسجد الجامع بقرطبة، يتبعها الدعاء بالنصر، ثم يخرج الجيش براياته وأعلامه إلى الجهة المرسومة له. وخلال سيره ينضم إليه قواد وأمراء الثغور الأندلسية وعمال المدن بجيوشهم وأتباعهم، ثم يتقدم الجميع لملاقاة العدو (٢٣٤).
ولما كانت المنطقة التي يسير فيها الجيش من مناطق الثغور إلى الممالك الإسبانية، منطقة جبلية وعرة، فكان من العادة أن يتقدم الجيش فرقة استطلاعية لمعرفة أخبار العدو ومعرفة المسالك والممرات الصحيحة بين الجبال الوعرة؛ ويختار لهذه المهمة الرجال الموثوق بأمانتهم وإخلاصهم لتهيئة المسالك الصالحة لسير الجيش وسط هذه الجبال الوعرة - وقد صادف خلال سير العمليات العسكرية إلى الشمال الإسباني، أن الجيش الأندلسي في إحدى حملاته ضل الطريق فأصابه كبير عناء، ومات عدد كبير من أفراده وذلك في عام ١٧٨ هـ (٢٣٥).
ويبدو ومن سير العمليات العسكرية أن المسلمين في الأندلس أثناء لقائهم العدو - وعلى عادة المسلمين في حروب الجهاد. يرددون شعارات إسلامية معينة تحفزهم على الاستبسال في الجهاد. فتذكر بعض الروايات أن مسلمي الأندلس كانوا يرددون شعار (يا محمد) ﷺ بينما الإسبان يرددون شعار (ياسنتياجو) (٢٣٦)، وكانوا يتصايحون ويولولون
_________________
(١) ينظر، ابن خلدون، العبر، ج ٤، ص ٢٧٧ - العبادي، الصقالبة في إسبانيا، ص ٧ - ١١.
(٢) ابن حيان، المقتبس، تح الحجي، ص ٤٣ - سالم، تاريخ المسلمين، ص ٣٠٠.
(٣) السامرائي، " التعبئة العسكرية "، ص ٤٠.
(٤) ابن الأثير، الكامل، ج ٦، ص ١٤٤.
(٥) العبادي، " صور لحياة الحرب والجهاد "، مجلة البينة، العدد ٩، ص ٩٢.
[ ٤٠١ ]
ليضعفوا قلوب المسلمين (٢٣٧). وسنتياجو هذا هو القديس يعقوب أحد أتباع السيد المسيح ﵇، الذي اخترع الإسبان وجوده في أقصى شمال غربي إسبانيا لتعزيز مقاومتهم ضد المسلمين، وقامت حول هذا المزار مدينة نمت بسرعة هي مدينة شنت ياقب المقدسة (٢٣٨)، وغدا هذا المزار من أشهر المزارات الإسبانية. وعندما يفكر الإسباني في سنتياجو فإن قلبه ينبض بالعزة الوطنية وتتملكه الحماسة الدينية (٢٣٩). وقد أقسم أكثر من ملك أو قائد إسباني بأنه رأى سنتياجو رأي العين قبل المعركة أو خلالها ممتطيًا جوادًا أبيض وملوحًا بسيف براق، ثم يأخذ في معاونتهم على قتال المسلمين في المعركة حتى يكتب لهم النصر، ولهذا أطلقوا عليه إسم قاتل المسلمين (٢٤٠).
وقد زودتنا الروايات بمعلومات جيدة عن تعبئة الجيش الأندلسي عند لقاء العدو، حيث يتقدم الرجالة بدروعهم ورماحهم الطوال، وخلفهم الرماة المهرة، ثم تليهم الخيالة. كما وصفت هذه الروايات التعبئة العسكرية التي يتمسك بها كل قسم من أقسام هذا الجيش، وأشارت إلى وجود مبارزات فردية قبل وقوع المعركة (٢٤١). وقد وضحت صور التعبئة العسكرية الأندلسية عندما أصبحت الأندلس ولاية مرابطية وولاية موحدية.
كان ترتيب المعركة عند المرابطين يقوم على نظام خماسي، فيتقدم الجيش الجند المشاة ووحدات الفرسان الخفيفة وحملة القسي والرماة، ويرتبون في الجناحين.
ويتكون القلب من وحدات الفرسان الثقيلة، وهي التي تحسم المعركة عمومًا، وكانت قوات المؤخرة يقودها أمير المسلمين -إذا كان مصاحبًا للجيش- أو قائده المكلف، وتتألف من صفوة الجند وقوى الحرس الخاصة، وكان لكل قسم من القوات المقاتلة قائده الخاص (٢٤٢). وقد طبق هذا النظام أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في معركة الزلاقة. فقسم الجيش إلى مقدمة وعليها المعتمد بن عباد، وميمنة وعليها المتوكل بن الأفطس، وميسرة وعليها أهل شرقي الأندلس ومؤخرة وعليها سائر أهل الأندلس. أما المرابطون فجعلهم في كمائن متفرقة تخرج من كل جهة عند اللقاء (٢٤٣). وقد قضى الليل
_________________
(١) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٧٧.
(٢) الحميري، الروض المعطار، ص ١١٥.
(٣) لودر، إسبانية شعبها وأرضها، ص ٦١.
(٤) السامرائي، " التعبئة العسكرية "، ص ٤١.
(٥) الطرطوشي، سراج الملوك، ص ٣٣١ وما بعدها.
(٦) عنان، عصر المرابطين، ص ٤١٨ - ٤١٩.
(٧) الحلل الموشية، ص ٤٧.
[ ٤٠٢ ]
كله يرتب الصفوف ويعد العدة لكل احتمال حتى أنه غير مواضع قواته دون أن يشعر به أحد (٢٤٤). وعندما تقدمت طلائع الإسبان بقيادة البرهانس وهاجمت القوات الأندلسية من أجل القضاء عليها لكي تتفرغ لمهاجمة الجيش المرابطي والقضاء عليه (٢٤٥). إلا أن يوسف بن تاشفين أنقذ الجيش الأندلسي بإمداده بقوات مرابطية بقيادة داود بن عائشة، وأردفها بأخرى بقيادة سير بن أبي بكر (٢٤٦)، وعمل يوسف بن تاشفين على تطويل المعركة من أجل إجبار الإسبان على ترك مواقعهم. وبالفعل تركت الجيوش الإسبانية مواقعها وتتبعت قوات أهل الأندلس، فباغت أمير المرابطين معسكر الإسبان من الخلف واستولى عليه وأضرم فيه النار، فاضطرت القوات الإسبانية إلى التراجع لإنقاذ معسكرها. وما كاد جيش أهل الأندلس يعلم بذلك حتى انقلب من الفرار إلى الهجوم وأطبق على الإسبان من الخلف، فأصبحوا بين القوات الأندلسية والقوات المرابطية (٢٤٧). وأردف بطل المعركة هذه الخطة، بخطط عسكرية أخرى ألقت الرعب في صفوف الإسبان، فقد نظم يوسف بن تاشفين فرق من المشاة السودان المسلحين بالسهام ودرق اللمط (٢٤٨)، والذين طعنوا خيول الإسبان بسهامهم فجمحت بركابها وولت الأدبار، كما تتبع بعضهم الفونسو السادس وطعنه في إحدى ركبتيه (٢٤٩). كما استعمل يوسف بن تاشفين الجمال التي أرعبت خيول الإسبان، واستعمل الطبول التي كان لها دويّ مرعب تهتز له الأرض، وترتعد له فرائص الفرسان (٢٥٠).
ومعنى هذا أنه طبق معظم الخطط العسكرية المرابطية في هذه المعركة التي أحرز بها المسلمون النصر المبين على مملكة قشتالة عام ٤٧٩ هـ.
واهتمت الدولة الموحدية بالجيش وأوكلت شؤونه إلى ديوانين، الأول يسمى ديوان العسكر ويشرف على كل ما يتعلق بشؤون الجيش، والثاني ديوان التمييز، وهو جهاز تطهير الخصوم والمتخاذلين وإبعادهم من الجيش. وكان الخليفة الموحدي عندما يعتزم الجهاد يقوم بزيارة قبر مهدي الموحدين، وقبور آبائه في منطقة تينملل، يستمد من هذه
_________________
(١) ابن أبي زرع، روض القرطاس، ص ٩٤.
(٢) محمود، قيام دولة المرابطين، ص ٢٧٧.
(٣) ابن عذاري، البيان، ج ٤، ص ١٣٨ - الحميري، الروض المعطار، ص ٩٢.
(٤) ابن أبي زرع، روض القرطاس، ص ٩٥ - ٩٦ - السامرائي، علاقات، ص ١٧٨.
(٥) ابن خلكان، وفيات، ج ٢، ص ٣٦٧.
(٦) ابن عذاري، البيان، ج ٤، ص ١٣٨.
(٧) السامرائي، علاقات، ص ١٧٩.
[ ٤٠٣ ]
الزيارة البركة والتشجيع (٢٥١). واعتمدت الجيوش الموحدية خطة المربع في التعبئة العسكرية وخلاصتها: تصنع دارة مربعة في بسيط المعركة، يقف من جهاتها الأربع صف من الرجال بأيديهم القنا الطوال، ومن ورائهم أصحاب الدروق والحراب صفًا ثانيًا، ومن ورائهم أصحاب المخالي المملوءة بالحجارة صفًا ثالثًا، ومن وراء هؤلاء الرماة رابعًا. وفي وسط المربعة ترابط قوى الفرسان. وكانت صفوف الفرسان تخصص لها أمكنة معينة في جميع جوانب المربع، وتفتح لها مخاريج سريعة تستطيع أن تنطلق منها ثم تعود إلى أماكنها الداخلية دون أن تخل بنظام المشاة.
وعند المعركة يقوم بالهجوم الأول قوات المتطوعة المجاهدة، تؤازرها القوات الخفيفة، فإذا استطاع العدو أن يرد هؤلاء، وأن يتقدم حتى مواقف الجنود النظامية، وقف حملة الحراب أمامه كالسد الحديدي الذي لا يخترق، واستقبله الرماة من حملة القسي والنبال بسيل من الحجارة والسهام. وإذا استطاع العدو أن يخترق الصف الأول وهم حملة الحراب استقبله حملة السيوف والدروع، ويبادر الفرسان إلى معاونتهم. وإذا استطاع العدو بعد كل ما تقدم، أن يتغلب على القلب والجناحين، فعندئذ يقوم الجيش الموحدي بالضربة الأخيرة، وتتقدم قوات الضلع الرابع من المربع وهي الاحتياطي المكون من صفوة الجند ولا سيما الحرس الخاص ويقودها الخليفة بنفسه، وهذه القوة الاحتياطية (الساقة) كثيرًا ما تحرز النصر للقوات الموحدية، وكانت هذه القوة كثيرًا ما تمتنع داخل نطاق من السلاسل الحديدية، تبرز من خلالها الحراب الطويلة، فتتصدى للعدو في حالة الاقتراب منها (٢٥٢). وعندما يعبئ الخليفة الموحدي جيشه للقتال تنصب له قبة حمراء يرفع فوقها العلم الموحدي الأبيض، وتحاط بالسلاسل الحديدية الضخمة، وعادة تضرب هذه القبة في مؤخرة الجيش، ويحف بها الحرس الخاص الذين يحملون الرماح الطويلة. وكان الخليفة الموحدي متى ما رأى قواته خلال المعركة في حاجة إلى العون يقود الساقة (المؤخرة) بنفسه ويشد أزر قواته، ويعاونها بذلك على إحراز النصر.
وقد تقع الكارثة فيهلك الخليفة كما حدث لأبي يعقوب يوسف في نكبة شنترين، أو يلجأ إلى الفرار، كما حدث للناصر في موقعة العقاب (٢٥٣).
واستعملت الطبول في الجيش الموحدي، وكانت تضرب عند الرحيل وعند بدء
_________________
(١) ينظر، عنان، عصر الموحدين، ص ٦٣٨.
(٢) ينظر، أشباخ، تاريخ الأندلس، ص ٤٤٨، عنان، عصر الموحدين، ص ٦٣٤.
(٣) عنان، عصر الموحدين، ص ٦٣٦ - ينظر، روض القرطاس، ص ٢٣٩.
[ ٤٠٤ ]
المعركة (٢٥٤). واعتمد الجيش الموحدي على نظام التطوع أيضًا، وتسمى جموعهم بالمطوعة (٢٥٥).
وأهم ما تمتاز به الجيوش الموحدية تفوقها في فن الحصار، ومقدرتها على اقتحام المدن المنيعة، ورأينا لهم أمثلة بارزة في حوادث حصار وهران والمهدية بالمغرب، وحصار طرش وحصن القصر (قصر أبي دانس) وشلب بالأندلس. ومما يلفت النظر أن الموحدين لم يقتصروا على استعمال الآلات القديمة في الحصار، بل استعملوا آلات جديدة قاذفة، تقذف الحجارة والكرات الحديدية الملتهبة. فنراهم في حصار لبلة بالأندلس استخدموا آلات تقذف الحديد والحجارة على القوات الإسبانية، وكان يصحبها دوي كالرعد (٢٥٦).
وفي مملكة غرناطة، يتألف الجيش النصري من أقسام أو مجاميع. وكل مجموعة تتألف من خمسة آلاف محارب لها أمير، ولها راية كبيرة تميزها، والمجموعة تقسم إلى خمس وحدات، وكل وحدة تتألف من ألف محارب لها قائد، ولها علم أصغر حجمًا من الراية. ثم إن كل وحدة تقسم بدورها إلى خمس فرق، وقوام كل فرقة مئتا محارب يقودها نقيب يحمل لواء الفرقة. والفرقة تقسم إلى خمسة أقسام صغيرة، كل قسم يتألف من أربعين رجلًا، وعلى رأس كل قسم عريف يحمل بندًا مميزًا. والقسم يتفرع إلى مجموعات أو زمر تتألف من ثمانية جنود يرأسها نظير، ويربط في رأس رمحه قطعة قماش تسمى العقدة، والتحرك العسكري لهذه الأقسام يجري وفق أوامر تصل من الأعلى إلى الأدنى (٢٥٧).
ويلتحق بالجيش مجموعة الأدلاء الذين كانوا في الغالب من سكان المناطق الحدودية ذوي الخبرة بمسالك البلاد. كما كان سلاطين غرناطة يبثون العيون داخل الممالك الإسبانية لمعرفة أخبارها وبخاصة العسكرية؛ ويمنحون عيونهم هؤلاء المكافآت ويعفونهم من الضرائب لأنهم في الغالب ما يكونون من التجار اليهود والإسبان (٢٥٨).
وقد زودتنا بعض الروايات بملابس وأسلحة الجيش النصري وفرسان مشيخة الغزاة (٢٥٩).
_________________
(١) الحلل الموشية، ص ١١٥.
(٢) عنان، عصر الموحدين، ص ٦٣٧.
(٣) عنان، عصر الموحدين، ص ٤٩٣، ص ٦٤٠.
(٤) فرحات، غرناطة، ص ٩١ - ٩٢.
(٥) أيضًا، ص ٩١.
(٦) ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٢٣ - المقري، نفح؛ ج ١، ص ٢٢٣.
[ ٤٠٥ ]
وكانت خطة الهجوم التي تعتمدها القوات النصرية هي الغارات السريعة في عمق أرض العدو مع تجنب اللقاء بالجيش النظامي. وفي المعارك النظامية حافظ الفرسان المغاربة على الأساليب التقليدية، فاعتمدوا طريقة الكر والفر والدوران حول العدو ومباغتة نقاط الضعف فيه (٢٦٠).
البحرية:
لما كان مضيق جبل طارق فاصلًا بين عدوة المغرب وبلاد الأندلس، فإن الحملات الاستطلاعية الأولى التي قادها أبو زرعة طريف بن مالك، وحملات الفتح التي قادها طارق بن زياد وموسى بن نصير، ومن ثم تعاقب الجيوش من وإلى الأندلس، فإن كل هذه الأمور تحتاج إلى أساطيل كبيرة لنقل المجاهدين وخيولهم وعتادهم، ولم يقتصر الأمر في أداء هذه المهمة على مراكب يوليان حاكم سبتة (٢٦١)، ولا على مراكب تجار الروم التي كانت تختلف إلى الأندلس (٢٦٢).
بل كان الاعتماد الأول وقبل كل شيء على الأساطيل العربية التي كانت تحت إمرة موسى بن نصير على طول الساحل المغربي (٢٦٣). وقد قدمت دراسات مطولة حول هذا الأمر وحول إحراق طارق بن زياد للسفن، وكل أبدى رأيه (٢٦٤).
وعندما أكمل المسلمون فتح الأندلس (٩٢ - ٩٥ هـ) وبدأ عصر الولاة ٩٥ - ١٣٨ هـ أطلت جيوش المسلمين على سواحل أندلسية طويلة، تشرف على البحر المحيط (الأطلسي) وخليج بسكاي، وعلى البحر المتوسط، مما يجعلها عرضة لأي هجوم بحري أوروبي معادي. ولذا اعتمد المسلمون على دور الصناعة القديمة التي وجدوها في طرطوشة وطركونة ودانية وإشبيلية والجزيرة الخضراء، كما استفادوا من خدمات الخشب والحديد اللازمة لبناء السفن، فكان ذلك ولا زال موجودًا في الأندلس (٢٦٥).
ولدينا خبر يشير إلى توفر وجود السفن أو صناعتها في الأندلس بعد فتحها، مفاده أن
_________________
(١) ينظر، ابن خلدون، المقدمة، ص ٢٧١ - فرحات، غرناطة، ص ٩٤.
(٢) مجهول، أخبار مجموعة، ص ٦ - المقري، نفح، ج ١، ص ٢٣٨.
(٣) ابن عذاري، البيان، ج ١، ص ٨.
(٤) العبادي، دراسات، ص ١٧.
(٥) الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٦٢ - السامرائي، " طارق بن زياد بين الخطبة وإحراق السفن " مجلة آفاق جامعية عام ١٩٧٧.
(٦) ينظر، الحميري، الروض المعطار، ص ١٠٢، ص ١١٠، ص ١٢٤.
[ ٤٠٦ ]
عياش بن شراحيل " دخل الأندلس وقدم بالسفن منها إلى إفريقية سنة مئة " (٢٦٦).
وعندما أراد بلج بن بشر القشيري العبور إلى الأندلس، ورفض واليها ذلك صنع بلج قوارب ركبها أتباعه، فهاجموا دار الصناعة بالجزيرة الخضراء، وأخذوا ما فيها من المراكب والسلاح فرجعوا بها إليه، وبعد ذلك استخدمها في عملية العبور إلى الأندلس، كما هو معروف (٢٦٧).
وخلال عصر الولاة، عندما قررت جيوش الفرنجة استرجاع مدينة أربونة عام ١٢٠ هـ، وكان عاملها عبد الرحمن بن علقمة القائد المشهور، فلما وصلت هذه الأنباء إلى والي الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي أرسل جيشًا بحريًا لنجدتها بقيادة عامر بن الليث (٢٦٨). وقدم هذا الجيش عن طريق البحر نظرًا لوجود قبائل البشكنس والقبائل الجبلية الأخرى على طول جبال البرتات والتي تكون حائلًا أو خطرًا على الجيش الأندلسي الذاهب إلى فرنسا (٢٦٩). فلما عرف جيش الفرنجة بقدوم هذا الجيش هاجموه بغتة وقتلوا القائد وانهزم بعض المسلمين إلى أربونة، والبعض الآخر ركبوا سفنهم وقد تعقبتهم بعض مراكب الفرنجة وأصابوا الكثير منهم (٢٧٠). وعلى الرغم من أن الأسطول الأندلسي لم يكن قويًا في هذا العصر، حيث ظهر الاهتمام به في عصر الإمارة، فمن المؤكد أن مدن برشلونة وطركونة البحرية قد ساهمت في إرسال سفن النجدة لفك حصار أربونة، هذا إذا علمنا أن مثل هذه المدن كان يكمن عندها المسلمون عند " طلب الفرصة في الغزو " (٢٧١).
وأدرك الوالي يوسف الفهري (١٢٩ - ١٣٨ هـ) خطورة وضع المسلمين في أربونة المحاصرة من قبل الجيوش الفرنسية، فأرسل جيشًا بقيادة ابنه عبد الرحمن لضبط المدينة وما يليها (٢٧٢). فلم يوفق هذا الجيش في مهمته وذلك بسبب المقاومة الشديدة التي أبدتها القبائل الإسبانية على طول جبال البرتات (٢٧٣)، ويبدو أن المسلمين لم يستخدموا
_________________
(١) الحميدي، جذوة، ص ٣٢٢ (رقم ٧٤٢) - ابن الفرضي، تاريخ، رقم ١٠١٤.
(٢) ابن القوطية، تاريخ، ص ١٦.
(٣) رينو، غزوات، ص ١٣٨ - سالم، تاريخ المسلمين، ص ١٤٨ - مؤنس، فجر الأندلس، ص ٢٨٣.
(٤) السامرائي؛ الثغر الأعلى، ص ١٤٤.
(٥) رينو، غزوات، ص ١٣٨ - مؤنس، فجر الأندلس، ص ٢٨٣.
(٦) الحميري، الروض المعطار، ص ١٢٦.
(٧) سالم، تاريخ المسلمين، ص ١٥٠.
(٨) رينو، غزوات، ص ١٤٤.
[ ٤٠٧ ]
البحر هذه المرة، لأن الفرنسيين سيطروا على مدينة ماجلون التي تعتبر مرسى أمينًا للسفن الإسلامية القادمة من إسبانيا (٢٧٤)، وبعدها سقطت أربونة بيد الفرنسيين عام ١٤١ هـ، كما هو معروف.
وفي عصر الإمارة، ١٣٨ - ٣١٦ هـ، اهتم الداخل بثغر الجزيرة الخضراء وعهد إدارتها إلى الرماحس بن عبد الرحمن (والي شرطة مروان بن محمد)، واشتهر أفراد هذا البيت بقيادة الأسطول الأندلسي على عهد الأمويين (٢٧٥). كما اعتمد الأمويون بالأندلس على اليمنيين القضاعيين في الأمور البحرية في باديء الأمر، وأنزلوهم في المناطق الساحلية الشرقية وعهدوا إليهم حراسة ما يليهم من البحر وحفظ السواحل، وقد سمي هذا الإقليم بـ (أرش اليمن أي أعطيتهم من الأرض) وكانت بجانة أهم قاعدة لهم في هذا الإقليم (٢٧٦)، ولذا لقب أهلها بالبحريين (٢٧٧). وكان بيت بني الأسود من البيوت البحرية المشهورة في مدينة بجانة، وقد ظهر اسم خشخاش ووالده سعيد بن أسود ضمن قادة الأساطيل التي قاتلت النورمان في عهد الأمير محمد الأول، وسوف نذكرهم فيما بعد. وازداد النشاط البحري في عهد الأمير هشام الأول (١٧٢ - ١٨٠ هـ) على الساحل الشرقي للأندلس، وكان قوام هذا النشاط حملات بحرية قام بها جماعات من البحارة والمجاهدين، هاجموا فيها بعض الثغور والجزر القريبة (٢٧٨). وقد زاد هذا النشاط أيضًا في عهد الأمير الحكم (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) حيث ذكرت بعض الروايات؛ بأن الحكم الأول وجه حملتين إلى الجزائر الشرقية عام ١٨٢ هـ وعام ٢٠٠ هـ (٢٧٩)، مع نشاط بحري.
هاجم جزر كورسيكا وسردينية وإيطاليا في عام ١٩٠ هـ، وعام ١٩١ هـ، وعام ١٩٣ هـ (٢٨٠). وفي عام ٢٠٥ هـ خرج أسطول أندلسي من ثغر طركونة وسار صوب جزيرة سردينية، فتصدى له أسطول فرنسي، فتغلب عليه الأسطول الأندلسي وأغرق ثمانية مراكب منه وأحرقوا مراكب أخرى (٢٨١). ولما فتح الأغالبة جزيرة صقلية عام
_________________
(١) طرخان، المسلمون في أوروبا، ص ١٦٣.
(٢) العذري، نصوص عن الأندلس، ص ٨١.
(٣) الحميري، الروض المعطار، ص ٣٧ - ٣٨ - العبادي، دراسات، ص ٢٤٨.
(٤) العذري، نصوص، ص ٨٦.
(٥) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٦٦ - السامرائي، " الجزائر الشرقية "، ص ١٥٧.
(٦) طرخان، المسلمون في أوروبا، ص ١٠٣.
(٧) محمود إسماعيل، الأغالبة سياستهم الخارجية، ص ١٥٤ - ١٥٥ - العدوي، الأساطيل العربية، ص ٧٦.
(٨) رينو، غزوات، ص ١٩٠ - ١٩١.
[ ٤٠٨ ]
٢١٢ هـ، بدأت الأساطيل البيزنطية تهاجم القوات الإسلامية فيها، ففي عام ٢١٤ هـ وجه الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ)، حملة بحرية خرجت من ميناء طرطوشة إلى صقلية لتعزيز الحامية الإسلامية فيها (٢٨٢).
وفي عام ٢٢١ هـ خرج أسطول أندلسي من ثغر طركونة والجزائر الشرقية، وهاجم مرسيلية وما حولها وأثخن فيها، فكانت هذه الحملة مقدمة لحملات أخرى متعاقبة أفلحت في إقامة مراكز عربية في جنوب فرنسا وشمالي إيطاليا (٢٨٣). ويبدو لنا أن الجزائر الشرقية (البليار) عقدت عهدًا مع حكومة الإمارة، على الأقل فيما يتعلق بشؤون البحر، ودليلنا على ذلك أن الأمير عبد الرحمن الأوسط سير أسطولًا من ثلثمائة مركب عام ٢٣٤ هـ إلى أهل الجزائر الشرقية لنقضهم العهد، وإضرارهم بمن يمر بهم من مراكب المسلمين (٢٨٤). ويبدو أنها كانت حملة تأديبية وليست فتحًا منظمًا بدليل قدوم رسالة من أهل الجزائر إلى الأمير في عام ٢٣٥ هـ يستعطفون فيها الأمير ويطلبون السماح، فاستجاب لهم (٢٨٥).
مع كل هذا، فإن البحرية الأندلسية كانت لا تزال محدودة في إمكانياتها ووسائلها، فلم تكن لديها القواعد والمحارس والسفن الكافية لحماية جميع سواحلها ولا سيما الغربية منها، ولهذا عجزت عن حمايتها عندما هاجمتها أساطيل النورمان عام ٢٢٩ هـ وعاثت فسادًا في السواحل الغربية، وفي مدينة إشبيلية (٢٨٦). ولما كان الأسطول الأندلسي مرابطًا على الساحل الشرقي، فقد اعتمدت حكومة الإمارة في صد خطر النورمان على جيوشها البرية، واستعانت بقوات من الثغر الأعلى المدربة على حرب العصابات (٢٨٧).
وكان لهذا الهجوم النورماني أثر كبير على الأندلس، حيث أدى إلى الاهتمام بالسواحل الغربية للأندلس وبناء التحصينات فيها، حيث بني سور إشبيلية (٢٨٨)، كما
_________________
(١) ابن الأثير، الكامل، ج ٦، ص ٢٣٨ - ابن عذاري، البيان، ج ١، ص ١٠٤ - مؤنس، المسلمون في حوض البحر المتوسط، ص ١٠٠.
(٢) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٦٦.
(٣) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ١، ص ٨٩ - ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ص ١٨.
(٤) ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ٤ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٨٩.
(٥) العذري، نصوص عن الأندلس، ص ٩٨ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٨٧ - ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ٤٩ - مؤنس، غارات، ص ٣١.
(٦) السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٢٧٣.
(٧) البكري، جغرافية الأندلس، ص ١١٢ - الحميري، الروض، ص ٢٠.
[ ٤٠٩ ]
أنشأوا الرباطات على السواحل وأصبحت مركزًا للجهاد (٢٨٩)، وكانت النتيجة المهمة هي إنشاء دار صناعة إشبيلية، وإنشاء المراكب، وزودها بالآلات وقوارير النفط، ووسع على رجال البحر المدربين (٢٩٠).
وفي عهد الأمير محمد الأول (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) عاد النورمان مرة أخرى وهاجموا ساحل الأندلس في (٦٢) مركبًا عام ٢٤٥ هـ، فوجدوا هذه السواحل قد حرست بالسفن الحربية، وحاولوا اختراق نهر إشبيلية فلم يفلحوا، ثم واصلوا سيرهم إلى الجزيرة الخضراء وأحرقوا مسجد الرايات فيها، ثم عاثوا فسادًا في الساحل الإفريقي، ثم توجهوا صوب الساحل الشرقي للأندلس، فاشتبكوا مع القوات الأندلسية في عدة معارك بحرية وبرية، ثم ساروا إلى بلاد فرنسا، وأمضوا فصل الشتاء هناك، ثم رجعوا إلى الجنوب بمحاذاة الساحل الشرقي للأندلس (٢٩١). وأثناء رجوع سفن النورمان هذه هاجمتها الأساطيل الأندلسية عند مدينة شذونة، وأسرت مركبين من مراكبهم (٢٩٢)، وأحرقت مركبين آخرين، واستشهد جماعة من المسلمين (٢٩٣). ثم سارت مراكب النورمان شمالًا وهاجمت بنبلونة عاصمة النافار وأسرت ملكها غرسية بن ونقة، والذي افتدى نفسه بالمال (٢٩٤). ثم ظهر النورمان مرة ثانية في عهد هذا الأمير عام ٢٤٧ هـ قرب شواطئ الأندلس، لكنهم وجدوا هذه السواحل قد حرست بالسفن الحربية، كما أن أمواج البحر دمرت لهم ١٤ مركبًا ولم يظفروا بشيء ورجعوا إلى بلادهم (٢٩٥).
وفي عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) قام جماعة من المجاهدين الأندلسيين يقدرون بحوالي عشرين شخصًا في عام ٢٧٦ هـ، ونزلوا الساحل الفرنسي، ولجأوا إلى غابة كثيفة، ثم سيطروا على المناطق المجاورة واستقروا بها، ودعوا إخوانهم من الثغور البحرية للقدوم إليهم، وأرسلوا في طلب العون والتأييد من حكومات المغرب
_________________
(١) مؤنس، غارات، ص ٤١ - العبادي، دراسات، ص ٢٩٦ وما بعدها.
(٢) ابن القوطية، تاريخ، ص ٨٨ - العبادي، دراسات، ص ٢٦٣.
(٣) ينظر، العذري، نصوص، ص ١١٩ - ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ٣٠٨ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٩٧ - ابن الخطيب، تاريخ المغرب العربي - ص ١٧٣ - ١٧٤.
(٤) النويري، نهاية الأرب، ج ٢٢، ص ٥٤.
(٥) ابن الأثير، الكامل، ج ٧، ص ٩٠.
(٦) ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ٣٠٩ - العذري، نصوص، ص ١١٩ - السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٢٨٠.
(٧) ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ٣١١ - العذري، نصوص، ص ١١٩.
[ ٤١٠ ]
والأندلس (٢٩٦). وعلى مر الزمن أنشأوا لهم سلسلة من المعاقل والحصون أشهرها قلعة فراكسنتيوم الواقعة شمالي مدينة طولون (٢٩٧)، والتي يسميها الجغرافيون المسلمون باسم دويلة جبل القلال (٢٩٨). واستمرت هذه الدويلة إلى عام ٣٦٥ هـ، وسيطرت على مناطق مهمة من فرنسا وسويسرة وشمالي إيطاليا (٢٩٩).
وفي عهد هذا الأمير سير قوة بحرية عام ٢٩٠ هـ إلى جزيرة ميورقة بقيادة عصام الخولاني، الخبير بشؤون هذه الجزيرة، فحاصرها أيامًا وفتحها، وبذلك أصبحت هذه الجزائر ولاية جديدة تابعة للأندلس وتولى أمرها عصام الخولاني ٢٩٠ - ٣٠٠ هـ (٣٠٠).
وفي عصر الخلافة ٣٠٠ - ٤٢٢ هـ، نرى أن الإمبراطور البيزنطي بالتعاون مع هوجو ملك إيطاليا وبروفانس، حاولوا استرجاع قلعة جبل القلال عام ٣٣١ هـ، فهاجموها برًا وبحرًا، إلا أن الاضطرابات الداخلية في مملكة إيطاليا أجبرت هوجو على الانسحاب ومهادنة المسلمين فيها (٣٠١).
ويفهم من رواية العذري أن أسطولًا أندلسيًا كبيرًا بقيادة محمد بن رماحس ومعه غالب بن عبد الرحمن وسهل بن أسيد خرج من ثغر المرية وغزا سواحل إفرنجة في عام ٣٣١ هـ، إلا أن عاصفة هوجاء قذفت به بعيدًا عن تلك السواحل (٣٠٢). ويعتقد أن هذه العمليات البحرية التي قام بها الأسطول الأندلسي، كانت تهدف إلى معاونة قاعدة جبل القلال (٣٠٣). وقد جرت مراسلات وسفارات طويلة بين حكومة الناصر بالأندلس وبين أوتو الأكبر إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة حول أمر هذه القاعدة. على أية حال فإن أمر هذه السفارة استمر إلى سنة ٣٤٤ هـ، لحصول مشكلة دبلوماسية (٣٠٤).
_________________
(١) ينظر، السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٢٦٣.
(٢) الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٣١٣.
(٣) ابن حوقل، صورة الأرض، ص ١٨٥ - الحموي، معجم البلدان، ج ١، ص ٢٧٣.
(٤) ينظر، رينو، غزوات، ص ٢٠٨ وما بعدها - عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٤٢٥ وما بعدها - El-Hajji، Andalusian، p: ٢٠٧-٢٢٧.
(٥) ابن خلدون، العبر، ج ٤، ص ١٦٤ - السامرائي " الجزائر الشرقية "، ص ١٦٢.
(٦) العبادي، دراسات، ص ٢٧١.
(٧) نصوص، ص ٨١.
(٨) العبادي، دراسات، ص ٢٧٢.
(٩) رينو، غزوات، ص ٢٢٨ وما بعدها - عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٤١٥.
[ ٤١١ ]
وبين الخليفة الناصر للسفير الأوروبي بأن حكومته ليست لها أية علاقة ولا أية سلطة على جبل القلال، وأنها لا تتحمل تبعة أعمالها. وبذلك أعطت خلافة قرطبة للسلطات الألمانية مطلق الحرية في اختيار السبل المناسبة لعلاج هذه المشكلة (٣٠٥).
وفي عهد الخليفة الناصر تولى عبد الله بن عصام الخولاني حكم الجزائر الشرقية ٣٠٠ - ٣٥٠ هـ (٣٠٦). ويبدو أن هناك عمالًا تولوا إمارة الجزائر الشرقية خلال هذه الفترة، ومن أشهرهم، رشيق مولى الناصر (مات غريقًا عام ٣٤٣ هـ)، وكذلك جعفر بن عثمان المصحفي الذي تولى أمر الجزائر عام ٣٣٣ هـ (٣٠٧).
وأمر الخليفة الناصر عام ٣٤٤ هـ بتأسيس مدينة المرية لتكون القاعدة البحرية المهمة في شرق الأندلس، وأصبحت هي وبجانة بابي الشرق كما يقول ياقوت (٣٠٨). ونظم الخليفة الناصر شؤون البحرية فأنشأ عددًا كبيرًا من دور الصناعة في مدن الأندلس: المرية - طرطوشة - الجزيرة الخضراء - مالقة وشلب وغيرها (٣٠٩).
ونجح الأسطول الأندلسي في عصر الخلافة بإحباط محاولات المهدي الفاطمي ودعم حركة عمر بن حفصون عام ٣٠١ هـ، ثم تمكن الأسطول الأموي من الاستيلاء على مدينة مليلة سنة ٣١٤ هـ ومدينة سبتة عام ٣١٩ هـ، وكذلك مدينة طنجة. وكرر هذا الأسطوال هجومه البحري على بلاد عدوة المغرب عدة مرات في عام ٣٣٣ هـ وفي عام ٣٤٥ هـ (٣١٠).
وفي عهد الخليفة الحكم ٣٥٠ - ٣٦٦ هـ فقد أكد على ناحيتين: الأولى الاحتفاظ بسيطرة الأندلس على مضيق جبل طارق، والثانية صد الخطر النورماندي.
وعندما تمرد الحسن بن كنون (من بقايا الأدارسة) عام ٣٦١ هـ ضد الخليفة الحكم سير إليه الجيوش بقيادة وزيره محمد بن القاسم بن طلمس، ثم لحقت به الأساطيل الأندلسية بقيادة قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس. وفي البداية أحرزت القوات
_________________
(١) السامرائى، الثغر الأعلى، ص ٢٦٤.
(٢) ابن خلدون، العبر، ج ٤، ص ١٦٤.
(٣) ينظر، ابن الآبار، التكملة، ج ١، ص ١٣ ترجمة (رقم ١٦) - الحلة السيراء، ج ١، ص ٢٥٧ - ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة، ج ١، ص ١١٦ ترجمة رقم (١٥٤).
(٤) معجم البلدان، ج ٥، ص ١١٩.
(٥) ينظر، أبو الفضل، تاريخ مدينة المرية، ص ٥٦ - ٥٧.
(٦) ينظر، العبادي، دراسات، ص ٧٣ - أبو الفضل، تاريخ مدينة المرية، ص ٦٣.
[ ٤١٢ ]
الأندلسية النصر، إلا أن الهزيمة لحقت بها عام ٣٦٢ هـ وقتل الوزير القائد محمد بن القاسم، فاستاء الحكم لذلك فأرسل قوات الثغور إلى المغرب بقيادة الوزير القائد غالب ابن عبد الرحمن، عام ٣٦٢ هـ، ثم كتب إلى قائد أسطوله المرابط في طنجة عبد الرحمن ابن رماحس ومعاونيه سعد وقيصر، وغيرهم من القواد الدخول تحت إمرة القائد غالب.
وعندما أبحر غالب بجيوشه من الجزيرة الخضراء هبت عاصفة شديدة فرجع إلى ساحل الجزيرة وبعد أيام تحسن الجو فعبر القائد بالأسطول إلى عدوة المغرب، وفي الوقت نفسه اتجه قائد البحر ابن رماحس بأسطوله من طنجة إلى أصيلا كي يتعاون مع الأسطول الأندلسي المرابط هناك، ولكي يكون قريبًا من القائد الأعلى غالب، وقد امتدح الخليفة الحكم هذه الخطة. وبتعاون الجيوش المشتركة فشلت حركة الحسن بن كنون عام ٣٦٣ هـ، واستمرت الأندلس تفرض سيطرتها على مضيق جبل طارق (٣١١).
وفي عهد الحكم المستنصر هاجم النورمان الأندلس عام ٣٥٥ هـ، فعاثوا فسادًا في منطقة قصر أبي دانس، ودارت معارك بحرية بين الطرفين قتل فيها الكثير. وبعدها تمكن أسطول إشبيلية من اللحاق بالأسطول النورماندي عند مصب وادي شلب فحطم معظمه، واسترد أسرى المسلمين (٣١٢). أما الغارات النورماندية الأخرى في عام ٣٦٠ هـ وعام ٣٦١ هـ فيبدو أنها لم تستطع النزول إلى الشواطئ الأندلسية بفضل يقظة الأسطول الأندلسي الذي استطاع أن يبدد شملها بسهولة (٣١٣). وفي سنة ٣٦٤ هـ استرد الفرنجة حصن فراكسنتيوم (جبل القلال) (٣١٤).
أما الجزائر الشرقية فتولى أمرها الموفق مولى الخليفة الناصر ٣٥٠ - ٣٥٩ هـ وجاء من بعده كوثر مولى الخليفة الحكم (٣٥٩ - ٣٨٩ هـ) ثم مقاتل مولى الحاجب المنصور ٣٨٩ - ٤٠٣ هـ (٣١٥).
اهتم الحاجب المنصور بالأسطول، واستخدمه في تثبيت الحكم الأموي الأندلسي في عدوة المغرب، فبواسطة هذا الأسطول نقل القوات الأندلسية إلى المغرب والتي قضت على حركة الحسن بن كنون عام ٣٧٥ هـ، وعلى حركة الزعيم المغربي زيري بن
_________________
(١) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٤٤ - العبادي، دراسات، ص ٢٧٩ وما بعدها.
(٢) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٣٩.
(٣) أيضًا، ج ٢، ص ٢٣٩ - ابن خلدون، العبر، ج ٤، ص ٣١٤ - العبادي، دراسات، ص ٢٨٦.
(٤) العبادي، دراسات، ص ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٥) السامرائي، " الجزائر الشرقية "، ص ١٦٣.
[ ٤١٣ ]
عطية عام ٣٨٩ هـ. وكانت مدينة سبتة هي القاعدة البحرية الرئيسية للعمليات الحربية الأندلسية في المغرب، فقد اهتم المنصور بتحصينها وتزويدها بالرجال والسلاح (٣١٦).
واستخدم الحاجب المنصور بعض وحدات الأسطول في حملاته على ساحل قطلونية عام ٣٧٤ هـ، وفي نقل المشاة من جنوده في المحيط الأطلسي في حملته على جليقية عام ٣٨٧ هـ وهي الحملة التي دمرت مدينة شنت ياقب (٣١٧). وفي عام ٣٨٧ هـ أنشأ المنصور أسطولًا كبيرًا في الموضع المعروف بقصر أبي دانس وحمل الأقوات والأسلحة إليه وجهزه بالبحارة المشهورين (٣١٨). وبعد أن تخلص المنصور من قادة البحر المشهورين عبد الرحمن بن رماحس، وغالب بن عبد الرحمن، لم يتول إمرة البحر من بعدهم ممن يملك كفاءتهم، فبدأ الأسطول الأندلسي بالأفول (٣١٩).
وجاء عصر الطوائف، وتقاسم ملوكه ورثة الأسطول الأندلسي واقتصر النشاط البحري على مراكز المرية ودانية والجزائر الشرقية في الشرق، وإشبيلية في الغرب.
استمرت المرية في رعايتها للأسطول سواء في ظل الزعيم الصقلي خيران العامري وأخيه زهير أو في ظل بني صمادح، ولكن هذا الأسطول لم يقم بعمل عسكري بحري كبير كما قام به أسطول دانية والجزائر الشرقية، ما عدا استخدامه للهروب إلى عدوة المغرب من قبل حاكم المرية معز الدولة بن المعتصم بن صمادح عام ٤٨٤ هـ.
استهوى البحر الأمير مجاهد العامري (٤٠٠ - ٤٣٦ هـ)، وقرر أن يمد نفوذه البحري وراء هذه الجزائر، وكان نظره يصبو إلى سردينية. فجدد دار الصناعة القديمة. واستكثر السفن والمعدات الحربية. وبدأ مشروعه عام ٤٠٦ هـ، حيث سار بأسطول مؤلف من ١٢٠ مركبًا بأحجام مختلفة، وأعطى قيادته لأمير البحر (أبي خروب). وكانت المسافة بين دانية والجزائر الشرقية وبين سردينية تستغرق ثمانية أيام (٣٢٠). وعندما وصل الأسطول الأندلسي لقي مقاومة من أهل الجزيرة، إلا أن القوات الأندلسية استطاعت فتح الجزيرة (٣٢١). وتم ذلك في ربيع الثاني عام ٤٠٦ هـ وبدأ مجاهد بتأسيس مدينة فيها،
_________________
(١) أبو الفضل، تاريخ مدينة المرية، ص ٧٣.
(٢) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٩٥.
(٣) العبادي، دراسات، ص ٢٨٩.
(٤) ينظر، العذري، نصوص، ص ٨٢.
(٥) ينظر، ابن الخطيب، أعمال، ص ٢١٩ - عنان، دول الطوائف، ص ١٩٠.
(٦) جذوة المقتبس، ص ٣٥٣.
[ ٤١٤ ]
وانتقل إليها بأهله وولده وبقي مجاهد وجيشه في سردينية ما يقارب سنة (٣٢٢). وبعدها بدأ مجاهد العامري بمهاجمة سواحل إيطاليا القريبة، فقررت المدن الإيطالية إحباط هذا المشروع وتحالفت مع البابا لتحقيق الأمر. فسارت الأساطيل الإيطالية والأوروبية فحاصرت الجزيرة. ومما أحرج مركز المسلمين فيها تمرد الجند المرتزقة الإسبان في أسطول مجاهد، مع هبوب العواصف العاتية. فحلت الهزيمة المنكرة بالأسطول الأندلسي عام ٤٠٧ هـ وقتل معظم رجاله، وأسر بعضهم ومنهم ولده علي وأمه (جود) الإسبانية، وأخوه وبعض نسائه (٣٢٣)، ففشل هذا المشروع الكبير، وذكرت بعض الروايات أن مجاهدًا العامري هاجم سردينية في عام ٤١٠ هـ وعام ٤٤١ هـ وأنه وقع أسيرًا في أيدي الأعداء، وهذه روايات لا سند لها، لأن مجاهد توفي عام (٤٣٦ هـ)، إلا أنها تدل على مقدار الفزع الذي أثاره هذا البحار المغامر في سواحل البحر المتوسط الغربية والشمالية بعد حملة سردينية (٣٢٤). ومن الطريف، أن مجاهد العامري كان يحتفل بجزيرة ميورقة في صيف كل عام بعيد المهرجان (عيد العنصرة) في ٢٤ حزيران، فيقوم الأسطول بعرض ومناورات وألعاب يحضرها مجاهد نفسه وأمراء الجزيرة فيما بعد، وقد امتدح الشاعر أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة هذا الاحتفال (٣٢٥).
في الفترة المبكرة من عهد المرابطين ساهمت الخدمات البحرية التي قدمتها الأندلس وبخاصة إشبيلية إلى يوسف بن تاشفين هي التي مكنته في القضاء على إمارة سقوت البرغواطي صاحب الأسطول القوي. بعد أن تمت سيطرة المرابطين على سبتة وطنجة أفادوا من دور الصناعة القديمة فيها وأصلحوا سفنها (٣٢٦). وقبيل عبور المرابطين إلى الأندلس لنجدتها تنازل المعتمد بن عباد عن ميناء الجزيرة الخضراء إلى يوسف بن تاشفين، وبذلك تحكم المرابطون في مضيق جبل طارق (٣٢٧). وبعد خلع أمراء الطوائف، أصبحت الأندلس ولاية مرابطية، فأفاد المرابطون من إمكانياتها المادية والبشرية والاستراتيجية في تقوية أسطولهم البحري سواء فيما يتعلق بوجود الموانئ والربط ودور الصناعة والمواد الأولية اللازمة لصناعة السفن، أو توظيف قدرات الأسر
_________________
(١) السامرائي، " الجزائر الشرقية "، ص ١٦٩.
(٢) جذوة المقتبس، ص ٣٥٣ - عنان، دول الطوائف، ص ١٩٣.
(٣) ينظر، عنان، دول الطوائف، ص ١٩٤.
(٤) المراكشي، المعجب، ص ٢١٥ - العبادي، دراسات، ص ٣١٥ - ٣١٦.
(٥) ينظر، العبادي، دراسات، ص ٢١٨ - ٢٢٠.
(٦) ابن الخطيب، أعمال، ص ٢٨٢.
[ ٤١٥ ]
الأندلسية التي كان عالمها المفضل البحر مثل أسرة بني ميمون المشهورة (٣٢٨).
وعندما ضم يوسف بن تاشفين الأندلس إلى دولته، لم يتعرض بسوء لأمير الجزائر الشرقية (مبشر بن سليمان ٤٨٦ - ٥٠٨ هـ) لأن هذه الإمارة تقف حائلًا أمام هجمات الأساطيل الأوروبية ضد الأندلس.
لم تصمد الجزائر الشرقية طويلًا أمام هجمات الحملة الأوروبية البحرية الكبيرة عام ٥٠٨ هـ، وأثناء الحصار توفي أمير الجزائر مبشر، فتولى أمرها أبو الربيع سليمان بن ليون الذي واصل المقاومة، وحاول مغادرة الجزيرة لطلب العون من المرابطين، إلا أنه وقع أسيرًا بأيدي الأعداء، فدخلت القوات الأوروبية الجزائر الشرقية عام ٥٠٨ هـ وعاثت فيها فسادًا (٣٢٩).
إلا أنّ الأسطول المرابطي لم يصل إلى الجزائر الشرقية، إلا بعد سيطرة العدو عليها (٣٣٠)، وكان الأسطول المرابطي بقيادة أمير البحر (ابن تاقرطاس)، فلما علم الإيطاليون وحلفاؤهم باقتراب هذا الأسطول، انسحبوا من الجزيرة مثقلين بالسبي والغنائم، بعد أن أدركوا أنهم سيخوضون معركة غير مأمونة العواقب، وبعدها دخل المرابطون الجزيرة وشرعوا في تعميرها وذلك من عام ٥٠٩ هـ (٣٣١). وبذلك تصبح الجزائر الشرقية ولاية مرابطية يديرها (وانور بن أبي بكر اللمتوني) الذي حكمها إلى سنة ٥٢٠ هـ، ثم حكمها من بعده بنو غانية وأقاموا فيها إمارة مستقلة (٣٣٢).
ولما سيطر روجار الأول على صقلية عام ٤٨٥ هـ، أخذ النورمان يشنون هجماتهم البحرية على المهدية قاعدة بني زيري في تونس، فاستنجد الزيريون بأبناء عمومتهم المرابطين، فأرسل إليهم أمير المسلمين علي بن يوسف أسطوله البحري بقيادة أبي عبد الله بن ميمون فهاجم صقلية وفتح بعض المدن فيها وسبى الكثير من نسائها وأطفالها انتقامًا لأبناء جلدته في أفريقية. وكان ملوك النورمان في صقلية يتوجسون خيفة
_________________
(١) ينظر، المراكشي، المعجب، ص ٢٧٩ - ابن الكردبوس، تاريخ الأندلس، ص ١٢٣ - العبادي، دراسات، ص ٣٢١.
(٢) ينظر، ابن الكردبوس، تاريخ الأندلس، ص ١٢٣ - الحميري، الروض المعطار، ص ١٨٨.
(٣) القلقشندي، صبح الأعشى، ج ٥، ص ٢٥٧.
(٤) السامرائي، " الجزائر الشرقية "، ص ١٨١.
(٥) ينظر، ابن خلدون، العبر، ج ٤، ص ١٦٥ - الحميري، الروض المعطار، ص ١٨٨ - محمود علي مكي، " وثائق تاريخية جديدة "، ص ١٦١ - ١٦٢.
[ ٤١٦ ]
من الأسطول المرابطي، ولذا نراهم لم يحتلوا المهدية إلا بعد سنة ٥٤٣ هـ أي بعد سقوط دولة المرابطين بقليل (٣٣٣).
ورث الموحدون الأندلس من المرابطين، بما في ذلك الأسطول، وقد خضعت الأجزاء الغربية والوسطى للموحدين بسهولة، وبقي شرقي الأندلس يعارض الانضمام إلى المغرب. فقامت فيه إمارات بحرية مستقلة: أولاها إمارة المرية والتي أصبحت قاعدة بحرية لمهاجمة شواطئ إسبانيا الشمالية وإيطاليا وفرنسا، ونظرًا لخطورتها هذه سيطرت عليها الأساطيل والجيوش الإسبانية والأوروبية عام ٥٤٢ هـ وأصبحت تحت سيطرة الفونسو السابع (السليطين)، إلا أن الموحدين أعادوا المرية إلى حوزتهم عام ٥٥٢ هـ (٣٣٤). وثانيهما إمارة بني غانية المرابطية التي استقلت في الجزائر الشرقية، وبقيت تقاوم الحكم الموحدي في الأندلس وشمالي إفريقية فترة طويلة كما وضحنا ذلك. ومع هذا فكثيرًا ما قامت هذه الإمارة بمهاجمة سواحل قطلونية وجنوبي فرنسا، كما كانت تربطهم بمدن جنوه وبيزا علاقات تجارية طيبة، وفي الوقت نفسه كانوا يهادون الموحدين دفعًا لخطرهم، إلى أن خضعت هذه الجزر لسلطة الموحدين عام ٥٩٩ هـ (٣٣٥).
وعزز الخليفة الموحدي الأول عبد المؤمن بن علي (٥٢٤ - ٥٥٨ هـ) سيطرة أسطوله على مضيق جبل طارق من أجل تأمين عبور أساطيله باستمرار بين المغرب والأندلس، فبنى مدينة الفتح على سفح جبل طارق عام ٥٥٥ هـ (٣٣٦). واهتم هذا الخليفة بتدريب شباب المغرب والأندلس على أعمال الفروسية، وتعلم السباحة وخوض المعارك البحرية، وأولى اهتمامًا كبيرًا بتدريبهم على ركوب السفن وكيفية قيادتها واستخدامها أثناء القتال (٣٣٧). واهتم بالأسطول كذلك الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) وأولاه عنايته، واستخدمه في ضرب أوكار القراصنة في غربي الأندلس أولًا، كما شاركت أساطيله في معارك الجهاد ضد مملكة البرتغال الإسبانية وقاد
_________________
(١) ينظر: ابن عذاري؛ البيان، ج ٤، ص ٦٨ - ابن أبي دينار؛ المؤنس، ص ٩٢ - العدوي، المجتمع المغربي، ص ٢٨٤ - السامرائي، علاقات، ص ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٢) أشباخ، تاريخ الأندلس، ج ١، ص ٢٣٤.
(٣) المراكشي، المعجب، ص ٣٤٤ - العبادي، دراسات، ص ٣٢١ - ٣٢٢.
(٤) المراكشي، المعجب، ص ٢٨٢ - ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة، ص ١٢٩ وما بعدها.
(٥) العبادي، دراسات، ص ٣٤٣.
[ ٤١٧ ]
الأسطول الموحدي غانم بن مردنيش ودمر بعض سفن البرتغاليين وذلك في عام ٥٧٥ هـ. وتبادل الطرفان النصر والهزيمة في حروب البحر، وقد أسر في إحداها غانم وأخوه أبو العلا وأطلقا بفدية كبيرة (٣٣٨). وأراد هذا الخليفة أن يقود الجيوش بنفسه لتأديب مملكة البرتغال فعبر إلى الأندلس وحاصر مدينة لشبونة برًا وبحرًا، ثم حاصر مدينة شنترين، إلا أنه أصيب بهزيمة منكرة، واستشهد على أثرها عام ٥٨٠ هـ (٣٣٩). ومن أشهر قادة أساطيله أمير البحر أبو العباس الصقلي، وعلي بن الربرتير اللذان قادا أساطيله في معارك الجهاد هذه (٣٤٠). وفي عهد الخليفة يعقوب المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) بدأ الأسطول البرتغالي بالتعاون مع الأساطيل الصليبية الأخرى الفرنسية والألمانية، بمهاجمة ثغور الأندلس الغربية وبخاصة مدينة شلب فسيطروا عليها عام ٥٨٥ هـ، مما زاد في حراجة أمر الأسطول الموحدي. واستطاع هذا الخليفة الرد على هذا الهجوم الصليبي بأن عبر بقواته إلى الأندلس وهاجم أساطيل البرتغال في غربي الأندلس وانتصر عليها وذلك في عام ٥٨٦ هـ، فاسترد مدينة شلب وقصر أبي دانس (٣٤١).
وفي عهد الخليفة الناصر (٥٩٥ - ٦١١ هـ) سيطرت الدولة الموحدية على الجزائر الشرقية عام ٥٩٩ هـ بعد إعداد حملة بحرية كبيرة خرجت من دانية بقيادة ابن عمه أبي العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، والتي أفلحت في هذه المهمة (٣٤٢). كما هاجم الأسطول الموحدي مملكة أرغون وأحرز على أساطيلها النصر وذلك عام ٦٠٧ هـ (٣٤٣).
وبعد هزيمة هذا الخليفة في معركة العقاب عام ٦٠٩ هـ، بدأت المدن الأندلسية تتساقط بأيدي الممالك الإسبانية، وبدأ بعض زعماء الأندلس بالاستقلال أمثال محمد بن يوسف بن هود في مرسية، ومحمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر في أرجونة وغرناطة.
وقد اعتمد ابن هود على الأسطول الأندلسي في هذه الفترة، وقد وضحنا كيف سيطر على سبتة ورباط الفتح وسلا في عدوة المغرب بعض الوقت. وبعد اغتيال ابن هود عام ٦٣٥ هـ، بدأت مملكة غرناطة في الظهور على مسرح الأحداث.
أما الممالك الإسبانية فقد سيطرت على قرطبة عام ٦٣٣ هـ، وعلى إشبيلية وقادس
_________________
(١) ينظر، ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة، ص ٢٣٢ - العبادي، دراسات، ص ٣٤٧ وما بعدها.
(٢) ابن أبي زرع، روض القرطاس، ص ١٤١ - أشباخ، تاريخ الأندلس، ج ٢، ص ٧٤.
(٣) ابن القطان، نظم الجمان، ص ٩٦ - العبادي، دراسات، ص ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٤) المراكشي، المعجب، ص ٣٥٦ - العبادي، دراسات، ص ٣٦٢ - ٣٦٤.
(٥) المراكشي، المعجب، ص ٣٩٤.
(٦) العبادي، دراسات، ص ٣٦٩.
[ ٤١٨ ]
عام ٦٤٦ هـ، فصار لهم منفذ إلى مضيق جبل طارق، كما سقطت بلنسية عام ٦٣٦ هـ، وجزيرة ميورقة عام ٦٢٧ هـ وجزيرة يابسة عام ٦٣٣ هـ وجزيرة منورقة عام ٦٨٦ هـ (٣٤٤)، وبقيت مملكة غرناطة فترة من الزمن تجاهد الإسبان إلى أن سقطت.
وملكت مملكة غرناطة ساحلًا طويلًا يمتد من المرية إلى مضيق جبل طارق والجزيرة الخضراء، مما جعلها تعتمد على أسطول قوي في مجاهدة الإسبان، كما جاهدتهم في البر. ومن قادة الأسطول الغرناطي المشهورين أسرة بني الرنداحي، وكذلك القائد الوزير أبو الحسن بن كماشة (٣٤٥). وفي أعوام ٧٠٦ هـ، ٧٠٧ هـ، ٧٠٨ هـ عمد السلطان محمد الثالث النصري (٧٠١ - ٧٠٨ هـ) إلى مهاجمة جزر البليار، كما ضربت أساطيله سواحل مملكة أرغون الإسبانية (٣٤٦). وأولت هذه الدولة رجال الأسطول برعايتها وأعطتهم أجورًا عالية (٣٤٧). وحرصت مملكة غرناطة باستمرار على أن يكون مضيق جبل طارق مفتوحًا أمام النجدات المغربية، وبعيدًا عن سيطرة الإسبان، كي يضل اتصالها بالعدوة المغربية مستمرًا. وقد أضطرت غرناطة إزاء هذا الأمر إلى التنازل للمغرب عن بعض قواعدها الجنوبية المطلة على المضيق مثل جبل طارق والجزيرة الخضراء وطريف، ويتولى المغرب مهمة الدفاع عن هذه القواعد. وقد أدركت الممالك الإسبانية أهمية هذا الأمر فحاولت فرض سيطرتها على المضيق واحتلال قواعده كي تحول دون وصول الإمدادات المغربية إلى الأندلس (٣٤٨).
النظم الاجتماعية:
خلال وبعد إتمام فتح الأندلس هاجرت أعداد كبيرة من المسلمين إليها، وكان أكثرهم من شمال إفريقية واستقروا في سائر أنحاء الأندلس. وليس من الصحيح أن المسلمين العرب استأثروا بأحسن النواحي في الأندلس (٣٤٩). وإذا وجد بأن بعض مسلمي البربر قد سكنوا بعض النواحي الجبلية، فإن هذا يتناسب مع ما اعتادوا عليه من
_________________
(١) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ٢، ص ٣١٨ - ٣١٩ - ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ص ٢٧٥ - ٢٧٧ - العبادي، دراسات، ص ٣٧٣ - ٣٧٥.
(٢) ابن خلدون، العبر، ج ٧، ص ٢٤٧ - ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ٢٠٠.
(٣) فرحات، غرناطة، ص ٩٦.
(٤) العبادي، دراسات، ص ٣٩٩.
(٥) ينظر، فرحات، غرناطة، ٩٦ - العبادي، دراسات، ص ٤٠٠ - ٤٠١.
(٦) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٧١ - مؤنس، فجر الأندلس، ص ١٢٨، ٣٨٨.
[ ٤١٩ ]
الشمال الإفريقي (٣٥٠). مع العلم بأن هناك نواحي سهلة خصبة سكنها مسلمون من البربر (٣٥١)، مع غيرهم من المسلمين مثل كورة فحص البلوط الواقعة شمالي قرطبة ومدينتها غافق، وكورة السهلة وحاضرتها شنتمرية (شنتمرية الشرق)، والتي كان بنو رزين البربر من سكانها (٣٥٢). وسكنها كذلك قبائل هوارة ومديونة البربرية، وتقع هذه الكورة بين سرقسطة وطليطلة والتي وصفت بالخصب (٣٥٣). كما كان من رجالات البربر الداخلين الأندلس في حملة طارق بن زياد ومنهم (رزين البرنسي) كانت له أراضٍ زراعية بجوار قرطبة اشتهرت بزراعة الزيتون، وقد اشتراها عبد الرحمن الداخل من ورثته (٣٥٤).
هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هناك أراضٍ في الشمال الإسباني كانت توصف بالخصب ووفرة الخيرات (٣٥٥).
وخلاصة القول: أن سكنى المسلمين في الأندلس من عرب وبربر كانت حسب الرغبة قياسًا لنوع الحياة السابقة وطبيعة الأرض التي اعتادوا عليها قبل العبور. فقد كانت الأرض الجبلية تناسب البربر لأنهم يرغبون سكنى الجبال والصحاري (٣٥٦). كما يلاحظ أن بعض العرب سكنوا الجبال، وبعض البربر سكنوا السهول. وهذا حسب ما يرغب كل فريق دون إجبار أو إكراه (٣٥٧). وسمي المسلمون الأوائل الذين عبروا مع موسى بطالعة موسى أو البلديين، وأغلبهم من القبائل اليمانية أصحاب الميل إلى التعمير والاستقرار، فقويت الصلات بينهم وبين الأرض وأهلها (٣٥٨). ثم تبعتهم هجرات عربية أخرى بقيادة بلج بن بشر القشيري ودخلت الأندلس عام ١٢٣ هـ بما يقارب عشرة آلاف وعرفوا بطالعة بلج أو الشاميين (٣٥٩). ثم الطالعة الثانية أو المسماة عسكر العافية التي رافقت الوالي أبا الخطار (١٢٥ - ١٢٧ هـ) (٣٦٠). وقد وزع هذا الوالي طالعة بلج على
_________________
(١) بدر، دراسات، ج ١، ص ٤٩ - ٥٠.
(٢) ينظر، ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، ص ٤٩٩ - ٥٠٢.
(٣) ابن سعيد، المغرب، ج ٢، ص ٤٢٧ - ابن حزم، جمهرة، ص ٥٠٠.
(٤) ابن الآبار، الحلة، ج ٢، ص ١٠٨ - ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ١٨١.
(٥) ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ٢٣٤ - المقري، نفح، ج ١، ص ٤٤٦ - ٤٦٨.
(٦) مؤنس، رحلة الأندلس، ٣٥١.
(٧) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٧، ص ٢٣.
(٨) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٣٧٠ وما بعدها، ص ٣٨٧ - الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ١٣٩.
(٩) مؤنس، فجر، ص ٢١٥ - ذنون، التنظيم الإجتماعي في الأندلس، ص ٢.
(١٠) مجهول، أخبار مجموعة، ص ٣٧ - ابن الأثير، الكامل، ج ٥، ص ٢٥١.
(١١) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٣٤.
[ ٤٢٠ ]
الكور والتي سميت بالكور المجندة (٣٦١).
وإذا عرفنا بأن ولاة الأندلس اهتموا بإدارة البلاد وتنظيمها مع حسن السياسة بالرعية، فلا بد أنهم اهتموا بنشر الإسلام والدعوة له بين الإسبان. ويجد الباحث أخبارًا لمثل هذا الأمر في عملية فتح الشمال الإفريقي حيث يرسل الدعاة والفقهاء بجانب الجيش الفاتح لشرح مبادئ الإسلام (٣٦٢). وربما نستدل من ذلك أن حملة طارق بن زياد إلى الأندلس ضمّت عددًا من الفقهاء مهمتهم تفقيه الجند ونشر الإسلام بين سكان المدن المفتوحة بجانب الجهاد في سبيل الله. ولعل الإثني عشر رجلًا من العرب في جيش طارق بن زياد هم الفقهاء (٣٦٣). كما أن جيش موسى الذي عبر به إلى الأندلس بأعداده (١٨ ألف) مقاتل فيهم صحابي واحد وهو المنيذر الإفريقي، وعدد من التابعين (٣٦٤). إن دور هؤلاء الفقهاء من التابعين -ما عدا الحربي- يدور حول تفقيه الناس أمور الإسلام وشرحه بيسر للإسبان الذين بدأوا يعتنقون الإسلام الذي أزال عنهم الحالة السيئة التي كانوا يعيشون بها قبل الفتح. وبجانب هدا الدور بنيت المساجد، فنرى موسى بن نصير يبني أول مسجد في الجزيرة الخضراء عرف بمسجد الرايات (٣٦٥).
كما أسس حنش بن عبد الله الضعاني -مهندس المساجد في الأندلس- مساجد مدن البيرة وقرطبة وسرقسطة وغيرها (٣٦٦). ومعروف لدينا في العصر الأول دور المسجد، الذي يتجاوز مراسيم العبادة، إلى دورِه العلمي والثقافي في نشر تعاليم الإسلام قبل ظهور المدارس.
كما وردت إشارة إلى المعلمين في عصر الولاة الذين يعلمون الصبيان قراءة القرآن، مما يدل على اهتمام واسع بنشر الإسلام (٣٦٧). وتخبرنا الروايات عن انتشار
_________________
(١) ينظر، ابن القوطية، تاريخ، ص ٢٠ - مجهول، أخبار مجموعة، ص ٤٦ - ابن الآبار، الحلة، ج ١، ص ٦١ - ٦٢ - ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ١٠٢ - ١٠٤ ذنون، التنظيم الإجتماعي، ص ٣.
(٢) الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ١٤٥.
(٣) المقري، نفح، ج ١، ص ٢٣٩.
(٤) ينظر، ابن الآبار، التكملة ترجمة رقم ١٨٤٧ - ابن الفرضي، تاريخ، ترجمة رقم ٣٨٣، رقم ٣٩١، رقم ٦٣٣، رقم ٩١٥ - ابن الكردبوس، تاريخ الأندلس، ص ٤٩.
(٥) العذري، نصوص، ص ١١٨ - الحميري، الروض المعطار، ص ٧٥.
(٦) ينظر، جذوة المقتبس ترجمة رقم ٤٠٣ - بغية الملتمس ترجمة رقم ٦٨٧ - العذري، نصوص، ص ٢٢ - ٢٣ - ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ٩٢.
(٧) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٦٨.
[ ٤٢١ ]
الإسلام المبكر في الأندلس وكثر اتباعه، فلما رغب الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) في نقل المسلمين من الأندلس، وشاور بذلك والي الأندلس السمح بن مالك الخولاني، تخلى عن هذه الفكرة عندما عرف بأن المسلمين قد كثروا في الأندلس وأنهم في قوة ومنعة (٣٦٨). كما تشير الروايات إلى أن الوالي عقبة بن الحجاج السلولي (١١٦ - ١٢١ هـ) كان عندما يؤسر الأعداء يعرض عليهم الإسلام، فأسلم على يديه ألفا رجل (٣٦٩).
ونظرًا لسماحة تعاليم الإسلام، وعدالة رجاله، أقبل الإسبان على الدخول في الإسلام، وقد رجحنا إسلام يوليان المبكر حاكم سبتة، كما أن الرواية العربية تشير إلى إسلام قسي الزعيم البشكنسي الذي ذهب إلى الشام وأسلم على يدي الوليد بن عبد الملك (٣٧٠). ومهدي بن مسلم، وهو من قدماء قضاة قرطبة، ومن أبناء المسالمة (الإسبان الذين دخلوا الإسلام، وأطلق على أولادهم لقب المولدين) أيام والي الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي، وكان من أهل العلم والورع (٣٧١). كما كان اختلاط الإسبان بالمسلمين بأساليب مختلفة ساعد على نشر الإسلام بين الإسبان، ومن هذه الأساليب: المصاهرات والتي بدأت مبكرة في عصر الولاة، ولدينا بعض الأمثلة تدل على هذه الظاهرة، فتخبرنا الروايات أنه لما اختلفت سارة القوطية بنت المند بن غيطشة (ملك القوط قبل لذريق) مع عمها أرطباس (٣٧٢)، ذهبت إلى الخليفة هشام بن عبد الملك تشكو ظلامتها من عمها فأنصفها. والظاهر أنها أسلمت ثم تزوجت في الشام من عيسى ابن مزاحم وقدما إلى الأندلس وسكنا مدينة إشبيلية (٣٧٣). وقد أنجبت سارة من عيسى: إبراهيم وإسحاق، ولما توفي عيسى عام ١٣٨ هـ تزوجها عُمير بن سعيد فولدت له حبيب (٣٧٤) كما تزوج والي الأندلس الأول عبد العزيز بن موسى من أيلة (Egiliona) أرملة لذريق آخر ملوك القوط، وتسميها الرواية العربية أم عاصم (٣٧٥). وبعض الروايات
_________________
(١) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٦ - ابن القوطية، تاريخ، ص ٣٩.
(٢) أيضًا، ج ٢، ص ٢٩ - المقري، نفح، ج ٣، ص ١٩.
(٣) ابن حزم، جمهرة، ص ٥٠٢ - الحجي، أندلسيات، ج ٢، ص ١١.
(٤) الخشني، قضاة قرطبة، ص ٩ - النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٢.
(٥) ينظر، مؤنس، فجر الأندلس، ص ٥٠٤.
(٦) المقري، نفح، ج ١، ص ٢٦٧ - الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ١٥٩ - ١٦٠.
(٧) ابن القوطية، تاريخ، ص ٣٠ - ٣٢.
(٨) مجهول، أخبار مجموعة، ص ٢٠ - ابن القوطية، تاريخ، ص ٣٧ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٣ - المقري، نفح، ج ١، ص ٢٨١.
[ ٤٢٢ ]
تجعلها ابنة لذريق، ويفهم من رواية ابن عذاري أنها بقيت على دينها (٣٧٦). ولكن يستبعد أن تبقى أم عاصم غير مسلمة، والأكثر قبولًا -إذا كان أمر هذا الزواج موثوقًا- أن زواجه بأرملة لذريق قد تم بعد إسلامها (٣٧٧). كما أشارت الروايات إلى أن أحد قواد الوالي وهو زياد بن نابغة التميمي تزوج إحدى بنات أمراء الإسبان أيضًا (٣٧٨). وربما حصل لكثير من رجالات الأندلس في هذا العصر أمثال هذه المصاهرات، إذا عرفنا أن فاتحي الأندلس دخلوها رجالًا دون نساء على العموم.
وحين بدأ عصر الإمارة عام ١٣٨ هـ كان الإسلام قد تثبتت أركانه بعد أن دخل الإسبان فيه، كما رأوا من سماحة الإسلام وحسن خلق أهله، ومن بقي على دينه (العجم أو المستعربون من النصارى) ارتضى حكم المسلمين، وقد أشاد الكثير من الباحثين الغربيين بسياسة الفتح العربي لإسبانيا وآثارها الاجتماعية التي حطمت سلطة الأشراف والطبقات العليا، وحسنت أحوال الطبقات الفقيرة (٣٧٩).
ومعنى هذا أن المجتمع الأندلسي في عصر الولاة أصبح يتألف من العرب (البلديون والشاميون) والبربر، والمسالمة المولدون والموالي (وهم موالي بني أمية من العرب والبربر وغيرهم) العجم أو المستعربون واليهود (٣٨٠). وقد عاشت جميع هذه الفئات تحت ظل راية الإسلام وتجمعها سماحة العرب في الحكم والنظم ببلد الأندلس، وساهمت في تطور نظمه الاجتماعية.
ومن الملاحظ أن الهجرات العربية إلى الأندلس انتهت بنهاية عصر الولاة، فلم يفد منهم إلى الأندلس بعد ذلك إلا أفراد أو بيوت أو جماعات قليلة. أما البربر فقد كان تيار هجرتهم متصلًا، بحكم الجوار أولًا، وبحكم الجاذبية الخاصة التي كانت للأندلس على بربر الشمال الإفريقي ثانيًا، ولأسباب سياسية وعسكرية ثالثًا (٣٨١).
_________________
(١) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٤.
(٢) الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ١٥٩.
(٣) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٣.
(٤) ينظر، عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٦٣ وما بعدها - الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ١٧١ - سالم، تاريخ المسلمين، ص ١٣٠.
(٥) عن هذه العناصر وتكويناتها ينظر، سالم، تاريخ المسلمين، ١١٩ وما بعدها - ذنون، التنظيم الاجتماعي ٢ وما بعدها.
(٦) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٣٧٩.
[ ٤٢٣ ]
أما عصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ، فقد حدثت فيه تطورات اجتماعية مهمة، ففترة التأسيس ١٣٨ - ١٧٢ هـ (عصر الداخل) وفترة التوطيد ١٧٢ - ٢٠٦ هـ (عصر هشام والحكم)، تميزت بعدة ظواهر اجتماعية منها: كسر شوكة الأرستقراطية العربية، التي بدأ بها الأمير الداخل، وأحل محلها وحدة اجتماعية تشمل عصبية القبائل، وقد استخدم أمراء هذه الفترة الموالي بكثرة، واستعانوا بأقوام أعجمية في الجيش وبخاصة الصقالبة الذين أكثر منهم الأمير الحكم كما وضحنا. وفي هذه الفترة أيضًا برزت فئة المولدين وأصبح لها كيانها ومكانتها في المجتمع الأندلسي. ولا شك أن وجود مثل هذه الفئة قد زاد من الأكثرية الملمة بالأندلس، وصبغ الحياة الإسبانية بصبغة أكثر إسلامية وعروبة (٣٨٢). ولكن في الوقت نفسه زاد تمرد المولدين في هذه الفترة مما أحرج مركز الإمارة وكلفها الكثير، فتمردوا في مدينة ماردة عام - ١٩٠ هـ وفي مدينة طليطلة عام ١٨١ هـ، أي إنهم تمركزوا في مناطق الثغور لمناعتها العسكرية، وقد اجتمعت هذه الحركات على التخلص من حكم قرطبة مع إجماعها على كره العرب (٣٨٣)، كتيار شعوبي.
ومن مظاهر هذا العصر ظهور شخصية المرأة في مجال الفن، وهذا بداية التأثير الحجازي على الأندلس. فقد استقدم الداخل بعض الجواري المدنيات وأسس لهن بالقصر دارًا عرفت بدار المدنيات، لأن أغلبهن كن في المدينة التي اشتهرت بفنون الموسيقى والغناء. وكان من هؤلاء المغنيات المدنيات: فضل وعلم والعجفاء. كما كانت الجارية قلم وأصلها إسبانية من سبي البشكنس، ولكنها أُدبت في المدينة، لها دور مميز في هذه الفترة وعملت في دار المغنيات مع صواحبها (٣٨٤). ويأتي بعدهما الثنائي الغنائي الحجازي (علون وزرقون) في عهد الأمير الحكم (٣٨٥).
وشهدت الأندلس في هذه الفترة بداية الترف الاجتماعي المتمثل في بناء المنيات (قصور ريفية) خارج قرطبة كقصر الرصافة الذي بناه الداخل على سفح جبل قرطبة، وكذلك القصر الذي بناه ابنه عبد الله في مدينة بلنسية وأطلق عليه إسم الرصافة أيضًا (٣٨٦). وقد حرص الداخل على جعل قرطبة صورة من دمشق في منازلها البيضاء
_________________
(١) هيكل، الأدب الأندلسي، ص ٧٦.
(٢) بدر، دراسات، ج ١، ص ١٣٠ وما بعدها.
(٣) المقري، نفح، ج ٢، ص ١١٨ - كحالة، أعلام النساء، ج ٤، ص ٢١٩.
(٤) أيضًا، ج ٣، ص ١٣٠ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ٨٦.
(٥) بدر، دراسات، ج ١، ص ١٥٨.
[ ٤٢٤ ]
ذات الأحواش الداخلية المزينة بالأزهار والورد ونافورات المياه، واشتهر الداخل بأنه كان يرسل بعض رجاله إلى المشرق لجلب أشجار الفاكهة من بلاد الشام (٣٨٧). وقد أدى هذا الاستقرار الاجتماعي إلى أن يفتح المجتمع الأندلسي عيونه على بواكير الحضارة المشرقية (٣٨٨).
وفي فترة الازدهار ٢٠٦ - ٢٧٣ هـ، تقدمت الأندلس في مجال الرقي الاجتماعي والحضاري، وقد ساعد على هذا رغبة أمراء هذه الفترة في الإصلاح والانفتاح أولًا، كما ساعد عليه كذلك ازدهار اقتصاديات الأندلس ثانيًا. وقد أدى هذا الازدهار الاقتصادي إلى بروز مظاهر الترف والرفاه في حياة الأمراء وأقرانهم من أثرياء المجتمع الأندلسي على الأقل. ويتمثل هذا الترف في فتح أبواب الأندلس لتجارة العراق، فدخلته البضائع العراقية كالملابس وأدوات الزينة، وتذكر لنا بعض الروايات أن الأمير عبد الرحمن الأوسط اشترى من أحد التجار عقدًا كان للسيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد بمبلغ عشرة آلاف دينار، وأهداه إلى زوجته (٣٨٩). وبالإضافة إلى مظاهر العيش الواسع للأمراء وكبار رجال الدولة الذي وفرته الأموال التي حصل عليها أفراد المجتمع الأندلسي، وانعكس هذا على شراء الجواري المشرقيات الحاذقات بالأدب وفنون الغناء كجواري الأمير عبد الرحمن الأوسط اللواتي جلبهن من بغداد (٣٩٠). وانعكس أيضًا على بناء عدة منى (جمع منية) وهي عبارة عن قصر ريفي في ضواحي المدينة ضمن حدائق غناء (٣٩١). كما جاءت هجرة زرياب إلى الأندلس عام ٢٠٦ هـ فأحدث في مجتمعها تغييرًا كبيرًا بما أدخله من عادات جديدة، وبما أشاعه من تقاليد راقية، وبما بعثه في المجتمع الأندلسي من روح التأنق والتجمل، بالإضافة إلى إشاعة الموسيقى والغناء وتأسيس أول مدرسة أندلسية لهذين الفنين (٣٩٢).
_________________
(١) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٣٧ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٦٠ - العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣١٨.
(٢) هيكل، الأدب الأندلسي، ص ٧٧.
(٣) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٩١.
(٤) المقري، نفح، ج ١، ١٣٦ - ج ٤، ص ١٣٦.
(٥) السامرائي، " أثر العراق الحضاري "، ص ١٣.
(٦) ينظر، ابن حيان، المقتبس، ج ٢، ص ٨٧ - المقري، نفح، ج ٤، ص ١١٨ - بروفنسال، حضارة العرب في الأندلس، ص ٤٨ وما بعدها - لين بول، قصة العرب في إسبانيا، ص ٧٩ - الحجي، تاريخ الموسيقى الأندلسية، ص ٣٣ وما بعدها.
[ ٤٢٥ ]
ولقد كان من نتائج وفود زرياب وانتشار مستحدثاته الاجتماعية والفنية أن شاع في المجتمع الأندلسي حب الترف والتأنق والأخذ بمتع الحياة، كما شاع كذلك الشغف بالموسيقى والتعلق بالغناء، والتورط أحيانًا في اللهو والمجون. وقد ساعد على ذلك تحرر بعض الأمراء في هذه الفترة، مع وفرة الأموال، وانتشار الكروم والترخص في عصر الأنبذة وشربها، ثم كثرة القيان من مشرقيات وإسبانيات، مع وفرة الغلمان وخاصة من الصقالبة (٣٩٣). ومما لا شك فيه أن هذا الأمر قد أدى إلى نوع من التحلل الاجتماعي وبعض الشرور التي أصابت الإمارة في هذه الفترة.
نتيجة الانفتاح الفكري والاجتماعي الأندلسي على المشرق في هذه الفترة، هبت التيارات المشرقية إلى الأندلس وأثرت في عقلية شعبها. ونرى هناك ظاهرة إقبال الإسبان في هذه الفترة على تعلم اللغة العربية وآدابها وتقليد عرب الأندلس في عاداتهم من مأكل وملبس وأمور اجتماعية أخرى. إزاء هذا الأمر كان لبعض رجال الدين الإسبان موقفٌ مُعادٍ لهذا التيار، أطنبت الروايات الغربية في ذكرها. هذا الموقف تصفه هذه الروايات بظاهرة الاستشهاد أو الانتحار الديني، وانحصرت أهداف هذه الظاهرة التي قامت منذ عام ٢٣٥ هـ وإلى عام ٢٤٤ هـ في محورين: الأول - محاولة إعادة بعض من أسلم حديثًا إلى دينه القديم من جديد، والثاني: الطعن بالإسلام ومبادئه وشتم رسول الله علنًا في المساجد والساحات العامة. وقد عالجت حكومة قرطبة هذه الظاهرة بحكمة وحنكة فزال خطرها بعد حين (٣٩٤).
وفي فترة الحرب الأهلية ٢٧٥ - ٣٠٠ هـ، ساد المجتمع الأندلسي نوع من الاضطراب بسبب اشتعال نواحي الأندلس بحركات التمرد والتي قاد معظمها المولدون -الذين يحملون عناصر الكره للعرب باستمرار، وكان زعيمهم عمر بن حفصون- وغيرهم، والذين تعاونوا مع الممالك الإسبانية من أجل إسقاط الحكم العربي بالأندلس، فظهرت في المجتمع الأندلسي خلال هذه الفترة ظاهرة الزهد، وتزعمها بعض العلماء والفقهاء وحتى بعض أفراد البيت الأموي أمثال الزاهد أحمد بن معاوية الملقب بالقط، فرابطوا في الثغور احتجاجًا على روح التحلل والفساد التي سادت
_________________
(١) هيكل، الأدب الأندلسي، ص ١٢١ - ١٢٢ - ينظر، خالد الصوفي، تاريخ العرب في الأندلس (منشورات الجامعة الليبية)؛ ص ٢٢١ وما بعدها.
(٢) ينظر، لين بول، العرب في إسبانيا، ص ٢٨ وما بعدها - بيضون، الدولة العربية، ص ٢٤٤ وما بعدها - سالم، تاريخ المسلمين، ص ٢٤١ - ٢٤٢. Provençal، op. cit; p: ٢٥٥-٢٣٩
[ ٤٢٦ ]
المجتمع الأندلسي (٣٩٥). كما أن حالة الفوضى التي عمت بلد الأندلس خلال هذه الفترة دفعت بعض النفوس إلى طلب الطمأنينة والبحث عن الأُنس في مجلس غناء أو حلقة سماع أو جماعة ندمان، هروبًا من الحالة المتردية التي يعيشها المجتمع الأندلسي (٣٩٦).
بالإضافة إلى أن حالة التحضر الاجتماعي بقيت مستمرة في المجتمع الأندلسي خلال هذه الفترة، حتى في حالة اضطراب الحالة السياسية. وكان من المظاهر الاجتماعية لهذه الفترة تمزق المجتمع الأندلسي وانفصام عرى الوحدة بين أبنائه فنرى تكتل العرب في جهة، والإسبان تكتلوا أيضًا وكذلك البربر والمولدون، فبرزت فيهم زعامات تؤيد الفرقة وتذكي نار العنصرية (٣٩٧).
إلا أن هذا الأمر حسم في عصر الخلافة ٣٠٠ - ٤٢٢ هـ فقد استطاع عبد الرحمن الناصر أن يعيد إلى العرب في الأندلس وحدتهم، فقضى على كل الزعامات، وبرزت بصورة واضحة ظاهرة القومية الأندلسية.
فإذن الظاهرة الاجتماعية الأولى التي يمكن ملاحظتها هي وحدة المجتمع العربي في الأندلس، ومن ثم انصراف سكانه إلى العمل بجد ونشاط، فتكاثرت الأموال سواء للدولة أو للأفراد. مما أدى إلى أن يتأنق الأندلسيون حكامًا وشعبًا في البناء. فبنى الناصر مدينة الزهراء ومدينة المرية وغيرها، وقد أطنبت الروايات التاريخية في وصف هذه المدن (٣٩٨). كما وصلت العاصمة قرطبة في هذه الفترة إلى أوج جمالها وأناقتها فازدحمت بالقصور والحدائق الغناء والنافورات الكثيرة والحمامات الوفيرة وغيرها (٣٩٩).
ومما يشير إلى الرخاء الاقتصادي في عصر الخلافة، تلك الهدايا الثمينة التي قدمها الوزراء إلى الناصر والحكم المستنصر، فهدية الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد عام ٣٢٧ هـ إلى الخليفة الناصر وهدية الحاجب جعفر المصحفي إلى الخليفة الحكم المستنصر، تعتبران من أشهر الحوادث الاجتماعية في هذا العصر، وتدلان على رفاء المجتمع الأندلسي أيضًا (٤٠٠)، على الرغم من وضوح ظاهرة الاستغلال في جمعها.
_________________
(١) ينظر، بدر، دراسات، ج ١، ص ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢) ينظر، ابن حيان، المقتبس، ج ٣، الخاص بعصر الأمير عبد الله، ففيه نماذج بمثل هذه الأمور.
(٣) هيكل، الأدب الأندلسي، ص ١٢٢، ١٨١ - ١٨٢.
(٤) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٣١ - نجلة العزي، مدينة الزهراء.
(٥) سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٩ وما بعدها - سالم، تاريخ المسلمين، ص ٢٩٢ وما بعدها.
(٦) ينظر، ابن خلدون، العبر، ج ٤، ص ١٣٨، ص ١٤٤ - عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٤٦٠، ص ٥١٢.
[ ٤٢٧ ]
ويلاحظ في فترة الخلافة أيضًا علاقات المصاهرة مع الإسبان ويروى أن الخليفة الناصر كان حفيد سيدة نافارية، وكان هو نفسه ابن جارية إسبانية تسمى مزنة (٤٠١). وأطرف ما في الأمر أن طوطة (Toda) الملكة الوصية على عرش النافار (توفيت عام ٣٤٩ هـ) كانت عمة الناصر من جهة الأمومة كما تذكر بعض الروايات اللاتينية (٤٠٢). والخليفة الحكم المستنصر تزوج من امرأة نافارية وهي صبح (أم الخليفة هشام المؤيد)، وهي التي ساعدت الحاجب المنصور على تمكنه من السلطة من الأندلس (٤٠٣).
كما كانت هناك علاقات مصاهرة بين أسرة بني قسي المولدة حكام الثغر الأعلى وبين حكام النافار في الشمال الإسباني (٤٠٤). وبطبيعة الحال فإن الأمر ينعكس على عامة الشعب، وبخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار حالة الجهاد المستمرة في هذه الفترة مع الممالك الإسبانية فيقع الكثير من الأسرى بيد المسلمين.
وفي فترة الحجابة تزوج الحاجب المنصور من تريسا إبنة برمودة الثاني ملك ليون (٤٠٥). ومن ثم تزوج من إبنة شانجة الثاني بن غرسية ملك النافار والمسماة عبدة، وكانت من خيرة نسائه دينًا وجمالًا وكان ولده عبد الرحمن (شنجول) لقب على هذا الأساس تصغيرًا لإسم جده لأمه شانجة (٤٠٦).
وحفل عصر الحجابة بالمنشآت العمرانية كمدينة الزاهرة ذات القصور المنيفة والحدائق الغناء. ومن ثم ابتنى إلى جانبها مدينة جميلة ذات قصر وحدائق رائعة وكان يرتادها للنزهة وسماها العامرية، كما اشتهر ببناء القناطر وغيرها (٤٠٧).
كما عرف عصره بمجالس الأنس والراحة، وكان للحاجب المنصور مثل هذه المجالس، وكان يشاركه وزرائه في رحلات أنس في نهر الوادي الكبير (٤٠٨). ووصف
_________________
(١) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٥٦.
(٢) الحجي، أندلسيات، ج ١، ص ٨٣ - ٨٤ - Provençal، op. cit، I، P: ٣٩٢
(٣) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٥٣ - ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ١٩٤.
(٤) ينظر، السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٣٤٠ وما بعدها.
(٥) الحجي، أندلسيات، ج ١، ص ٧٩.
(٦) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ٣٨ - ابن الخطيب، أعمال، ص ٦٦، ص ٧٣ - عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٥٨٣.
(٧) ينظر، البيان، ج ٢، ص ٢٨٧ - ٢٨٨، ص ٢٩٩ - عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٥٧٥.
(٨) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٩٩.
[ ٤٢٨ ]
بمعاقرة الخمر، ولازمته هذه الصفة طوال حياته (٤٠٩). وربما نميل إلى أنها من التهم التي ألصقت به. وبسبب حملات الجهاد الكثيرة التي قادها الحاجب المنصور والتي تكلل معظمها بالنصر، فقد امتلأت الأندلس في عصره بالغنائم والسبي من بنات الإسبان، فأقبل الناس على الزواج من الإسبانيات تاركين بنات الأحرار، فكان الرجل صاحب البنت يغالي في تجهيز بنته من أجل الإقبال على الزواج منها (٤١٠).
وهكذا عادت إلى المجتمع الأندلسي في فترة الحجابة بعض الأمراض الاجتماعية التي كان قد برئ منها في عصر الخلافة. فقد أدى استخدام الحاجب المنصور للمرتزقة من البربر والصقالبة ومسيحيي الإسبان، إلى نوع من الانفصال بين الشعب والجيش، وأحيانًا إلى وجود الكراهية بينهما. كما أن سلوك الحاجب المنصور في الوصول إلى السلطة، قد أدى إلى تفشي روح الطمع، وشيوع التطلع إلى الغلبة، هذا بالإضافة إلى مجالس اللهو والشرب التي ولع بها الحاجب المنصور مع ظهوره بمظهر المتعصب للدين والحامي لمبادئه (٤١١).
وازداد تفكك المجتمع الأندلسي خلال فترة الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، وساد الاضطراب والقلق عامة الناس بسبب الصراعات السياسية المريرة، واختلف الناس في مشاربهم من أجل التخلص من هذا الوضع المضطرب، فمنهم من غرق في الملذات أمثال محمد بن هشام بن عبد الجبار الذي وصف بالخلاعة والمجون (٤١٢).
ومنهم من يميل إلى العزلة، ومنهم من جارى الأحداث ودخل في معترك الفتنة وذاق خيرها وشرها (٤١٣).
ثم سقطت الخلافة الأندلسية عام ٤٢٢ هـ وقام بالأندلس عصر الطوائف فاهتز المجتمع الأندلسي المتعدد الأجناس والذي يتألف من العرب والبربر والصقالبة والمستعربين وغيرهم. فمع انتشار القلق الاجتماعي وشيوع الاضطراب والعنف، تشكلت التكتلات العرقية فأصبحت الوسيلة الوحيدة للحصول على الأمن، فقامت
_________________
(١) عنان، دولة الإسلام؛ ج ٢، ص ٥٧٨ - هيكل، الأدب الأندلسي- ص ٢٦٨.
(٢) ينظر، المراكشي، المعجب، ص ٨٤.
(٣) ينظر، هيكل، الأدب الأندلسي، ص ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٤) ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ٧٩ - ٨٠.
(٥) ينظر، هيكل، الأدب الأندلسي، ص ٣٤٨ - ٣٤٩.
[ ٤٢٩ ]
إمارات الطوائف المعروفة. وامتاز هذا العصر بالحروب المستمرة بين أمراء الطوائف، وحتى بين الإمارات ذات الأصل الواحد (٤١٤). وكان الجشع الفردي والحرص على الكسب وإيثار المصلحة الشخصية عوامل تطغى أحيانًا على جميع الاعتبارات الأخرى في هذه الفترة، وأحيانًا داخل الإمارة نفسها (٤١٥).
وأفرز هذا الوضع السياسي للأندلس، وجود طبقة الخاصة التي كبرت وتنوعت في كل بلاط من بلاطات أمراء الطوائف، وهناك الطبقة العامة. وتخلل هذا العصر وجود طبقة واعية أدركت مصير الأندلس وما وصل إليه من تفكك، فجابت بلاد الأندلس تدعو إلى الوحدة ولمّ الشمل ومن أبرز زعماء هذه الطبقة ابن حزم وأبو الوليد الباجي (٤١٦).
وقد قاسى الشعب الأندلسي في ظل حكم أمراء الطوائف الأمرّين. فبجانب الفتن الداخلية، قاسى الشعب من جشع ملوك الطوائف الذين جعلوا من إماراتهم ضياعًا خاصة وجعلوا رعاياهم عبيدًا، ينهبون أموالهم، وثمار كدهم، إرضاءً لشهواتهم في إنشاء القصور الباذخة، واقتناء الجواري والعبيد، والانهماك في حياة الترف، هذا بالإضافة إلى دفع الإتاوات إلى ملوك الإسبان والارتماء في أحضانهم من أجل البقاء والمحافظة على كرسي مهزوز، فأصيب الشعب بخيبة أمل مريرة (٤١٧)، وساد التمزق النفسي في المجتمع الأندلسي وعلت أصوات الرحيل عن الأندلس، وبخاصة بعد سيطرة النورمان على مدينة بربشتر عام ٤٥٦ هـ، وسيطرة ألفونسو السادس على طليطلة عام ٤٧٨ هـ (٤١٨). وبرزت في هذا العصر عصابات الأشرار التي قادها الكمبيادور وغيره والتي عاثت في بلد الأندلس فسادًا، كما ظهرت مجموعة من الشخصيات القلقة المغامرة التي قدمت خدماتها لأي أمير تلقى عنده العون والتأييد، أمثال شخصية الشاعر ابن عمار وزير المعتمد بن عباد، وبعض الفقهاء الذين أوقع عليهم بعض المؤرخين مسؤولية تضييع الأندلس (٤١٩).
وكان أكثر ملوك الطوائف يتسمون بضعف الإيمان والعقيدة، والاستهتار بأحكام
_________________
(١) ينظر، محمد بن عبود، التاريخ السياسي، ص ٣٠.
(٢) ينظر، كتاب التبيان، ص ٩٠، ص ٩٥، ص ١٠٦ وما بعدها.
(٣) ينظر، السامرائي " الدعوة إلى توحيد الأندلس "، ص ٨٢ وما بعدها.
(٤) إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص ٣٩، ص ٤١.
(٥) ينظر، السامرائي، علاقات، ص ٤٧ - ٤٨.
(٦) إحسان عباس، الأدب الأندلسي، ص ٣٤، ص ٣٧.
[ ٤٣٠ ]
الدين، وهو ما سجله عليهم ابن حزم في كتاباته، وكانت قصورهم المترفة الأنيقة تزدان بمجالس الشعر والأدب، وتحفل في الوقت نفسه بمجالس الأنس والطرب، والنساء والغلمان والخمر (٤٢٠)، وهذه أمور شغلت حيزًا كبيرًا في آداب هذا العصر وشعره.
وكانت مجتمعات الطوائف المرهقة المنحلة تتأثر بهذه الروح الإباحية، وتميل إلى اقتناء المتعة المادية واللذة الحسية بمختلف ضروبها، وكان هذا الانحلال الشامل يجتاح يومئذ سائر طبقات المجتمع الأندلسي (٤٢١). ومع كل هذا فقد احتلت المرأة الأندلسية مكانة محترمة في عصر الطوائف، وألف فيها الأندلسيون الكتب مثل كتاب (طوق الحمامة في الألفة والأُلاّف) لابن حزم (٤٢٢). كما نالت نصيبها الوافر من العلوم والفنون والآداب (٤٢٣)، كولادة بنت الخليفة المستكفي مثلًا (٤٢٤).
وتمتعت الأندلس منذ انضوائها تحت سيادة المرابطين باستقرار سياسي وهدوء إجتماعي، فتحررت في ظل هذا العهد من كثير من المكوس والمغارم الظالمة التي فرضها ملوك الطوائف لإرضاء جشع ملوك الإسبان من جانب، وللإنفاق على قصورهم المترفة التي شهدت أنواع البذخ والإسراف (٤٢٥).
وقد شعر عامة الشعب الأندلسي في هذا العهد بنوع من التحسن المادي في حياته لأنهم انصرفوا إلى الأعمال السلمية، وإلى تحصيل أقواتهم في هدوء وسلام بينما حمل المرابطون مسؤولية الجهاد بالدرجة الأولى، وبذلك عم الرخاء والعيش الرغيد بلد الأندلس في عهد يوسف وإبنه علي (٤٢٦).
وليس من السهل بمكان تصور المكانة الاجتماعية للمرأة الأندلسية في العصر المرابطي، إذ أن الروايات التي أشارت لهذا الموضوع اهتمت فقط بمنزلة المرأة الصنهاجية والتي تمتعت بنصيب كبير من الحرية سمح لها بالتدخل في مناحي الحياة
_________________
(١) ينظر ابن عبدون، في القضاء والحسبة، ص ٤٧.
(٢) عنان، عصر الطوائف، ص ٤٢٤.
(٣) ينظر، الطاهر مكي، دراسات عن ابن حزم، ص ٢٢٤ وما بعدها.
(٤) سعد شلبي، البيئة الأندلسية، ص ٥٨.
(٥) المقري، نفح، ج ٥، ص ٣٣٦ وما بعدها - السامرائي، علاقات، ص ٤٥٩.
(٦) جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، ج ٥، ص ١٥٩ - ١٦١ - سعد شلبي، البيئة الأندلسية، ص ٥٤ - ٥٥.
(٧) ينظر، الحلل الموشية، ص ٥٩.
[ ٤٣١ ]
المختلفة (٤٢٧). وليس في هذه الروايات ما يوضح مقدار انعكاس ذلك على المرأة الأندلسية، فانتقال التقاليد والقيم الاجتماعية لا يتم بصورة سريعة، وإنما يتطلب وقتًا طويلًا لتقبل تلك الأمور واستساغتها (٤٢٨). ولكن يمكننا أن نستنتج من هذه الروايات منزلة المرأة وقيمتها الاجتماعية في الأندلس خلال هذه الفترة، فالقصائد المدبجة بمدحهن أو رثائهن تشير بلا شك إلى ما يكنه الرجل إتجاههن من ود واحترام، وتدل على ما كان لهن من سلطة واسعة في الحياة الإدارية (٤٢٩). ثم نحس بارتفاع صوتها الأدبي وحريتها في التعبير عن مشاعرها بصراحة في مجالس تعقدها مع شعراء العصر كالمجالس الني ذكرتها المصادر للشاعرة (نزهون الكلاعية) مع الشاعر الأعمى المخزومي (٤٣٠).
وكان الأندلسيون يحترمون المرأة ويقدرونها، سواء كانت زوجة أو جارية. فنستدل من تشددهم في بيع الجواري - بحيث يتطلب شرائهن حضور كاتب العقود وتبيان الأسباب المقنعة التي تطلب الجارية من أجلها بكل دقة (٤٣١)، على مدى تقديرهم للمرأة، وقد قوى المرابطون في الأندلس الشعور باحترام المرأة ربة الدار ومحاربة الكثير من وسائل اللهو والمجون التي سادت في عصر الطوائف، وذلك طبقًا لما يقتضيه المثل الأعلى البربري الذي ظل متعلقًا بنظام إجتماعي أولي يقوم على الأمومة أولًا، وتشدد المرابطون في تطبيق مبادئ الإسلام ثانيًا (٤٣٢).
كما أن بعض الأحداث السياسية دفعت يوسف بن تاشفين أن يتبع سياسة مشددة ضد اليهود في الأندلس، وبخاصة يهود اليسانه (٤٣٣)، ولكن هذا لم يمنع من استخدام اليهود في أعمال الكتابة في الأندلس. فتشير بعض المصادر إلى أن والي غرناطة المرابطي (أبو عمر ينالة اللمتوني) كان له كاتب يهودي (٤٣٤). كما وجدت طائفة من اليهود في المغرب تزاول أعمالها نهارًا في المدن المغربية، وقد حرم عليهم أمير
_________________
(١) بروفنسال، الإسلام في المغرب والأندلس، ص ٢٩٩.
(٢) السعيد، الشعر في عهد المرابطين والموحدين، ص ٤٩.
(٣) إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص ٣١.
(٤) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ٤٢٤ - ٤٢٦.
(٥) حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج ٤، ص ٦٤٣.
(٦) السامرائى، علاقات، ص ٤٦١.
(٧) أشباخ، تاريخ الأندلس، ص ٤٨٢.
(٨) ابن عذاري، البيان، ج ٤، ص ٧٧.
[ ٤٣٢ ]
المسلمين علي بن يوسف المبيت فيها ليلًا، وذلك كإجراء وقائي من خطر اليهود (٤٣٥).
كما شهدت منطقة المغرب العربي في ظل المرابطين وفود طائفة جديدة من النصارى المعاهدين الذين غُرِّبوا من الأندلس عام ٥٢٠ هـ، وذلك نتيجة تعاون هؤلاء مع ألفونسو الأول المحارب ملك أرغون أثناء حملته المدمرة على الأندلس ٥١٩ هـ، وقد أفتى قاضي الجماعة أبو الوليد محمد بن رشد بتغريبهم ونفيهم إلى المغرب (٤٣٦).
ولا ينكر أن هذا التغريب لم يشمل جميع المعاهدين، كما أن أمراء المرابطين حرصوا على حسن الرعاية لهؤلاء سواء في الأندلس أو المغرب. فقد حصل أن معاهدي غرناطة رفعوا عريضة إلى علي بن يوسف ضد عاملها المرابطي (أبو عمر حفيد يوسف بن تاشفين) يحتجون فيها على سوء سيرته معهم، فاستدعاه علي إلى مراكش وأحاله إلى جلسة تحقيقية انتهت بالحكم عليه بالسجن (٤٣٧).
إزاء هذه الأحداث، أشارت بعض المراجع إلى أن أهل الذمة عاشوا مضطهدين في دولة المرابطين (٤٣٨). ولكن الأمر لا يعدو، وكما بيناه أعلاه، إلا احتياطات ضرورية للأمن، إضافة إلى أنّ اليهود والمسيحيين عملوا في جباية الأموال في ظل دولة المرابطين (٤٣٩).
ثم مال المرابطون إلى ألوان الترف بعد اختلاطهم بالأندلسيين واطلاعهم على أساليب الحياة في المدن الأندلسية، وبخاصة وأن عهد الطوائف عرف صورًا كثيرة من المجون والخلاعة (٤٤٠)، مما جعلهم يتأثرون بحياة الرفاهية والمتعة التي كان يحياها أبناء الأندلس (٤٤١). وقد استنكر محمد بن تومرت هذه الأحوال على المرابطين وحاربها بشتى الوسائل (٤٤٢).
ولما كان اللثام شعار المرابطين، فقد اتخذ بعض العامة وبخاصة في الأندلس اللثام
_________________
(١) عبد العواد، الحياة الإدارية، ص ٤١٤.
(٢) ابن الآبار، المعجم، ص ١٦٠ - سالم، قرطبة، ج ١، ص ١٤٤.
(٣) ميراندة، " علي بن يوسف "، ص ١٧٤ - ١٧٥.
(٤) ينظر، حتي، تاريخ العرب، ج ٢، ص ٦٤٦ - بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ج ٢، ص ١٨٨ - عبد البديع، الإسلام في إسبانية، ص ٣٤ - ٣٥.
(٥) أشباخ، تاريخ الأندلس، ج ٢، ص ٢٣٨.
(٦) أحمد ضيف، بلاغة العرب في الأندلس، ص ٤٣.
(٧) حسن أحمد محمود، قيام دولة المرابطين، ص ٤٢٢ - ٤٢٣.
(٨) السامرائي، علاقات، ص ٤٦٤.
[ ٤٣٣ ]
زيًا لهم تطاولًا على الناس وترفعًا (٤٤٣)، ومن هنا حتم ابن عبدون بأن اللثام لا بد أن يكون خاصًا بالصنهاجي أو اللمتوني أو اللمطي بالأندلس (٤٤٤).
وخلال الحكم المرابطي للأندلس تلوح لنا ظاهرة اجتماعية جديرة بالإشارة وهي ظاهرة المدجنين، أي الأندلسيين الذين بقوا في مدنهم تحت سيطرة الممالك الإسبانية.
هذه الممالك التي بدأت تسيطر على أهم قواعد الأندلس اعتبارًا من عام ٤٧٨ هـ حيث سيطر ألفونسو السادس على مدينة طليطلة واتخذها عاصمة لمملكته. وتلا هذا التاريخ سيطرة الإسبان على قواعد أندلسية خلال الحكم المرابطي. وقد تعرض هؤلاء المدجنون إلى الاضطهاد والتنصير والإفناء بعد انتصار المرابطين في معركة الزلاقة عام ٤٧٩ هـ. وبمرور الزمن تعرضت هذه الجماعات إلى الانحلال والانقراض بتوالي الأجيال، وانقطاع الصلة بمواطن العروبة والإسلام، فأخذوا يفقدون الكثير من أخلاقهم وتقاليدهم ولغتهم. ومع ذلك فقد ظلت بقايا قليلة منهم، رغم الإرهاب، محتفظة بعروبتها حتى أواخر القرن السادس عشر الميلادي (٤٤٥).
وانضوت الأندلس تحت الحكم الموحدي القائم على الدين أيضًا، فسادت حياة الجهاد والخشونة على البلاد في البداية، وكرس خلفاء الموحدين جهودهم في إشاعة الأمن والاستقرار في ولاياتهم. ولما بلغ الخليفة عبد المؤمن عودة بعض الناس إلى مجالس الغناء والطرب أصدر مرسومًا عام ٥٥٦ هـ إلى ولاته بمطاردة هؤلاء وإزالة المنكرات (٤٤٦). وسار على نهجه ولده أبو يعقوب يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) فنعمت الأندلس في عهده بالاستقرار والهدوء، ووصف هذا الخليفة بالتدين ورغبته في الجهاد (٤٤٧)، وتوفي متأثرًا بجراحه كما هو معروف. وفي عهد الخليفة المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) جاهر بالمذهب الظاهري وجعله المذهب الرسمي. وطارد علم الفروع، وحارب المذهب المالكي وعمل على إزالته من المغرب والأندلس (٤٤٨). وهذا الأمر رغم كونه عقائديًا، إلا أن له صفة إجتماعية تتعلق بمعتقدات الناس اليومية.
كما نشط هذا الخليفة بمطاردة مظاهر الفساد والفجور حتى أنه منع صنع الثياب
_________________
(١) إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص ٤٦.
(٢) ثلاث رسائل أندلسية، ص ٢٨.
(٣) بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٥٠٧ وما بعدها.
(٤) أبو رميلة، علاقات، ص ٤٣٠.
(٥) السعيد، الشعر في عهد المرابطين والموحدين، ص ٣١.
(٦) المراكشي، المعجب، ص ٣٥٤ - ٣٥٥.
[ ٤٣٤ ]
الحريرية (٤٤٩). وقد نال هذا الخليفة إعجاب عامة الناس وأنزلوه منزلة الأولياء وحاكوا حوله الأساطير، التي تعبر عن خيال العامة التي ازداد تعلقها بهذا الخليفة (٤٥٠). وبعد موت هذا الخليفة أخذت دولة الموحدين بالأفول، ولا سيما بعد معركة العقاب عام ٦٠٩ هـ. وتولى بعد الناصر ملوك ضعفاء لعبت بهم الأهواء وتجاسرت عليهم العامة، فأوجدت هذه الحالة نوعًا من القلق والتمزق النفسي في بلد الأندلس، فأكثر الشعراء من الشكوى، الشكوى من الدهر ومن الظلم ومن الفقر ومن الفساد (٤٥١). هذا بالإضافة إلى ميل ولاة الأمر إلى شراء الجواري وتعليمهن الغناء، فقد كان لدى (أبو علي بن يبقى) والي مالقة جارية علمها الغناء فطلبها منه أبو العلاء المأمون فلم يستجب لطلبه، فلما تولي المأمون الخلافة عام ٦٢٦ هـ أحضر إليه أبا علي وضرب عنقه في إشبيلية (٤٥٢).
وكان للمرأة مكانة مرموقة بالأندلس في عصر الموحدين، وهو استمرار للعصر السابق، ونستدل من آراء ابن رشد فيلسوف الموحدين علو المكانة التي وصلت إليها المرأة. فإبن رشد يرى أنه لا اختلاف بين الرجال والنساء في الطبع وإنما هو اختلاف في الكم، أي أن طبيعة النساء تشبه طبيعة الرجال، ولكن النساء أضعف من الرجال في الأعمال. فطالب بإفساح المجال للنساء بالعمل وإعطائهن حرية التفكير (٤٥٣). ولعل هذه النظرة هي التي شجعت الشعراء على رثاء زوجاتهم دون أي خجل، وخير مثال رثاء ابن جبير زوجته أم المجد بديوان شعر كامل (٤٥٤). وفي عصر الموحدين يلمع إسم الشاعرة حفصة الركونية، وأخريات غيرها (٤٥٥)، كن يقلن غزلًا صريحًا دون حرج أو خوف من عرف إجتماعي (٤٥٦).
وتزوج الخلفاء الموحدون من سبايا الإسبان، واعتبارًا من عهد الخليفة أبي يعقوب يوسف، ولهذا كان بعض أولاده وأولاد أولاده من هؤلاء الإسبانيات (٤٥٧). وتميز هذا
_________________
(١) عنان، عصر الموحدين، ص ١٤٢ - ينظر، أبو رميلة، علاقات، ص ٤٣١.
(٢) المقري، نفح، ج ٤، ص ٣٨٢ - السعيد، الشعر في عهد المرابطين، ص ٣٣.
(٣) السعيد، الشعر، ص ٢١٧ وما بعدها.
(٤) أبو رميلة - علاقات، ص ٤٣١.
(٥) أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج ٣، ص ٢٥٧.
(٦) عبد الله المراكشي، الذيل والتكملة، ج ٥، ص ٦٠٨.
(٧) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ٤٩١ وما بعدها - المقري، نفح، ج ١، ص ٢٩٢.
(٨) السعيد، الشعر، ص ٥١.
(٩) المراكشي، المعجب، ص ٣٣٦، ص ٤٠٤.
[ ٤٣٥ ]
العصر أيضًا بإسلام بعض أمراء الإسبان، وبخاصة من مملكة قشتالة، حيث لجأ إلى الموحدين وأعلن إسلامه وتسمى باسم (أبو زكريا) وأصبح قائدًا في الجيش الموحدي.
ووجد بالمقابل أن أحد أمراء الموحدين اعتنق المسيحية (٤٥٨). واضطهد خلفاء الموحدين يهود الأندلس، وخيرهم عبد المؤمن بن علي بين الموت أو الهجرة إلى الشمال الإسباني أو الإسلام. فأسلم منهم طائفة ولحقت أخرى بدار الحرب (الشمال الإسباني)، وشمل الأمر المسيحيين كذلك (٤٥٩). وهذا يدل على سياسة متعصبة تنافي سماحة تعاليم الإسلام وموقفه من أهل الذمة. كما أجبر الخليفة أبو يوسف يعقوب (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) يهود المغرب على التحلي بزي خاص، يميزهم عن غيرهم (٤٦٠). ومن الطبيعي أن ينسحب هذا الأمر على ولاية الأندلس الموحدية.
وعلى كل حال فإن النصارى في الأندلس كانوا أكثر حرية من اليهود، فلم يميزوا بلباس معين، كما أن الشعب الأندلسي يحس تجاههم بروابط عريقة لا يمكن أن يقارن بموقفه من اليهود (٤٦١).
وفي عصر مملكة غرناطة، فإن العناصر السكانية في المجتمع النصري تتألف من العرب والبربر وبعض الجاليات الإسلامية التي وصلت الأندلس قادمة من الهند وخراسان وإيران وسكنت ضواحي غرناطة (٤٦٢). وهذه العناصر تشكل طائفة المسلمين بالمملكة.
وسادت في هذه المملكة موجة الاعتزاز بالعروبة وبالانتماء إلى قبائلها وخصائصها (٤٦٣).
وحظي المسيحيون برعاية هذه المملكة وحمت الكثير من سكان الشمال الإسباني الذين لجأوا إليها واعتنق قسمٌ منهم الإسلام. كما سهلت هذه المملكة للمسيحيين الإسبان حرية التجارة (٤٦٤). وبالإضافة إلى هؤلاء وجد الأسرى الذين كثر وجودهم في مملكة غرناطة بسبب حروب الجهاد. وقسم من هؤلاء الأسرى اعتنق الإسلام فعرف هؤلاء بالمرتدين، وقد لاقوا الأمرين بعد سيطرة الإسبان على مدن هذه الدولة (٤٦٥).
_________________
(١) أبو رميلة، علاقات، ص ٤٦٣ - ٤٦٤.
(٢) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج ٥، ص ٢٨١.
(٣) المراكشي، المعجب، ص ٣٨٣.
(٤) السعيد، الشعر، ص ٥٣، ص ٥٨.
(٥) ينظر، ابن بطوطة، الرحلة، ج ٢، ص ٧٦٩.
(٦) ينظر، المقري، نفح، ج ١، ص ٤٤٧ - ج ٥، ص ٧، ص ١٦، ص ٤٧٩.
(٧) فرحات، غرناطة، ص ١٠٨، ص ١١٠.
(٨) أيضًا، ص ١١٢.
[ ٤٣٦ ]
ووجدت طائفة في مملكة غرناطة تسمى (الفكاكين) ومهمتها تسهيل تبادل الأسرى بين مملكة غرناطة والممالك الإسبانية، وقد عرف الفكاكون بالاستقامة والصدق وتمتعوا بثقة الطرفين، ونالوا أجورًا عالية بدل أتعابهم (٤٦٦).
وفي الوقت الذي استقبل فيه السلطان محمد الخامس عام ٧٦٦ هـ ثلاث مائة عائلة يهودية هربت من اضطهاد القشتاليين، مع لجوء يهود البليار وقطلونية إلى مملكة بني الأحمر، إلا أن بعض سلاطين بني الأحمر أجبروا اليهود على وضع شارة تميزهم عن المسلمين، ومنعوا من ركوب الجياد (٤٦٧)، ولقي هؤلاء اليهود الاضطهاد عندما سقطت مملكة غرناطة بيد الإسبان.
وكانت للمرأة مركز جيد في مجتمع غرناطة، وقد عرف هذا المجتمع عددًا منهن اشتهرن في ميادين الأدب والعلم والسياسة، ومثال على ذلك: مريم أم إسماعيل التي كانت محظية لدى يوسف الأول، وكان لها الدور البارز في خلع محمد الخامس.
وتزعمت الصراع على السلطة عائشة الحرة زوجة أبي الحسن علي بن الأحمر وخليلته ثريا، وهذا ما دفع بملك بني الأحمر إلى الهاوية. ومن النساء اللواتي اشتهرن في اللغة والأدب حمدونة بنت زياد وحفصة بنت الحاج الركونية، وأم الحسن بنت أبي جعفر الطنجالي التي لمع إسمها في حقلي الطب والأدب (٤٦٨).
وعلى الرغم من عدم الاستقرار السياسي في هذه المملكة فقد ظهرت فيها مجالس اللهو والترف حيث الشراب والرقص والغناء. ومعنى هذا أن المجتمع الغرناطي لم ينس حياة المرح حتى في أيام المحن، ولم تغمره الكآبة إلا عندما دق الإسبان أبواب غرناطة (٤٦٩).
وكان الطاعون الأسود الذي انطلق من آسيا الوسطى عام ٧٣٥ هـ ووصل إلى أوروبا مارًا ببلاد إيطاليا وفرنسا ومنها إلى إسكندنافيا في عام ٧٤٨ هـ، وصلت رياحه إلى البليار وبرشلونة وبلنسية والمرية في عام ٧٤٩ هـ، ثم انتقل إلى مالقة، فحصد آلاف الناس من سكان مملكة غرناطة، وبخاصة مدن غرناطة وبلش ومالقة. كما عرف المجتمع النصري
_________________
(١) فرحات، غرناطة، ص ١١٣ - ١١٤.
(٢) ينظر، ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٨٤ - المقري، نفح، ج ١، ص ٢٢٣ - فرحات، غرناطة، ص ١١٥ - ١١٦.
(٣) ينظر، المقري، نفح، ج ٤، ص ٣١٨ - فرحات، غرناطة، ص ١٢٢.
(٤) فرحات، غرناطة، ص ١٣٨ - ١٣٩.
[ ٤٣٧ ]
الاهتمام بالصحة العامة، واشتهر المارستان في غرناطة والذي بني في عهد السلطان محمد الخامس، وكان هذا البناء مؤلفًا من جناحين واحد للرجال وآخر للنساء وكل جناح يتألف من طبقتين. بينهما بهو كبير في وسطه بركة ماء تصب فيها النافورات (٤٧٠).
كما كانت رياضة الصيد وسباق الخيل ورمي الجريد من أهم أعمال التسلية في المجتمع النصري، ولعلها تمارين عسكرية مبسطة يتدرب عليها أفراد المجتمع الذي تتطلب ظروفه اليقظة والحذر والبسالة على الدوام (٤٧١).
النظم القضائية:
تعتبر خطة القضاء بالأندلس من أعظم الخطط عند الخاصة والعامة وذلك لتعلقها بأمور الدين، مع احترام ولاة الأمر فيها لهذه الخطة وتطبيقها على أنفسهم وحاشيتهم إذا اقتضى الأمر ذلك (٤٧٢).
وخلال عصر الولاة ٩٥ - ١٣٨ هـ كانت الأندلس في فترة قلقة تعتمد الجهاد في سبيل الله في الشمال الإسباني أو وراء جبال البرتات، بالإضافة إلى بعض الصراعات الداخلية. ومعنى هذا أن صفة الجندية كانت غالبة على أهلها. ولهذا سمي القاضي في هذه الفترة بقاضي الجند (٤٧٣). وهذا تقليد قضائي موجود في شمال إفريقية خلال هذه الفترة (٤٧٤).
وأشهر قضاة الجند المسلمين في الأندلس خلال عصر الولاة ثلاثة هم: القاضي مهدي بن أسلم، وهو من أبناء المسالمة، والقاضي عنترة بن فلاح والقاضي يحيى بن زيد التجيبي (٤٧٥). ومن خلال تراجم هؤلاء القضاة يتبين لنا ما يلي:
١ - إن بعضهم، القاضي يحيى بن زيد، على رواية إنه تولى قضاء الأندلس بأمر من الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) (٤٧٦). وفي رواية أخرى إن والي
_________________
(١) ينظر، فرحات، غرناطة، ص ١٣٤ - ١٣٥.
(٢) ينظر، ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٩٠ - المقري، نفح، ج ٧، ص ١٧٤.
(٣) ينظر، المقري، نفح، ج ١، ص ٢١٧ - الحجي، القضاء، ٢١١.
(٤) الخشني، قضاة قرطبة، ص ١٤.
(٥) ينظر، المالكي، رياض النفوس، ج ١، ص ٥٧ - الدباغ، معالم الإيمان، ج ١، ص ٢٠٢.
(٦) ينظر، الخشني، قضاة قرطبة، ص ٨ - ١٤ - النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٢ - ٤٣ - ابن الآبار، التكملة، ج ٢، ص ٧٣١.
(٧) النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٣ - الخشني، قضاة قرطبة، ص ١٤.
[ ٤٣٨ ]
إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي إلى الأندلس الوالي أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي (١٢٥ - ١٢٨ هـ) ووجه معه يحيى بن يزيد التجيبي قاضيًا (٤٧٧).
٢ - والي الأندلس هو الذي يعين قاضي الجند، كما هو حال القاضي مهدي بن أسلم الذي ولاه هذا المنصب والي الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي (١١٦ - ١٢١ هـ) (٤٧٨).
٣ - وصف جميع هؤلاء القضاة بالورع والتقوى، مع تميزهم بالتحري عن الحق، وإرجاعه إلى أهله، مع براعتهم في البلاغة والخطابة (٤٧٩).
٤ - كان هؤلاء القضاة يتقبلون النقد من الناس، ويصلحون أمورهم على ضوء هذا النقد، لأن القاضي يجب أن يكون صافي السريرة كورعه وتقواه في الظاهر، كما حصل للقاضي عنترة بن فلاح (٤٨٠).
٥ - وجد تقليد قضائي أندلسي خلال هذه الفترة بكتابة عهد تولية القاضي من قبل الوالي، ووجد أيضًا من باب إكرام القاضي أن القاضي نفسه كتب عهد التولية لنفسه كما حصل للقاضي مهدي بن أسلم (٤٨١). ومن خلال هذا العهد نرى:
أ - التلطف مع الخصوم والاستماع لكل ما يقولون، وهذا تقليد إسلامي منذ فجر الإسلام.
ب - تعقد مجالس القضاء في المسجد.
ج - وردت في العهد وظائف تابعة لمنصب القضاء وهي:
١ - وظيفة الفتيا والمشورة وأعوان القاضي (المعينون).
٢ - الشهود والمزكون (الذين يزكون حجج الخصوم).
٣ - الاستعانة بالقاضي إبراهيم بن حرب. ولا توجد لدينا معلومات عن هذا القاضي (٤٨٢)، لكن يبدو لنا أن هذا القاضي كان قاضي الجماعة في قرطبة، وأن مهدي
_________________
(١) الخشني، قضاة قرطبة، ص ١٤.
(٢) النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٢.
(٣) الخشني، قضاة قرطبة، ص ٩ - النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٣.
(٤) أيضًا، ص ١٣.
(٥) ينظر، الخشني، ص ٩ وما بعدها.
(٦) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٦٤٨.
[ ٤٣٩ ]
ابن أسلم والقضاة الآخرين كانوا قضاة الجند الذين يفصلون في أمر الجند في العاصمة أو عندما يخرجوا معهم في معارك الجهاد، ودليلنا على ذلك، أنه على الرغم من وضوح منصب قاضي الجماعة بقرطبة في عصر الإمارة (٤٨٣)، لكن بقي منصب قاضي الجند بقرطبة وتولاه محمد بن بشير (توفي عام ١٩٨ هـ) (٤٨٤).
٦ - واحترم الحكم العربي في الأندلس خلال هذه الفترة أهل الذمة من اليهود والمسيحيين، وجعل لهم الحرية الكاملة في اختيار قضائهم وفض المنازعات التي تقع بينهم بموجب قوانينهم الخاصة ولا تتدخل الدولة في أمورهم، ولهذا وجد اسم قاضي العجم أو القومس. وفي الحالات التي يقع فيها الخصام بين مسلم وذمي يقوم القاضي المسلم بفض المنازعات، ولذا يجلس هذا القاضي في رحبة المسجد لكي يتمكن أهل الذمة الوصول إليه بيسر (٤٨٥).
وفي عصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ، استقرت الدولة العربية في الأندلس وبدأت نظمها تظهر أكثر وضوحًا مما كانت عليه في عصر الولاة. ولذا نرى في هذا العصر الاهتمام بنظم القضاء، وقد سار عبد الرحمن الداخل وأولادهُ وأحفادهُ الذين حكموا الأندلس من بعده على اختيار القضاة الجيدين الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم.
ولهذا نرى من خلال كتب التاريخ التي تترجم حياة كل أمير أموي تشير إلى أهم قضاته (٤٨٦)، ونرى من خلال الكتب الأندلسية التي اهتمت بالقضاء أنها تروي حياة القاضي مشيرة إلى اسم الأمير الذي ولاه القضاء (٤٨٧).
ولنظام القضاء في هذا العصر عدة مميزات أهمها:
١ - قاضي العاصمة قرطبة يسمى قاضي القضاة أو قاضي الجماعة وكانت سلطته لا تتجاوز حدود الإقليم أو المدينة نفسها. وكان للمدن والأقاليم الأندلسية الأخرى قضاة لا علاقة لهم بقاضي الجماعة، ولكن أحيانًا كان الأمير يستشير قاضي الجماعة في تعيين
_________________
(١) الخشني، قضاة قرطبة (المقدمة ز).
(٢) النباهي، المرقبة العليا، ص ٢١.
(٣) ينظر، مؤنس، فجر الأندلس، ص ٤٤٧، ص ٥٢٦ - الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ١٤١، ص ١٥٨.
(٤) ينظر، ابن عذاري، ج ٢، ص ٤٨ وما بعدها - الخشني، قضاة قرطبة، ص ١٥ وما بعدها.
(٥) ينظر، النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٣ وما بعدها - الخشني، قضاة قرطبة، ص ١٥ وما بعدها.
[ ٤٤٠ ]
قضاة الأقاليم، وأحيانًا يقوم بمهمة التحقيق مع قضاة الإقليم عندما يكلفه الأمير بذلك (٤٨٨).
وقاضي الجماعة يقيم في العاصمة، وبقي منصب قاضي الجند الذي يرافق الجيوش في حلها وترحالها، وربما جمع المنصبان في شخص واحد كالقاضي يحيى بن زيد التجيبي فإنه كان قاضي الجماعة وقاضي العسكر لخروجه مع الأمير في الغزوات (٤٨٩).
٢ - ومن خلال دراسة نظام القضاء في عصر الإمارة، نرى إحجام عدد كبير من الفقهاء والعلماء على تولي خطة القضاء، وقد تذرعوا بحجج كثيرة للتخلص من تولي هذا المنصب، فمنهم من هرب بعد إجباره على تولي القضاء، ومنهم من تعرض للخطر بسبب امتناعه، لأن هذا الامتناع كان يغضب الأمير الأموي، الذي يوشك أن يفتك بهذا الرجل، ومنهم من مد عنقه لضربه بالسيف تحديًا لسلطة الأمير وامتناعًا عن قبول هذا المنصب. وأكثر الأحيان يخضع الأمير الأموي لرغبة الممتنع، ولكن يترجاه أن يشير عليه بمن يصلح أن يتولى هذا الأمر (٤٩٠).
٣ - من المعروف أن للقاضي راتبًا حددته له الدولة من بيت المال (٤٩١)، ولكن نرى في الأندلس أن بعض القضاة أمثال محمد بن إسحاق بن السليم كان يصيد السمك في نهر قرطبة ويقتات من ثمنها ولا يؤخذ رزقًا من الدولة (٤٩٢). ووجد من قضاة الأندلس من امتنع عن أخذ الأجور عن يوم العطل والجمع، وعن الأيام التي لم ينظر فيها للقضاء بسبب انشغاله بأمور أخرى أمثال القاضي سليمان بن أسود الغافقي، وعمر بن شراحيل المعافري وغيرهم، ومنهم من بقي على حاله لم يغيره المنصب أمثال القاضي محمد بن سلمة الذي بقي يسكن دارًا للإيجار (٤٩٣).
٤ - وجد في نظام القضاء الأندلسي خلال عصر الإمارة، نظام المناوبة على منصب
_________________
(١) الخشني، قضاة قرطبة، المقدمة ح.
(٢) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٦٤٥ - إبراهيم الدوري، عبد الرحمن الداخل، ص ٢٤٤.
(٣) ينظر، النباهي، المرقبة العليا؛ ص ١٢ وما بعدها.
(٤) ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج ١، ص ٢١٨.
(٥) ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ٢١٤ (هذا نموذج في عصر الخلافة ضربناه مثلًا للتدليل).
(٦) ينظر، الخشني، قضاة قرطبة، ص ٢٢ - ٧٣، ص ٩٥.
[ ٤٤١ ]
قاضي الجماعة بقرطبة، فيعطى عامًا لقاضي، وعامًا لقاضي آخر، وقد تناوب على هذا المنصب القاضي معاوية بن صالح الحضرمي والقاضي عمر بن شراحيل المعافري، وإذا نسي الأمير (وبخاصة في عصر الداخل) عملية المناوبة يذكره القاضي صاحب الدور بهذا الأمر (٤٩٤).
٥ - وعهد إلى القاضي بجانب منصبه الرسمي أعمالًا أخرى، فالأمير عبد الرحمن الداخل كلف القاضي معاوية بن صالح الحضرمي بأن يذهب إلى بلاد الشام لجلب أخته أم الأصبغ، وهو الذي جلب للأندلس بعض تحف أهل الشام منها الرمان والذي عرف فيما بعد بالرمان السفري (٤٩٥).
وبجانب القضاء تولى هذا القاضي أيضًا الصلاة في المسجد الجامع وكذلك الخروج في الجيش للجهاد في سبيل الله، حيث خرج هذا القاضي مع الأمير الداخل في غزوة سرقسطة التي حارب بها ابن الأعرابي. والقاضي الفرج بن كنانة الذي خرج مع القائد عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى الشمال الإسباني يمارس الجهاد ورابط هناك (٤٩٦).
٦ - ونرى من خلال دراستنا لنظام القضاء الأندلسي في عصر الإمارة، تميز القضاة بصفة الورع والتقوى والصلابة التي تصل أحيانًا إلى تحدي الأمير وحاشيته. فنرى مثلًا القاضي نصر بن طريف اليحصبي يقف بصلابة أمام الأمير عبد الرحمن الداخل حول قضية حبيب القرشي (٤٩٧). وكذلك القاضي المصعب بن عمران قاضي الأمير الحكم الذي حكم عدلًا في قضية ضيعة أحد أهالي جيان متحديًا الأمير وقريبه العباس بن عبد الملك الذي اغتصب هذه الضيعة (٤٩٨). وكذلك القاضي محمد بن بشير المعافري الذي تولى القضاء للأمير الحكم على شروط منها: أن أحكامه تطبق على الجميع من الأمير إلى حارس السوق. وبالفعل نفذ أحكامه على الأمير الحكم حول رحى القنطرة، ورفض كذلك شهادة الأمير الحكم في قضية سعيد الخير بن الأمير عبد الرحمن الداخل (عم
_________________
(١) أيضًا، ص ٢٢.
(٢) أيضًا، ص ١٧.
(٣) ينظر، الخشني، قضاة قرطبة، ص ١٧ - ١٨، ص ٩١ - المرقبة العليا، ص ٥٤.
(٤) النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٤.
(٥) أيضًا، ص ٤٦ - الخشني، قضاة قرطبة، ص ٢٦.
[ ٤٤٢ ]
الأمير الحكم) (٤٩٩).
وكان الموقف الصلب الذي وقفه القاضي سليمان بن الأسود الغافقي في وجه الأمير محمد والي ماردة، في عهد أبيه الأمير عبد الرحمن، في قضية الجارية التي تعود لليهودي، هذا الموقف هو الذي دفع الأمير محمد عندما تولى الحكم أن يعين هذا القاضي، قاضيًا للجماعة بقرطبة (٥٠٠).
٧ - كان قضاة الأندلس، وبالذات قاضي الجماعة، إذا أشكل عليهم أمرٌ قضائي أو فقهي، استعانوا برأي زملائهم قضاة المشرق، وهذا يدل بوضوح على الصلات الفكرية المتصلة التي تتجاوز الخلافات السياسية. فنرى القاضي يحيى بن معمر قاضي الأمير عبد الرحمن الداخل إذا أشكل عليه أمرٌ كتب به إلى القاضي أصبغ بن الفرج وزملائه في مصر. وكذلك القاضي محمد بن بشير المعافري قاضي الأمير الحكم إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى القاضي عبد الرحمن بن القاسم. هذا بالإضافة إلى رحلة بعضهم إلى المشرق بنفسه كرحلة القاضي عامر بن معاوية قاضي الأمير المنذر (٥٠١).
٨ - من المعروف لدينا، أن علماء الأندلس عمومًا كانوا يشدون الرحال إلى المشرق للتزود بالعلوم ومن ثم الرجوع إلى الأندلس لينشروها في ربوع بلادهم. ولكن وجد لدينا ومن خلال دراسة نظام القضاء في عصر الإمارة، ونظرًا للمكانة الجليلة التي وصل إليها قاضي الجماعة في قرطبة، أن علماء من المشرق رحلوا على الأندلس، وأخذوا منه العلم، أمثال القاضي معاوية بن صالح الحضرمي الذي رحل إليه زيد بن الحباب من الكوفة فسمع منه بالأندلس حديثًا كثيرًا (٥٠٢).
٩ - وجد خلال دراستنا للقضاء في هذا العصر تهاون بعض القضاة في أحكامهم مما دفع الأمراء إلى عزلهم والاستغناء عن خدماتهم، وهذا التهاون تراوح بين الاستعجال في الأحكام مثل القاضي معاذ بن عثمان الشعباني (٥٠٣)، أو التهاون في إقامة حد شرعي، كتهاون القاضي محمد بن زياد اللخمي في سفك دم ابن أخ عجب حظية
_________________
(١) النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٨ - ٤٩ - الخشني، قضاة قرطبة، ص ٢٩.
(٢) ينظر، أيضًا، ص ٥٦ - ٥٧ - أيضًا، ص ٧٣.
(٣) ينظر، النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٥، ص ٤٨ - الخشني، قضاة قرطبة، ص ٣٥، ص ٩٠.
(٤) النباهي، المرقبة العليا، ص ٤٣.
(٥) النباهي، المرقبة العليا، ص ٥٥.
[ ٤٤٣ ]
الأمير الحكم الذي اتهم بالزندقة (٥٠٤).
١٠ - ويبدو كذلك، أن نظام القضاء في الأندلس واعتبارًا من عصر الإمارة كان مكتمل الجوانب، فهناك مجلس الشورى أو المشاورة الذي يجمعه الأمير في أمر جلل، ويشمل قاضي الجماعة وفقهاء الأندلس وسمي هذا المجلس بالأندلس بـ (مجلس النشمة)، هذا المجلس هو الذي نظر في قضية ابن أخ عجب المارة الذكر (٥٠٥). وكان كذلك للقاضي أعوان يسمون بـ (أعوان القاضي) وهم الذين يستدعون الخصوم إلى مجلس القضاء في المسجد الجامع (٥٠٦).
وهم الذين يسمون أيضًا بـ (القَوَمة)، وهناك الأمناء الذين يعتمد عليهم القاضي وهم الذين يشرفون على التركات والودائع (٥٠٧). كما كان للقاضي كاتب، كما وجد السجن لمعاقبة المخالفين. وهناك صاحب الوثائق الذي يقدم وثائق الدعاوى لكي ينظر فيها القاضي (٥٠٨).
وفي عصر الخلافة ٣١٦ - ٤٢٢ هـ، استمرت هذه القواعد العامة للقضاء ثابتة الأركان، تنمو وتزدهر تحت رعاية خلفاء قدروا أهمية القضاء فاختاروا لهذا المنصب أفقه الناس وأكثرهم علمًا وتدينًا. فنرى القاضي الصلب الذي لا يخشى في الحق لومة لائم أمثال المنذر بن سعيد البلوطي الذي تعرض للناصر علنًا وانتقده على إسرافه في بناء مدينة الزهراء، وكان رد فعل الناصر أنه أقسم أن لا يصلي وراءه في مسجد الزهراء.
وكان يذهب إلى قرطبة ويصلي في مسجدها (٥٠٩). ونجد كذلك الصلاحيات الواسعة التي أعطيت للقاضي، فكان الناصر إذا خرج من العاصمة استخلف على قصره القاضي أسلم ابن عبد العزيز، بالإضافة إلى تكليف القاضي بمهمات أخرى مثل السفارات إلى كبار الأمراء، والإشراف على الثغور، وقيادة الجيوش إلى الشمال الإسباني أمثال القاضي محمد بن عبد الله بن أبي عيسى، والقاضي الحسن بن عبد الله الجذامي (٥١٠).
_________________
(١) الخشني، قضاة قرطبة، ص ٥٩ وما بعدها.
(٢) ينظر، الخشني، قضاة قرطبة، ص ٥٩، ص ٩٢، ص ١٠١.
(٣) النباهي، المرقبة العليا، ص ٥٧ - الخشني، قضاة، ص ١٠٨.
(٤) ينظر ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج ٢، ص ٤١٧، ص- ٤٢ - الخشني، قضاة، ص ١١٠.
(٥) الخشني، قضاة، ص ١١٤ - ١١٥.
(٦) النباهي، المرقبة العليا، ص ٦٦ وما بعدها - ص ٨٣.
(٧) أيضًا، ص ٦٠ - ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج ٢، ص ٢٩٤.
[ ٤٤٤ ]
من المميزات المهمة التي ظهرت في النظام القضائي خلال عصر الخلافة هي: ١ - أسرف بعض القضاة أمثال القاضي أسلم بن عبد العزيز في ضرب الجناة والمخالفين بالسياط (٥١١)، ويبدو أن هذه الظاهرة أصبحت مكروهة لدى القضاة الآخرين، فلهذا نرى القاضي أحمد بن بقي بن مخلد والقاضي محمد بن يبقى بن زُرب، لم يضربا أحدًا بالسياط، إلا من استحق ذلك من الفسقة والمارقين (٥١٢).
٢ - تولى القاضي مهمات جديدة خلال هذه الفترة، وهي مطاردة المذاهب الفلسفية بالأندلس، وبخاصة مطاردة أتباع مدرسة ابن مسرة الفلسفية المشهورة، فتولى هذه المهمة القاضي محمد بن يبقى بن زرب بمطاردة أتباع هذه المدرسة، ومقارعتها فكريًا كذلك بوضع كتاب يرد فيه على آراء ابن مسرة (٥١٣). كما تولى بعض قضاة قرطبة محاربة الملاهي ومجالس الطرب، ويأمر أتباعه بكسر أدواتهم (٥١٤).
٣ - في عصر الخلافة وبالذات في فترة الحجابة، سمي قاضي الجماعة بقرطبة بقاضي القضاة وأول من تسمى به القاضي أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان، وهو الذي شارك المنصور في معظم غزواته، وأفرد له بيتًا خاصًا داخل القصر لكي يكون قريبًا من الحاجب المنصور حتى يشاوره في معظم الأمور (٥١٥).
٤ - ضمت إلى قاضي القضاة مناصب أخرى مهمة كمنصب الوزارة الذي أضيف إلى ابن ذكوان (٥١٦)، وصاحب المظالم (ولاية المظالم) التي أعطيت إلى القاضي أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد بن فطيس، مع خطة الوزارة أيضًا والصلاة (٥١٧)، وهي صلاحيات واسعة جدًا كما نرى.
وخلال فترة الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ نرى أن نظام القضاء أصابه الخلل الذي عم سائر نظم الأندلس، ومن المميزات الجديدة التي ظهرت في هذه الفترة:
_________________
(١) الخشني، قضاة قرطبة، ص ١٠٨ - ص ١١٣.
(٢) النباهي، المرقبة العليا، ص ٦٣، ص ٧٨ - الديباج المذهب، ج ٢، ص.
(٣) أيضًا، ص ٧٨.
(٤) الخشني، قضاة قرطبة، ص ١١٩.
(٥) النباهي، المرقبة العليا، ص ٨٤.
(٦) أيضًا، ص ٨٦.
(٧) أيضًا، ص ٨٧ - ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج ٢، ص ٥٧٧.
[ ٤٤٥ ]
١ - انتهاك حرمة القضاء، وإهانة القاضي الذي أصبح أضحوكة وألعوبة بيد الغوغاء، كما حصل للقاضي يحيى بن وافد اللخمي الذي تخلص من الصلب بأعجوبة، إلا أنه سجن ومات في سجنه عام ٤٠٤ هـ (٥١٨).
٢ - تعطيل خطة القضاء أكثر من ثلاث سنوات خلال هذه الفترة وبالذات في عهد حكم سليمان بن الحكم (المستعين ٤٠٣ - ٤٠٧ هـ) وقد أعادها بنو حمود مرة أخرى وعهدوا بها إلى القاضي عبد الرحمن بن بشر (٥١٩).
ولما سقطت الخلافة الأندلسية عام ٤٢٢ هـ كان للقضاة نصيب وافر من تركتها، فأبو الحزم بن جهور قاضي الجماعة في قرطبة أسس دولة الجهاورة فيها (٥٢٠). والقاضي إسماعيل بن عباد قاضي إشبيلية، أسس بها إمارته فقامت إمارة بني عباد فيها (٥٢١).
والقاضي محمد بن الحسن الجذامي النباهي الوزير القاضي في إمارة بلقين بن باديس في غرناطة ومالقة، حيث تولى خطة القضاء والوزارة في جميع كورة رية (٥٢٢) ونرى خلال عصر الطوائف عدة مظاهر فيما يتعلق بالقضاء:
١ - جرف تيار الفتنة بعض القضاة، وركضوا وراء أهوائهم فأيدوا الفرقة والانقسام، وكانوا أكبر عضد لأمراء الطوائف في تبرير طغيانهم وظلمهم وتزكية تصرفاتهم (٥٢٣).
٢ - تزعم صالح العلماء وخيرة القضاة الدعوة إلى توحيد الأندلس في أيام الطوائف، مدفوعين للقيام بهذا العمل سواءً حسبة لله تعالى، أو بتكليف من بعض أمراء الأندلس ويأتي في مقدمة هؤلاء القضاة الصالحين: القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (٥٢٤). وشاركه في هذه المهمة ابن حزم الأندلسي من خلال نقده اللاذع لملوك الطوائف، وكذلك ابن حيان (٥٢٥).
_________________
(١) النباهي، المرقبة العليا، ص ٨٨ - ٨٩.
(٢) أيضًا، ص ٨٩.
(٣) عنان، دولة الطوائف، ص ٢١ وما بعدها.
(٤) محمد ابن عبود، التاريخ السياسي، ص ٤٤ وما بعدها.
(٥) النباهي، المرقبة العليا، ص ٩٢.
(٦) ينظر، عنان، دولة الطوائف، ص ٤٢٠ - ٤٢١.
(٧) السامرائي، " الدعوة إلى توحيد الأندلس "، ص ٨٢ وما بعدها.
(٨) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ٢٥٤ - المقري، نفح، ج ٤، ص ٤٥٣ - الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٣٤٥.
[ ٤٤٦ ]
٣ - تزعم بعض القضاة ثورة بعض المدن الأندلسية ضد حكامها الخاضعين لملوك الإسبان. وتأتي في مقدمة هذه المدن، مدينة بلنسية التي ثار أهلها على حاكمها القادر ابن ذي النون بقيادة قاضيها أبو أحمد جعفر بن عبد الله بن جحاف المعافري، فقتلوه عام ٤٨٥ هـ، وتولى أمرها هذا القاضي (٥٢٦).
حاصر الكمبيادور بلنسية على أثر هذه الثورة واستمر حصاره لها من عام ٤٨٥ هـ إلى عام ٤٨٧ هـ فدخلها غاضبًا، وأهان أهلها، وأحرق علمائها، وأول من وقع عليه الحرق قاضيها ابن جحاف المعافري وذلك في عام ٤٨٨ هـ (٥٢٧).
٤ - ساهم الفقهاء والعلماء والقضاة في تهيئة الأمور لعبور المرابطين إلى الأندلس خلال عصر الطوائف. سواء أولئك الفقهاء الذين عبروا إلى عدوة المغرب يطلبون العون من أمير المرابطين، أم أولئك القضاة الذين أرسلهم بعض أمراء الطوائف إلى المغرب وهم: قاضي بطليوس أبو إسحاق بن مقنا، وقاضي غرناطة القليعي، وقاضي إشبيلية أبو بكر بن أدهم، إلى يوسف بن تاشفين للاتفاق معه على خطة العبور إلى الأندلس (٥٢٨).
وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية، واعتمدت الدولة المرابطية الدين في جميع أحكامها واعتمدت كثيرًا على العلماء والفقهاء. ومن مميزات قضاء الأندلس خلال هذه الفترة:
١ - اشتراك القضاة في حروب الجهاد ضد الممالك الإسبانية التي دخلت حربًا ضروسًا ضد المرابطين في الأندلس. فلما انهزمت القوات المرابطية أمام قوات ألفونسو الأول المحارب ملك أرغون عام ٥١٤ هـ في معركة قتندة، استشهد كثير من المسلمين في هذه المعركة ومن بينهم العديد من العلماء والفقهاء منهم القاضي أبو على الصدفي (٤٥٢ - ٥١٤ هـ) والقاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن الفراء قاضي المرية (٥٢٩). وممن حضر هذه المعركة أيضًا القاضي الإشبيلي أبو بكر بن العربي (٥٣٠).
_________________
(١) ينظر، ابن الكردبوس، تاريخ الأندلس، ص ١٠٣ - ابن عذاري، البيان، ج ٤، ص ٣١ - ٣٢ - ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ص ١٧٩، ص ١٨٢، ص ٢٠٣ - The cid and his Spain، P: ٢٩٥-٣٠٠
(٢) ينظر، كريم عجيل، الحياة العلمية، ص ١٣٥ وما بعدها.
(٣) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ٢، ص ٩٨ - ٩٩ - السامرائي - علاقات، ص ١٥٧، ص ١٦٧ - ١٦٨.
(٤) ينظر، ابن بشكوال، الصلة، ترجمة (رقم ٣٣٠) وترجمة رقم (١٢٦١) - المقري، نفح، ج ٢، ص ٩٠ - ٩٣ - أزهار الرياض، ج ٣، ص ١٥٣ - ١٥٤.
(٥) المقري، نفح، ج ٤، ص ٤٦١ - أزهار الرياض، ج ٣، ص ١٥٤.
[ ٤٤٧ ]
٢ - مشاركة القضاة في هذا العصر في أحداثه السياسية المهمة، وأفتوا بأمور خطيرة أقرتها دولة المرابطين. يتمثل هذا بدور قاضي الجماعة بقرطبة أبو الوليد محمد بن أحمد ابن رشد الذي عبر إلى الأندلس وقابل أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، وشرح له أحوال الأندلس، وما أصابها من حملة ألفونسو المحارب المدمرة عام ٥١٩ هـ بسبب استدعاء المعاهدين له، فأفتى بتغريبهم وإجلائهم من أوطانهم عقابًا لهم على هذا التآمر (٥٣١).
أخذ علي بن يوسف بهذه الفتوى، وصدر عهده إلى جميع بلاد الأندلس بتغريب المعاهدين إلى عدوة المغرب، فنفيت منهم جموع غفيرة في رمضان عام ٥٢١ هـ (٥٣٢).
٣ - في عام ٥٠٣ هـ صدرت أوامر علي بن يوسف بحرق كتب الغزالي وبخاصة كتاب إحياء علوم الدين، فتم إحراقها في المغرب والأندلس، واستمرت دولة المرابطين في سياستها هذه إلى آخر عهدها، حيث وجهت رسالة في عام ٥٣٨ هـ من قبل تاشفين ابن علي إلى أهل بلنسية، يحدد فيها مناط الفتيا ومصدر الأحكام وهو مذهب مالك، ومحاربة البدع وكتبها وبخاصة كتب الغزالي (٥٣٣). وقد استند الفقهاء في تبرير ذلك إلى احتواء كتاب الإحياء على علم الكلام والفلسفة. وهذا الأمر يدل على أن الدولة كانت خاضعة لسلطة الفقهاء، ويدل أيضًا على أن المذهب المالكي كانت له السيطرة على الجميع (٥٣٤). وربما كان ذلك بسبب ما وجد في كتاب الإحياء من هجوم على طبقة العلماء والفقهاء الذين يتخذون من العلم والدين مطية لتحقيق أطماع دنيوية من ثراء وجاه. وقد عارض بعض قضاة الأندلس عملية الإحراق هذه، ويأتي في مقدمتهم قاضي المرية أبو الحسن البرجي (٥٣٥).
٤ - كلفت الدولة المرابطية بعض قضاة الأندلس بمهمات سياسية ودبلوماسية كبيرة. فقد أرسل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين عبدَ الله بن محمد العربي المعافري
_________________
(١) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٤، ص ٧٢ - ٧٣ - النباهي، المرقبة العليا، ص ٩٨ - ٩٩ - ابن فرحون، الديباج المذهب، ج ٢، ص ٢٤٨ ترجمة (رقم ٧٢).
(٢) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ١١٤.
(٣) ابن القطان، نظم الجمان، ص ١٤ - ١٥ - السامرائي، علاقات، ص ٤٣٠ - ٤٣١.
(٤) كنون، النبوغ المغربي، ج ١، ص ٧٦.
(٥) السامرائي، علاقات، ص ٤٣١.
[ ٤٤٨ ]
وولده محمد الملقب أبو بكر قاضي إشبيلية في سفارة إلى بغداد (٤٨٥ - ٤٩٣ هـ) من أجل إحضار تفويض الخلافة العباسية بصحة ولاية يوسف بن تاشفين، ووجوب طاعته، وإحضار فتوى من الإمام الغزالي بهذا المعنى (٥٣٦). وقد أفلحت هذه السفارة في مهمتها (٥٣٧).
٥ - تزعم الفقهاء والقضاة ثورة أهل الأندلس على المرابطين في السنوات الأخيرة من الحكم المرابطي بالأندلس. وكان من الزعماء الفقيه محمد بن المنذر الذي سيطر على مدينة باجة (٥٣٨). وكذلك القاضي حمدين بن محمد بن حمدين التغلبي الذي سيطر على قرطبة ولقبوه أمير المسلمين المنصور بالله (٥٣٩). وتزعم قاضي غرناطة الثورة ضد المرابطين وهو (أبو الحسن علي بن عمر بن أضحى) (٥٤٠). وفي مدينة مالقة ثار قاضيها (أبو الحكم بن حسون) على المرابطين ودعا لنفسه وحاصر المرابطين في المدينة حتى أخرجهم منها (٥٤١). وكذلك ثار في جيان قاضيها يوسف بن عبد الرحمن بن جزي وأنشأ بها حكومة مستقلة (٥٤٢). وفي بلنسية تجمع الثوار تحت زعامة قاضيها أبي عبد الملك مروان بن عبد العزيز الذي قبل الأمر مكرهًا (٥٤٣).
ومن الملاحظ أن أكثر ثوار الأندلس ضد المرابطين هم من الفقهاء والقضاة وأعلام الأدب، وهذا يعود إلى المركز والنفوذ الذي تمتعوا به في ظل دولة المرابطين حتى تركزت فيهم عناصر الزعامة المحلية، فلما بدأ سلطان المرابطين بالأفول قام هؤلاء الفقهاء والقضاة بزعامة مدنهم من أجل استرداد سلطانهم القومي. إلا أن معظم هذه الثورات تم القضاء عليها إما بواسطة القوات المرابطية المتواجدة في ولاية الأندلس، أو بانضواء قادتها تحت لواء الدولة الموحدية الجديدة (٥٤٤).
_________________
(١) ينظر، النباهي، المرقبة العليا، ص ١٠٥ وما بعدها.
(٢) ينظر، السامرائي، علاقات، ص ٣٨٩ وما بعدها.
(٣) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ٢، ص ٢٠٣.
(٤) النباهي، المرقبة العليا، ص ١٠٣ - علام، الدولة الموحدية، ص ١٥٤.
(٥) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ٢، ص ٢١١ - ٢١٢.
(٦) السامرائي، علاقات، ص ٣٣١ - ٣٣٢.
(٧) ابن الخطيب، أعمال، ص ٢٥٩ - عنان، عصر المرابطين، ص ٣٢١.
(٨) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ٢، ص ٢١٩ - علام، الدولة الموحدية، ص ١٦٦.
(٩) عنان، عصر المرابطين، ص ٣١٨ - إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ٣٩.
[ ٤٤٩ ]
ثم أصبحت الأندلس ولاية موحدية، وتميز النظام القضائي فيها بعدة مميزات وأهمها:
١ - يقوم الخليفة الموحدي بتعيين قضاة الجماعة في سائر المدن الكبرى، دون تدخل ولاة هذه المدن. وشمل هذا الإجراء الأندلس التي يعين لها قضاة من أبنائها، إلا أن الدولة الموحدية أحيانًا تولي القضاء ببعض المدن الأندلسية بعض المشهورين من قضاة المغرب، ومثال على ذلك أن أبا عبد الله محمد بن يخلفتين التلمساني ولي قضاء مرسية ثم قضاء قرطبة، وأن ابن جبل الهمداني من أهل وهران ولي قضاء إشبيلية عام ٥٩٢ هـ (٥٤٥). وفي الوقت نفسه كان الخليفة الموحدي يختار لقضاء الجماعة بمراكش بعض القضاة البارزين من أهل الأندلس أمثال أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد ابن بقي بن مخلد قاضي القضاة بالمغرب وهو من أهل قرطبة، وغيره (٥٤٦). وهذا يعود إلى تفوق القضاة الأندلسيين في الفقه المالكي، وفي ممارسة الأحكام وتطبيقها (٥٤٧).
٢ - عانت الأندلس خلال حكم الموحدين من خطر الممالك الإسبانية، ودارت رحى الحرب بين الطرفين على أراضيها، وقد شارك الكثير من قضاة الأندلس خلال هذه الفترة في معارك الجهاد أمثال القاضي محمد بن حسن صاحب الصلاة الذي استشهد في وقعة العقاب عام ٦٠٩ هـ، وكذلك القاضي إبراهيم بن أحمد الأنصاري الذي استشهد في جزيرة ميورقة عام ٦٢٧ هـ عندما هاجمتها الأساطيل الأوروبية والإسبانية، والقاضي أبو الربيع سليمان بن موسى الحميري الكلاعي الذي استشهد عام ٦٣٤ هـ في معركة أنيشة قرب بلنسية (٥٤٨).
٣ - في هذه الفترة التي شهدت ثورات ابن هود وابن غانية على الموحدين. فإن هؤلاء الأمراء اهتموا بالقضاء وولوه خيرة القضاة في مناطق نفوذهم. فالأمير محمد بن يوسف بن هود عهد بقضاء مالقة إلى القاضي محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن النباهي، وكذلك ولّى قضاء قرطبة للقاضي ربيع بن عبد الرحمن الأشعري (٥٤٩) أما الأمير
_________________
(١) ينظر، ابن الآبار، التكملة، ترجمة رقم ١٦١٦، ورقم ١٧١٩.
(٢) النباهي، المرقبة العليا، ص ١١٧.
(٣) عنان، عصر الموحدين، ص ٦٢٨.
(٤) ينظر، النباهي، المرقبة العليا، ص ١١٥، ص ١١٧، ص ١١٩.
(٥) النباهي، المرقبة العليا، ص ١١٢، ص ١١٨.
[ ٤٥٠ ]
إسحق بن محمد بن غانية أمير ميورقة، فعهد بقضاء الجزيرة إلى إبراهيم بن أحمد الأنصاري الشهيد (٥٥٠).
٤ - أعطيت صلاحيات واسعة لبعض القضاة بالأندلس، فأضيفت إلى أعمالهم أيضًا النظر في الحسبة والنظر في أمر الشرطة وغيرها من الأعمال. ومن القضاة الذين تولوا مثل هذه الأمور القاضي عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي الملقب بابن الفرس (٥٢٤ - ٥٩٧ هـ) (٥٥١).
وفي عصر مملكة غرناطة كان يطلق على رئيس القضاة اسم قاضي الجماعة وقاضي الحضرة وقاضي غرناطة. ويليه مرتبة قضاة مالقة والمرية ووادي أش ورندة وبسطة وسواها من المدن الكبرى في المملكة، ولقاضي الجماعة سلطة على سائر القضاة فيشرف على أعمالهم ويرشدهم، ويراقب سلوكهم، ويتأكد من صحة الأحكام التي تصدر عنهم. إلا أن تلك السلطة كانت مبدئية لأن السلطان النصري كان يصدر مرسومًا يعرف باسم (ظهير ملكي) يعين بموجبه قضاة الأقاليم دون الرجوع إلى قاضي الجماعة (٥٥٢).
ومن أشهر قضاة الجماعة بغرناطة في هذه الفترة القاضي يحيى بن عبد الرحمن الأشعري (توفي عام ٦٣٩ هـ)، والقاضي أبو بكر محمد الأشبرون، الذي تولى أيضًا السوق والشرطة (توفي عام ٦٧١ هـ) (٥٥٣). ومن أشهر قضاة المملكة والذين تولوا القضاء في مدينة مالقة القاضي الحسن بن محمد بن الحسن الجذامي النباهي، وكان صلبًا في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان لا يقبل شهادة من يأكل الحرام (٥٥٤).
وشارك القضاة في معارك الجهاد التي خاضتها مملكة غرناطة ضد الممالك الإسبانية التي كانت تهدف إلى ابتلاع هذه المملكة. ففي عهد السلطان محمد الرابع (٧٢٥ - ٧٣٣ هـ) تولى منصب قاضي الجماعة الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى الأشعري المالقي والذي استشهد في عهد السلطان يوسف الأول (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ) في معركة طريف (٥٥٥).
_________________
(١) أيضًا، ص ١١٦ - ١١٧.
(٢) أيضًا، ص ١١٠.
(٣) فرحات، غرناطة، ص ٩٧.
(٤) ينظر، النباهي، المرقبة العليا، ص ١٢٤، ص ١٢٥.
(٥) أيضًا، ص ١٢٨.
(٦) ينظر، ابن الخطيب، اللمحة البدرية (سيرة أمراء بني نصر).
[ ٤٥١ ]
وقام قاضي الجماعة في مملكة غرناطة بمهام دبلوماسية، فالسلطان محمد الخامس أرسل القاضي أبا البركات الحاج إلى بلاط فاس في مهمة سياسية. وعندما كانت المملكة في آخر أيامها انتقل قاضي الجماعة ابن الأزرق إلى مصر ليطلب النجدة من المماليك في عهد السلطان قايتباي، وكذلك بعثة القاضي أبي بكر يحيى بن مسعود المحاربي إلى المغرب (٥٥٦).
النظم الاقتصادية:
عندما تم لقاء موسى بن نصير وطارق بن زياد عام ٩٤ هـ/٧١٣ م، وسارا سوية صوب طليطلة ينتظران انتهاء فصل الشتاء، من أجل استكمال فتح الشمال الإسباني، ضرب موسى بن نصير أول عملة ذهبية ليدفع منها رواتب جنده. ومعروف أن ضرب العملة كان من حق الخليفة نفسه، لكن الذي يبدو أن موسى قد خول بهذا الأمر من قبل الخليفة، سواء في أفريقية أو في الأندلس. وقد كان المسلمون يتعاملون خلال عام ٩٢ وإلى عام ٩٤ هـ بإسبانيا بالعملة الإفريقية التي ضربها موسى في عام ٩٠ هـ. وقد رسمت هذه الدنانير الأندلسية الجديدة على هيئة العملة الإفريقية وكانت لاتينية عربية، ففي ناحية منها كتب (محمد رسول الله) يحيط به نص لاتيني على هيئة دائرة، وفي الناحية الأخرى نجمة ذات ثمان أذرع حولها كتابات لاتينية، ويلي ذلك تاريخ سكها وهو عام ٩٧ هـ، وكذلك ضرب موسى عملة برونزية صغيرة لاتينية الكتابة (٥٥٧). ولعلنا لا نميل إلى وجود الكتابة اللاتينية على النقود لأن الدولة الأموية عربت نقودها زمن الخليفة عبد الملك بن مروان (٦٥ - ٨٦ هـ) (٥٥٨). وقد وضحت لنا بعض الدراسات، بأن موسى ضرب أول النقود الإسلامية في الأندلس، وكانت نسخًا لشكل نقود البلاد القديمة سواء من ناحية النوعية أو من ناحية الكتابة عليها بأحرف لاتينية والاحتفاظ بالرسوم التي كانت عليها قبلًا. والشيء الجديد فيها استبدال التعابير المسيحية بأخرى إسلامية ووضع التاريخ الهجري عليها (٥٥٩).
وإذا استثنينا وجود والٍ للأندلس، وقاضٍ إلى جانبه يسمى قاضي الجند، نجد
_________________
(١) ينظر، النباهي، المرقبة العليا، ص ١٤٠ - ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٩٥ - فرحات، غرناطة، ص ١٠٠.
(٢) مؤنس، فجر الأندلس، ص ١٠١.
(٣) ينظر، حسن إبراهيم حسن وأخر، النظم الإسلامية، ص ٢٢١.
(٤) ينظر، بدر، دراسات، ج ١، ص ٢٦.
[ ٤٥٢ ]
بعض الوظائف التي يمكن أن نعتبرها وظائف مالية، مثل: صاحب أزمة الأرض والخراج، وصاحب الغنائم (٥٦٠). إلا إننا لم نعثر على إشارة تدل على إرسال أموال من هذا البلد الغني سواء إلى والي إفريقية أو إلى خليفة دمشق (٥٦١). ما عدا الغنائم التي أخذها موسى وطارق عند رجوعهما إلى الشام. فالغالب أن عامل الأندلس كان ينفق أموال الأندلس على الجند والحملات العسكرية والمرافق العامة (٥٦٢).
جاء في نص الرسالة التشريفية: " وأما سائر النصارى الذين كانوا في المعاقل المنيعة، والجبال الشامخة، فأقرهم موسى بن نصير على أموالهم ودينهم بأداء الجزية، وهم الذين بقوا على ما حيز من أموالهم بأرض الشمال، لأنهم صالحوا على جزاء منها مع أداء الجزية " (٥٦٣). كما جاء في النص أيضًا: " وإنه لما هزم لذريق لم يقف المسلمون بعد ذلك ببلد إلا أذعنوا إلى الصلح. ولذلك بقي الروم فيها على أرضهم وأموالهم يبيعون ويباع منهم " (٥٦٤). كما يذكر لنا المقري بعد وصول موسى إلى الشمال الإسباني فيقول: " وأطاعت الأعاجم فلاذوا بالسلم وبذل الجزية " (٥٦٥). ومعنى هذا أن أراضي الشمال الإسباني التي ذكرتها هذه المصادر، والتي حددت بالأراضي الواقعة شمالي نهر الوادي الكبير (٥٦٦)، قد فتحت صلحًا ورضي أهلها بدفع الجزية والعيش بسلام في ظل الحكم العربي الإسلامي. أما الأراضي الجنوبية، أي التي تقع جنوبي نهر الوادي الكبير، فتعتبر أرض عنوة أي فتحت بقوة السيف فوزعت على المحاربين وأعطيت لهم سجلات بتمليكها (٥٦٧). وقد خمس السمح هذه الأرض، أي مسحها وقرر عليها الخراج بنسبة الخمس (٥٦٨).
وكانت مصادر الأموال: الغنائم عن طريق الجهاد، والجزية التي يدفعها أهل الذمة
_________________
(١) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٦٣٨ - ٦٣٩.
(٢) بدر، دراسات، ج ١، ص ٣٤.
(٣) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٦١٠.
(٤) الرسالة الشريفية، ص ٢٠٥ - ينظر ملحق رقم ١، Dozy، I، h، vol، P: ٧١-١١١
(٥) أيضًا، ص ٢٠٦ - الغساني، رحلة الوزير، ص ١١٣.
(٦) نفح، ج ١، ص ٢٧٣، ص ٢٧٦.
(٧) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٦٢٥.
(٨) ينظر، نص الرسالة الشريفية، ص ٢٠٧ - ٢٠٨ - الغساني، رحلة الوزير، ص ١١٣ - محمود علي مكي، " رواد الثقافة الدينية الأولى بالأندلس " مجلة البينة، عدد ٦ (الرباط: ١٩٦٢)، ص ٥٦ - ملحق رقم ١. Dozy، I، h.
(٩) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٧٤.
[ ٤٥٣ ]
بواسطة القومس (٥٦٩)، والموارد التي يدفعها أهل البلاد بموجب معاهدات الصلح، وموارد الزراعة من قبل الفاتحين العرب بأراضيهم التي تملكوها وسكنوها، كما كان المزارعون القوط الذين يشتغلون بزرع الأرض، يدفعون للمالك أو للقبيلة المالكة ثلثي أو ثلاثة أخماس المحصول. فكان من أثر ذلك أن تحسنت أحوال المزارعين، كما أدى في الوقت نفسه إلى تقسيم الملكية وتمزيق الملكيات الكبيرة، كذلك تحسنت حال العبيد لأن المسلمين كانوا يعاملونهم بأفضل مما كان القوط يعاملونهم (٥٧٠)، هذا بالإضافة إلى موارد الزكاة التي يدفعها أغنياء المسلمين بالأندلس. فتح المسلمون أرض الأندلس بأشكال مختلفة، فبعضها فتح عنوة (أرض الجنوب) وبعضها وجده المسلمون خاليًا فاستوطنوه، وبعضها نزل أهله على الصلح فاحتفظوا بأراضيهم وجرى التعامل بينهم وبين الفاتحين بموجب شروط معاهدة معقودة بين الطرفين. وهذه الشروط بصورة عامة شملت أمرين: الأول أن يدفع هؤلاء جزية على رؤوسهم، والثاني خراجًا على أراضيهم، وكان على الأغلب جزءًا من غلة الأرض يعادل الثلث أحيانًا والربع حينًا آخر حسب طيب الأرض وغلتها (٥٧١). وما عدا ذلك، فإن جميع الأراضي الأخرى التي وقعت بيد المسلمين سواء منها المفتوحة عنوة، أو الخالية التي هرب منها أصحابها من النبلاء ورجال الكنيسة. فتقاسمه الفاتحون على أساس نزول كل قوم فيما طاب له من الأرض (٥٧٢).
أما حق بيت المال في هذه الأراضي، فلم يحاول موسى بن نصير أن يقتطعه من الأراضي كلٌ حسب طريقة فتحها، أي أن يعامل قسمًا منها كفيء، ويعامل القسم الآخر كغنيمة، بل عاملها كلها معاملة الغنيمة، ولم يحاول موسى أن يأخذ من الأراضي والسبي إلا الخمس، وبعد أن أخذ من خمس السبي ما اختاره لحمله إلى دمشق وترك بقيته (أي السبي) على أرض الخمس كي يثلث مال المسلمين، وعرف هؤلاء باسم الأخماس وأطلق على أبنائها بنو الأخماس (أولاد الأخماس) (٥٧٣). ونظرًا لضيق الوقت وسرعة استدعاء موسى إلى الشام بقيت بعض الأراضي دون تخميس، وقد تعلل
_________________
(١) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٥٩٧.
(٢) صلاح خالص، إشبيلية، ص ٤٧ وما بعدها - عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٧٥.
(٣) ينظر، رواية الرازي في الرسالة الشريفية، افتتاح الأندلس، ص ٢١١ - بدر، دراسات، ج ١، ص ٤١.
(٤) المقري، نفح، ج ١، ص ٢٥٨.
(٥) نص الرسالة الشريفية، افتتاح الأندلس، ص ٢٠٤ - ٢٠٥ - مؤنس، فجر الأندلس، ص ٦٢٤.
[ ٤٥٤ ]
الفاتحون برغبتهم بالعودة إلى المشرق، فأرضاهم الخليفة الوليد بإقرارهم على ما بأيديهم من الأراضي، معتبرًا هذه الأراضي ثغرًا، وتوجد دلائل على قيامه بإقطاع أراضي لغيرهم تشجيعًا على الإقامة في الأندلس (٥٧٤).
وفي عهد الوالي السمح بن مالك الخولاني الذي كلف بإكمال التخميس وتمييز أرض العنوة عن أرض الصلح ليصح التخميس. ومن هذا نستدل بأن الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) كان يرى أن بعض أراضي الأخماس كانت في أيدي الفاتحين، كما أن بعض أراضي الخراج - أي أراضي الصلح، اختلطت بغيرها وربما اشتراها الفاتحون من أصحابها فانقلبت من أرض خراجية تدفع نسبة عالية من الضرائب (مثالثة أو مرابعة) إلى أرض عشرية، وقد منع عمر بن عبد العزيز هذا العمل في المشرق، وربما أراد أن يطبقه في المغرب. وفي كلا الحالتين ما يعرض مصالح النازلين في الأندلس، فأعلنوا عن رغبتهم بالرجوع إلى المشرق، فأقرهم عمر على ما بأيديهم وعلى ما سجله لهم الوليد وموسى وأمر واليه السمح بأن يقر القرى بأيدي أصحابها. وأن يقطع الجند المرافقين له (عددهم ما يقارب ٥٠٠ رجل) من أراضي الأخماس (٥٧٥).
وهذه الطريقة في تقسيم أراضي الأندلس جعلت بعض الفقهاء يعتبرون أن أرض الأندلس لم تقسم تقسيمًا شرعيًا، ونجد هذا الرأي عند ابن حزم القرطبي وغيره، وبلغ من شيوع فكرة اللاشرعية من تملك أرض الأندلس أن أحد الباحثين في الفلاحة علل خصب أراضي تدمير (مرسية) وطيب ثمرها لأن أهلها صالحوا موسى فلم يملك منها شيء إلا عن حق (٥٧٦)، ومعنى هذا أن كثيرين كانوا يرون أن تقسيم أرض الأندلس تحكمت فيه الغلبة وليس الشرع، ومن الطبيعي أن يحصل النزاع حول ملكيتها، وأن تحاول الأطراف المختلفة من عناصر وقبائل الفاتحين أن تقتطع أكبر قسم منها، وبهذا كانت قضية توزيع الأراضي عاملًا في كل نزاع بين فاتحي الأندلس (٥٧٧).
عرفت الأندلس بالغنى وخصبة الأرض ووفرة الموارد الاقتصادية حتى وصفت بجنة
_________________
(١) نص الرسالة الشريفية، ص ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) بدر، دراسات، ج ١، ص ٤٢ - ٤٣.
(٣) ينظر، الزهري، كتاب الجغرافية، ص ١٠٠ - ١٠١.
(٤) بدر، دراسات، ج ١، ص ٤٤.
[ ٤٥٥ ]
الخلد حيث قال الشاعر ابن خفاجة:
يا أهل أندلس! لله دركم ماء وظل وأنهار وأشجار
ما جنة الخلد إلا في دياركم ولو تخيرت هذي كنت أختار (٥٧٨)
ولهذا نرى بلج وجماعته الشاميين رغبوا ببلاد الأندلس عندما دخلوها واستطيبوا مواردها، فأحدثوا الفتن المعروفة والتي ذهب بلج ضحيتها، فوزع الوالي الجديد أبو الخطار أتباع بلج على الكور فأنزلهم على ثلث أموال أهل الذمة مقابل أن يؤدوا الخدمة العسكرية، فسميت هذه الكور بالكور المجندة (٥٧٩).
وكان من أغراض التقسيم الإداري في الأندلس، ضبط الضرائب، ويعني ذلك أن الأقليم يعتبر وحدة مالية في نظر الدولة، وكل إقليم يضم عددًا من القرى. فهناك قرى تدفع العشور، وهي قرى الحبوب والزراعات، وقرى تؤدي جبايات تحدد بحسب طبيعة إنتاجها وهي نواحي الثمار والأشجار والزيتون والغابات. وأحسن مثال لذلك أقاليم سرقسطة عند العذري (٥٨٠)، حيث يتضح منها بأنها تحديدات زراعية تعنى بالري والأنهار والعيون وما تسقيه. والتقسيم الزراعي في أساسه مالي، لأن الذين يرسمونه ينظرون إلى ما يغله كل قسم وما يؤديه من جباية (٥٨١).
وقد عمل الوالي يوسف الفهري ١٢٩ - ١٣٨ هـ على تعديل نظام الضرائب فاقتضى ثلث الدخل من كل ولاية، ولكنه أمر بمراجعة السجلات القديمة، واستبعاد الأموات منها، وكانت الضرائب ما تزال تجبى طبقًا للإحصاء القديم، فكان في ذلك إرهاق للسكان، فقرر يوسف أن تجبى الضرائب من الأحياء فقط، وأسقطها عمن توفوا، واكتسب بذلك عطف كثير من الإسبان المسيحيين بصورة خاصة (٥٨٢).
كما كانت بعض الدلائل تشير إلى غنى بعض ولاة الأندلس وكبار زعمائها، فكان الصميل بن حاتم يمتلك دارًا كبيرة وتقع خلف هذا الدار عقدة الزيتون المشهورة التي تضم مائة ألف شجرة، وكانت أمواله كثيرة (٥٨٣). وهناك قناة عامر المنسوبة إلى عامر بن
_________________
(١) ديوان ابن خفاجة، ص ٨٦.
(٢) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٦١ - ٦٢.
(٣) نصوص عن الأندلس، ص ٢٣ - ٢٤.
(٤) مؤنس، فجر الأندلس، ص ٥٨٥.
(٥) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ١٣٢.
(٦) ابن القوطية، افتتاح، ص ٢٩.
[ ٤٥٦ ]
عدي من أشراف بني عبد الدار بالأندلس وتقع غربي قرطبة (٥٨٤). وكان لبني غافق قرية كاملة بشرق إشبيلية وهي مرنيانة (مرجانة الغافقيين) (٥٨٥). وهناك الضياع الواسعة التي تضم القصور الكبيرة والتي تسمى بالبلاط مثل: بلاط مغيث الرومي وبلاط الحر (٥٨٦).
وكان أبو عثمان شيخ موالي بني أمية يمتلك إقطاعًا كبيرًا بقرية طُرش من كورة قرطبة (٥٨٧). وهناك أملاك أرطباس الواسعة التي وزع بعضها على زعماء الأندلس أمثال الصميل (عقدة الزيتون بالمدور) وأبي عثمان (طُرش) وعبد الله بن خالد (الفنتين قرب لوشة). وأبي عبدة (حسان بن مالك) غربي الأندلس (منطقة إشبيلية) (٥٨٨).
وفي عصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ
حرص أمراء الأندلس على تنمية المواد الزراعية، وذلك بالاهتمام ببعض الثمار والبذور. فنرى الأمير الداخل يحرص على جعل قرطبة صورة من دمشق في منازلها البيضاء ذات الأحواش الداخلية المزينة بالأزهار والورد ونافورات المياه. واشتهر الأمير الداخل بأنه كان يرسل بعض رجاله إلى المشرق لجلب أشجار الفاكهة من بلاد الشام، فنسمع عن أحد رجاله المدعو سفر بن عبيد الكلابي والذي تنسب إليه أسماء بعض الفواكه التي غرسها في جنانه بكوره رية وأثمرت مثل التين السفري والرمان السفري، ثم اهتم بها الأمير الداخل وغرسها في منيته، وانتشرت بذلك زراعتها في سائر أنحاء الأندلس (٥٨٩). وبلغ من اهتمام الأندلسيين بالزراعة أنه عندما حل المذهب المالكي بالأندلس محل مذهب الأوزاعي -هذا المذهب الجديد لا يقر زراعة الأشجار بالمساجد عكس مذهب الأوزاعي- بقي أهل الأندلس مقلدين مذهب الأوزاعي في مجال الزراعة (٥٩٠). عدا هذه الإشارات تعوزنا المعلومات الدالة بدقة على مدى التقدم الزراعي في الأندلس حتى عهد عبد الرحمن الأوسط. إنما تكثر لدينا الشواهد نسبيًا عن قيام
_________________
(١) مجهول، أخبار مجموعة، ص ٦٣.
(٢) ذنون، الفتح، ص ٢١٩ - ٢٢٠.
(٣) ينظر، مؤنس، فجر الأندلس، ص ٦٣٣.
(٤) مجهول، أخبار مجموعة، ص ٢٤.
(٥) ينظر، ابن القوطية، افتتاح، ص ٢٨ - ٣٠ - المقري، نفح، ج ٣، ص ٢٦٧ - ٢٦٩ - ذنون، الفتح، ص ٤١٧.
(٦) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٣٧ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٦٠ - العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣١٨ - بدر، دراسات، ج ١، ص ١٤٨.
(٧) الحميدي، المصدر السابق، ص ٢٤٤ (ترجمة رقم ٥١٠).
[ ٤٥٧ ]
نشاط تجاري واسع النطاق، وعن ازدياد في الثروة وعن تضاعف في واردات الدولة زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط دون فرض ضرائب جديدة (٥٩١). حيث فتح هذا الأمير أبواب الأندلس للتجار المشارقة والبضائع المشرقية كالملابس وأدوات الزينة التي سرعان ما انتشرت بين أفراد المجتمع الأندلسي (٥٩٢). وبما أن الزراعة في هذه الفترة كانت أهم منبع للثروة، ونظرًا لاستحالة قيام نشاط تجاري واسع في تلك الأيام دون الاعتماد على زراعة مزدهرة، لذلك يمكن القول: بأن الزراعة في الأندلس استمرت في الازدهار منذ بداية عهد الإمارة، وأنها وصلت إلى مرحلة متقدمة خلال فترة الازدهار. كما أنه يستنتج من بعض الأعمال التي قام بها عبد الرحمن الأوسط، أن الصناعة كانت متقدمة إلى الحد الذي تم فيه إنشاء دارٍ خاصة للطراز تصنع فيها ملابس خاصة لرجال الدولة (٥٩٣).
وبدا على أهل الأندلس الاهتمام بالأسطول، وازداد هذا الاهتمام في عصر الإمارة وبخاصة بعد هجوم النورمان على الأندلس، فكان من نتيجة قيام هذا الأسطول أنه شارك بصورة فعالة في معارك الجهاد ضد الممالك الإسبانية، وقام بفتح بعض المناطق الجديدة (البليار). وتركزت فعاليات الأسطول الأندلسي في سواحل البحر المتوسط حتى أنه ساعد الأسطول الأغلبي في إتمام فتح صقلية، أما النشاط التجاري للأندلس في عصر الإمارة فكان مقتصرًا على العموم مع العالم الإسلامي، لأن الغارات البحرية الأندلسية المتبادلة مع الشواطئ الإيطالية والفرنسية كانت تسود هذه الفترة. ومعنى هذا كان مركز النشاط التجاري الأندلسي يشمل جزءًا من الشاطئ الشرقي للأندلس وهو الجزء الممتد من قرطاجنة شمالًا إلى الجزيرة الخضراء جنوبًا. وهذا الجزء يقابل الشاطئ الأفريقي الممتد من سبتة غربًا إلى بجاية شرقًا (٥٩٤).
وقامت على هذا الساحل الشرقي الأندلسي موانئ مهمة تقوم فيها دور الصناعة مثل دانية ولقنت (٥٩٥)، والمرية مركز جماعة البحريين الذين امتهنوا التجارة أولًا ومهاجمة السواحل الأوروبية ثانيًا (٥٩٦). وكان الأندلسيون يحملون إلى بلاد المغرب منتجاتهم
_________________
(١) ينظر، ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ٤٦.
(٢) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٩١ - العبادي، في التاريخ، ص ٣٤٠.
(٣) بدر، دراسات، ج ١، ص ١٤٩.
(٤) ينظر، بدر، دراسات، ج ١، ص ١٥٢ - ١٥٣.
(٥) الحميري، الروض المعطار، ص ٧٦، ص ١٧٠.
(٦) أبو الفضل، تاريخ مدينة المرية، ص ٣٨ وما بعدها.
[ ٤٥٨ ]
الصناعية الراقية بالإضافة إلى منتجاتهم الزراعية التي لا توجد بالمغرب، وكذلك ما يرد من الأندلس إلى المشرق كان يصرف عمومًا في الأسواق الأفريقية، ويحمل من ثم إلى هناك، كما هو حال بضاعة العبيد البيض (الصقالبة) الذين يشير إليهم ابن حوقل بقوله: " وجميع من على وجه الأرض من الصقالبة الخصيان فمن جلب الأندلس " (٥٩٧). أما أهم الأشياء التي كانت تأتي من المغرب إلى الأندلس هي الحبوب والفستق (من مدينة قفصة) وكذلك العبيد السود يؤتى بهم إلى الأندلس وإلى سائر بلاد الإسلام، لأن سوق تجمعهم كان في مدينة زويلة أقصى جنوب ليبيا (٥٩٨).
وكانت حركة النقل التجارية ناشطة جدًا بين الأندلس وشواطئ المغرب، وبصورة خاصة شواطئ المغرب الأوسط والأقصى الممتدة من بجاية حتى سبتة لأنها مقابلة للمراسي الأندلسية. وكانت دول الخوارج في المغرب تُنظم حركة التجارة مع الأندلس خلال هذه الفترة، وبالذات الدولة الرستمية في الجزائر، والدولة المدرارية في سجلماسة (٥٩٩). ونظرًا لهذا النشاط التجاري وجدت جاليات أندلسية أقامت في مدن المغرب الساحلية إما بصورة مؤقتة، كما هو الحال في مدينة أصيلة، حيث كانت تقام سوق جامعة ثلاث مرات في السنة: في عاشوراء والعيدين، أو بصورة دائمة ويختلطون مع سكان المغرب وكانوا يلتمسون حمايتهم مقابل حصة معينة من الأرباح أو كمية من المال، كما هو الحال في مدينة مليلة (٦٠٠).
وكثيرًا ما تقوم الجاليات الأندلسية ببناء مدن جديدة بالاشتراك مع غيرها حينًا كما هو الحال في مدينة أصيلة، أو وحدها حينًا آخر كما هو الحال في مدن تنس (بين وهران والجزائر، التي أنشأها أهل البيرة وتدمير عام ٢٦٢ هـ ومدينة وهران التي أنشأها الأندلسيون البحريون عام ٢٩٠ هـ (٦٠١).
ويلاحظ أن غالبية المراكز الأندلسية، أقيمت على شواطئ المغرب الأوسط، وهو أمر يعود إلى قرب سواحله من الأندلس، وإلى الحماية التي وفرتها لهم الدولة الرستمية
_________________
(١) صورة الأرض، ص ١٠٦.
(٢) ينظر، البكري، ص ١١ - بدر، دراسات، ج ١، ص ١٥٤.
(٣) ينظر، محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي.
(٤) البكري، المصدر السابق، ص ٨٨ - ينظر، ليلى أحمد نجار، العلاقات بين المغرب والأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر، ص ٤٩.
(٥) ينظر، ابن حوقل، صورة الأرض، ص ٧٩ - البكري، المصدر السابق، ص ٦٢، ص ١١٢.
[ ٤٥٩ ]
بسبب علاقتها الودية مع الإمارة الأموية بالأندلس (٦٠٢). أدى النشاط الاقتصادي الذي ذكرناه إلى بروز مظاهر الترف والرفاه في المجتمع الأندلسي، فانعكس ذلك على ازدياد الواردات التي وصلت إلى مليون دينار أحيانًا فظهرت مظاهر الترف في بلاطات الأمراء وقصور الطبقة العليا، متمثلًا في بناء القصور (المنية) وفي اقتناء الجواري والعبيد البيض (الصقالبة)، وفي منح الهدايا والهبات للشعراء والمغنين، فمثلًا كان المغني المشرقي زرياب يقبض مخصصات شهرية قدرها مائتا دينار، كما أن كلًا من أبنائه الأربعة كان يأخذ عشرين دينار شهريًا، وقد تسلم زرياب في إحدى المناسبات هدية قدرها ثلاثة آلاف دينار (٦٠٣).
وانعكس هذا الرخاء أيضًا في الأعمال العمرانية التي قام بها الأمراء، المتمثلة في بناء المساجد الجديدة أو توسيع المساجد القديمة، وفي بناء الأسوار، وفي بناء مدن الثغور وغيرها.
كما أحدث النشاط الاقتصادي تطورًا إداريًا وعسكريًا في الأندلس، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط أسس دار السكة ونتيجة لذلك تضاعف عدد النقود المتداولة وبخاصة ذات القيم المتوسطة والدنيا، ويلاحظ من بقايا النقود الباقية تحسن مفاجئ ابتداء من عام ٢٢٩ هـ في إتقان الضرب (٦٠٤). وانعكس هذا الأمر أيضًا على وزراء الدولة وكبار رجالها سواء من حيث طبقاتهم أو من حيث أرزاقهم، حيث وصل راتب الوزير إلى ٣٥٠ دينار شهريًا (٦٠٥).
وكان من نتائج التطور الاقتصادي توسع مدينة قرطبة التي غصت بسكانها، حتى أخذ الناس يبنون خارجها وتجاوزوا على المقابر، مما جعل قاضي قرطبة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط إلى إصدار حكم يثبت فيه حدود مقبرة الربض (٦٠٦). واضطر الأمير الأوسط لمواجهة المشاكل الناجمة عن هذا التضخم إلى إسناد مهمة مراقبة الموازين والمكاييل والمبيعات إلى المحتسب، والخدمات العامة تركت إلى صاحب المدينة، ومشكلات الأمن عهد بها إلى صاحب الشرطة (٦٠٧).
_________________
(١) ينظر، بدر، دراسات، ج ١، ص ١٥٦.
(٢) ينظر، صلاح خالص، إشبيلية، ص ٥٨ - ٥٩.
(٣) ينظر، بدر، دراسات، ج ١، ص ١٥٨ - ١٥٩، ص ١٦٣.
(٤) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ١٢٣ - ١٢٤.
(٥) ينظر، سالم، قرطبة، ج ١، ص ١٦٣ - ١٦٨ - بدر، دراسات، ج ١، ص ١٦٥.
(٦) ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ٤٦ - بدر، دراسات، ج ١، ص ١٦٥.
[ ٤٦٠ ]
كما أدت زيادة واردات الدولة بسبب هذا النشاط الاقتصادي إلى الإكثار من شراء العبيد السود والبيض، فأكثر الأمير الحكم من شرائهم وزاد عليه الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى وصل عددهم في حرسه الخاص إلى خمسة آلاف شخص. كما أن عدد أفراد الجيش النظامي زاد لقدرة الأمير على استخدام عنصر جديد هو عنصر المرتزقة الذين يخدمون مقابل رزق معين ويحترفون الخدمة العسكرية (٦٠٨).
اعتبارًا من عصر الإمارة وما بعده، وجدت ظاهرة جديدة لها علاقة بالاقتصاد الأندلسي، وهي ظاهرة إحراق المزارع من قبل الإسبان عندما يغيرون على الأراضي الإسلامية، أو من قبل المتمردين على حكومة الإمارة والذين زاد أمرهم في فترة الحروب الأهلية. وبالمقابل تقوم جيوش الإمارة بحرق زروع المتمردين عندما تحاصرهم كوسيلة من وسائل إضعاف مقاومتهم وإجبارهم على الطاعة (٦٠٩).
ووجدت في عصر الإمارة ظاهرة فرض الضرائب المرهقة على الشعب من قبل بعض الأمراء، مع حصول المجاعات وسنوات القحط في الأندلس، فالأمير الحكم سخطت عليه العامة بسبب ما فرضه هذا الأمير من عشور مرهقة على المواد الغذائية، وكان العامة يجاهرون بذم الأمير والطعن في سيرته، مما مهد قيام حركة الربض المشهورة (٦١٠).
ومن عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد أبدى تشددًا في جمع العشور وقد نصحه الوزير عبد الرحمن بن غانم صاحب المدينة بأن يسقط العشور متى عدمت الغلات، لأن العشور تفرض على الغلات إذا وهبها الله، وإذا لم يزرع بذر ولم يستغل زرع وجب إسقاطها، فلم يستمع الأمير لنصحه فعزله، وعين مكانه حمدون بن بسيل وكان ظلومًا فاشتط في جمع العشور فأرهق الشعب وتذمروا فوصل تذمرهم إلى الأمير، وتوالت أيضًا في نفس الوقت أعوام القحط والجدب، فاضطر الأمير أن يسقط عن الشعب جزءًا من العشور حتى يستطيعوا مواجهة أعباء الحياة ومواصلة نشاطهم العمراني، فلهج الناس والشعراء مدحًا للأمير. وكان الأمير محمد بارعًا في الأمور المالية، دقيقًا في مراجعة الدخل والخرج، وقد ساعده ذلك في ضبط شؤون الخزانة
_________________
(١) بدر، دراسات، ج ١، ص ١٦٥.
(٢) ينظر على سبيل المثال: ابن حيان، المقتبس، ج ٣، ص ١٤٣ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٤٣ - صلاح خالص، إشبيلية، ص ٤٨.
(٣) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٤٣.
[ ٤٦١ ]
العامة (٦١١). وفي عهده أصيبت الأندلس بالقحط والمجاعة في الأعوام ٢٥١ هـ - ٢٥٥ هـ - ٢٦٠ هـ وكان قحطًا شديدًا استمر بضعة أعوام، وكثر بسببه الغلاء والموت، ولكن الأندلس استطاعت أن تصمد للمحنة وأن تتغلب عليها (٦١٢).
وفي عهد الأمير عبد الله، عصر الحرب الأهلية، تمردت معظم مدن الأندلس على حكومة قرطبة، وصار الأمير في البداية يكتفي بأي شكل من أشكال الخضوع لحكومة قرطبة حتى ولو كان إسميًا. ولعل أقصى تعبير عن الطاعة طمح له الأمير عبد الله أن يؤدي له أولئك المتمردون بمقاطعاتهم قطيعًا معينًا من العشور (أي كمية من المال يتم الاتفاق عليها) ولهذا اشتهر في عهده ديوان يسمى ديوان القطع (٦١٣). كما أن الحملات الكثيرة والمستمرة التي أرسلها الأمير عبد الله لإخضاع المتمردين أدت إلى نضوب موارد الدولة.
وفي عصر الخلافة ٣١٦ - ٤٢٢ هـ، بلغت الأندلس مبلغًا كبيرًا من الرخاء، وتضاعفت مواردها من الدخل القومي، فبلغت حصيلة الجباية من المكوس وحدها زهاء مليون دينار في السنة، وبلغت في عهد الخليفة الناصر من الكور والقرى خمسة آلاف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، وبلغت من المستخلص (وهي الأملاك السلطانية) سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار. وعندما مات الناصر عام ٣٥٠ هـ خلف في بيت المال عشرين مليون دينار من الذهب. وفي أيام الحاجب المنصور حققت موارد الدخل زيادة عظيمة، ووصل محصل الجباية وحده إلى أربعة ملايين دينار سوى رسوم المواريث وسوى مال السبي والغنائم، واستمرت هذه الزيادة في عهد ولده الحاجب عبد الملك (٦١٤). فانعكس هذا الرخاء في الأندلس في هذه الفترة على:
١ - بناء المدن الملوكية وصرف الملايين في بنائها، وأشهرها مدينة الزهراء التي بناها الخليفة الناصر، ويبدو لنا كمية الأموال الطائلة التي صرفت على هذه المدينة، إذا عرفنا أن مقدار النفقة السنوية عليها ٣٠٠ ألف دينار طوال عهد الناصر (٣٢٥ هـ بدأ البناء، ومات الناصر عام ٣٥٠ هـ) أي مدى خمسة وعشرين عامًا، هذا عدا ما أنفق عليها في
_________________
(١) ينظر، ابن عذاري، البيان، ص ٢، ص ١٠٧.
(٢) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٣١٢.
(٣) بدر، دراسات، ج ١، ص ٢٥١.
(٤) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٦٩٠، ص ٥٧٤.
[ ٤٦٢ ]
عهد ولده الحكم (٦١٥). وهذا الإسراف هو الذي حدى بالقاضي منذر بن سعيد البلوطي أن ينتقد الناصر ويتصدى لهذا التبذير (٦١٦). وبناء مدينة الزاهرة في عهد الحاجب المنصور حيث بدأ العمل بها عام ٣٦٨ هـ ولمدة عامين. ثم ابتنى إلى جانبها مدينة جميلة ذات قصر وحدائق للراحة سماها العامرية (٦١٧).
٢ - الاهتمام بالحركة العلمية والإغداق على العلماء وشراء نفائس الكتب بأثمان عالية، وقد اهتم الخليفة الحكم المستنصر بهذا الأمر حيث كان يبعث إلى أكابر العلماء المسلمين من كل قطر بالصلات الجزيلة، للحصول على النسخ الأولى من مؤلفاتهم، فتراه يرسل إلى أبي الفرج الأصفهاني ألف دينار من الذهب ليحصل على نسخة كتابه الأغاني، قبل أن يحصل عليه أحد في العراق. كما أرسل إليه الأصفهاني كتابًا ألفه في أنساب بني أمية فجدد له الحكم الصلات والهدايا (٦١٨). وفعل الحكم كذلك مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي، إذ بعث إليه بمبلغ كبير ليحصل على النسخة الأولى من شرحه لمختصر ابن عبد الحكم. وأسبغ الحكم رعايته على اللغوي أبي علي القالي الذي وفد من العراق على أبيه الناصر كما هو معروف. وأهدى إليه أبو عبد الله الخشني بعض كتبه ومنها كتاب قضاة قرطبة (٦١٩). وأهدى إليه مطرف بن عيسى الغساني كتابه المعروف أخبار كورة رية. وكان للحكم طائفة من مهرة الوراقين بسائر البلاد الإسلامية ينقبون له عن الكتب ويحصلون منها على النفيس والنادر. كما كانت له في بلاطه طائفة من البارعين في نسخ الكتب وتحقيقها وتجليدها، وبذل لهم الأموال الكبيرة (٦٢٠). كما شغف الحاجب المنصور في جمع الكتب مقلدًا بذلك الخليفة الحكم المستنصر ومن ذلك أن صاعدًا البغدادي أهدى إليه كتاب الفصوص فأثابه الحاجب المنصور بخمسة آلاف دينار (٦٢١)، وعين له راتبًا شهريًا قدره ثلاثون دينار.
٣ - كما أن هذا الرخاء شجع الأندلس على اتباع سياسة أفريقية جديدة وبخاصة منذ
_________________
(١) ينظر، المقري، نفح، ج ١، ص ٢٦٥.
(٢) ينظر، النباهي، المرقبة العليا، ص ٦٩ - ٧٠.
(٣) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٥٣٥، ص ٥٧٥.
(٤) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٢٠١ - ٢٠٢.
(٥) الخشني، قضاة قرطبة (المقدمة)، ص ١ - ٢.
(٦) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٥٠٥ - ٥٠٦.
(٧) ابن بشكوال، الصلة، ص ٢٣٨ (ترجمة رقم ٥٤١).
[ ٤٦٣ ]
إعلان الخلافة الأندلسية عام ٣١٦ هـ للتصدي للدولة الفاطمية في شمال أفريقية وأعوانها وبدأت من هذا العصر سياسة أندلسية جديدة للتدخل في إثارة بعض الحركات ضد الفاطميين، إلى جانب السيطرة على بعض مدن الساحل الإفريقي، وإلى إخماد بعض الفتن المغربية أمثال حركة الحسن بن كنون الذي يمثل بقايا الأدارسة. فكان هذا الأمر يتطلب أموال طائلة لإخماد مثل هذه الحركات، إضافة إلى بذل الأموال من أجل استمالة بعض القبائل المغربية (٦٢٢).
وشهدت الأندلس خلال عصر الخلافة مجاعات متعددة أصابت الأندلس بالقحط والمجاعات، ففي عهد الخليفة الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ)، حل قحط شديد بالأندلس عام ٣٠٢ - ٣٠٣ هـ فنقصت الأقوات وارتفعت الأسعار وبلغ قفيز القمح في قرطبة بثلاثة دنانير، وبلغت الشدة بالناس مبلغًا عظيمًا، وانتشر الوباء مع القحط، وكثر الموت، وهلك كثير من الرؤساء والوجهاء. قام الخليفة الناصر ببذل الأموال وتوزيع المؤن لشعبه وشاركهُ في الأمر كثير من رجالات الدولة، فكان لمجهودهم أثر كبير في التخفيف من آثار هذه المحنة (٦٢٣). وفي عام ٣١٧ هـ حلت مجاعة جديدة بالأندلس نتيجة احتباس المطر، فغلت الأسعار على نحو ما حدث في عام ٣٠٣ هـ، فخرجت كتب الخليفة الناصر إلى جميع العمال على الكور بالأمر بصلاة الاستسقاء، وفي عام ٣٢٤ هـ وقع محل جديد بالأندلس فاحتبس المطر وجفت الزروع، وبذل الناصر الأموال لمعالجة الأزمة وبذلك قال الشاعر:
نعم الشفيع إلى الرحمن في المطر مستنزل الغيث بالأعذار والنذر (٦٢٤)
وعاد المحل والقحط يعصف بالأندلس عام ٣٢٩ هـ فعم الجفاف البلاد. وأصيب النظام الاقتصادي وبخاصة التجاري في قرطبة بهبوط كبير نتيجة الحريق الكبير الذي دمر أسواق قرطبة في عام ٣٢٤ هـ (٦٢٥). وفي عهد الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) وقعت
_________________
(١) ينظر التفاصيل، العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٩٣ - ص ٣٩٨ وما بعدها - ص ٤٢٣ وما بعدها - ص ٤٤٤ وما بعدها - ليلى أحمد نجار، العلاقات بين المغرب والأندلس، ص ٥٤ وما بعدها.
(٢) ابن عذاري، البيان، ص ٢، ص ١٦٦.
(٣) ينظر، ابن حيان، المقتبس، ج ٥ الخاص بعصر الخليفة عبد الرحمن الناصر - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٩٩.
(٤) عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٤٢٥.
[ ٤٦٤ ]
بالعاصمة الخلافية مجاعة عظيمة، فبذل الحكم للفقراء والمعوزين في سائر أرباض قرطبة والزهراء من الأموال ما يكفل أقواتهم ويسد عوزهم (٦٢٦). وبجانب ثراء الدولة الذي تمثل في البناء والهيئات، نرى ثراء كبار رجالات الدولة، الذي اخترع بعضهم تقديم الهدايا الكبيرة والثمينة إلى خلفاء هذا العصر، في الوقت الذي كان فيه عامة الناس في عوز شديد بسبب احتباس المطر وظهور المجاعات المستمر وبسبب غلاء الأسعار وقلة الأجور للعامل البسيط. فتذكر بعض الروايات أن أجور العمال الذين كانوا يشتغلون في بناء مدينة الزهراء كانت تتراوح بين الدرهم والنصف وثلاثة دراهم تبعًا لمقدرتهم الحرفية، في حين كان راتب أحمد بن عبد الملك بن شهيد وزير الناصر خمسمائة دينار في الشهر، وقد رفعه الخليفة إلى ألف دينار فيما بعد، هذا مع العلم أن الدينار كان يعادل على العموم عشرة دراهم (٦٢٧). وأول من ابتدع تقديم الهدايا إلى الخليفة الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وكان منها خمسمائة ألف مثقال من الذهب، ومائتا أوقية من المسك والعنبر، وثلاثون شقة من الحرير المرقوم بالذهب، ومائة فرس مسرجة، وعشرون بغلًا عالية الركاب، وأربعون وصيفًا، وعشرون جارية، وغيرها، وذلك في عام ٣٢٧ هـ، وهذا مما يدل على مدى ثراء الوزراء ورجالات الدولة الأموية بالأندلس (٦٢٨).
كما أهدى الحاجب جعفر بن عثمان بن نصر المصحفي هديته الكبيرة إلى الخليفة الحكم المستنصر مقلدًا بها هدية ابن شهيد للخليفة الناصر (٦٢٩). كما كانت بداية حياة الحاجب المنصور الوظيفية الإشراف على عبد الرحمن وهشام أولاد الخليفة الحكم ثم تولى إدارة الخزانة العامة وأمانة دار السكة. فاستغل هذه المناصب المالية، فقدم هديته المشهورة إلى الأميرة صبح زوجة الخليفة الحكم وأم الخليفة هشام الثاني، فبدد أموال الخزينة فاتهمه الخليفة الحكم بالتبذير، فسد الحاجب المنصور هذا العجز بالاستدانة من صديقه الوزير ابن حُدير (٦٣٠).
وفي هذا العصر أمر الخليفة الناصر بتنظيم العملة وتثبيتها. فأمر في عام ٣١٦ هـ باتخاذ دار السكة داخل مدينة قرطبة لضرب الدنانير والدراهم، وولى أمرها أحمد بن محمد بن حُدير الذي بذل جهده في الاحتراس من المدلسين وكان لهذا أثره في تثبيت
_________________
(١) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٣٦.
(٢) ينظر، صلاح خالص، إشبيلية، ص ٥٥ - ص ٥٨.
(٣) ابن خلدون، العبر، ج ٤، ص ١٣٨.
(٤) أيضًا، ج ٤، ص ١٤٤ - عنان، دولة الإسلام، ج ٢، ص ٥١١ - ٥١٢.
(٥) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٥١ - ٢٥٢.
[ ٤٦٥ ]
العملة واستقرار التعامل (٦٣١). ومن هذا التاريخ وما بعد أصبحت ولاية السكة من الوظائف المالية المهمة في الدولة يعهد بإدارتها إلى خالص الرجال (٦٣٢)، إلى جانب ولاية السوق وولاية الخزانة والضياع (٦٣٣). وقد ساعد الاستقرار السياسي عمومًا في عصر الخلافة على تنشيط حركة الصناعة والتجارة، وقد اشتهرت موانئ الأندلس الشرقية بموانئها التجارية وبخاصة بعد بناء مدينة المرية قاعدة الأسطول الأندلسي في عام ٣٤٤ هـ، والتي أصبحت مدينة تجارية وصناعية مهمة. وأصبحت مركزًا للحط والإقلاع (٦٣٤). وبدأت الأوضاع الاقتصادية في الاضطراب عندما بدأ عصر الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، فمرت بلاد الأندلس في فترة الحروب الأهلية أدت إلى إلغاء الخلافة وقيام عصر الطوائف.
عرفت الأندلس بوفرة خصبها وكثرة مواردها الزراعية والتي كانت مناطق الأرياف أهم مصادر هذه الثروة المتمثلة في الزيتون واللوز والرمان والتين والحبوب. وأما المعادن فهي من أهم الثروات الطبيعية التي جاءت بها أرض الأندلس، وبتنوعها تعددت مناطق استخراجها، وبخاصة اشتهرت الأندلس بالرخام والذهب (٦٣٥). كما اشتهرت الصناعات في مختلف أنحاء الأندلس حيث تخصصت كل ناحية في إنتاج صناعة معينة.
فعلى سبيل المثال تخصصت مرسية في صناعة الطرز الذهبية والأساور المذهبة والسكاكين والأسلحة، أما المرية ومالقة فقد اشتهرتا بصناعة الخزف والأواني الزجاجية والأقمشة. واشتهرت غرناطة بصناعة البلد وهو ثوب حريري ملون. ومن إشبيلية شاعت صناعة الأقواس والرماح والسهام بالإضافة إلى صناعة السرج المزينة وغيرها (٦٣٦).
إن الوصف العام للحياة الاقتصادية في الأندلس كما أورده ابن سعيد ونقله المقري، جاء في مصادر متأخرة عن القرن الخامس الهجري/عصر الطوائف، إلا أن هذا الوصف يطابق أحوال هذا القرن وذلك:
١ - إن النباتات والحيوانات التي وجدت في الأندلس خلال هذه الفترة كانت
_________________
(١) ابن حيان، المقتبس، ج ٥ عصر الناصر.
(٢) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٢٠٨.
(٣) أيضًا، ج ٢، ص ١٩٩، ص ٢٠٥.
(٤) ينظر، الحميري، الروض المعطار، ص ١٨٣ - سالم، تاريخ مدينة المرية، ص ١٨ - عنان، الآثار الأندلسية الباقية، ص ٢٦٥.
(٥) ينظر، المقري، نفح، ج ١، ص ١٨٧.
(٦) المقري، نفح، ج ١، ص ١٨٨.
[ ٤٦٦ ]
معروفة في البلاد منذ أربعة قرون، وذلك أن أحوال المناخ لم تتغير، كما إن البلاد لم تشهد أية ظاهرة طبيعية كبرى، ما عدا سنوات القحط والمجاعة والتي سرعان ما تزول.
٢ - إن المعادن والمنتوجات الصناعية الأخرى المذكورة في هذا المصدر كانت تستغل على نطاق واسع خلال فترة الطوائف وقبلها أي في عهد الإمارة والخلافة الأموية. وبالإضافة إلى ذلك شهد عصر الطوائف تشييد أفخم القصور وأجمل المنشآت، والتي كانت تتطلب استهلاك قسط وفير من الذهب والفضة والمواد الأخرى المستعملة في التزيين والزخرفة (٦٣٧).
ومع ذلك فقد اختص عصر الطوائف بازدهار الزراعة حيث شغف ملوك الطوائف بإنشاء الحدائق والبساتين. وقد ظهر في هذا العصر عدة من علماء النبات والزراعة ولا سيما في طليطلة وإشبيلية حيث كانت حدائق بني ذي النون وحدائق بني عباد تشغل مساحات واسعة وتتطلب عناية الخبراء. وكان من أشهر علماء النبات والفلاحة في طليطلة ابن وافد الذي أشرف على حدائق بني ذنون. وكذلك العالم أبو عبد الله بن بصال المشهور بتجاربه العلمية الناجحة من توليد الغراس، ومكافحة الآفات الزراعية، وخلف لنا كتابه المشهور الفلاحة. وعالم إشبيلية الزراعي أبو عمر أحمد بن محمد بن حجاج صاحب كتاب (المقنع)، وكذلك أبو عبد الله محمد بن مالك الطغنري من أهل غرناطة وتلميذ ابن بصال وصاحب كتاب (زهر البستان ونزهة الأذهان) (٦٣٨). وأما عن الصناعات في عصر الطوائف فقد كانت رائجة، ومن أشهرها صناعة الحديد والنحاس والزجاج والنسيج، وكانت صناعة النسيج على الأخص من أهم الصناعات في أيام الطوائف، وكان بمدينة المرية وحدها خمسة آلاف منسج، تنتج أفخم وأجمل أنواع الأقمشة (٦٣٩). وكانت دول الطوائف ذات الثغور مثل إشبيلية والمرية وبلنسية ودانية وسرقسطة تجني من التجارة الخارجية أرباحًا كبيرة (٦٤٠).
ومما يدلل على وفرة خيرات الأندلس ونشاط تجارتها خلال هذه الفترة أن أمير دانية والجزائر الشرقية علي بن مجاهد العامري بعث مركبًا كبيرًا محملًا بالمؤن والأطعمة
_________________
(١) محمد بن عبود، التاريخ السياسي، ص ١٦٦ - ١٦٧.
(٢) ينظر، عنان، دول الطوائف، ص ٤٤١ - ٤٤٢.
(٣) ينظر أبو الفضل، تاريخ مدينة المرية، ص ٢٠٩ وما بعدها.
(٤) عنان، دولة الطوائف، ص ٤٤٢.
[ ٤٦٧ ]
عام ٤٤٧ هـ وأرسله إلى الإسكندرية مغيثًا أهل مصر التي كانت تمر بأزمة اقتصادية وهي أيام الشدة العظمى (٦٤١). ولكن في الوقت نفسه في عام ٤٤٨ هـ حصلت مجاعة كبرى في إشبيلية لدرجة اضطر فيها الناس إلى دفن كل ثلاثة أو أربعة أشخاص في قبر واحد، وأن المساجد خلت من المصلين. كما إن قفيز الحنطة (ثلاثين كيلوغرامًا) وصلت قيمته في قرطبة في إحدى فترات القحط ثلاثة دنانير (٦٤٢).
كان معظم أمراء الطوائف يمثلون أصحاب النفوذ والأموال الكثيرة، وقد أدى استقلالهم في مدنهم إلى زيادة ثرواتهم. فمثلًا كان بنو عباد حكام إشبيلية -قبل توليهم الحكم- يمتلكون ثلث كورة إشبيلية، وإن بني طاهر الذين تولوا حكم مدينة مرسية كانوا يمتلكون نصف المدينة، وأما أبا الحزم بن جهور الذي تولى أمر قرطبة فقد كان من أغنى أهلها وأفحشهم ثراء. وينطبق الأمر كذلك على أمراء بني الأفطس في بطليوس وأمراء بني ذنون في طليطلة، وأمراء بني هود في سرقسطة وغيرهم (٦٤٣).
وعندما تسلط هؤلاء الأمراء بدأوا بشتى السبل في زيادة أموالهم وثرواتهم وذلك عن طريق: مصادرة ممتلكات منافسيهم من أغنياء المدينة الكبار بعد اتهامهم بشتى التهم، كما فعل بنو عباد أمراء إشبيلية (٦٤٤). وكذلك عن طريق مصادرة أراضي الملاكين الصغار، وإرهاق كاهل المزارعين بالضرائب العالية، كما فعل مظفر ومبارك العامريان حكام بلنسية بالفلاحين حتى أنهم لبسوا الجلود والحصر وأكلوا الحشيش، وفر أكثر الفلاحين من قراهم (٦٤٥). والأسلوب الآخر الذي اتبعه ملوك الطوائف في جمع الثروة، هو إثقال كاهل الشعب بالضرائب الباهظة أو توسيع رقعة الإمارة بالوسائل العسكرية، فاشتط جامعو الضرائب في ظلم الناس (٦٤٦).
وهذه الأموال الطائلة التي جمعها الأمراء لم ينفقوها في سبيل الشعب ورفاهيته بل استغلت في بناء القصور والمنتزهات، والصرف على مجالس الطرب واللهو، وشراء الجواري، فمثلًا أمير السهلة ابن رزين يدفع ثلاثة آلاف دينار ليشتري مغنية حسناء (٦٤٧).
_________________
(١) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ٢٢٨ - ابن الخطيب، أعمال، ص ٢٢١.
(٢) صلاح خالص، إشبيلية، ص ٥٤.
(٣) ينظر، ابن بسام، الذخيرة، قسم ٢، مجلد ١، ص ٧ - صلاح خالص، إشبيلية، ص ٤٢ - ٤٣.
(٤) ينظر، عنان، دول الطوائف، ص ٣٤ - ٣٥.
(٥) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ١٦٢.
(٦) ابن عبدون، رسالة في الحسبة، ص ١٦٩.
(٧) ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ٣٠٨.
[ ٤٦٨ ]
ْبالإضافة إلى دفع الإتاوات إلى ملوك الإسبان من أجل الحفاظ على عروشهم المهزوزة (٦٤٨).
وبالرغم من القوة الاقتصادية التي كانت تتمتع بها بلاد الأندلس فإن عدم الاستقرار السياسي الذي تميز به عصر الطوائف كان له أثر سيء على الأوضاع الاقتصادية وذلك في مجالين:
١ - إن التقسيمات السياسية عرقلت التعاون الاقتصادي، كما أن عمق وحدة النزاع السياسي بين دول الطوائف زاد من اضطراب الأوضاع. هذا مع العلم أن كل إمارة استقلت اقتصاديًا عن الأخرى ولها وسائلها في جمع الأموال واستغلالها، فمعنى ذلك ظهور التمزق الاقتصادي لبلد الأندلس إلى جانب التمزق السياسي.
٢ - استغل ألفونسو السادس بصورة خاصة الأوضاع السياسية المتدهورة ببلد الأندلس ففرض شروطهُ المالية على أمرائها من أجل الاستحواذ بثمار الأندلس الاقتصادية والعمل على إضعافها وبالتالي بالسيطرة عليها بالتدريج، ولذا رأينا الغرامات الباهظة التي فرضها على أمراء الطوائف (٦٤٩). فمثلًا طلب ألفونسو من الأمير عبد الله بن بلقين عشرين ألف مثقال. كما وعد ابن عمار وزير المعتمد بن عباد بتسليم ألفونسو السادس خمسين ألف مثقال مقابل مساعدته العسكرية ضد الأمير عبد الله حاكم غرناطة (٦٥٠)، كما فرض ألفونسو السادس على ابن ذي النون مبلغ مائة وخمسين ألف مثقال تضاف إليها خمسمائة أوقية من القمح تدفع لعساكره مقابل أن يعيده إلى حكم طليطلة (٦٥١).
وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية، وكانت نقطة الانطلاق في السياسة المالية المرابطية تتمثل في محاولة تطبيق الكتاب والسنة في ميدان السياسة الجبائية، وهي الاعتماد على موارد الزكاة والأعشار والجزية وأخماس غنائم المشركين. ومع هذا وجد في بيت مال يوسف بن تاشفين بعد وفاته ثلاثة عشر ألف ربع من الورق، وخمسة آلاف وأربعين ربعًا من دنانير الذهب المطبوعة (٦٥٢). ولكن توسع الدولة وازدياد مسؤولياتها
_________________
(١) ينظر، صلاح خالص، إشبيلية، ص ٤٣ - ٤٦.
(٢) ينظر، محمد بن عبود، التاريخ السياسي، ص ١٦٧ - ١٦٨.
(٣) المقري، نفح، ج ١، ص ٦٩.
(٤) أيضًا، ج ١، ص ٧٧ - محمد بن عبود، المرجع السابق، ص ١٧٥.
(٥) ينظر، الحبيب الجنحاني، " السياسة المالية للدولة المرابطية "، مجلة المؤرخ العربي، العدد ١٣، ص ١٥.
[ ٤٦٩ ]
العسكرية دفعت ولاة الأمر إلى فرض الإتاوات على أهل المغرب والأندلس، فنرى يوسف بن تاشفين يفرض أموالًا كثيرة على يهود اليسانة بالأندلس (٦٥٣)، ولجأ علي بن يوسف إلى فرض الإتاوات على مختلف الصنائع والسلع وبخاصة على الصابون والعطور والنحاس والمغازل، كما أنه استخدم المسيحيين الإسبان في تحصيل الجبايات (٦٥٤).
ازدهرت الصناعة في بلاد المغرب في ظل المرابطين بعد أن أصبحت الأندلس ولاية تابعة لها، وذلك لأن ولاة الأمر المرابطين استفادوا من خبرات أهل الأندلس في الصناعة (٦٥٥). فزيادة على استعانة ولاة الأمر من المرابطين بصناع ومهرة الأندلس، كانت السفن تسير في قوافل منتظمة تحمل البضائع المختلفة بين المغرب والأندلس. وكان المغرب يمد الأندلس بالغلات وأنواع الطعام المختلفة في العصور السابقة لعهد المرابطين (٦٥٦)، وقد استمر هذا الأمر عندما أصبحت الأندلس ولاية مرابطية. ومن ناحية أخرى، فإن الأندلس كان يصدر إلى المغرب كثيرًا من البضائع ومنها الفواكه، وكذلك القطن الجيد المزروع بأرض إشبيلية (٦٥٧)، وكان معدن الزئبق أيضًا ممّا يصدرهُ الأندلس إلى المغرب (٦٥٨)، أما الحصى الملون فإن الأمراء بمراكش كانوا يستوردونه من المرية ليزينوا به بعض أدوات الطعام (٦٥٩). وقد وصف الإدريسي مدينة المرية في عهد المرابطين بازدهار الصناعات الحريرية والمنسوجات الأخرى (٦٦٠). وكانت الأندلس كذلك تصدر الأدوات الخشبية إلى المغرب، وكذلك المنسوجات التي اشتهرت بها مدينة بلنسية (٦٦١).
تميز عهد المرابطين سواء في المغرب أو في الأندلس برفاهٍ اقتصادي في ميداني الزراعة والصناعة، إضافة إلى أنهم كانوا يسيطرون على سجلماسة وهي نهاية طريق مهم للقوافل التي تتاجر بذهب بلاد السنغال. وقد استمر فيضان الذهب عبر هذا الطريق بعد
_________________
(١) عنان، عصر المرابطين، ص ٤٢١.
(٢) ابن الأثير، الكامل، ج ٨، ص ٢٩٦ - النويري، نهاية الأرب، ج ٢٢، ص ٨٥.
(٣) السامرائي، علاقات، ص ٤٧٩.
(٤) ينظر ابن حوقل، صورة الأرض، ص ٨٢.
(٥) الحميري، الروض المعطار، ص ٢١.
(٦) المراكشي، المعجب، ص ٤٤٨.
(٧) المقري، نفح، ج ٤، ص ٢٠٦.
(٨) وصف المغرب والأندلس، ص ١٩٧ - مورينو، الفن الإسلامي في إسبانيا، ص ٤١٩.
(٩) الحميري، الروض المعطار، ص ١٦٥ - المقري، نفح، ج ٤، ص ٢٠٧.
[ ٤٧٠ ]
أن انقطع وروده عن طريق المسالك الصحراوية الغربية، وظل الدينار المرابطي الذهبي الذي يزن أربع غرامات ونصف (٦٦٢)، مستخدمًا لعدة قرون كأهم عملة ذهبية في المغرب (٦٦٣).
وقد عثر على كميات كبيرة من الدنانير المرابطية في شمال البلاد الإسبانية وفي غرب فرنسا، مما يدل على نشاط التجارة بين ممتلكات المرابطين وبين سائر بلاد أروبا (٦٦٤)، وحتى يروى أن هذه العملة وصلت إلى القسطنطينية (٦٦٥).
ونظرًا لضراوة معارك الجهاد التي خاضتها دولة المرابطين ضد الممالك الإسبانية، فقد كثرت غنائم المرابطين من سلاح وحيوانات وأموال وأسرى. وأدى ذلك إلى نشاط تجارة هذه المواد في أسواق الأندلس والمغرب، ولا سيما تجارة الرقيق بالذات (٦٦٦).
وعمومًا وصف النظام الاقتصادي في الأندلس والمغرب في ظل المرابطين بالرفاء والاستقرار ورخص الأسعار، إلا أن هذا الأمر تبدل في أواخر عهد المرابطين، عندما اضطربت الأوضاع بظهور حركة المهدي بن تومرت، وبتمرد أهل الأندلس على الحكم المرابطي (٦٦٧).
وأصبحت الأندلس ولاية موحدية، واتبعت الحكومة الموحدية في شؤون الجباية، سياسة الالتزام بأحكام الشرع على ما يجيزه من الزكاة والعشر. فقد نوهت رسالة عبد المؤمن التي وجهها إلى الطلبة والمشيخة والأعيان بالأندلس في عام ٥٤٣ هـ إلى المغارم والمكوس والقبالات وتحجير المراسي وغيرها من المظالم، ووجوب القضاء عليها وإجراء العدل في شأنها (٦٦٨). إلا أن هذه الموارد لم تكن كافية لسد متطلبات الدولة الموحدية التي تحملت أمر الجهاد في الأندلس، فاضطرت هذه الدولة إلى البحث عن
_________________
(١) حركات، المغرب عبر التاريخ، ص ٢٠٣ - عبد العزيز بن عبد الله، مظاهر الحياة المغربية، ج ١، ص ٧٥.
(٢) أرشيبالد، القوى البحرية، ص ٣٨٧.
(٣) الحبيب الجنحاني، المرجع السابق، ص ٢٠.
(٤) حركات، المرجع السابق، ص ٢٣١ - Barbour، Morocco P. ٥٩
(٥) الصديق بن العربي، طوائف وشخصيات مسيحية بالمغرب، ص ١٥٥ - السامرائي، علاقات، ص ٤٨٤.
(٦) عنان، عصر المرابطين، ص ٤٣٧.
(٧) عنان، عصر الموحدين، ص ٦٢٤ - ٦٢٥.
[ ٤٧١ ]
وجوه جديدة لجمع الأموال. فقام عبد المؤمن عام ٥٥٤ هـ بمسح بلاد المغرب من برقة إلى السوس الأقصى، وأسقط مقدار الثلث من مساحتها -مقابل الجبال والأنهار والطرقات- وفرض الخراج على الأراضي الصالحة للزرع، وألزم كل قبيلة أن تؤدي قسطها من الزرع والمال (٦٦٩). ومن جهة أخرى، فإن الدولة الموحدية كانت إلى جانب ما يدخل خزائنها من غنائم وأموال المصادرات، إلا أنها لم تحجم عن فرض الضرائب والمكوس على مختلف أنواع المعاملات من البيع والشراء، والصادر والوارد، إضافة إلى ما كانت تستولي عليه من أموال اليهود والمسيحيين الذين بقوا في أراضي الدولة، ولا سيما خلال حركات الاضطهاد والمطاردة (٦٧٠).
وكان من الإجراءات المالية الهامة التي قامت بها الخلافة الموحدية مضاعفة وزن الدينار الموحدي، وكان له أثره في تحسين الأمور الاقتصادية وتوفير الثقة في التعامل الاقتصادي (٦٧١).
واستمرت العلاقات الاقتصادية بين المغرب والأندلس قائمة، وقد تمثل ذلك في نشاط التبادل التجاري. فقد اشتهرت المرية وقرطبة بأسواقها وتصدر إلى المغرب الأخشاب والحبوب والمصنوعات والكتان. كما حملت المراكب من المغرب إلى الأندلس أنواع الغلات والحبوب والطعام وتعود بالتين والعنب والقطن وزيت الزيتون.
أما المنسوجات فكان أهل مراكش يستوردونها من بلنسية، ومما ساعد على النشاط التجاري، قيام المغرب الأقصى بدور الوسيط بين إقليم السودان في الجنوب والأندلس في الشمال، فكان التجار يحملون الذهب والصمغ إلى الأندلس، ثم يعودون بالمحاصيل الزراعية والمنتجات الصناعية إلى بلاد السودان (٦٧٢).
ومن مظاهر عناية الموحدين بالزراعة في الأندلس هو تنفيذ أوامر الخليفة عبد المؤمن باستصلاح أراضي جبل طارق، وغرسها بمختلف أنواع الفاكهة كالتين والعنب والتفاح والسفرجل والمشمش وغيرها. كذلك تم استصلاح أراضٍ واسعة في مدينة إشبيلية بناءً على أوامر الخليفة أبي يعقوب يوسف ثم غرسها بأشجار الزيتون، ثم عني
_________________
(١) روض القرطاس، ص ١٢٩ - وطبعة أخرى، ص ١٩٨ - ١٩٩ - محمد ولد دادة، مفهوم الملك في المغرب، ص ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) عنان، عصر الموحدين، ص ٦٢٦.
(٣) جوليان، تاريخ أفريقيا الشمالية، ج ٢، ص ١٦٠.
(٤) أبو رميلة، علاقات، ص ٤٧٤.
[ ٤٧٢ ]
بجلب الماء إليها من الوادي بواسطة قنوات تحت الأرض (٦٧٣).
واستمرت الأندلس تنعم بالرخاء والاستقرار الاقتصادي منذ عهد عبد المؤمن إلى أواخر عهد المنصور، شأنها شأن المغرب. فإذا عكر صفو الأمن في بلاد المغرب هجمات القبائل العربية، وهجمات أمراء بني غانية، فإن الأندلس اضطربت سياسيًا واقتصاديًا بسبب فتن وحركات ابن هود وابن مردنيش وما جرى بينهم من حروب مدمرة أولًا وبسبب هجمات الممالك الإسبانية على المدن الأندلسية التي أسقطت كثيرًا من هذه المدن بيد الإسبان بسبب الحصار الاقتصادي وأوشك أهلها على الموت جوعًا ثانيًا.
فحلت بذلك المحن والنوائب ببلد الأندلس، وقامت الأزمات الاقتصادية وشاع القحط والمجاعة وعم الغلاء (٦٧٤).
ومن الجانب الآخر، فإن المعاهدات التجارية التي عقدتها دولة الموحدين مع جمهورية جنوة وبيزا ومع صقلية، سمحت لسفن هذه الدول التردد بأمان في موانئ الأندلس، وبالذات في ميناء المرية، وموانئ المغرب، فنشطت بذلك التجارة بين الطرفين (٦٧٥). ويصعب على الباحث إيجاد دراسة كاملة عن التنظيم المالي في مملكة غرناطة، إلا أنه يمكن تحديد أسس النظم المالية فيها كما يلي:
١ - كان هناك وظيفة المشرف على ممتلكات السلطان الخاصة، وقد أطلق عليه إسم الوكيل. فمحمد بن المحروق كان وكيلًا على ممتلكات السلطان إسماعيل الأول قبل تسلمه منصب الوزارة (٦٧٦).
٢ - أبعد سلاطين غرناطة اليهود والمسيحيين عن وظيفة الجباية، عكس دولة المرابطين وغيرها التي اعتمدت عليهم (٦٧٧).
٣ - كان سلاطين غرناطة يدفعون الأموال الكثيرة إلى ملوك الإسبان فيروى أن السلطان محمد الأول كان يدفع ربع ما في بيت ماله وقيل بأنه كان يدفع نصف ما موجود في بيت المال، وفي عام ٧٠٩ هـ رفع فرديناند الرابع الحصار عن الجزيرة
_________________
(١) ينظر، ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة، ص ١٣٣ - أبو رميلة، علاقات، ص ٤٨٠.
(٢) ينظر، عنان، عصر الموحدين، ص ٦٢٧.
(٣) محمد ولد دادة، مفهوم الملك في المغرب، ص ١٧٤ - ١٧٦.
(٤) ينظر، ابن خلدون، المقدمة، ص ٢٤٢ - فرحات، غرناطة، ص ٧٩.
(٥) فرحات، غرناطة، ص ٧٩.
[ ٤٧٣ ]
الخضراء مقابل خمسين ألف قطعة ذهبية دفعها السلطان أبو الجيوش نصر من بيت المال، كما أن ألفونسو العاشر الحكيم فرض على ابن الأحمر مبلغ خمسين ألف قطعة ذهبية أي ما يعادل سدس ما حوته خزينة الدولة النصرية (٦٧٨).
٤ - كانت أهم واردات بيت المال في الدولة النصرية، الجزية التي تؤخذ من أهل الذمة، وصدقات المسلمين وهي الزكاة والعشور على الماشية والمحصولات الزراعية، والضرائب على التجارة، أما ضريبة التجارة البحرية والصيد فمقصورة على ميناء مالقة ومربلة (٦٧٩). ومن موارد بيت المال ضريبة المواريث وغنائم الحروب (٦٨٠).
٥ - كانت نقود بني الأحمر في غرناطة من الصنف الممتاز، وكانت نقودهم من أفضل النقود (٦٨١). ومما يذكر في هذا المجال أن فريقًا من مسيحيي أرغون عمدوا أيام ملكهم بطرة الرابع إلى ضرب عملة مزيفة شبيهة بنقود المسلمين وتاجروا بها مدة مع الغرناطيين، إلا أن هذه النقود المزيفة قد اكتشفت (٦٨٢). وكانت دنانيرهم تتألف من الذهب والفضة والنحاس، وكان الدينار الذهبي يساوي عشرة دراهم فضية، وهناك عملة القيراط وهي نصف الدرهم (٦٨٣).
٦ - ازدهرت الزراعة في مملكة غرناطة، وساعد على هذا الازدهار طبيعة الأرض وما حوته الأنهار والوديان والسهول الخصبة واهتموا بقنوات الري. وأهم المحاصيل الزراعية، الكروم الذي يعصرونه في عيد اشتهرت به مملكة غرناطة (٦٨٤)، وكذلك الزيتون والبرتقال والحبوب على أنواعها (٦٨٥).
واشتهرت مملكة غرناطة بصناعة الأسلحة كالسيوف والخناجر والدروع والرماح وهذا أمر يتطلبه وضعهم الجهادي ضد الممالك الإسبانية. بالإضافة إلى شهرتهم في
_________________
(١) ينظر، ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٧٤ - فرحات، غرناطة، ص ٨٠.
(٢) ينظر، أيضًا، ص ٤٠ - أيضًا، ص ٨١.
(٣) فرحات، غرناطة، ص ٨١.
(٤) ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٤٠.
(٥) فرحات، غرناطة، ص ٨١.
(٦) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ١٣٧ - ١٣٨.
(٧) ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٤٠.
(٨) ينظر، فرحات، غرناطة، ص ١٤١ وما بعدها.
[ ٤٧٤ ]
صناعة الصوف والحرير والأقمشة الملونة، كما أتقن الغرناطيون صناعة الخزف وغيرها (٦٨٦).
أما تجارة الدولة فكانت نشطة مع مصر وبلاد الشام وشمالي أفريقية، وكذلك مع مملكتي قشتالة وأرغون وبعض جمهوريات إيطاليا وبخاصة مع جمهورية جنوة (٦٨٧)، وساعدها على ذلك موقعها البحري. وتشير الروايات إلى رخص الأسعار في مملكة غرناطة، فرطل اللحم يباع بدرهم (٦٨٨)، وثمانية أرطال من العنب بدرهم أو بدرهمين.
وكانت المواد الغذائية في العاصمة غرناطة أغلى من سائر المناطق، ويعود ذلك إلى ازدياد عدد سكانها بعد نزوح أبناء المدن والقرى التي وقعت في أيدي الإسبان إليها (٦٨٩).
_________________
(١) المقري، نفح، ج ١، ص ١٦٣ - فرحات، غرناطة، ص ١٤٤ - ١٤٦.
(٢) فرحات، غرناطة، ص ١٥٠ - ١٥١.
(٣) المقري، نفح، ج ١، ص ١٤٣ - ١٤٤ - ص ٢١١، ص ٢١٨.
(٤) ينظر، ابن خلدون، المقدمة، ص ٣٦٤ - فرحات، غرناطة، ص ١٤٦.
[ ٤٧٥ ]