بدأ العرب عملية فتح الأندلس في عام ٩٢ هـ، واستكمل فتحها عام ٩٥ هـ وبدأ العصر الإسلامي الأول فيها، والذي يعرف باسم عصر الولاة (٩٥ - ١٣٨ هـ). شهد هذا العصر كثيرًا من الحملات العسكرية التي سارت إلى الشمال لإخضاع المتمردين الإسبان، أو العبور وراء جبال البرتات لوضع حد لهجوم الفرنجة، أو فتح أراضٍ جديدة وراء هذه الجبال.
وتميز هذا العصر بعدم الاستقرار السياسي بسبب المنازعات القبلية الكثيرة فيه، والذي أدى إلى تعاقب أربعة وعشرين واليًا لحكم هذه الولاية (١)، فأدى هذا الأمر إلى عدم استقرار المجتمع الأندلسي في هذا العصر، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن أكثر الداخلين إلى الأندلس في هذه الفترة كانوا جنودًا وحكامًا، اهتموا بالأمور السياسية والعسكرية بالدرجة الأولى.
ومع ذلك فقد عرفت الأندلس في عصر الولاة نوعًا من الثقافة، كانت اللبنة الأولى لبناء صرح حضارة العرب فيها. فقد دخل الأندلس في فترة الولاة مجموعة من الصحابة والتابعين، رافقوا عمليات الفتح أو بعدها (٢)، وكان واجبهم الأول بعد الجهاد تفقيه الناس بأمور الدين، وتخطيط المساجد في أمهات المدن الأندلسية المفتوحة، والتركيز على علوم الدين واللغة أولًا (٣). ويبدو لنا أن أماكن التعليم في هذا العصر كانت لا تتجاوز حلقات المساجد أولًا، والكتاتيب التي ورد لها ذكر في أواخر عصر الولاة ثانيًا (٤).
_________________
(١) هيكل، الأدب الأندلسي، ص ٥٨ - الحجي، المرجع السابق، ص ٢٠٧ وما بعدها.
(٢) ينظر، المراكشي، المعجب، ص ١٩ - ١٠ - المقري، نفح الطيب، ج ٢، س ٥١ وما بعدها - هيكل، المرجع السابق، ص ٦٠ - ٦١ - الحجي، المرجع السابق، ص ١٤٩ وبعدها.
(٣) صاعد، طبقات الأمم، ص ٦٢.
(٤) كريم عجيل حسين، الحياة العلمية، ص ٢٠٨، ص ٢٢٣.
[ ٣١٣ ]
وفي هذا العصر ظهرت البوادر الأولى للأدب العربي المتمثل في الشعر والنثر والخطابة، فهناك أبيات من الشعر نُسبت إلى فاتح الأندلس الأول طارق بن زياد منها:
ركبنا سفينًا بالمجاز مقيَّرا عسى أن يكون الله منّا قد اشترى (٥)
ونسب إليه الخطبة المشهورة: " أيها الناس، أين المفر "، فلو صحت نسبة
هذين النصين إلى طارق بن زياد، لقررنا أن هذين النصين كانا أول أدب عربي ظهر في الأندلس خلال عصر الولاة، إلا أن الشك يدور حول نسبة هذين النصين إلى طارق بن زياد، وقد قدم بعض الباحثين دراساتهم في هذا المجال (٦).
إلا أن بعض المصادر حفظت لنا بعض الشعراء في عصر الولاة ونماذج من شعرهم، ويأتي في طليعتهم: أبو الأجرب جعونة بن الصمة الذي هجا الصميل بن حاتم زعيم القبائل القيسية ومن ثم مدحه بعد ذلك، وكذلك بكر الكنائي، وقد سأل أبو نواس عباس بن ناصح عندما التقى به في العراق عن هذين الشاعرين وعن نماذج من شعرهما.
ومن شعر جعونة:
ولقد أراني من هواي بمنزل عال ورأسي ذو غدائر أفرعُ
والعيش أغيد ساقط أفنانه والماء أطيبه لنا والمرتع (٧)
ومن شعراء هذا العصر أيضًا، الوالي أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي ١٢٥ - ١٢٨ هـ/٧٤٣ - ٧٤٦ م، والذي كان يلقب بعنترة الأندلس (٨)، ومن شعره:
فليت ابن جواس يخبر أنني سعيت به سَعْيَ امرئ غير عاقلِ
قتلتُ به تسعين تحسب أنهم جذوع نخيل صُرِّعت في المسايل
ولو كانت الموتى تباع اشتريته بكفي وما استثنيت منها أناملي (٩)
هذه النماذج البسيطة من الشعر قالها شعراء مشارقة وفدوا إلى الأندلس، فهو
_________________
(١) المقري، نفح الطيب، ج، ص ١٢٤.
(٢) الحجي، المرجع السابق، ص ٥٧ وبعدها - هيكل، المرجع السابق، ص ٦٩ وبعدها، السامرائي، " طارق بن زياد بين الخطبة وإحراق السفن " مجلة آفاق جامعية.
(٣) ينظر، ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ١٣١ - ١٣٢ - المقري، نفح الطيب، ج ٢، ص ١٥٦ - الضبي، بغية الملتمس، ص ٢٦١ (رقم، ٦٢٦).
(٤) الضبي، بغية الملتمس، ص ٢٧٦ - رقم (٦٨٦)، الحميدي، جذوة المقتبس، ص ٢٠٠ رقم (٤٠٢) - مجهول، أخبار مجموعة، ص ٥٦ - ٦٠.
(٥) الحميدي، المصدر السابق، ص ٢٠٠ - ٢٠١ - ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، ص ١٨ - ١٩.
[ ٣١٤ ]
يتناول المدح والهجاء والفخر والحماسة على غرار شعر المشرق، ولا أثر للأندلس على هذه النماذج التي قيلت، سوى أنها قُرئت في أرض الأندلس ليس إلا.
وبجانب الخطبة المنسوبة إلى طارق بن زياد، فإن ظروف العصر تتطلب الخطب الحماسية أولًا في مجال الحروب الجهادية أو في مجال الحروب القبلية، كما أن دعاة الإسلام في الأندلس يتطلب الأمر منهم إلقاء الخطب الدينية في أيام الجمعة أو أوقات الدعوة ثانيًا (١٠).
والكتابة كانت ضرورية تقتضيها ظروف الفتح وإدارة البلاد، وإعطاء المواثيق وكتابة المعاهدات. ومن أشهر كتابات هذا العصر عهد موسى بن نُصير إلى تُدمير، وعهد بنبلونة، ورسالة يوسف الفهري آخر ولاة الأندلس إلى عبد الرحمن الداخل (١١). ومن أشهر كتاب هذا العصر خالد بن يزيد كاتب يوسف الفهري، وكذلك أمية بن زيد الذي دخلَ الأندلس مع جنود بلج بن بشر، واتصل بخالد بن يزيد فجعله كاتبًا معه (١٢).
وكانت الخصائص الفنية لهذا النثر هي خصائص النثر المشرقي نفسه الذي كان معروفًا في عصر بني أمية، فهو يميل إلى الإيجاز، ويعنى بقوة العبارة أكثر من عنايته بتجميلها، ثم خلوه من المقدمات الطويلة (١٣).
وفي الوقت نفسه لم يتوفر لفاتحي الأندلس التأثر بالثقافة القوطية المحلية، نظرًا لضعف هذه الثقافة، وضيق أفقها، واقتصارها على المجال الديني بصورة خاصة. إضافة إلى أن ظروف الأندلس السياسية في عصر الولاة، أوجدت فيها جوًا لا يلائم أي تقدم في مضمار الثقافة، لانهماك الناس بالمنازعات الكثيرة التي سيطرت على مسرح الأحداث، لذا اقتصر اقتباس الأندلسيين من الثقافة في هذا العصر على ما هو ضروري من المشرق العربى، لتمشية أمور الحياة وفق أحكام الدين الإسلامي. أما في مجال العلوم الصرفة، فكان أهل الأندلس منذ الفتح حتى بداية عصر الإمارة يعتمدون في الطب على كتاب مترجم من كتب المسيحيين يقال له الإبرشيم (المجموع - الجامع) (١٤).
_________________
(١) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٣٤ - مؤلف مجهول، أخبار مجموعة، ص ٦١ - هيكل، المرجع السابق، ص ٦٥.
(٢) ينظر، الحميري، الروض المعطار، ص ٦٢ - ٦٣ - العذري، نصوص عن الأندلس، ص ٤ - ٥ - السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٨٦.
(٣) ابن عذاري، البيان المغرب، ج ٢، ص ٤٥ - ٤٦.
(٤) هيكل، المرجع السابق، ص ٦٦ - ٦٧.
(٥) أحمد بدر، دراسات في تاريخ الأندلس، ج ١، ص ١٦٩ - ١٧٠ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ٢٠٧.
[ ٣١٥ ]
من المعروف أن الحضارة الأندلسية لم تنشأ فجأة، بل مرت في أدوار مختلفة، وخضعت لمؤثرات حضارية مشرقية تربطها بالوطن الأم باعتبارها جزءًا منه، كما خضعت أيضًا لمؤثرات حضارية محلية بحكم البيئة التي نشأت فيها (١٥).
ففي عصر الولاة كانت الأندلس تابعة للسيادة الأموية سواء في بلاد الشام أم في قرطبة، ولهذا كان من الطبيعي أن تتأثر بالمظاهر الحضارية الشامية جميعًا، وهو ما يسمى بالتقليد الشامي:
فمن الناحية الدينية، اعتنق الأندلسيون في هذه الفترة مذهب الإمام الأوزاعي (عبد الرحمن بن يحمد الأوزاعي ٨٨ - ١٥٧ هـ) (١٦)، الذي كان من المجاهدين الذين رابطوا في مدينة بيروت لصد غارات العدو البيزنطي البحرية، ولهذا اهتم مذهبه بالتشريعات الحربية وأحكام الجهاد، وهذا الاهتمام كان يناسب وضع الأندلسيين في هذه الفترة من حياتهم القائمة على حروب الجهاد، ولهذا اعتنقوا هذا المذهب.
وتختلف الروايات حول العالم الأول الذي نقل مذهب الأوزاعي إلى الأندلس فترجح بين القاضي الغرناطي أسد بن عبد الرحمن (توفى عام ١٥٠ هـ) وصعصعة بن سلام الشامي الأندلسي (توفى عام ١٩٢ هـ أو ٢٠٢ هـ) (١٧) أما الحياة الأدبية في الأندلس في هذا العصر فقد كانت صدى لحياة الشام الأدبية، فالشعر الذي قاله أشهر شعراء هذه الفترة -وقد ذكرنا بعضهم- كان يحاكي شعر الفرزدق والأخطل وجرير بالمشرق (١٨).
وإذا أخذنا بالتقسيم السياسي لعصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ حسب منهج الدكتور أحمد بدر (١٩)، وهو على الترتيب الآتي:
١ - عصر التأسيس ١٣٨ - ١٧٢ هـ/٧٥٦ - ٧٨٨ م (عصر عبد الرحمن الداخل).
٢ - عصر التوطيد ١٧٢ - ٢٠٦ هـ/٧٨٨ - ٨٢٢ م (عصر هشام الأول ١٧٢ - ١٨٠ هـ، وعصر الحكم بن هشام ١٨٠ - ٢٠٦ هـ).
_________________
(١) العبادي، المرجع السابق، ص ٣١٦.
(٢) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج ٣، ص ١٢٧.
(٣) ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، ج ١، ص ٧٤ (رقم ٢٣٩) - الذهبي، العبر في خبر من غبر، ج ١، ص ٣٠٩.
(٤) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٣٧ - ٤٧ - السامرائي، " أثر العراق الحضاري على الأندلس "، ص ٦.
(٥) دراسات في تاريخ الأندلس، ج ١، ص ٧٢ وما بعدها.
[ ٣١٦ ]
٣ - عصر الاستقرار والازدهار ٢٠٦ - ٢٧٣ هـ/٨٢٢ - ٨٨٦ م وهو عصر عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - ٢٣٨ هـ وعصر ابنه الأمير محمد ٢٣٨ - ٢٧٣ هـ.
٤ - عصر الحرب الأهلية، ٢٧٣ - ٣٠٠ هـ/٨٨٦ - ٩١٢ م، وهو عصر الأمير المنذر بن محمد ٢٧٣ - ٢٧٥ هـ وعصر الأمير عبد الله بن محمد ٢٧٥ - ٣٠٠ هـ، نرى أن الملامح الشامية للحضارة العربية دخلت الأندلس في عصر الولاة وعصر التأسيس من عصر الإمارة، وأن الملامح الحجازية دخلت في عصر التوطيد من عصر الإمارة، كما أن الملامح العراقية دخلت في عصر الاستقرار والإزدهار من عصر الإمارة وما تلاه من عصور (٢٠).
أما التأثير الحجازي، فبدأ في عصر التوطيد، ولعل السبب الذي أدى إلى ضعف التأثير الشامي على الأندلس هو أن سليمان وعبد الله من أولاد الداخل قد تمردوا على أخيهم الأمير هشام، وكان وراءهما الحزب الشامي في الأندلس، فلما انتصر الأمير هشام على إخوانه، هربوا إلى شمالي أفريقية، وضعف الحزب الشامي بالأندلس، فنتج عن ذلك ضعف شأن التأثير الشامي الذي سيطر على الأندلس، وبذلك نجد الأندلسيين، وبخاصة أميرهم، يبحثون عن آفاق حضارية جديدة غير الشامية، فاهتدوا إلى الملامح الحجازية.
وكان الحجاز في القرن الثاني للهجرة مركزًا حضاريًا هامًا للفنون والموسيقى، والعلوم الدينية، ففي مجال الفنون، ظهرت الممارسات الموسيقية الأولى في الحجاز وهي عبارة عن الموسيقى العربية الأصلية الممزوجة بالمؤثرات الفارسية والبيزنطية نتيجة حركة الفتوحات العربية، وكان هناك تنافس بين مكة والمدينة في هذا المجال. وسرعان ما انتقل هذا الفن إلى الأندلس عن طريق الجواري والمغنين الذين رحلوا إلى الأندلس ونقلوا معهم هذه المظاهر الحضارية. وفي المقدمة تأتي المغنية (عجفاء) التي أثارت إعجاب الأندلسيين في عهد الأمير هشام، ويأتي بعدها الثنائي الغنائي الحجازي (علون وزقون) في عهد الأمير الحكم (٢١).
أما في مجال العلوم الدينية، فقد كانت المدينة المنورة مركز العلوم الدينية، وقد توج نضوج هذه العلوم وجود الإمام مالك بن أنس فيها (توفي عام ١٧٩ هـ) صاحب
_________________
(١) السامرائي، " أثر العراق الحضاري "، ص ٢.
(٢) المقري، نفح، ج ٣، ص ١٣٠ - سالم، قرطبة حاضرة الخلافة، ج ٢، ص ٨٦.
[ ٣١٧ ]
كتاب الموطأ الذي يعني (السهل الواضح)، وقد ذاعت شهرة الإمام مالك في العالم الإسلامي، فأقبل الأندلسيون على اعتناق مذهبه في عهد الأمير هشام. وشاع هذا المذهب في الأندلس بعد أن استهوى الأمير هشام ومن حوله من الفقهاء ورواد الحديث، تاركين مذهب الأوزاعي. والروايات تعزو هذا التحول إلى الإعجاب المتبادل بين مالك والأمير هشام، هذا الإعجاب الذي جسده الفقهاء الأندلسيون تلاميذ مالك، دون أن يرى أحدهم الآخر (٢٢). بالإضافة إلى التعاطف بين الأمير هشام ومالك الناجم عن عداوة الاثنين للعباسيين، إذ ساند الإمام مالك ثورة محمد ذي النفس الزكية في المدينة عام ١٤٥ هـ ضد الخليفة العباسي المنصور، وقد أفتى مالك بجواز تحلل المسلمين من بيعة المنصور، ولذا لقي كبير عناء من العباسيين (٢٣).
كذلك لا يُنسى دور علماء الأندلس الذين رحلوا إلى الحجاز ودرسوا على يد الإمام مالك، فنقلوا مذهبه إلى الأندلس، وفي مقدمتهم أبو عبد الله زياد بن عبد الرحمن اللخمي (توفي عام ٢٠٤ هـ أو قبلها) والملقب بـ (شبطون) الذي أدخل مذهب مالك إلى الأندلس، وأخذه عنه يحيى بن يحيى الليثي (عاقل الأندلس) كما لقبه الإمام مالك.
وتذكر الروايات أن يحيى بن يحيى أخذ عن الإمام مالك بالذات وروى عنه الموطأ، وتعتبر روايته من أصح الروايات (٢٤). ويليه عيسى بن دينار الفقيه المشهور، وعبد الملك بن حبيب السلمي الذي أخذ من طبقة أصحاب مالك وعاد إلى الأندلس ليدون كتاب الواضحة (٢٥).
وتعلل الروايات أن الشبه الكبير بين طبيعة أهل المغرب والأندلس وطبيعة أهل الحجاز، من حيث البساطة، كان من أسباب انتشار المذهب المالكي في مغرب العالم الإسلامي. ولهذا إن عقلية أهل المغرب والأندلس كانت تغلب عليها نزعة أهل الحديث، وجانبوا نزعة أهل الرأي والقياس (مذهب أبي حنيفة) (٢٦).
_________________
(١) إبراهيم بيضون، الدولة العربية في إسبانيا، ص ٢٢٤ - بروفنسال، حضارة العرب في الأندلس. ص ٤٣.
(٢) المسعودي، مروج الذهب، ج ٣، ص ٣٤٠ - ابن الأثير، الكامل، ج ٥، ص ٥٣٢.
(٣) ابن فرحون، الديباج المذهب، ج ٢، ص ٣٥٢ - عبد البديع، الإسلام في إسبانيا، ص ٤٠.
(٤) ابن الفرضي، المصدر السابق، ج ١، ص ٢٦٠ - ٢٧١ (رقم ٨١٦) - ج ١، ص ٢٠٣ (رقم ٦١٠)، ج ٢، ص ١٨٠ (رقم ١٥٥٦) - أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج ٣، ص ٤٨ - ٤٩ أحمد بدر، المرجع السابق، ج ١، ص ١٧٣.
(٥) العبادي، المرجع السابق، ص ٣٢٦ - ٣٢٧ - أحمد أمين، المرجع السابق، ج ٣، ص ٢٩.
[ ٣١٨ ]
ولم يقف الأمر عند انتشار المذهب المالكي في الأندلس في هذه الفترة فقط، بل تعداه إلى انتشار قراءة أهل المدينة للقرآن - وبالذات قراءة نافع بن عبد الرحمن (توفي عام ١٦٩ هـ) (٢٧) للقرآن (قارئ أهل المدينة) في الأندلس. وينسب إلى الغازي بن قيس إدخال هذه القراءة على عهد الأمير الداخل، وقد امتدح الإمام مالك هذه القراءة.
وكذلك قلدت الأندلس الحجاز في تنقيط القرآن وتشكيله (٢٨). وحاول المذهب الحنفي طرق أبواب الأندلس، إلا أن ولاة الأمر فيها وبخاصة الأمير هشام أغلقوا الأبواب دون دخول هذا المذهب (٢٩).
أما الأدب الأندلسي في فترة التأسيس والتوطيد، فسار على النهج التقليدي المشرقي من فخر وحماسة ومدح، إلا أنه أيضًا ظهرت بوادر أوليات الأدب الأندلسي، فهناك التجديد الموضوعي، وتزعمه الشاعر أبو المخشي عاصم بن زيد العبادي، الذي يتحدث في شعره عن محنته حين فقد بصره، فعبر عن هذه المحنة تعبيرًا إيحائيًا بسيطًا مؤثرًا، وذلك حيث ذكر زوجته وخضوعها للأعداء بسبب فقدان عائلها لنور عينيه، وهذا ما يسمى بالتجويد الفني:
خضعت أم بناتي للعدا إذ قضى الله بأمر فمضى
ثم أخذ الشاعر يجسم محنة فقدان البصر، فيجعل من يصاب بها:
وإذا نال العمى ذا بصر كان حيًا مثلُ ميت قد ثوى (٣٠)
أما الأمير عبد الرحمن الداخل فكان شاعرًا مقلدًا، إلا أنه ركز على الجانب العاطفي عند وصفه للنخلة بشعره المعروف (٣١). ومن شعراء هذا العصر أيضًا الأمير الحكم بن هشام الذي وصف بالبلاغة والفصاحة وغلب على شعره الجانب الحماسي والعاطفي (٣٢). أما الشاعر عباس بن ناصح الثقفي فكانت له رحلة مشرقية، وبعد رجوعه إلى الأندلس عينه الأمير الحكم على قضاء الجزيرة الخضراء مع شذونة، واشتهر شاعرنا
_________________
(١) عياض، ترتيب المدارك، ج ٣ - ٤، ص ٣٤٨ - الزبيدي، طبقات النحويين، ص ٢٥٤ - حازم غانم، الحياة العلمية، ص ١٦٨.
(٢) ابن الفرضي، المصدر السابق، ج ١، ص ٣٤٥ (رقم ١٠١٥) الحميدي، المصدر السابق، ص ٣٢٤ (رقم ٧٤٨) - ابن القوطية، تاريخ، ص ٢٥.
(٣) العبادي، المرجع السابق، ص ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٤) هيكل، المرجع السابق، ص ٨٦ وبعدها.
(٥) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٦٠ - المقري - نفح، ج ٢، ص ٧٦.
(٦) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٧٩ - ٨٠.
[ ٣١٩ ]
هذا بالمدح والفخر وتناول أحيانًا الزهد (٣٣).
وحسانة بنت أبي الحسين التميمية، فهي أولى الشواعر الأندلسيات، وشعرها مزيج من الرثاء والشكوى والمدح وطلب العون، فهو شعر يتسم بالتجويد الفني والتركيز العاطفي (٣٤).
واستمر النثر في هذه الفترة يسير على الأسلوب نفسه، الذي سار عليه في عصر الولاة، فمن نماذج النثر: خطب الأمراء يحثون بها أصحابهم وجنودهم على القتال، ووصايا الأمراء لأولادهم، ومن أشهر الكتاب في هذه الفترة فطيس بن عيسى، وخطاب بن زيد، اللذان كانا كاتبين للأمير هشام ثم لابنه الأمير الحكم، وكذلك حجاج العقيلي كاتب الحكم (٣٥).
وإذا كان الشاعر عباس بن ناصح الثقفي ذا شهرةٍ أدبية، فشهرته العلمية تعادل شهرته السابقة، فقد كان بارعًا في الهندسة والفلك والفلسفة (٣٦).
ونبغ في عهد الأمير الحكم أبو القاسم عباس بن فرناس، الذي برع منذ فتوته في الفلسفة والفلك والكيمياء، وهو أول من استنبط في الأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وضع آلة فلكية تعرف بالميقاتة لتعريف الوقت، وحاول الطيران كما هو مشهور (٣٧). وعاصره أيضًا يحيى بن الحكم الغزال، وبالرغم من اشتهاره بالشعر، إلا أنه كان عالمًا بالفلسفة والفلك، وله أرجوزة طويلة في أبواب العلم لم تصلنا (٣٨)، واشتهر هذان العالمان في عصر الأمير عبد الرحمن بن الحكم، أي فترة الإزدهار.
وفي فترة الاستقرار والإزدهار من عصر الإمارة ٢٠٦ - ٢٧٣ هـ هبت رياح التأثير العراقي الذي ازدهر في هذه الفترة لعوامل كثيرة، على الأندلس، وفي الوقت نفسه توفرت في الأندلس عوامل جذب لهذه الحضارة، منها: رغبة الأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٧ - ٢٣٨ هـ في ترك سياسة الإنعزال عن العراق التي سار عليها آباؤه، وأن
_________________
(١) المقري نفح، ج ١، ص ١٦١ - هيكل، المرجع السابق، ص ١٠٥ - ١٠٦.
(٢) أيضًا. ج ١، ص ٤٨٨ - أيضًا، ص ١٠٧ وبعدها - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٧٠ - بالنشا، تاريخ، ص ٥٧.
(٣) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ٦٨ - هيكل، المرجع نفسه، ص ١١٠ - ١١٣.
(٤) عنان، دولة الإسلام، ج ١، ص ٢٥٢ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٦١.
(٥) ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، ص ٢٩٦ (رقم ٨٨١).
(٦) محمد صالح البنداق، يحيى بن الحكم الغزال، ص ٢٨.
[ ٣٢٠ ]
يساير حركة الإزدهار الحضاري التي اشتهرت بها بغداد، ففتح أبواب الأندلس أمام التيارات العراقية. بالإضافة إلى بروز مظاهر الترف والرفاه في المجتمع الأندلسي بسبب الإزدهار الاقتصادي الأندلسي، مع الأخذ بنظر الاعتبار إقبال أهل الأندلس على الحياة الفكرية بسبب الاستقرار السياسي وما تبعه من نشاط اقتصادي (٣٩).
ويأتي في مقدمة من اهتموا بالحركة العلمية الأمير عبد الرحمن الأوسط الذي كان عالمًا بالشريعة والفلسفة، وقد شبه بالمأمون العباسي في طلبه للكتب الفلسفية (٤٠).
وكذلك ابنه الأمير محمد الذي أنشأ نواة مكتبة القصر، كما أنه أقطع أحد العلماء الوافدين من المشرق إقطاعًا، وعنه روى الحديث (٤١). وقد ساعد الناس في مسعاهم هذا حصول تطورات ملائمة في عهدهم، منها انتقال صناعة الورق، بعد انتشارها في المشرق، إلى الأندلس وإقامة مراكز لصناعته في مدينة طليطلة وشاطبة (٤٢).
وهناك عوامل عديدة ساعدت على انتقال مظاهر الحضارة العراقية إلى الأندلس في هذه الفترة وهي:
١ - الوفود:
تذكر لنا بعض الروايات أن الأمير الحكم أو الأمير عبد الرحمن الأوسط أرسل وفدًا إلى العراق برئاسة العالم عباس بن ناصح لدراسة الآثار العلمية المنقولة إلى العرب عن اليونان واستنساخها له. وبعد رجوع الوفد حمل معه كتاب الحساب الهندي المعروف عند العرب باسم السند هند (٤٣).
وبذلك دخلت الأرقام الهندية الأندلس، ومنها انتقلت إلى أوروبا، ومعنى هذا أن الوفد الأندلسي عرف هذا الكتاب واطلع عليه في العراق. لأن العرب عرفوا في العصر العباسي الأول كتاب السد هانتا في الرياضيات من الهنود، وقد أمر الخليفة المنصور ١٣٦ - ١٥٨ هـ بترجمته إلى العربية، فترجمه إبراهيم بن حبيب الفرازي، وعرف هذا الكتاب باسم السند هند، وألف الفرازي على غراره كتابًا عرف باسم السند هند الكبير.
_________________
(١) السامرائي، " أثر العراق الحضاري "، ص ٩ وما بعدها - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٦١.
(٢) المراكشي، المعجب، ص ٤٨ - السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص ٥٢٢.
(٣) ابن الآبار، التكملة؛ ج ١، ص ٨.
(٤) أحمد بدر، المرجع السابق، ج ١، ص ١٧٦.
(٥) ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ٤٥ - بروفنسال، حضارة العرب في الأندلس، ص ٤٥ - السامرائي، دراسات في تاريخ الفكر العربي، ص ٣٤١ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٦١.
[ ٣٢١ ]
وفي عصر المأمون ١٩٨ - ٢١٨ هـ طلب من العالم محمد بن موسى الخوارزمي تصحيح هذا الكتاب، ويذكر الخوارزمي شكلين للأرقام الهندية كان يكتبهما العرب، بقي أحدهما المعروف بالأرقام الهندية، وهو الذي ساد في مشرق العالم الإسلامي، بينما اندثر الشكل الآخر المعروف بالأرقام الغبارية الذي ساد في مغرب العالم الإسلامي، ومنها انتقل إلى أوروبا، وهو أصل الأرقام العربية الآن (٤٤).
٢ - الرحلة في طلب العلم:
قام العديد من طلاب العلم الأندلسيين بالرحلة إلى العراق للتزود بالعلوم من منابعها، وقد أمضى بعضهم سنوات طويلة تجاوزت العشرين سنة أحيانًا من أجل هذه المهمة، أمثال محمد بن عبد السلام الخشني (٤٥)، وأنفق الكثيرون القسم الأكبر من ثرواتهم في شراء الكتب التي أدخلوا منها الكثير إلى الأندلس، بالإضافة إلى أن غيرهم حملوا العلم رواية في الصدور (٤٦).
ومن نماذج هؤلاء العلماء يحيى بن الحكم الغزال الذي رحل إلى بغداد ودرس الشعر العربي في العراق هناك وقلّد أبا نواس في شعره (٤٧). وكذلك عبد الله بن محمد بن قاسم الذي رحل إلى العراق ودرس فيه المذهب الظاهري ونقل أصوله إلى الأندلس، وعالم الحديث المشهور محمد بن وضاح، رحل إلى المشرق ودرس على أيدي كبار علماء الحديث ومن أشهرهم الإمام أحمد بن حنبل (٤٨).
كذلك اشتهر عبد الله بن مسرة بن نجيح بالفلسفة وعلم الكلام وقام برحلته المشرقية إلى العراق ونزل البصرة في أواخر عصر الإمارة مع أخيه. وقد وُصف عبد الله هذا بكونه أشقر شديد الحمرة مما جعل أحد شيوخه في البصرة يحذره مازحًا " إياك أن يبيعك أهل البصرة يا صقلبي "، ثم رجع إلى الأندلس يبشر بهذه العلوم التي درسها في العراق (٤٩). وقد ازدهرت مدرسة ابن مسرة الفلسفية في عصر الخلافة.
_________________
(١) هونكة، شمس العرب، ص ٨٤ - أحمد نصيف الجنابي، الرياضيات عند العرب، ص ٣٥ - ٣٦ - عبد المنعم ماجد، تاريخ الحضارة الإسلامية، ص ٢٢٣.
(٢) الحميدي، المصدر السابق، ص ٦٨ - (رقم ١٠٠).
(٣) أحمد أمين، المرجع السابق، ج ٣ ص ٢٣.
(٤) البنداق، المرجع السابق، ص ٥٧ - ٥٨، ص ٨٢.
(٥) ابن الفرضي. المصدر السابق، ج ١، ص ٢١٩ (رقم ٦٥٥)، ج ٢، ص ١٥ (رقم ١١٣٦).
(٦) صاعد الطليطلي، طبقات، ص ٢٨ - ٢٩ - ابن الفرضي، المصدر السابق، ج ١، ص ٢١٧ (رقم ٦٥٢).
[ ٣٢٢ ]
٣ - دور التجار:
فتحت أبواب الأندلس أمام التجار المشارقة، وبخاصة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، فبجانب نقل التجار للسلع والبضائع إلى الأندلس، نقلوا معهم بعض الكتب العلمية وباعوها في أسواق الأندلس، حيث اشتراها علماء الأندلس واستفادوا منها في تنمية حركتهم العلمية. وقد كان في مقدمة هؤلاء التجار محمد بن موسى الرازي (توفي عام ٢٧٣ هـ) وهو جد أسرة الرازي التي اشتهرت بكتابة التاريخ في عصر الخلافة (٥٠).
وكذلك دخل كتاب العروض للخليل بن أحمد الفراهيدي إلى الأندلس على يد تاجر أهداه إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط، وبدا هذا الكتاب عسير الفهم على أهل البلاط، وبعد أن اطلع عليه العالم عباس بن فرناس فسره وسهل فهمه لأهل الأندلس (٥١).
٤ - هجرة العلماء إلى الأندلس:
نتيجة الاضطراب السياسي في المشرق، هاجر بعض العلماء إلى الأندلس، فلقوا الترحاب والرعاية في ربوعها، فكان الأمر كما يقول أحمد أمين: " علماء يضيق بهم الشرق من الفاقة فيرحلون إلى الغرب، وعلماء من الغرب يعوزهم العلم فيرحلون إلى الشرق " (٥٢). ومن العلماء الذين رحلوا من المشرق إلى الأندلس في هذه الفترة، محمد بن موسى الرازي وهو من مدينة الري في إيران، ورأس عائلة المؤرخين المشاهير في عصر الخلافة (أحمد بن محمد وابنه عيسى بن أحمد). وكان محمد بن موسى الرازي تاجرًا مشرقيًا اتصل بالأمير محمد وعمل لديه في التجسس على أوضاع المشرق، وهو الذي ألّف كتاب الرايات في التاريخ (٥٣).
وفي عصر الإزدهار تقدمت العلوم الطبية في الأندلس، وقد ساهم في تقدمها بعض الأطباء المشارقة الذين رحلوا إلى الأندلس، فعلموا أهلها وما وصل إليه أهل العراق في الطب. ويأتي في مقدمتهم إسحاق بن عمران العراقي الأصل الذي رحل إلى الأندلس (٥٤). وإذا كان رائد الحركة الطبية في الأندلس في هذا العصر أحمد بن إياس
_________________
(١) ينظر، العبادي، المرجع السابق، ص ٣٤ - أحمد بدر، المرجع السابق، ج ١، ص ١٧٧، ص ١٨٦.
(٢) أحمد بدر، المرجع السابق، ج ١، ص ١٨٤.
(٣) ظهر الإسلام، ج ٣، ص ٢٣٣.
(٤) الحميدي، المصدر السابق، ج ٣، ص ١٠٤ (رقم: ١٧٥) - عبد البديع، المرجع السابق، ص ٦٨.
(٥) أحمد أمين، المرجع السابق، ج ٣، ص ٢٣٣.
[ ٣٢٣ ]
(حمدين بن أبا) الذي ينسب إليه يسون حمدين (شراب) وهو يتألف من مائة صنف من الأعشاب، فقد كان أستاذه طبيبًا عراقيًا من حران هاجر إلى الأندلس في فترة الإزدهار، وهذا الطبيب المشرقي هو الذي أدخل للأندلس معجونًا لأوجاع الجوف، كان يبيع السقية منه بخمسين دينارًا، وكان حمدين أحد خمسة أطباء أخذوا العلم منه (٥٥).
وأدت هذه العوامل إلى انتشار بعض العلوم التي تعتبر عراقية النشأة في الأندلس، وقد شهدت فترة الإزدهار من عصر الإمارة دخول النتاج العربي العراقي من علوم اللغة والنحو، فنرى عبد الرحمن بن موسى الهواري يدرك الأصمعي في العراق ويأخذ منه علم النحو مباشرة، ولكنه لم يكتف بذلك بل سلك مسلك علماء البصرة بأن داخل الأعراب وتردد في بواديها وحفظ الكثير (٥٦).
وكذلك محمد بن عبد السلام الخشني الذي قضى في العراق خمسة وعشرين عامًا، فأخذ علم اللغة والنحو والشعر الجاهلي من شيوخ يروونها عن طبقة المشاهير في هذا الباب كالأصمعي وأبي عبيدة معمر بن المثنى وسيبويه، ومن أشهر شيوخه سهل بن محمد السجستاني والعباس بن الفرج الرياشي (٥٧). كذلك قام جودي بن عثمان النحوي (توفي عام ١٩٨ هـ) بلقاء الكسائي والفراء وأبي جعفر الرؤاسي أثناء رحلته للمشرق، وهو أول من أدخل للأندلس كتاب الكسائي (٥٨).
ساهم التأثير الحضاري الشرقي في تطوير حضارة العرب في الأندلس، ابتداءً من فترة الازدهار في عصر الإمارة، وما تلاها من عصور، إلا أن هذا التأثير لقي في البداية معارضة شديدة من بعض العلماء ورجال البلاط ضد علماء الأندلس الذين تأثروا بالحضارة العراقية أمثال العالم والأديب المعروف عباس بن فرناس الذي لقي الأمرين من جراء ذلك، ولم يخفف عن هؤلاء العذاب، إلا رعاية الأمير عبد الرحمن الأوسط لهم (٥٩). كما أن التطور الحضاري في الأندلس خلال هذه الفترة زاد وكبر من حجم
_________________
(١) ابن جلجل، طبقات الأطباء، ص ٩٣ - ٩٤ - ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ١١٤ (حاشية ١) - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ٢١١.
(٢) ابن الفرضي، المصدر السابق، ج ١، ص ٢٥٧ - ٢٥٨ (رقم ٧٧٨).
(٣) الحميدي؛ المصدر السابق، ص ٦٨ (رقم ١٠٠) - الحموي، معجم الأدباء، ج ١١، ص ١١٣ - ج ١٢، ص ٤٤.
(٤) الزبيدي، طبقات، ص ٢٥٦ - عبد البديع، المرجع السابق، ص ٧٣.
(٥) ينظر، محمد صالح البنداق، المرجع السابق، ص ٣٧ - العبادي، المرجع السابق، ص ٣٦٤ - عبد البديع، المرجع السابق، ص ٥٦ - ٥٧.
[ ٣٢٤ ]
ظاهرة الاستعراب بالأندلس، أي إقبال الإسبان على تعلم اللغة العربية وآدابها، وتقليد العرب في عاداتهم الإجتماعية. وإزاء هذا الأمر -الذي كان للتيار الفكري العراقي تأثير واضح في كل هذه المتغيرات- كان لبعض رجال الدين الإسبان المتعصبين موقف معادٍ لهذا التيار. وإذا صحت ظاهرة الاستشهاد (الانتحار الديني) في قرطبة ٢٣٥ - ٢٤٤ هـ/ ٨٥٠ - ٨٥٩ م، ومحورها الطعن بالإسلام ومبادئه وشتم رسول الله ﷺ علنًا في المساجد والساحات العامة أولًا، ومحاولة إعادة بعض من أسلم حديثًا من الإسبان إلى دينه القديم ثانيًا، والتي ذكرتها المراجع الأوروبية (٦٠)، فنحن نميل إلى أن هذه الحملة التي قادها الغُلاة تعود إلى ظاهرة التطور الحضاري الأندلسي في هذا العصر بسبب التأثيرات الحضارية المشرقية (٦١).
ويعد منهج تفسير القرآن بالمأثور، من أبرز المناهج التي اشتهرت في الأندلس، وتزعم هذا المنهج فيها العالم الفقيه بقي بن مخلد (توفي عام ٢٧٦ هـ) في أواخر عصر الإزدهار، وقد ألف كتابًا في تفسير القرآن بلغ فيه درجة من الجودة والإتقان (٦٢). له رحلة مشرقية، وبعد عودته إلى الأندلس لاقى الأمرين من بعض الفقهاء ولم ينقذه من هذا الوضع الحرج إلا المناظرة المشهورة لأعدائه الفقهاء (٦٣). واستمرت شهرته في العصور التالية. وعلى الرغم من سوء الأحوال السياسية الداخلية للأندلس التي عَجَّت بالفتن والمنازعات في عصر الحروب الأهلية (٢٧٣ - ٣٠٠ هـ) -وهو العصر الأخير من فترة عصر الإمارة-، إلا أن هذه الفترة شهدت تقدمًا ملحوظًا في الأدب الأندلسي، وبخاصة في مجال الشعر، الذي ظهرت فيه اتجاهات مختلفة، فهناك الاتجاه القومي العربي، إذ وقف بعض الشعراء العرب يمتدحون العروبة ويمدحون العرب ويفاخرون بهم ضد المولدين، كما وقف بعض الشعراء المولدين موقف المعادي للعرب ودعوا إلى الخلاص منهم، وقد تكون هذه الحركة متأثرة بحركة الشعوبية في المشرق، وهذا هو الإتجاه الثاني قال شاعر العرب:
منازلنا معمورة لا بلاقع وقلعتنا حصن من الضيم مانع
_________________
(١) ينظر، بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٤٨٥ - الحجي، أندلسيات، ج ٢، ص ٢٧ - لين بول، المرجع السابق، ص وبعدها - بيضون، المرجع السابق، ص ٢٢٤ - ٢٤٥ - Provençal. op. Cit، ١، P: ٢٢٦.
(٢) السامرائي، " أثر العراق الحضاري "، ص ٢٢.
(٣) ابن حزم، رسالة في فضل الأندلس، ص ١٦٢ - ١٦٣.
(٤) ابن الفرضي، المصدر السابق، ص ٩١ رقم ٢٨٣ - ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٠٩ - ١١٠.
[ ٣٢٥ ]
ورد عليه الشاعر الشعوبي المدجني:
منازلهم منهم قفار بلاقع تجاري السفى فيها الرياح الزعازع (٦٤) ..
وبرز أيضًا الشعر الذي وصف المعارك الحربية، نظرًا لكثرة المعارك بين الأمراء الأمويين في هذه الفترة والخارجين عليهم، وللشاعر والعالم عباس بن فرناس شعرٌ في هذا المجال وكذلك الشاعر سعيد بن جودي السعدي (٦٥). والاتجاه الآخر في الشعر في هذه الفترة، هو نشأة الموشحات في عهد الأمير عبد الله. وكان مخترع الموشحات في عصر هذا الأمير مقدم بن معافى القبري (٦٦)، وكان هذا الأمر استجابة إلى ازدهار الغناء في الأندلس منذ دخول زرياب الأندلس أولًا، ونتيجة لامتزاج العرب بالإسبان ثانيًا (٦٧).
والموشح شعر فصيح، وكلمة الموشح مأخوذة من الوشاح، كالقلادة مُرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقيها وجنبيها (٦٨). ومن أشهر شعراء هذه الفترة ابن عبد ربه صاحب كتاب العقد الفريد، واستمرت شهرته إلى عصر الخلافة (٦٩).
أما النثر فقد تطور في هذه الفترة، وكثر عدد الأدباء المشتغلين به، فكان للأمير عبد الله، الكاتب موسى بن زياد وعبد الله بن محمد بن أبي عبده وعبد الله بن محمد الزجالي (٧٠)، كما أن بعض المسيحيين ذوي الأصول الإسبانية عملوا في الكتابة للأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط أمثال (قومس بن أنتنيا) الذي أسلم فيما بعد (٧١).
وقد كان الجاحظ (توفي ٢٥٥ هـ) ذا شهرة لدى الأندلسيين في هذه الفترة، وقد وصلت بعض كتبه إليهم مثل كتاب البيان والتبيين، كما كان يقصده بعض علماء الأندلس للتلمذة على يديه (٧٢). وقد وجدت نماذج لبعض الرسائل والمحاورات والتوقيعات في هذا العصر تدل على تقدم النثر الأندلسي في هذه الفترة (٧٣).
_________________
(١) ابن حيان، المقتبس، ج ٣، ص ٦٢ - هيكل، المرجع السابق، ص ١٤٣.
(٢) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١١١ - ١١٢ - ابن حيان، المقتبس، ج ٣، ٢٩.
(٣) ابن خلدون، المقدمة، ص ٥٨٤ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ٩٩.
(٤) الحجي، تاريخ الموسيقى الأندلسية، ص ٣٨ - ٣٩.
(٥) جودت الركابي، في الأدب الأندلسي، ص ٢٩٣.
(٦) ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج ١، ص والمقدمة.
(٧) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٢٠ - ابن حيان، ج ٣، ص ٦.
(٨) ابن القوطية، تاريخ، ص ٨٢ - ٨٣ - هيكل، المرجع السابق، ص ١٧٠.
(٩) معجم الأدباء، ج ١٦، ص ١٠٤.
(١٠) ابن عذاري، البيان، ج ٢، ص ١٥٤ - حازم عبد الله، النثر الأندلسي، ص ٧٣ - ٧٤ - عنان، دولة الإسلام، ١/ ٣٥٠.
[ ٣٢٦ ]
وفي هذه الفترة دخل الأندلس المذهب الشافعي، ويرجع دخوله إلى الفقيه قاسم بن محمد بن سيار القرطبي (توفي عام ٢٧٨ هـ) (٧٤). ونشطت كذلك مدرسة ابن مسرة في هذه الفترة، وما يليها من عصور، كما سنوضح ذلك. ونشطت العلوم الطبية في هذه الفترة، ومن أشهر الأطباء (ابن ملوكة النصراني) الذي كان يصنع الأدوية بنفسه، ويفصد العروق، وكذلك (إسحاق الطبيب) (٧٥).
أما عصر الخلافة الأندلسية ٣٠٠ - ٤٢٢ هـ، فهو عصر النضوج للعلوم والفكر الأندلسي، ونظرًا لطول هذه الفترة أولًا، ولتسهيل دراسة الفكر الأندلسي خلال هذا العصر ثانيًا، نقسم هذا العصر إلى ثلاثة أقسام: -
١ - فترة الخلافة ٣٠٠ - ٣٦٦ هـ وتولى الحكم فيها الخليفة الناصر ٣٠٠ - ٣٥٠ هـ وابنه الحكم المستنصر، ٣٥٠ - ٣٦٦ هـ.
٢ - فترة الحجابة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ وهي الفترة التي سيطر فيها الحاجب المنصور وأولاده على الخلافة الأندلسية.
٣ - فترة الفتنة، ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ والتي أدت إلى قيام عصر الطوائف.
نهضت الحركة العلمية في فترة الخلافة ٣٠٠ - ٣٦٦ هـ نهضة شاملة، وكان من مظاهرها اتضاح الشخصية العلمية للأندلس واستقلالها. فقد شجع الناصر وابنه الحكم العلماء المشارقة القادمين إلى الأندلس وأغدقا عليهم العطاء. وكانوا قد جلبوا الكتب القيمة، وترجموا الكتب الأجنبية المهمة، وحثوا على التأليف والبحث في مختلف المجالات. فإذا كان الناصر قد أحسن استقبال الوافد أبي علي القالي وجعله مؤدبًا لابنه الحكم، فإن الخليفة الحكم اشتهر بحبه للكتب، فقد كانت له مكتبة تضم ٤٠٠ ألف مجلد، وكان يحرص على اقتناء الكتب من أي مصدر (٧٦)، فلذلك نهضت الأندلس علميًا في شتى الميادين خلال هذه الفترة:
ففي مجال الترجمة، ترجم إلى العربية خلال هذه الفترة أهم كتابين: الأول كتاب هيروشيش المؤلف باللاتينية، والذي يحوي أخبار الروم في العصور القديمة وسير
_________________
(١) ابن الفرضي، تاريخ، ج ١، ص ٣٥٥ - ٣٥٧ (رقم ١٠٤٩).
(٢) ابن جلجل، ص ٩٨ - ابن أبي أصيبعة، ص ٤٨٨.
(٣) صاعد الأندلسي، طبقات الأمم، ص ٦٦ - المقري، نفح، ج ١، ص ١٨٠، ص ١٨٦.
[ ٣٢٧ ]
ملوكهم (٧٧)، وكتاب ديسقوريدس في الطب والصيدلة (٧٨)، وقد استعانت الخلافة الأندلسية بالدولة البيزنطية من أجل ترجمة هذين الكتابين (٧٩).
أما في مجال اللغة، فقد تأسست في هذه الفترة مدرسة للدراسات اللغوية في الأندلس، وذلك بعد قدوم أبي علي القالي، الذي وفد على الأندلس عام ٣٣٠ هـ/٩٤١ م وحمل القالي إلى الأندلس كثيرًا من علم المشرق وأدبه، وبالذات دواوين اُمرئ القيس وزهير والنابغة والخنساء والأخطل وجرير والفرزدق وغيرهم (٨٠). هذا بالإضافة إلى كتب الأخبار واللغة. كما ألف كثيرًا في الدراسات اللغوية، وأملى على طلبته الأندلسيين كتابه الأمالي (٨١). وبالعكس رحل علماء أندلسيون في اللغة إلى بلاد المشرق، أمثال محمد بن يحيى بن عبد السلام (توفي ٣٥٨ هـ)، رحل إلى مصر ولقي فيها ابن النحاس، وأخذ عنه كتاب سيبويه، وعاد إلى الأندلس (٨٢). ويعني هذا تطور الدراسات اللغوية في الأندلس في هذه الفترة، وبرز علماء أفذاذ في هذا المجال أمثال (أبي بكر الزبيدي) وكان مؤدّبًا للأمير هشام بن الحكم المستنصر (٨٣). وأبي بكر بن القوطية المشهور بعلم التاريخ أيضًا (٨٤).
وفي الحقل التاريخي، أشهر من ظهر في هذه الفترة، أحمد بن محمد بن موسى الرازي (توفي عام ٣٢٤ هـ) ولقب بالتاريخي لكثرة اشتغاله بالتاريخ (٨٥). وله عدة مؤلفات قد ضاعت. وإذا كان كتاب (تاريخ افتتاح الأندلس) لأبي بكر بن القوطية أشهر مؤرخي هذه الفترة يظهر فيه ميل المؤلف إلى القوط أولًا ويكثر الحديث عن المولدين وحركاتهم ثانيًا (٨٦)، فإن كتاب (أخبار مجموعة) لمؤلف مجهول الذي ظهر في هذه الفترة يتعصب
_________________
(١) ابن خلدون، العبر، ج ٢، ص ٨٨ - مؤنس، تاريخ الجغرافية، ص ٣١.
(٢) ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص ٤٩٤.
(٣) حازم غانم، الحياة العلمية، ص ١٦٥ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٦٦.
(٤) ينظر خليل الكبيسي، " أبو علي القالي "، ص ٢٣١ وبعدها - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٦٤.
(٥) ينظر، ابن بسام، الذخيرة، ١/ ١٤ - ١٥ - ابن خير، الفهرسة، ص ٣٢٥ - ابن حيان، المقتبس، ج ٥، ص ٤٨٠ - ابن الفرضي، المصدر السابق، ج ١، ص ٦٩ (رقم ٢٢٣) - الحميدي، المصدر السابق، ص ١٦٤ (رقم ٣٠٣).
(٦) الزبيدي، طبقات، ص ٣١٠.
(٧) ابن الفرضي، المصدر السابق، رقم (١٣٥٧) - ابن خير، الفهرسة، ص ٣١١، ص ٣٤٥.
(٨) الحميدي، المصدر السابق، ص ٧٦ (رقم ١١١) - ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج ١، ص ٥١٢.
(٩) المقري، نفح، ج ٤، ص ١٠٨ - طه، نشأة التدوين التاريخي، ص ٧٨.
(١٠) ينظر، ابن الفرضي، تاريخ، (رقم ١٣١٨) - ابن خلكان، وفيات، ج ١، ص ٨١٢ - المقري - نفح، ج ٢، ص ٨٥.
[ ٣٢٨ ]
للعرب عامة ولقريش خاصة، وإلى الأمويين بصورة أخص (٨٧). واشتهر كذلك المؤرخ عريب بن سعيد (توفي عام ٣٦٩ هـ)، وله كتابه المشهور (صلة تاريخ الطبري). وعريب هذا اشتهر بالطب أيضًا (٨٨). وممن عرفوا بكتابة التراجم في هذه الفترة أبو عبد الله الخُشني (توفي عام ٣٦١ هـ) صاحب كتاب (تاريخ قضاة قرطبة) (٨٩).
ومع تطور علم التاريخ في هذه الفترة تطور علم الجغرافية أيضًا، فقد كان أحمد بن محمد الرازي مؤرخًا وجغرافيًا في آن واحد، وله كتاب باسم (مسالك الأندلس) (٩٠). ويعاصره الجغرافي محمد بن يوسف الوراق (توفي عام ٣٦٣ هـ) الذي دخل في خدمة الخليفة الحكم وألف كتابًا عن مسالك إفريقية (٩١). واشتهرت هذه الفترة بالرحلات الجغرافية، ويأتي في مقدمتها رحلة إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي (من أهل القرن الرابع الهجري) قام برحلات إلى بلاد أوروبا وقابل خلالها البابا يوحنا الثاني عشر في عام ٣٥٠ هـ، وبعدها التقى بإمبراطور ألمانيا أوتو عام ٣٥٤ هـ (٩٢). وقدم لنا معلومات قيمة خلال هذه الرحلة (٩٣).
أما في مجال العلوم الدينية: فبجانب شيوع المذهب المالكي في الأندلس كما بينا، والذي كان من أقطابه في هذه الفترة، يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي (٩٤) (توفي عام ٣٦٧ هـ)، وأبو بكر بن القوطية اللغوي والمؤرخ، شاع المذهب الشافعي بعد أن أدخله إلى الأندلس قاسم بن محمد بن سيار (توفي عام ٢٧٨ هـ)، وأصبح من أقطابه في هذه الفترة أسلم بن عبد العزيز بن هاشم (٩٥)، وأحمد بن عبد الوهاب بن يونس الذي عاصر الحكم المستنصر (٩٦). وكذلك انتشر المذهب الظاهري وكاد من أقطابه المنذر بن
_________________
(١) هيكل، المرجع السابق، ص ١٨٨.
(٢) بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٣) الخشني، قضاة قرطبة، المقدمة - بالنثيا، المرجع السابق، ص ٧٦٧ - ٧٧٠.
(٤) ابن حزم، رسالة في فضل الأندلس، ص ١٥٦.
(٥) الحميدي المصدر السابق، ص ٩٧ (رقم ١٦٠) - مؤنس، تاريخ الجغرافية، ص ٧٣.
(٦) العذري، نصوص عن الأندلس، ص ٧ - البكري، جغرافية الأندلس وأوروبا، ص ١٥٥ - Al - Hajji، Andalusian، P ٢٢٨ - ٢٧١.
(٧) حازم غانم، الحياة العلمية، ص ٢١٠.
(٨) ابن الفرضي، تاريخ، (رقم ١٥٩٧).
(٩) الحميدي، المصدر السابق، (رقم ٣٢٢).
(١٠) ابن الفرضي، تاريخ، (رقم ١٥٤).
[ ٣٢٩ ]
سعيد البلوطي خطيب جامع الزهراء المشهور (٩٧). أما في مجال تفسير القرآن، فاشتهر العالم عثمان بن محمد بن محاسن (توفي عام ٣٥٦ هـ)، وكان له باع طويل في علم التفسير (٩٨)، وكذلك ابن القوطية اللغوي والمؤرخ (٩٩)، واشتهر ابن الحجام يعيش بن سعيد الوراق الذي ألف مسند حديث بأمر الخليفة الحكم المستنصر (١٠٠).
أما العلوم العقلية فأخذت مكانها في الفكر الأندلسي خلال هذه الفترة، وكان الطب في مقدمة العلوم التي ازدهرت، ومثل هذا الإزدهار ترجمة بعض الكتب الطبية الأجنبية إلى العربية كما وضحنا، وكذلك شهرة الأطباء ويأتي في مقدمتهم سعيد بن عبد ربه، الذي كانت له طريقة خاصة في معالجة الحميات، وكذلك أحمد بن يونس وأخوه عمر اللذان اشتهرا بتحضير الأدوية وعلاج أمراض العيون (١٠١). واشتهر محمد بن عبدون الجبلي برحلته المشرقية عام ٣٤٧ هـ/٩٥٨ م وتزود من علوم البصرة ومصر ثم رجع إلى الأندلس عام ٣٦٠ هـ/٩٧٠ م وخدم الخليفة الحكم المستنصر وابنه هشامًا المؤيد بالطب (١٠٢). وقد ذاعت شهرة هؤلاء الأطباء وغيرهم، حتى وفد بعض ملوك الإسبان إلى أطباء الأندلس لعلاج ما استعصى من أمراضهم (١٠٣). ونتيجة ازدهار الطب والصيدلة في هذه الفترة، أسس الخليفة الحكم المستنصر ديوان الأطباء، يسجل فيه اسم كل طبيب يحترف مهنة الطب والصيدلة، وإذا ما ارتكب خطأ يتوجب العقاب أسقط اسمه من هذا الديوان (١٠٤). وتقدمت الدراسات الرياضية في هذه الفترة وكان من روادها عبد الله بن محمد المعروف بالسري أيام الخليفة الحكم، وكذلك أبو بكر بن عيسى الذي كان يعقد مجالس العلم على أيام الخليفة الحكم أيضًا، وكان مشهورًا بالحساب والهندسة والفلك. وكذلك العالم أبو غالب حباب بن عبادة الفرضي (عاش أيام الخليفة الناصر) الذي اشتهر بالحساب وله تأليف جيد في حساب الفرائض (١٠٥). واشتهر أبو
_________________
(١) المقري، نفح، ج ١، ص ١٧٢ - ١٧٥، ص ٢٦٦ - ٢٦٩.
(٢) ابن الفرضي، تاريخ، (رقم ٩٠١).
(٣) أيضًا، رقم ١٣١٨.
(٤) أيضًا، رقم ١٦١٢ - الحميدي، جذوة، رقم ٩١٦.
(٥) ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء؛ ج ٢، ص ٤١، ص ٤٦.
(٦) صاعد الأندلسي، طبقات، ج ٨١ - ابن جلجل، طبقات، ١١٥ - ينظر عن أشهر أطباء هذه الفترة، سالم، قرطبة، ج ٢، ص ٢١٢ - ٢١٣.
(٧) لين بول، قصة العرب، ص ١٢١.
(٨) ابن أبي أصيبعة؛ عيون الأنباء، ص ٤٩٤ - سالم، قرطبة؛ ج ٢، ص ٢٠٨.
(٩) صاعد، طبقات، ص ٦٧ - ٦٨.
[ ٣٣٠ ]
عبيدة مسلم بن أحمد (صاحب القبلة) (توفي عام ٣٠٤ هـ) بالأمور الفلكية، وكان عالمًا بالحساب والنجوم وقد عارضه ببعض الأمور ابن عبد ربه الأندلسي (١٠٦).
أما الفلسفة، فقد ورث هذا العلم محمد بن عبد الله بن مسرة (٢٦٩ - ٣١٩ هـ/٨٨٢ - ٩٣١ م) عن أبيه عبد الله بن مسرة (توفي عام ٢٨٦ هـ/٨٩٩ م) حيث ذهب الوالد إلى المشرق، وسار على نهجه الابن الذي رحل أواخر عهد الأمير عبد الله (توفي عام ٣٠٠ هـ) إلى المشرق أيضًا، ثم عاد إلى الأندلس في مطلع القرن الرابع الهجري، فأظهر الزهد والورع، إلا أنه أخذ يبث تعاليمه بين تلاميذه، فظهرت المدرسة المسرية التي انتمى لها بعض المفكرين الأندلسيين أمثال: محمد بن مفرج المعافري، وخليل بن عبد الملك القرطبي، وطريف الروطي وغيرهم (١٠٧)، إلا أن الفقهاء شنوا حملة شعواء ضد المدرسة المسرية اعتبارًا من عام ٣٤٠ هـ/٩٥١ م وساعدتهم السلطات الرسمية (١٠٨)، إلا أن رعاية هذه المدرسة رجعت في عهد الخليفة الحكم (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) نظرًا لسياسته المتسامحة مع المفكرين (١٠٩).
ونهض الأدب الأندلسي في فترة الخلافة نهضة كبيرة، ساعد عليها ما كان من رقي سياسي ونهوض وتفوق اجتماعي. وأخذت هذه النهضة الأدبية عدة مظاهر منها: ظهور بعض الاتجاهات الجديدة في الشعر. وقد مثله ابن عبد ربه أحسن تمثيل، وكلذلك أبو الحزم جهور بن عبد الله بن أبي عبدة من الأسرة المشهورة (١١٠). وكذلك ظهور الأنواع الجديدة في النثر: فإلى جانب الأسلوب القديم للنثر والذي يسمى النثر الخالص، ظهر نوع جديد من النثر يسمى بالنثر التأليفي ويتألف من فرعين: الفرع الأول يسمى التاريخ الأدبي ويمثله كتاب (أخبار الشعراء بالأندلس) لمؤلفه محمد بن هشام المرواني، وكتاب (شعر الخلفاء من بني أمية) لمؤلفه عبد الله بن محمد بن مغيث، ومن المؤسف أن أكثر هذه المؤلفات قد ضاع (١١١)، أما الفرع الثاني فهو التأليف الأدبي، ويعني ظهور كتب
_________________
(١) ينظر، ابن الفرضي، تاريخ، ترجمة رقم ١٤٢٠ - الحميدي، جذوة، ترجمة رقم ٨٢٢ - الضبي، بغية، ترجمة رقم ١٣٧٢ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ٢٠٩.
(٢) ابن الآبار، التكملة، ج ١، ص ٣٨٥، ص ٣٠٩ - هيكل، المرجع السابق، ص ١٩١.
(٣) ابن حيان، المقتبس، ج ٥، ص ٢٦ - ٢٩.
(٤) ينظر، حازم غانم، المرجع السابق، ص ٢٤٤ - هيكل، المرجع السابق، ص ١٩١.
(٥) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، ص ٢٤٧ وبعدها - المقري، نفح، ج ١، ص ٣٠٤.
(٦) ابن بشكوال، الصلة ترجمة رقم ٥٤٦ - الحميدي، جذوة، ترجمة رقم ١٩٥٩ - بالنثيا، المرجع السابق، ص ٣٨٥.
[ ٣٣١ ]
أدبية بمفهوم القرن الثالث والرابع الهجري لكلمة أدب، وأحسن نموذج لكتب هذا الفرع، هو كتاب (العقد الفريد) لمؤلفه ابن عبد ربه الأندلسي. ومن مظاهر النهضة الأدبية الأخرى، تطور الإتجاهات الأدبية القديمة المعروفة، وكذلك وفرة النتاج الأدبي وتنوعه، إضافة إلى شيوع الأدب بين الأندلسيين شيوعًا جعله من أبرز سمات الحضارة الأندلسية في هذه الفترة (١١٢). ومن أشهر شعراء هذه الفترة بعد ابن عبد ربه الأندلسي، الشاعر أبو الحسن محمد بن هانئ الأزدي (٣٢٦ - ٣٦٢ هـ) (١١٣).
أما فترة الحجابة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ/وهي فترة حكم الخليفة هشام الثاني، فقد سيطر الحاجب المنصور وأولاده من بعده على أمور الدولة، وهيمنوا على الخلافة الأندلسية، فكان بداية البوار. ووصف هذا العصر بأنه: " عصر القوة التي تحمل الضعف، والانتصار الذي ينطوي على الهزيمة " (١١٤).
سارت الثقافة الأندلسية في فترة الحجابة، بقوة الدفع التي كانت سائدة في عصر الخلافة. ومن أولى الملاحظات على علوم هذا العصر، أنه لم نر أي تقدم ملحوظ وجد في أي ميدان من ميادين المعرفة، ولا نرى أعلامًا بارزين في أي فرع من فروع الثقافة، باستثناء تلك البقية الباقية من أعلام فترة الخلافة. وربما كان من عوامل استمرار الدفع للثقافة الأندلسية في هذه الفترة، هو أن الحاجب المنصور كان على صلة قديمة بالثقافة، وقد ارتبط بها منذ نشأته، وأنه كان مصاحبًا للعلماء، ويروى عنه: بأنه كان له مجلس علمي يضم كبار علماء عصره، وأن هذا المجلس كان يعقد اجتماعات دورية أسبوعية يحضره المنصور طيلة إقامته بقرطبة (١١٥). ولذا نرى نماذج قليلة للعلماء في مجال اختصاصاتهم، ففي العلوم اللسانية (النقلية) نرى استمرار بعض علماء فترة الخلافة إلى فترة الحجابة: ففي علم التفسير نجد محمد بن عبد الله المقري (٣٤٠ - ٤٢٠ هـ) (١١٦)، وفي علم القراءات نرى عبد الله بن محمد القضاعي (توفي عام ٣٧٨ هـ) الذي كان يقرأ على قراءة الإمام ورش (عثمان بن سعيد) (١١٧). ومن أعلام الحديث في هذه الفترة
_________________
(١) هيكل، المرجع السابق، ص ١٩٤، ص ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٢) ينظر، الحميدي، جذوة، ترجمة رقم ١٥٧ - ابن دحية، المطرب، ص ١٩٢ وبعدها - ابن الآبار، التكملة، ترجمة رقم ٣٥٠.
(٣) هيكل، المرجع السابق، ص ٢٦٧.
(٤) ابن الآبار، الحلة، ج ١، ص ٢٦٨.
(٥) السيوطي، طبقات المفسرين، ص ٥.
(٦) حازم غانم، المرجع السابق، ص ١٧٢.
[ ٣٣٢ ]
عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس (توفي عام ٤٠٢ هـ) (١١٨)، وألَّف العالم يحيى بن شراحيل (توفي عام ٣٧٢ هـ) كتابًا في توجيه حديث الموطأ للإمام مالك، واشتهر كتاب تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي في هذه الفترة أيضًا (١١٩).
أما في مجال العلوم الصرفة (العقلية) فاشتهر العالم أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (توفي عام ٤٠٤ هـ) وهو صاحب كتاب (التصريف لمن عجز عن التأليف) وهو كبير جراحي الأندلس في هذه الفترة (١٢٠). أما إمام العلماء في الرياضيات والفلك في هذه الفترة فهو أبو القاسم مسلمة المجريطي (توفي عام ٣٩٨ هـ)، وهو الذي عني بزيج محمد بن موسى الخوارزمي وحوله من السنين الفارسية إلى السنين العربية (١٢١).
وثاني الملاحظات على علوم هذا العصر هي: خمول الدراسات الفلسفية ويعود سبب ذلك إلى مقاومة الحاجب المنصور لهذه الدراسات، من أجل إرضاء عامة الناس، وكسب تأييد الفقهاء. ومن أبرز أعماله في هذا المجال إحراقه لكتب الفلك والمنطق والفلسفة التي كانت تمتلئ بها مكتبة الحكم المستنصر (١٢٢). وبهذا خمدت روح البحث العلمي، وقيدت الحرية الفكرية، وتهيب الناس من دراسة العلوم العقلية، وقد تخفى بعض العلماء، وهرب القسم الآخر نحو المشرق للتخلص من الاضطهاد (١٢٣).
وثالث الملاحظات على علوم هذه الفترة، هي ازدهار الدراسات اللغوية، والتي دفعت بعوامل من المشرق الإسلامي وليس بسبب ذاتي، حيث وَصَل في هذه الفترة اللغوي المشرقي الأديب صاعد البغدادي (أبو العلاء صاعد بن أبي الحسن بن عيسى) إلى الأندلس عام ٣٨٠ هـ في أيام الحاجب المنصور، فاستقبله المنصور أحسن استقبال (١٢٤). ولقي صاعد البغدادي الأمرَّين في الأندلس، وتصدى له بعض علمائها
_________________
(١) ابن بشكوال، الصلة، ج ١، ص ٣٠٩ - بالنثيا، المرجع السابق، ص ٣٩٥.
(٢) ابن الفرضي، تاريخ ترجمة رقم ١٥٩٨.
(٣) الحجي، الحضارة الإسلامية، ص ٥٨ - ابن بشكوال، الصلة، ترجمة رقم ٥٧٣.
(٤) صاعد، طبقات، ص ٩٣ - ابن القفطي، تاريخ الحكماء، ص ٣٢٦ - طوقان، تراث العرب العلمي، ص ٢٥٧ هـ حكمت نجيب، دراسات، ص ٢١١ - الحجي، الحضارة الإسلامية، ص ٥١ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ٢١٠.
(٥) سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٦٢ - بالنثيا، المرجع السابق، ص ٦٥.
(٦) ينظر: النباهي، المرقبة العليا، ص ٧٧ - ٧٩ - هيكل، المرجع السابق، ص ٢٧٠.
(٧) المراكشي، المعجب، ص ١٩ وما بعدها - المقري، نفح، ج ٢، ص ٨٦ وما بعدها - ابن خلكان، وفيات، ج ١، ص ٢٢٩ - ابن بسام، الذخيرة، ق ٤، م ١، ص ٨ وما بعدها.
[ ٣٣٣ ]
ودخلوا معه في محاورات علمية انحدرت أحيانًا إلى درجة المكائد، إلا أن هذه المحاورات وجهود صاعد اللغوية أدت إلى تنشيط الحركة اللغوية في فترة الحجابة.
وكان كتاب الفصوص الذي ألفه صاعد ذا أثر كبير في تغذية الدراسات اللغوية والأدبية في الأندلس (١٢٥).
وسار الأدب في فترة الحجابة بقوة الدفع التي كانت في فترة الخلافة، فظل على ما كان عليه من أنواع. بل إن بعض الظواهر الأدبية الجيدة التي أينعت في فترة الخلافة، قد اختفت في فترة الحجابة، وكان ذلك بسبب تأثر الأدب بالظروف السياسية الاستبدادية والأوضاع الثقافية المقيدة. وأهم أنواع الشعر التي نالت حظًا كبيرًا في هذه الفترة، هو شعر المجون الذي يعكس حالة المجتمع المتردية، وشعر المديح الذي كان بمثابة أبواق دعاية للحكم الاستبدادي، وشعر الاستعطاف، وشعر النقد السياسي (١٢٦). ومن أشهر شعراء الفترة ابن دراج القسطلي، الذي غلب طابع المدح على أغلب شعره (١٢٧).
أما النثر، فقد توقف النوع التأليفي، واستمر النثر الخالص، ولكن أهم ما يلاحظ على أسلوب النثر في هذه الفترة، ظهور أثر طريقة ابن العميد (وزير عضد الدولة البويهي توفي عام ٣٦٠ هـ) (١٢٨)، تلك الطريقة التي تميل إلى الإطناب، وتعتمد على السجع والجناس، مع ذكر بعض الأمثال أو الإشارات التاريخية، مع تدعيم النثر بالشعر. وليس من شك في أن حياة الترف ومظاهر الفخامة في فترة الحجابة، كانت من أسباب الاستجابة إلى هذه الطريقة من أسلوب النثر خلال هذه الفترة. وكذلك آثار ابن العميد ومن نحوا طريقته كالصاحب بن عباد الفارسي (من وزراء البويهيين أيضًا توفي عام ٣٨٥ هـ ولقب بالصاحب لأنه كان يصحب ابن العميد، وكان إسماعيل بن عباد أديبًا بارعًا في فن الترسل وله رسائل منشورة) (١٢٩)، قد وصلت إلى الأندلس قبيل فترة
_________________
(١) المقري، نفح، ج ٢، ص ٧٧ - هيكل، المرجع السابق، ص ٢٧١ - ٢٧٢ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٦٤.
(٢) هيكل، المرجع السابق، ص ٢٧٣ وما بعدها.
(٣) ينظر، ابن دحية، المطرب، ص ١٥٦ - ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، ص ٤٦٦ - ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٢٧٢ - ديوان ابن دراج، ص ٣٧ وما بعدها - الحميدي، جذوة رقم ١٨٦ - ابن بشكوال، الصلة، رقم ٧٥ - الضبي، بغية، رقم ٣٤٢.
(٤) العبادي، ني التاريخ العباسي، ص ١٧١ - ١٧٢.
(٥) نشرت رسائل الصاحب بن عباد في القاهرة عام ١٩٤٧ برعاية شوقي ضيف وعبد الوهاب عزام، ينظر، العبادي، في التاريخ العباسي، ص ١٧٢.
[ ٣٣٤ ]
الحجابة، فيما وصل من تراث المشرق خلال القرن الرابع الهجري، وبخاصة في فترة الخلافة، ولكن أثر هذه الطريقة قد ظهر في فترة الحجابة (١٣٠).
أما فترة الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، فهي فترة التفكك والانحلال، والتي أدَّت إلى سقوط الخلافة الأندلسية وقيام عصر الطوائف (١٣١).
وكان من نتائج هذه الفتنة، أن تعطل النشاط الثقافي وبخاصة في قرطبة، فأغلقت المدارس وانحلت حلقات الدرس، وقتل بعض العلماء وخاصة ابن الفرضي صاحب كتاب (تاريخ علماء الأندلس) عام ٤٠٣ هـ، وهاجر البعض من قرطبة إلى شرقي الأندلس كابن حزم حيث يلتمس شيئًا من الأمن.
وعلى الرغم من كل ذلك لم تخمد أنفاس الحركة العلمية في الأندلس خلال هذه الفترة، فقد كانت هناك بقية من العلماء الأندلسيين الذين أدركوا الإزدهار في فترة الخلافة، أو انتفعوا بقوة الدفع في فترة الحجابة، فحفظوا للأندلس كثيرًا من علمها وثرائها على الرغم مما كان فيها من فتنة مبيرة كما يقال. ومن أشهر هؤلاء العلماء: أبو عمر أحمد بن محمد بن الجسور وكان أحد شيوخ الحديث (١٣٢)، وأبو محمد عبد الله بن يوسف الرهوني وكان مؤدبًا محدثًا مجودًا للقرآن (١٣٣). كما كان هناك بعض العلماء ممن وفدوا إلى الأندلس من أقطار مشرقية، وكان لهم فيها حينذاك دور علمي كبير، ومن أشهر الوافدين إلى الأندلس في هذه الفترة أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي يزيد المصري، وكان أديبًا نسابة، حافظًا للحديث عالمًا بالأخبار (١٣٤). كذلك كان في بعض الأقاليم الأندلسية البعيدة عن مركز قرطبة، حظ من النشاط العلمي، وقد كان شرقي الأندلس من تلك الأقاليم التي نعمت ببعض الأمن، فعُرفت بعض المدن هناك في هذه الفترة بحياة علميّة لا بأس بها (١٣٥). وبرز في الأندلس خلال فترة الفتنة عالمان جليلان لهما دور بارز في ثقافة الأندلس هما: أبو محمد بن حزم (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ) وأبو مروان بن حيان (٣٧٧ - ٤٦٩ هـ). فابن حزم انصرف إلى العلم بعد سقوط الخلافة الأندلسية وتجول في ربوع الأندلس وبخاصة في شرقها ناشرًا مذهبهُ الظاهري، ولقي
_________________
(١) هيكل، المرجع السابق، ص ٣٣٤.
(٢) ينظر، السامرائي، علاقات المرابطين، ص ٣٢ وما بعدها.
(٣) هيكل، المرجع السابق، ص ٣٥٠.
(٤) ابن بشكوال، الصلة، ترجمة رقم ٥٩٥.
(٥) أيضًا، ترجمة رقم ٧٥٨.
(٦) كريم عجيل، الحياة العلمية، ص ١٢٣ - تشراكوا، مجاهد العامري، ص ١٤٣.
[ ٣٣٥ ]
الأمرَّين من علماء المالكية وبالذات من أبي الوليد الباجي داعية الوحدة في الأندلس.
أما ابن حيان فعلى الرغم من توليه بعض المناصب الإدارية في هذه الفترة، إلا أنه انصرف إلى كتابة الأدب والتاريخ، واشتهر بكتابه المقتبس (١٣٦). وتأثر الأدب بأحداث الفتنة تأثرًا كبيرًا، فنرى أولًا انتشار أدب التلهي والنفاق والتفاهة، أو ما يسمى بأدب الهروب، وثانيًا ظهر أدب التأمل والنقد أو ما يسمى بأدب المراجعة. وقد كان الشعر مجال النوع الأول (أدب الهروب) وكان النثر مجال النوع الثاني (أدب المراجعة)، ومن هنا خطا النثر خطوات واسعة حتى سبق الشعر، فظهرت أنواع نثرية جديدة وجادة، أتاح لها انطواء بعض الأدباء وعكوفهم جوًا ملائمًا فيه تأمل وفيه مراجعة، مما ساعد على التخيل والنقد والتحليل (١٣٧).
ومن أشهر شعراء هذه الفترة أبو عامر بن شُهيد (٣٨٢ - ٤٢٦ هـ) (١٣٨) وأبو محمد بن حزم الذي سيعاصر الطوائف. وفي مجال النثر، فقد اشتهر هذان العالمان أيضًا، فإبن شُهيد له رسالة التوابع والزوابع وهي قصة خيالية يحكي فيها ابن شُهيد رحلة في عالم الجن (١٣٩). أما أبو محمد بن حزم فأشهر كتاب له في هذا المجال، هو طوق الحمامة في الألفة والأُلاَّف، ويتناول فيه دراسة عاطفة الحب بشكل مفصل واعتمد أسس التجربة والتحليل النفسي في منهجه (١٤٠).
أما عصر الطوائف ٤٢٢ - ٤٨٤ هـ، فعلى الرغم من الفرقة السياسية التي ضربت أطنابها ببلد الأندلس خلال هذه الفترة، لكن رافقها نشاط الحركة العلمية والأدبية وذلك لرعاية ملوك الطوائف العلماء والأدباء، ولأن معظمهم كان من رجال الأدب، فبذلك غدت قصورهم منتديات أدبية ومجامع حقة للعلوم والفنون (١٤١).
وبما أن الأندلس لم تكن دولة موحدة في هذه الفترة. ونظرًا لتعدد أمرائها وتفاوتهم في رعاية الحركة الأدبية، فسوف نشير إلى أهم ممالك الطوائف التي رعت الحركة الأدبية:
_________________
(١) ينظر، هيكل، المرجع السابق، ص ٣٥١ - ٣٦٣.
(٢) هيكل، المرجع السابق، ص ٣٦٤.
(٣) الحميدي، جذوة، رقم ٢٣٢.
(٤) ينظر، أحمد ضيف، بلاغة العرب في الأندلس، ص ٤٨ - زكي مبارك، النثر الفني، ج ١، ص ٢٦١ - هيكل، المرجع السابق، ص ٣٧٧ وما بعدها.
(٥) ينظر، طوق الحمامة، ص ٢ وما بعدها - الطاهر أحمد مكي، دراسات عن ابن حزم، ص ٢٢٥.
(٦) عنان، دول الطوائف، ص ٤٢٣.
[ ٣٣٦ ]
في المقدمة تأتي مملكة بني عباد في إشبيلية فقد كان المعتضد وابنه المعتمد من رواد الحركة الأدبية ولهم أشعارهم المختارة وعاش في ظلهما أشهر شعراء هذه الفترة أبو بكر بن عمار وابن زيدون صاحب ولادة بنت الخليفة المستكفي (هو محمد بن عبد الله بن الناصر ٤١٤ - ٤١٦ هـ) (١٤٢). ويأتي بعدهما شاعران مشهوران هما أبو بكر بن اللبانة وابن حمديس الصقلي (١٤٣).
ورعى بلاط المرية الحركة الأدبية (١٤٤)، فبالإضافة إلى نبوغ ولاة الأمر فيها بالشعر وهم أسرة بني صمادح، فعاصرهم ومدحهم أبو عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز، وأبو الفضل جعفر بن شرف القيرواني، وأبو حفص بن الشهيد وغيرهم (١٤٥). وكان ملوك بطليوس وهم بنو الأفطس من حماة الأدب والشعر، ومن أشهر الشعراء الذين عاشوا في كنفهم، الوزير الشاعر عبد المجيد بن عبدون، الذي اشتهر بمرثيته لبني الأفطس (القصيدة العبدونية) وبنو القبطرنة الثلاثة، ومن أشهر كتابهم أبو بكر بن قزمان (١٤٦).
ورعت مملكة سرقسطة الحركة الأدبية والعلمية والفلسفية، وكان في مقدمة الشعراء الذين احتضنتهم هذه المملكة هو أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج القسطلي (١٤٧).
ورعى مجاهد العامري أمير مملكة دانية والجزائر الشرقية الحركة الأدبية، وأحاط نفسه بعدد ضخم من الأدباء والشعراء، ومن أشهرهم، أبو عامر أحمد بن شهيد، وأحمد بن رشيق وأبو حفص أحمد بن برد وغيرهم (١٤٨) أما الممالك الأخرى فكانت رعايتها للحركة الأدبية أقل مما ذكرنا عن هذه الممالك، وبعضها لم يذكر لها شهرة أدبية (١٤٩).
لكن عمومًا يمكن القول أن اتجاهات أدبية جديدة ظهرت في هذا العصر -وبخاصة في الشعر- مثل: شعر الرثاء، مثله عبد المجيد بن عبدون، والشعر الفلسفي الذي مثله
_________________
(١) ينظر، صلاح خالص، اشبيلية، ص ١٣٥ وبعدها.
(٢) ينظر، سعد إسماعيل شلبي، البيئة الأندلسية، ص ٣٣٥ وبعدها.
(٣) أبو الفضل، تاريخ مدينة المرية، ص ٣٤ وبعدها.
(٤) ينظر، ابن بشكوال، الصلة، رقم ٢٩٨ - ابن الآبار، الحلة، ج ٢، ص ٩٢ وبعدها - إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص ٧١.
(٥) ينظر، ابن عذاري، البيان، ج ٣، ص ٢٣٦ - المقري، نفح، ج ٢، ص ١٣٦ - عنان، دول الطوائف، ص ٤٢٨ - ٤٢٩.
(٦) الضبي، بغية الملتمس، رقم ٣٤٢.
(٧) تشراكوا، مجاهد العامري، ص ٢٣١ وما بعدها - حازم عبد الله، ابن شهيد الأندلسي، ص ٢٦ وما بعدها.
(٨) ينظر، إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص ٧٤ وما بعدها.
[ ٣٣٧ ]
ابن حزم، وعبد الجليل بن وهبون المرسي، وشعر الزهد يمثله ابن الريوالي الفقيه وأحمد الإقليشي، وأبو بكر العبدري وغيرهم. وشعر الغزل الذي شاع في هذا العصر نظرًا لضعف الوازع الديني، والتحلل من القيم الخلقية، ومثل هذا الإتجاه السراج المالقي شاعر بني حمود، وابن الحداد، وابن زيدون وغيرهم، والشعر الشعوبي الذي مثله أبو عامر أحمد بن غرسية الذي عاش في مملكة دانية. وشعر النكبات، والذي صور نكبة بربشتر بصورة خاصة في منطقة الثغر الأعلى عندما احتلها النورمان عام ٤٥٦ هـ وعاثوا فيها فسادًا (١٥٠).
وبجانب الحركة الأدبية ازدهرت العلوم الدينية وبخاصة في بلاط بني صمادح حيث كان المعتصم بن صمادح وغيره يعقدون مجالس الفقهاء في كل جمعة ويتدارسون كتب التفسير والحديث (١٥١)، ورعت مملكة دانية العلوم القرآنية وكان رائدها شيخ القراء أبا عمرو الداني (١٥٢)، وتزعم الدراسات الفقهية العالمان أبو محمد علي بن حزم وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي داعيًا توحيد الأندلس في أيام الطوائف (١٥٣)، وكان من رواد الدراسات النحوية العلامة اللغوي أبو الحسن علي بن سيده (توفي عام ٤٥٨ هـ) صاحب كتاب (المحكم) (١٥٤). واشتهرت الدراسات التاريخية والجغرافية في الأندلس خلال هذه الفترة، وكان من رواد الحركة التاريخية ابن حيان المعروف بكتاب المقتبس، والعالم ابن حزم صاحب كتاب (جمهرة أنساب العرب) و(كتاب نقط العروس) (١٥٥)، والعالم أبو عمر يوسف بن عبد البر الذي ألف كتاب (الاستيعاب في معرفة الأصحاب)، وكتاب (الدرر في اختصار المغازي والسير). وكان رائد الدراسات الجغرافية في عصر الطوائف أبا عبيد البكري (ت ٤٨٧ هـ) وهو صاحب كتاب (المسالك والممالك) وكتاب (معجم ما استعجم) (١٥٦).
_________________
(١) ينظر، سعد إسماعيل شلبي، البيئة الأندلسية، ص ٣٠٨ وما بعدها، ص ٤٢٥ وما بعدها، ص ٤٣٨ وما بعدها، ص ٥٠٢ وما بعدها - إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص ١١٧ وما بعدها - محمد مجيد السعيد، الشعر في ظل بني عباد، ص ٧٧ وما بعدها.
(٢) إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص ٧١ - أبو الفضل، تاريخ مدينة المرية، ص ٢٤٨.
(٣) تشراكوا، مجاهد العامري، ص ٢٣٩.
(٤) السامرائي، " الدعوة إلى توحيد الأندلس في أيام الطوائف "، ص ٨٢ وما بعدها.
(٥) عنان، دول الطوائف، ص ٤٣٤ - ينظر، كريم عجيل، الحياة العلمية، ص ٤٠١ وما بعدها.
(٦) ينظر، الحميدي، جذوة، ترجمة (رقم ٨٧٤) - كريم عجيل، الحياة العلمية، ص ٤٦٦ وما بعدها - عمر فروخ، ابن حزم الكبير، ص ١٠١ وما بعدها.
(٧) البكري، جغرافية الأندلس، ص ٢٩ وما بعدها - عنان، دول الطوائف، ص ٤٣٠.
[ ٣٣٨ ]
أما العلوم الصرفة فنالت اهتمام أمراء الطوائف، ويأتي في مقدمتهم المقتدر بن هود وولده المؤتمن أمير سرقسطة، حيث كانا من العلماء البارزين في الرياضيات والفلك والفلسفة (١٥٧). وكان العالم أبو الفتوح ثابت بن محمد بن الجرجاني مشرقي المنبت، رحل إلى الأندلس عام ٤٠٦ هـ وعاش في ظلال مملكة دانية، واشترك في عملية فتح سردانية. اشتهر بالفلسفة والفلك والمنطق (١٥٨). واشتهرت بلنسية بطبيبها أبي محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن الذهبي (توفي عام ٤٥٦ هـ) (١٥٩). وفي مجال الرياضيات وعلم الفلك، فكان من أشهرهم أبو إسحاق بن إبراهيم بن يحيى الزرقالي صاحب الجداول الفلكية الشهيرة (توفي عام ٤٨٠ هـ)، وأبو القاسم أصبغ بن السمح الغرناطي (توفي عام ٤٣٨ هـ) وكان بارعًا في الهندسة والفلك (١٦٠). واشتهر أبو عبد الله بن أحمد السرقسطي (توفي عام ٤٨٨ هـ) بعلم الأعداد والهندسة والنجوم (١٦١). أما إسحاق بن قسطار، فكان يهوديًا يعمل في خدمة مجاهد العامري. فله خبرة جيدة بالطب وبعلم المنطق والفلسفة (١٦٢).
ورافق ازدهار الحركة الفكرية في الأندلس في عصر الطوائف، ذيوع المكتبات العامة والخاصة التي شملت أنفس وأجود أنواع الكتب، فقد رعت مملكة إشبيلية هذه الظاهرة وكذلك مملكة المرية، ومملكة بطليوس وطليطلة. وأشهر مكتبة خاصة كانت تعود إلى الوزير أحمد بن عباس وزير زهير العامري (١٦٣)، واشتهرت مكتبة أبي محمد عبد الله بن حيان بن فرحون الأروشي (توفي عام ٤٨٧ هـ) في مدينة بلنسية، وكانت له همة عالية في اقتناء الكتب (١٦٤).
ويبدو لنا تطور الحركة الفلسفية في عصر الطوائف، وبخاصة بعد دخول رسائل إخوان الصفا على يد أبي الحكم الكرماني (توفي عام ٤٥٨ هـ) فوجدت في شبه الجزيرة إقبالًا كبيرًا (١٦٥). ومن الذين كان لهم حس فلسفي في عصر الطوائف ابن حزم
_________________
(١) المقري، نفح، ج ٢، ص ١٢٦ وما بعدها.
(٢) الحميدي، جذوة، رقم ٣٤٤.
(٣) صاعد، طبقات، ص ١٠٩ - كريم عجيل، الحياة العلمية، ٤٧٨.
(٤) عنان، دول الطوائف، ص ٤٣٥.
(٥) صاعد، طبقات الأمم، ص ٩٤.
(٦) تشراكوا، مجاهد العامري، ص ٢٥١.
(٧) عنان، دول الطوائف، ص ٤٣٦ - ٤٣٧.
(٨) ابن بشكوال، الصلة، رقم ٦٣٤ - الضبي، بغية، رقم ٩٢٠.
(٩) بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ص ١٧.
[ ٣٣٩ ]
الظاهري، الذي أحدث في الأندلس دويًا علميًا هائلًا بمذهبه الظاهري ومناظرته الفقهاء وأهل الأديان، وكان كثير الوقيعة في العلماء بلسانه وقلمه (١٦٦).
إلا أن علم الفلسفة كان من العلوم الممقوتة في الأندلس على أيام الطوائف، ولا يستطيع صاحب هذا العلم إظهاره (١٦٧). وقد أحرق المعتضد أمير إشبيلية كتب ابن حزم الظاهري إرضاءً للمالكية وعلى رأسهم أبو الوليد الباجي (١٦٨). وكان لابن حزم تلاميذ عاشوا بعده وورثوا بعض علمه، ومنه الحس الفلسفي، ومن أشهرهم ولده (أبو رافع الفضل)، الذي اجتمع عنده بخط أبيه من تأليفه نحو أربعمائة مجلد (١٦٩) ويبدو لنا من هذه الرواية أن المعتضد لم يحرق كتب ابن حزم كلها لأن أبا رافع هذا كان من رجال ولده المعتمد واستشهد في معركة الزلاقة عام ٤٧٩ هـ، وإن اضطهاد المعتضد لهذا العالم لم يكن في أغلب الظن علميًا بقدر ما هو اضطهاد سياسي (١٧٠). وهناك من لازم ابن حزم وأكثر الأخذ منه دون أن يتظاهر بذلك أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي (توفي عام ٤٨٨ هـ) صاحب كتاب (جذوة المقتبس)، ومن تلاميذه أيضًا الراضي بن المعتمد الذي أشرف على المذهب الظاهري وبرع في الأصول (١٧١)، ويبدو أن الفتن التي عصفت بملوك الطوائف شغلت ملوك قرطبة عن تعقب الفلاسفة ومحاكمتهم، ومع ذلك فقد بيعت المكتبات العامة والخاصة التي كانت تزين قصور قرطبة بأبخس الأثمان وتناولها الناس وقرأوا منها بعض بحوث الفلسفة. ولما أمن الناس أظهروا ما لديهم في الفلسفة من كتب وأخذوا يهتمون بالعلم الرياضي وصناعة المنطق، وكان المعتمد نفسه يصدق بالتنجيم (١٧٢).
ويظهر أن مملكة سرقسطة بالذات كانت مأوى وحاميًا للفلسفة والفلاسفة في عهد المقتدر بن هود (٤٣٨ - ٤٧٣ هـ) وابنه يوسف المؤتمن (٤٧٣ - ٤٧٧ هـ) (١٧٣) وإلى بلاطهما
_________________
(١) ابن كثير، البداية والنهاية، ج ١٢؛ ص ٩٢ - عمر فروخ، ابن حزم، ص ١٦١ وما بعدها.
(٢) المقري، نفح، ج ٦، ص ١٦٨.
(٣) سعد إسماعيل شلبي. البيئة الأندلسية، ص ٤٧ (ح: ٨).
(٤) ابن خلكان، وفيات، ج ٣، ص ١٣.
(٥) السامرائي، علاقات، ص ٤٢٦ - ٤٢٧.
(٦) ابن الآبار، الحلة، ج ٢، ص ٧١ - معجم الأدباء، ج ١٨، ص ٢٨٢ وما بعدها.
(٧) عبد الوهاب عزام، المعتمد بن عباد، ص ٢٧٧ - محمد عبد المنعم خفاجة، قصة الأدب في الأندلس، ج ١، ص ١٥٩ - ١٦٠.
(٨) بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٤٥٤.
[ ٣٤٠ ]
لجأ أبو الحكم الكرماني، وفيها استقر المقام بالفيلسوف ابن باجة، ولقيت رسائل إخوان الصفا إقبالًا كبيرًا من أهلها (١٧٤).
وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية ٤٨٤ - ٥٤٠ هـ، فنتج عن ذلك الانفتاح الفكري الأندلسي على المغرب، حيث انتقلت الثقافات الأندلسية المتنوعة إلى المغرب، كما انتقل أبناء المغرب من قادة ورعية لينهلوا من علوم الأندلس والتزود من معارفها (١٧٥).
وعلى الرغم من إشارة بعض الروايات إلى ضمور الحركة الفكرية الأندلسية في ظل دولة المرابطين عما كانت عليه أيام ملوك الطوائف (١٧٦)، إلا أن الحركة العلمية والأدبية في الأندلس لبثت خلال العهد المرابطي تحتفظ بكثير مما كان لها أيام الطوائف من قوة وحيوية، كما درس أكثر عمال المرابطين في الأندلس على أيدي أشهر العلماء (١٧٧).
واعتمد أمراء المرابطين وولاتهم قادة الفكر الأندلسي في تسيير أعمالهم، فنرى اعتماد يوسف بن تاشفين على الأديب الأندلسي عبد الرحمن بن أسباط، ولما توفي عام ٤٨٧ هـ، استعان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بالعالم محمد بن سليمان الكلاعي الإشبيلي المعروف بابن القصيرة، الذي كان استخدامه في البلاط المرابطي بداية لاحتشاد أعلام الكتابة الأندلسيين للخدمة فيه (١٧٨).
واحتشد في البلاط المرابطي إلى جانب ابن القصيرة عدد من أعلام الكتاب وأئمة البلاغة، منهم وزير بني الأفطس وصاحب المرثية المشهورة عبد المجيد بن عبدون الذي كتب ليوسف بن تاشفين وقيل لابنه علي وتوفي عام ٥٢٠ هـ (١٧٩) إضافة إلى الكاتب أبي عبد الله محمد بن مسعود بن أبي الخصال الذي كتب لعلي بن يوسف ثم عزله فيما بعد وتوفي عام ٥٤٠ هـ (١٨٠) ولا ننسى خدمات الفتح بن خاقان الإشبيلي الذي خدم في قصور أمراء الطوائف، ثم التحق بخدمة أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي قتل
_________________
(١) سعد شلبي، البيئة الأندلسية ص ٤٩.
(٢) كنون، النبوغ المغربي، ج ٣، ص ١٤٩ - السامرائي، علاقات، ص ٤١٠.
(٣) كنون، النبوغ المغربي، ج ١، ص ٧٤.
(٤) راجع على سبيل المثال، ابن الآبار، المعجم، ج ٨، ص ١٥، ص ٢٠، ص ٢٨١ وغير ذلك.
(٥) ابن بشكوال، الصلة، ترجمة (رقم ١٢٥٣) - الفتح بن خاقان، قلائد، ج ٥، ص ١٠٤ - عنان، عصر المرابطين، ق ١، ص ٤٤٠.
(٦) ابن خاقان، قلائد، ص ٣٥ - كنون، النبوغ المغربي، ج ١، ص ٨٧.
(٧) ابن بشكوال، الصلة، رقم ١٢٩٤ - بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ص ١٢٣.
[ ٣٤١ ]
عام ٥٢٩ هـ بمراكش (١٨١).
ونوى من خلال دراسة ترجمة هؤلاء الكتاب وغيرهم، أنهم كانوا يتمتعون بمكانة مرموقة في البلاط المرابطي ويحملون لقب (ذو الوزارتين) أمثال أبي بكر بن القصيرة، وأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال الغافقي (١٨٢).
وخلال العصر المرابطي ظهر في الأندلس الكثير من أعلام المحدثين والفقهاء، فقسم منهم تعاون مع ولاة المرابطين في الأندلس، وقسم آخر ذهب إلى مراكش ودخل في خدمة المرابطين هناك، ومن أشهرهم: الفقيه أبو محمد عبد الحق بن غالب المحاربي (توفي ٥٤٢ هـ) من أهل غرناطة، ويبدو أنه تعاون مع المرابطين في الأندلس ومدحهم بأشعاره (١٨٣). والفقيه أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري من أهل المرية، ودخل في خدمة المرابطين في أواخر أيامهم، ثم انحاز إلى دولة الموحدين إلى أن توفي بمراكش عام ٥٥٩ هـ (١٨٤). ومنهم الفقيه عبد الله بن محمد بن عبد الله النفري المعروف بالمرسي (٤٥٣ - ٥٣٨ هـ) ولد ودرس بمرسية، ثم انتقل إلى مدينة سبتة وتولى الخطابة بجامعها، ورجع إلى الأندلس وتوفي في قرطبة (١٨٥).
كما نبغ في العصر المرابطي بعض أئمة اللغة في الأندلس، ومنهم أحمد بن عبد الجليل المعروف بالتدميري، نشأ في المرية، وسكن بجاية في ظل بني حماد ثم توفي في مدينة فاس عام ٥٥٥ هـ (١٨٦).
وأما عن العلوم، فقد حظيت الأندلس بنهضة علمية في هذه الفترة، والتي كانت امتدادًا للنهضة الفكرية التي ظهرت في عصر الطوائف. وكان في مقدمة العلماء الذين ظهروا في عصر السيطرة المرابطية أبو بكر محمد بن يحيى بن الضائع التجيبي المعروف بابن باجة (توفي عام ٥٣٣ هـ) وأصله من سرقسطة نشأ فيها في أواخر مملكة بني هود، ونبغ في الرياضيات والفلك والفلسفة، ولما ولي الأمير أبو بكر بن إبراهيم المسوفي، وهو ابن عم يوسف بن تاشفين وحكم سرقسطة عام ٥٠٨ هـ، استوزر أبا بكر بن باجة
_________________
(١) ابن الآبار، المعجم، ص ٣١٣.
(٢) السامرائي، علاقات، ص ٤١٤.
(٣) الضبي، بغية، ترجمة ١١٠٣ - ابن دحية، المطرب، ص ٩١.
(٤) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ١٨٢.
(٥) ابن بشكوال، الصلة، ترجمة رقم ٦٥٠.
(٦) ابن الآبار، التكملة، رقم ١٧٥.
[ ٣٤٢ ]
وأغدق عليه رعايته وعنايته، بالرغم مما كان ينسب إليه من الآراء الفلسفية. ولما سقطت سرقسطة بيد الإسبان عام ٥١٢ هـ غادرها ابن باجة إلى إشبيلية ثم إلى شاطبة، ومنها نزح إلى المغرب وتوفي في مدينة فاس عام ٥٣٣ هـ (١٨٧).
واشتهرت أسرة بني زهر بالطب، وكان عميدها عبد الملك بن محمد بن زهر الإيادي، وخلفه في المهنة ولده زهر بن عبد الملك الذي أصبح عمدة عصره في الطب وتوفي عام ٥٢٥ هـ بقرطبة ودفن في إشبيلية (١٨٨). وجاء من بعده ولده عبد الملك بن زهر الذي ذاع صيته في المغرب والأندلس، واتصل بالمرابطين، وصنف للأمير أبي إسحاق بن يوسف بن تاشفين كتابه المعروف (الاقتصاد في صلاح الأجساد)، كما له كتاب في الطب مشهور باسم (التيسير)، توفي في إشبيلية عام ٥٥٧ هـ (١٨٩)، وقد كتب وصفًا دقيقًا لبعض الأمراض وبخاصة التهاب غشاء القلب وأعراض السرطان (١٩٠).
وأشهر أطباء العصر أيضًا علي بن عبد الرحمن الخزرجي، من أهل طليطلة برع بالطب إلى جانب تمكنه في الفقه، ولما استولى الإسبان على طليطلة عام ٤٧٨ هـ، رحل في بلاد الأندلس واستقر أخيرًا في قرطبة وتوفي فيها عام ٤٩٩ هـ (١٩١). وشاركهُ في الاهتمام بالطب أيضًا أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت (٤٦٠ - ٥٢٩ هـ) من أهل دانية، إلا أنه قضى معظم حياته متنقلًا بين مصر وأفريقية (١٩٢). واشتهر بالزراعة في الأندلس خلال هذه الفترة العلاّمة الزراعي أبو عبد الله محمد بن مالك التغنري من قرية تغنر من أعمال غرناطة، ودرس العلوم الزراعية على يد ابن البصال الطليطلي، وله كتاب (زهر البستان ونزهة الأذهان) (١٩٣).
أما النهضة الأدبية في الأندلس فقد ارتفعت فوق مستوى الانحلال الذي شهده
_________________
(١) القفطي، أخبار العلماء، ص ٢٦٥ - السامرائي، علاقات، ص ٤١٦ - ٤١٧ ينظر، السامرائي، دراسات، ص ٣٧٨ - ٣٧٩ هـ سليم طه التكريتي " ابن باجة " مجلة العربي، العدد ١٦٦، ص ١٦٦ وما بعدها.
(٢) عنان، عصر المرابطين، ق ١، ص ٤٧٣.
(٣) ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص ٥١٧.
(٤) السامرائي، دراسات في تاريخ الفكر العربي، ص ٣٢٤ - أنور الرفاعي، الإنسان العربي والحضارة، ص ٤٥٦ - عز الدين فراج، فضل علماء المسلمين، ص ٢٥٢.
(٥) عنان، عصر المرابطين، ق ١، ص ٤٧١.
(٦) ابن خلكان، وفيات، ج ٢، ص ٩٩، القفطي، أخبار العلماء، ص ٥٧.
(٧) عنان، عصر المرابطين، ق ١، ص ٤٧٤.
[ ٣٤٣ ]
عصر الطوائف، لأن دولة المرابطين اعتمدت الدين في كثير من أمورها، وأنها وجهت نشاطها إلى مجاهدة الإسبان، وكذلك مرت الأندلس بفترة من الجد وتركت الحياة التي اعتادت عليها في أيام الطوائف، مما أدى إلى تغير نوعي في مستوى الحياة الأندلسية، وبخاصة الأدبية منها. فلم نر ذلك التحرر والانطلاق في نظم الشعر الذي يمثل التغزل بالطبيعة وجمالها، ووصف جمال المرأة، وبعض مظاهر الحياة الإجتماعية الماجنة (١٩٤).
وعلى هذا الأساس وجهت اتهامات إلى المرابطين بعدم الذوق الأدبي، وكسوف شمس الأدب في عهدهم، بل غولي بالأمر إلى حد اتهامهم بعدم معرفة اللسان العربي (١٩٥). إن مثل هذا الاتهام يمثل بعض وجوه العصبية الأندلسية لتبيان حالة أهل المغرب بأنهم أقل حضارة وأقل نصيبًا في تقدير الشعر من أهل الأندلس، فالأمر لا يعدو أكثر من نقمة الأندلسيين على المرابطين، بأكثر مما يدل على تغير من حال الأدباء والشعراء. فالشعراء الذين كانوا في ظل أمراء الطوائف أكثرهم أدرك عصر المرابطين وعاش الكثير من أحداثه، وبذلك يمكن نفي مثل هذا الاتهام، والجزم بأن الشعر الأندلسي لم يمت في عصر المرابطين، وأن كل ما حدث: أن الشعر كيَّف نفسه بما يلائم الظروف الجديدة التي أحاطت به (١٩٦).
لقد كان قدوم المرابطين إلى الأندلس بداية عهد جديد يؤذن بتواري العاهل الأندلسي وقيام عاهل مرابطي لكل منهما ذوقه الأدبي، وموقفه من الشعر والشعراء، فلا ينكر أن طبقة الشعراء أصبحت في الظل على عهد المرابطين وتقدمت عليها طبقة الفقهاء (١٩٧). فنرى نتيجة ذلك أن بعض شعراء الأندلس أمثال ابن خفاجة (توفي عام ٥٣٣ هـ) وابن أخته يحيى بن عطية بن الزقاق (توفي عام ٥٢٩ هـ) لم يتأثروا كثيرًا بقدوم المرابطين، كما كان حالهم في عصر الطوائف (١٩٨)، وكذلك دفع الأمر بعض أدباء الأندلس إلى جمع تراثهم الأدبي والحفاظ عليه من الضياع فصنف ابن بسام (توفي عام ٥٤٢ هـ) كتابه المشهور (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) وصنف الفتح بن خاقان (توفي عام ٥٣٥ هـ) كتابي قلائد العقيان ومطمح الأنفس. وقد أشار ابن بسام -بصورة خاصة-
_________________
(١) حركات، المغرب عبر التاريخ، ص ٣٩٤ - الطاهر أحمد مكي، دراسات عن ابن حزم، ص ٤٨ وما بعدها.
(٢) محمد عبد المنعم خفاجة، قصة الأدب في الأندلس، ج ٢، ص ٣٣٨.
(٣) إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص ٧٩.
(٤) سعد إسماعيل شلبي، دراسات أدبية في الشعر الأندلسي، ص ١٥٣.
(٥) سعد شلبي، دراسات أدبية، ص ١٥٤.
[ ٣٤٤ ]
إلى أن الكساد قد أصاب الشعر في الأندلس بعد انقراض عصر ملوك الطوائف (١٩٩). كما نلاحظ الكثير من شعراء الأندلس في هذا العهد تركوا البلاد وهاجروا إلى الخارج واستقر قسم منهم في الجزائر الشرقية (البليار) وقسم في تونس والجزائر، بعيدًا عن سلطان المرابطين أمثال الشاعر ابن اللبانة، والشاعر ابن حمديس الصقلي (٢٠٠).
وعندما وجد فريق من الشعراء نفسه مضطرًا على البقاء في الأندلس، اضطر إلى المداهنة، وإلى توجيه أشعاره إلى الفقهاء والكتاب الأندلسيين الذين تولوا مناصب الوزارة والكتابة للمرابطين. ونظرًا لأن هؤلاء لم يكونوا في ثراء ملوك الطوائف أو هيبتهم الأدبية، فقد هبط الشعر الرسمي عن مستواه، وصار سلسًا إلى درجة تقرب من الضعف، كما كثر فيه الاستعطاف، والترحيب بالسادة الجدد، والتندر بعيوب ملوك الطوائف (٢٠١).
وإذا كان مقدم بن معافى القبري (توفي عام ٢٩٩ هـ) قد ابتكر الموشحات الأندلسية، فإنها تطورت في عصر الطوائف على يد الشاعر أبي بكر عبادة بن ماء السماء (توفي عام ٤٢٢ هـ) (٢٠٢)، ثم تبعه الشاعر ابن اللبانة والأعمى التطيلي وغيرهما، في عصر المرابطين مما يدل على غلبة ذوق العوام، وإلى التهاون في استعمال اللغة العربية (٢٠٣)، فمال هؤلاء الشعراء الفحول إلى نظم هذه الموشحات لأنهم كانوا يعيشون في مجتمع يميل إلى كل ما هو شعبي (٢٠٤).
وقد أدى هذا الأمر إلى ظهور شعر الزجل الذي اشتهر به محمد بن عبد الله بن قزمان (توفي عام ٥٥٤ هـ) (٢٠٥)، وإذا رأينا الموشح يعتمد نظم القوافي، فالزجل يمثل مظهرًا من مظاهر ضعف اللغة العربية وفقدان سلطانها الكامل على الشعراء (٢٠٦).
_________________
(١) السامرائي، علاقات، ص ٤٢٠.
(٢) سعد شلبي، دراسات أدبية، ص ١٥٥ - ١٥٦.
(٣) راجع، ديوان ابن خفاجة الأندلسي، ص ١١٦، ص ١٩٨.
(٤) محمد مجيد السعيد، الشعر في ظل بني عباد، ص ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٥) محمد مجيد السعيد، الشعر في عهد المرابطين والموحدين، ص ٣٩٥ - السامرائي، علاقات، ص ٤٢١.
(٦) السامرائي، دراسات، ص ٤٠٥.
(٧) ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ١٠٠ - سالم، قرطبة، ج ٢، ص ١٠٠.
(٨) نماذج من موشحة ابن اللبانة: للدموع إذ تقطر. في الخد أسطر. تحفظ الهوى ظاهر. منها النواظر وأشهر نموذج للموشحات، موشحة ابن الخطيب: =
[ ٣٤٥ ]
ولكن مع كل هذا فقد رعت دولة المرابطين الحركة الأدبية، وظللت على رجالها وأدخلهم سلاطينها في خدمتهم، فعلي بن يوسف استعان بالوزير أبي القاسم ابن الجد المعروف بابن الأحدب، وبأبي بكر بن محمد المعروف بابن القبطرنة، كما أن الأديب والفيلسوف ابن باجة خدم أمير سرقسطة المرابطي أبا بكر إبراهيم المعروف بابن تافلويت ونظم له الموشح المعروف بمطلعه:
جرر الذيل أيما جر وصل الشكر منك بالشكر
فطرب ابن تافلويت لهذا الموشح الذي ختم بقوله:
عقد الله راية النصر لأمير العلا أبي بكر (٢٠٧)
ولأمير سرقسطة قصة معروفة مع هذا الأديب (٢٠٨). كما أن الدولة المرابطية شجعت الحركة الأدبية، ودل على ذلك المؤلفات العديدة التي ظهرت في هذه الفترة مثل: قلائد ابن خاقان، وذخيرة ابن بسام، وصلة ابن بشكوال ومسهب الحجاري وغيرها (٢٠٩).
هذه الرعاية التي حظي بها أدباء الأندلس من قبل أمراء المرابطين، أثرت في الأدب الأندلسي تأثيرًا محسوسًا، فظهر بمظهر القوة، واختفت منه عناصر الضعف التي كانت سائدة عليه أيام ملوك الطوائف، فانتحى الشعراء في شعرهم مناحي الجد والتوقر بدل ما كانوا منغمسين فيه من المجون والبطالة، وذلك نتيجة ارتفاع معنويات أهل الأندلس عمومًا بما أحرزوه من نصر على أعدائهم بفضل جهود المرابطين، بعدما كانوا أذلة أمام
_________________
(١) = جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندلس لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس ينظر، السعيد، الشعر في ظل بني عباد، ص ٢٥٨ - السامرائي، دراسات، ص ٤٠٥ ومن نماذج الزجل. ما أعجب حديثي اشى هذا الجنون نطلب وندبر أمرًا لا يكون وكم ذا نهون أمرًا لا يهون ينظر، محمد عبد المنعم خفاجة، قصة الأدب في الأندلس، ج ١، ص ٢٣٢. كامل كيلاني، نظرات، ص ٢٨٩ - عنان، عصر المرابطين، ق ١، ص ٤٥٣ - ٤٥٤.
(٢) سالم، قرطبة، ج ٢، ص ٩٨، ص ١٨٤ وما بعدها.
(٣) ابن خاقان، قلائد، ص ٣ - ٤ - السامرائي، علاقات، ص ٤٢٣.
(٤) ينظر، ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ٢، ص ٢١١ - ابن سعيد، المغرب، ج ٢، ص ١٠٨ - الحجي، التاريخ الأندلسي، ص ٤٥١.
[ ٣٤٦ ]
هجمات الإسبان (٢١٠). ومن مميزات الحركة الأدبية في الأندلس في عصر المرابطين ظهور فن المقامات، وأول من تأثر بمقامات الحريري الأديب أبو طاهر محمد التميمي السرقسطي (توفي بقرطبة عام ٥٣٨ هـ) فله كتاب (الخمسين مقامة اللزومية) وهي المعروفة بالمقامات السرقسطية وقد عارض بها مقامات الحريري، كما وضع الأديب محارب بن محمد الوادي آشي مقامة في مدح القاضي عياض بن موسى السبتي (توفي عام ٥٤٤ هـ)، كما أن الأديب أبا عبد الله محمد بن القرطبي وضع مقامة سماها المقامة العياضية الغزلية (٢١١).
ولم تلق الحركة الفلسفية رواجًا وتقدمًا في الأندلس في العهد المرابطي وذلك لاعتماد هذه الدولة المذهب المالكي أساسًا لكل أمورها، وبذلك لا تميل إلى الخوض في علوم الفلسفة (٢١٢)، ولكن مع هذا وجد من درس هذا العلم خلال هذه الفترة، أمثال العالم أبي بكر بن باجة المعروف، والعالم أبي الحجاج يوسف بن موسى الكلبي الضرير، من أهل سرقسطة الذي سكن مراكش ومات فيها عام ٥٢٠ هـ (٢١٣). وتوجت دولة المرابطين موقفها من الفكر الفلسفي، بإحراق كتب الإمام الغزالي، وأصدرت أوامرها إلى معظم مدن الأندلس والمغرب في عهد أمير المسلمين علي بن يوسف، بهذا الأمر، لاعتقاد أهل الفقه بأن كتبه مليئة بآراء المتكلمين ومذاهب الصوفية (٢١٤).
كما ذهب ضحية سلوك الفقهاء هذا أبو الحسن علي بن جودي (توفي ٥٣٠ هـ)، وهو تلميذ ابن باجة، حيث اتهم بدينه فلاحقته السلطات، ففر وتحول إلى قاطع طريق مع عصابة تعمل بين الجزيرة الخضراء وقلعة خولان (٢١٥).
وأصبحت الأندلس ولاية موحدية ٥٤٠ - ٦٢٠ هـ، فبدأ عصر جديد للحركة الفكرية، فقد أعطى الموحدون الحريات للنشاطات العلمية والأدبية، سوى ما يخالف مبادئ فكرة التوحيد التي يعتمدها محمد بن تومرت (٢١٦) فقدروا العلماء، واستدعوهم إلى
_________________
(١) كنون، النبوغ المغربي، ج ١، ص ٩٢.
(٢) ينظر، إحسان عباس، تاريخ الأدب، ص ١٩٥ - حازم عبد الله، النثر الأندلسي، ص ٣٢٤.
(٣) المراكشي، المعجب، ص ١٧٢ - فيليب حتي وآخرون، تاريخ العرب (مطول)، ج ٢، ص ٦٤٥.
(٤) السامرائي، علاقات، ص ٤٢٩.
(٥) ينظر، ابن القطان، نظم الجمان، ص ١٤ - ١٥ - المراكشي، المعجب، ص ١٧٣ - بروفنسال، الإسلام فى المغرب والأندلس، ص ١٥٣ - السلاوي، الإستقصا، ج ٢، ص ٥٧ - محمد مجيد السعيد، الشعر في عهد المرابطين والموحدين، ص ٦٣، ص ٧٢.
(٦) ابن سعيد، المغرب، ج ٢، ص ١٠٩ - السعيد، الشعر في عهد المرابطين، ص ٧٢.
(٧) عبد الله علي علام، الدعوة الموحدية بالمغرب، ص ١٥١ وما بعدها.
[ ٣٤٧ ]
قصورهم وأحاطوهم بالرعاية، ومالوا إلى دراسة مختلف العلوم بما فيه الفلسفة، وبذلك امتاز عصرهم بسعة الأفق وحرية الفكر (٢١٧).
ومن الملاحظ في هذا العصر أن الحركة الأدبية في الأندلس وبخاصة الشعر والنثر قد تقدمت على العلوم الأخرى، ومما دفعها في هذا المجال النكبات التي لحقت بأهل الأندلس، خلال العصر الموحدي، وعصر الانهيار الذي أدى إلى قيام مملكة غرناطة، فعبرت النفوس الملتاعة بالمراثي البليغة، من الشعر والنثر، ما يدمي القلوب ويحرق النفوس (٢١٨).
في أيام الموحدين انكمش سلطان الفقهاء لابتعاد ولاة الأمر عن علم الفروع واهتمامهم بظاهر النصوص من قرآن وحديث نبوي، فنمت بدلهم طبقة من الصالحين الأتقياء، الذين دفعوا العلوم الدينية إلى الإمام.
ودراستنا للعلوم الدينية في الأندلس من خلال تتبع تراجم رواد هذه العلوم يمكن أن نقسم هؤلاء العلماء إلى ثلاثة أقسام:
١ - الأول:
الذين اشتهروا بعلوم القرآن والحديث والفقه: العلامة الحافظ أبو الربيع بن سالم الحميري (شهيد معركة أنيشة عام ٦٣٤ هـ) برع في الحديث والفقه، وهو أستاذ ابن الآبار (٢١٩). والأخوان عبد الله وداود أولاد حوط الله الأنصاري، توفي عبد الله عام ٦١٢ هـ، وتوفي داود عام ٦٢١ هـ، اشتهرا بعلم القراءات وعلم الحديث (٢٢٠).
ومن أشهر علماء الحديث أيضًا عبد الله بن الحسن الأنصاري ويعرف بابن القرطبي (توفي عام ٦١١ هـ) (٢٢١). ومن أعظم فقهاء هذا العصر محمد بن عبد الله بن الجد الفهري، الذي اشتهر بدراسة الفقه والحديث (توفي عام ٥٨٦ هـ) (٢٢٢). أما ابن موجوال فاشتهر بدراسة القراءات والحديث، إلى جانب اشتهاره بالورع والزهد توفي عام ٥٦٦ هـ (٢٢٣). وغيرهم كثير.
_________________
(١) السعيد، الشعر في عهد المرابطين والموحدين، ص ٦٤ - ٦٥.
(٢) عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٦٤٩.
(٣) ابن الآبار، التكملة، ترجمة (رقم ١٩٩١).
(٤) أيضًا، ترجمة رقم (٢٠٩٩) - ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ٥٠٣.
(٥) أيضًا، ترجمة، رقم (٢٠٩٧).
(٦) ابن الآبار، التكملة (رقم ١٤٩٦).
(٧) أيضًا، ترجمة (رقم ٢٠٥٠).
[ ٣٤٨ ]
٢ - الثاني:
العلماء الذين مزجوا بين دراسة الفقه والحديث ودراسة الأدب، ومن أشهرهم محمد بن خير بن عمر (٥٠٢ - ٥٧٥ هـ) وهو صاحب كتاب الفهرسة (٢٢٤). وعبد الله بن يحيى الحضرمي النحوي ويعرف بابن صاحب الصلاة (٥١٧ - ٥٧٨ هـ)، ومن شعره:
وعجل شيبي أن ذا الفضل مبتلى بدهر غدا ذو النقص فيه مؤملا
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى بها الحر يشقى واللئيم ممولا (٢٢٥)
واشتهر بالشعر أيضًا الفقيه والمحدث مفوز بن طاهر المعارفي (٥١٧ - ٥٩٠ هـ).
ومن نظمه:
وقفت على الوادي المنعم دوحه فأرسلت من دمعي هنالك واديا
وغنّت به ورق الحمام عشية فأذكر أيامًا مضت ولياليا (٢٢٦)
٣ - الثالث:
العلماء الذين غلبت عليهم صفة التصوف، ويأتي في مقدمتهم المقرئ والزاهد الورع موسى بن حسين بن عمران الميرتلي، (توفي عام ٦٠٤ هـ) ومن شعره في الزهد:
سليخة وحصير ليت مثلي كثير
وفيه، شكرًا لربي خبز وماء نمير
وفوق جسمي ثوب من الهواء ستير
قررت عينا بعيشي فدون حالي الأمير (٢٢٧)
وقطب هذا القسم محيي الدين بن عربي (٥٦٠ - ٦٣٨ هـ) فبجانب دراسته للحديث، مال إلى التصوف وشغف به حتى ملك عليه كل جوارحه، إضافة إلى هذا كله كان شاعرًا مبدعًا له قصائد في الشعر الرقيق الجيد، في العشق الإلهي (٢٢٨).
_________________
(١) ابن خير، الفهرسة، ص ي مقدمة الكتاب.
(٢) ابن الآبار، التكملة رقم ٢٠٦٦ - عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٦٦٢.
(٣) ابن الآبار، التكملة، ترجمة رقم ١٨٤٤.
(٤) أيضًا، ترجمة رقم ١٧٣١ - عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٦٦٦.
(٥) ينظر، عبد اللطيف الطيباوي، محاضرات في تاريخ العرب والإسلام، ص ٢٣٠ - عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٦٧٩ - ٦٨٠ - السامرائي، دراسات، ص ٢٨٧ - بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٣٧١ وما بعدها.
[ ٣٤٩ ]
أما العلوم اللغوية والنحوية، فقد ازدهرت في الأندلس في هذا العصر، ومما يلفت النظر في عصر الموحدين، هو ظهور أعلام كبار في النحو، لهم اجتهادات وآراء جديدة في هذا الميدان (٢٢٩). ومن أشهرهم أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن المعروف بابن مضاء القرطبي (توفي عام ٥٩٢ هـ) (٢٣٠)، وعلي بن محمد بن علي بن خروف الحضرمي (توفي عام ٦٠٩ هـ) (٢٣١)، ومن علماء اللغة والنحو في هذا العصر أيضًا ابن أبي ركب، مصعب بن محمد الخشني (توفي عام ٦٠٤ هـ) (٢٣٢)، وكذلك أبو علي عمر بن محمد الإشبيلي الشلوبيني والذي يعتبر إمام النحويين في هذا العصر (٥٦٢ - ٦٤٥ هـ) (٢٣٣).
ومن أشهر رواد علم التاريخ وكتابه ورواته في الأندلس خلال هذه الفترة محمد بن أبي خالد المري الإلبيري، من أهل غرناطة (٥٣٣ - ٦٠٢ هـ) فكان عارفًا بتاريخ من نزل بالأندلس قديمًا من العرب (٢٣٤). أما إمام المؤرخين، وأعظم أقطاب الرواية والتاريخ من هذه الفترة هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي المعروف بابن الآبار (٥٩٥ - ٦٥٨ هـ) فقد عاصر أحداث الأندلس خلال العصر الموحدي وشارك في مجريات أمورها، وترك لنا مؤلفات في غاية الأهمية منها (الحلة السيراء - التكملة لكتاب الصلة - إعتاب الكتاب) وغيرها (٢٣٥). ورعت دولة الموحدين العلوم الصرفة. وفي مقدمتها علوم الطب وتزعمت أسرة آل زهر الأندلسية الإشبيلية حركة الطب في هذه الفترة فكان أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر (توفي عام ٥٢٥ هـ) طبيبًا خاصًا لعبد المؤمن بن علي أول حاكم للموحدين، وكان هذا الحاكم يكره الأدوية وقد احتاج إلى مسهل فأعطاه هذا الطبيب ثمار العنب بعد أن سقى شجرة العنب بماء فيه دواء مسهل (٢٣٦). ثم
_________________
(١) السعيد، الشعر في عهد المرابطين والموحدين، ص ٦٨.
(٢) ابن فرحون، الديباج المذهب، ج ١، ص ٨ - ٢ (رقم ٩٢) - أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج ٣، ص ٩٥ - ٩٨.
(٣) الحموي، معجم الأدباء، ج ١٥، ص ٧٥ - ابن الزبير، الصلة، ترجمة (رقم ٢٤٥) - المقري، نفح، ج ٣، ص ١٨٤.
(٤) ابن الآبار، التكملة رقم ١٧٨٥ - عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٦٨٤.
(٥) ينظر، القلقشندي، صبح الأعشى، ج ٥، ص ٢١٨ - المقري، نفح، ج ٣، ص ٤٩٠ - ج ٤، ص ٩، ص ٤٧٢.
(٦) ابن الآبار، التكملة ترجمة رقم ١٥٣٠ - عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٦٥٥.
(٧) ابن الآبار، الحلة السيراء، ج ١، مقدمة المحقق ص ١٣ وما بعدها - ينظر عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٧٠٤، ص ٧٠٥ - ٧٠٨.
(٨) عمر فروخ، تاريخ العلوم عند العرب، ص ٢٨٩ - جلال مظهر، حضارة الإسلام، ص ٣١٢.
[ ٣٥٠ ]
اشتهر من بعده حفيده أبو بكر محمد بن عبد الله بن زهر بن عبد الملك، طبيبًا خاصًا للخليفة الموحدي المنصور ومن جاء بعده، ولما توفي عام ٥٩٥ هـ دفن بروضة الأمراء إكرامًا له (٢٣٧).
ومن أشهر العشابين والنباتيين في الأندلس خلال العصر الموحدي أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج الأموري المعروف بالعشاب وبابن الرومية (٥٦١ - ٦٣٧ هـ) (٢٣٨)، وخلفه من بعده تلميذه ضياء الدين عبد الله بن أحمد المالقي المشهور بابن البيطار (توفي عام ٦٤٦ هـ) (٢٣٩).
ومن أشهر علماء الرياضيات علي بن خلف الأنصاري الشلبي الذي كان حيًا عام ٥٦٥ هـ (٢٤٠). واشتهر أبو بكر محمد بن أحمد الرقوطي المرسي بالرياضيات والهندسة والطب، ويتقن عدة لغات، وقد بقي في وطنه مرسية بعد تغلب الإسبان عليها عام ٦٦٤ هـ، ولم يغادرها. وبنى له ملك الإسبان (خايمة الأول) مدرسة علم فيها المسلمين والمسيحيين واليهود العلوم التي برع بها، وحاول ملك الإسبان عبثًا أن يُغريه باعتناق المسيحية، ثم غادر مرسية إلى مملكة غرناطة ودخل في خدمتهم يعلم أبناء المسلمين علومه التي تفوق بها، توفي أواخر القرن السابع الهجري (٢٤١). أما الفكر الفلسفي، فدخل عصره الذهبي في عهد الموحدين، وتمتع الفلاسفة بمكانة مرموقة في بلاط الموحدين، وأعطيت لهم الحرية المطلقة في عملهم شريطة ألا تنشر هذه التعاليم على العامة، لأن الموحدين كانوا يعتبرون الفلسفة نوعًا من الحقائق الباطنية المحصورة في فئة المتنورين (٢٤٢).
واشتهر هذا العصر بأعظم فلاسفة الأندلس، ويأتي في مقدمتهم ابن طفيل (أبو بكر
_________________
(١) ينظر، ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ج ٢، ص ٦٧ - المراكشي، المعجب، ص ١٤٢ وما بعدها - ابن الآبار، التكملة، ترجمة (رقم ١٤٩٩) - المقري، نفح، ج ٢، ص ٢٤٧ - ج ٣، ص ٤٣٤ - ج ٧، ص ٩.
(٢) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ٢١٥ وبعدها - ابن فرحون، الديباج المذهب، ج ١، ص ١٩١ ترجمة رقم ٦٩ - المقري، نفح، ج ٣، ص ١٨٥.
(٣) ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ج ٢، ص ١٣٣.
(٤) ابن الزبير، صلة الصلة، ترجمة رقم ٢٠١.
(٥) عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٧١٨.
(٦) أولبري، الفكر العربي، ص ٢١١ - ٢١٢.
[ ٣٥١ ]
محمد بن عبد الملك توفي عام ٥٨١ هـ) (٢٤٣). مؤلف رواية (حي بن يقظان)، وكان بطلها حي يعيش في جزيرة لا يسكنها أحد من الناس، وليس له علاقة بأحد من أهل الجزائر الأخرى. بحث بعقله بحثًا منطقيًا متدرجًا من البسيط إلى المركب حتى وصل إلى الاعتقاد بالله وغرضه من ذلك: أن يبين أن الشرع يتفق مع العقل (٢٤٤)، والفيلسوف الآخر المشهور أبو الوليد محمد بن أحمد المعروف بابن رشد شيخ الفلاسفة في الأندلس (توفي عام ٥٩٥ هـ) (٢٤٥). ودافع ابن رشد عن الفلسفة في كتابه تهافت التهافت، ورد بعنف على الإمام الغزالي (توفي عام ٥٠٥ هـ)، ووضح ابن رشد في كتب أخرى بأن الفلسفة لا تتنافى مع الدين، وألف كتابًا صغيرًا سماه (فصل المقال فيما بين الشريعة والفلسفة من الاتصال) (٢٤٦). وقد اتهم ابن رشد بالزندقة لكثرة أبحاثه، فأحرقت كتبه الفلسفية جميعها في عهد دولة الموحدين، على عهد الخليفة المنصور، واحتفظ له بالكتب الطبية والرياضية (٢٤٧). وكذلك الفيلسوف موسى بن ميمون القرطبي اليهودي الأصل، والذي اعتنق الإسلام ودخل في خدمة الموحدين، وبعدها غادر المغرب إلى مصر ودخل في خدمة البلاط الأيوبي في مصر إلى أن توفي عام ٦٠٢ هـ (٢٤٨).
أما الحركة الأدبية فقد ازدهرت في الأندلس خلال عصر الموحدين، وذلك بسبب تذوق الخلفاء الموحدين للشعر الجيد، مع تقديرهم لشعر المديح والإشادة. وبلغ الشعر في الأندلس مستوى عاليًا من الإزدهار والقوة، وأظله الموحدون برعايتهم، وتبارى الشعراء الأندلسيون في مدح الخلافة الموحدية والإشادة بها. حتى إن هذه النهضة الشعرية لم تخبُ في عصر الانهيار، أواخر العهد الموحدي - بل زادتها المحنة قوة، فنظم الشعراء قصائد الرثاء والقصائد المبكية، مما يشهد بأن الشعر الأندلسي، قد بلغ
_________________
(١) المراكشي، المعجب، ص ٣١١ - أشباخ، تاريخ الأندلس، ص ٥٠٠ - محمد عبد المنعم خفاجة - قصة الأدب ج ١، ص ١٤٧ - أولبري، الفكر العربي، ص ٢١٢.
(٢) السامرائي، دراسات، ص ٢٥٨ - محمد أحمد المليجي " ابن طفيل "، مجلة العربي، العدد ١٤٥، ص ١٢٧.
(٣) النباهي، المرقبة العليا، ص ١١١ - ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ١٥٤ - أولبري، الفكر العربي، ص ٢١٣.
(٤) أحمد أمين، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص ١٥٨.
(٥) أنور الرفاعي، الإنسان العربي والحضارة، ص ٥١٦ - خودا بخش، حضارة الإسلام، ص ١٤٨ - أبو رميلة، علاقات، ص ٣٩١ - ٣٩٢.
(٦) عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٧٢٣ - ٧٢٤.
[ ٣٥٢ ]
في تلك الفترة الصعبة من حياة الأندلس، ذروة قوته وروعته.
ولما كانت الرغبة لدى الخلفاء الموحدين في سماع المديح، فظهر في الشعر الأندلسي هذا الفن، فلما عبر عبد المؤمن بن علي إلى الأندلس استدعى الشعراء، وسمع من كثير منهم، وكان ممن أنشده من الأندلسيين الأصم المرواني وابن سيِّد (اللص) والرصافي البلنسي وغيرهم، وكانت له ملاحظات نقدية على قصائدهم تدل على تذوقه للشعر ومعرفته الواسعة به (٢٤٩). والخليفة الموحدي المنصور لما انتصر على الإسبان في معركة الارك عام ٥٩١ هـ اجتمع لديه عدد كبير من الشعراء، فلم يكن الوقت يسمح لإلقاء كل شاعر قصيدته، فألقى كل شاعر بيتين أو ثلاثة من قصيدته (٢٥٠). ولكن بعد خلافة الناصر (٦١٠ هـ)، خبا هذا النوع من الشعر لاضطراب أحوال الدولة وعدم تذوق ولاة الأمر شعر المديح (٢٥١). وفي هذا العصر عالج شعراء كثيرون فن الغزل، فمنه الغزل العفيف، كقصيدة الفيلسوف والشاعر ابن طفيل الذي زار محبوبته ليلًا بعد نوم الناس، وعلى الرغم من الشوق والتلهف لم ينسيا العفة والخلق الشريف (٢٥٢).
وشاركه في هذا الاتجاه الشاعر أبو الروح عيسى بن خليل (توفي عام ٦٢٩ هـ) (٢٥٣).
ولكن غزل ابن سعيد الأندلسي وغيره، يبتعد عن التحشم والوقار (٢٥٤). وظهر في هذا العصر في الأندلس شواعر غزلات أمثال حفصة الركونية التي توفيت عام ٥٨٦ هـ (٢٥٥)، ويمثل شعرها قصة غرام جريء في مجتمع إسلامي يحرص على سلوك معين وتقاليد وأعراف (٢٥٦).
وشعر الشكوى ظهر في هذه الفترة، بسبب وقوع الشاعر في الأسر، أو ينفى من بلده لأي سبب. وممن امتحن بالنفي والتغريب عن وطنه الشاعر أبو الحسن سهل بن محمد بن مالك الغرناطي (توفي عام ٦٣٩ هـ)، فيصور حالته البائسة وهو غريب بعيد عن
_________________
(١) المراكشي، المعجب، ص ٢٨٢، ص ٢٨٥، ص ٢٨٦.
(٢) المقري، نفح، ج ٤، ص ١٧٢ - بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ص ١٢٦ - ١٢٧.
(٣) السعيد، الشعر في عهد المرابطين والموحدين، ص ٨٨.
(٤) ينظر المراكشي، المعجب، ص ٣١٣.
(٥) المقري، نفح، ج ٢، ص ٦٠٨.
(٦) السعيد، الشعر في عهد المرابطين والموحدين، ص ١٦٦.
(٧) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ٤٩٩، ص ٢٢٧.
(٨) السعيد، نفس المرجع، ص ١٨٣.
[ ٣٥٣ ]
الوطن والأهل (٢٥٧). واشتهر الشاعر ابن حزمون (توفي عام ٦١٤ هـ) بشعر الهجاء حتى وصف بأنه: بذيء اللسان (٢٥٨). وهناك بعض الشعراء الذين تميزوا بالهجاء السياسي أمثال (أبي عبد الله محمد بن الصفار القرطبي توفي عام ٦٣٩ هـ) فالبرغم من كونه أعمى مشوَّهًا، هجا المستنصر الموحدي، وتخفى في مدن المغرب من خطره (٢٥٩).
وبرز في الأندلس خلال هذا العصر شعراء الزهد ويمثلهم أبو عمران موسى بن عمر المارتلي الإشبيلي (٢٦٠). وكذلك أبو جعفر بن الوكيل (توفي عام ٥٥١ هـ)، ومن شعره:
أسير الخطايا عند بابك واقف له عن طريق الحق قلب مخالف
قديمًا عصى عمدًا وجهلًا وعزة ولم ينهه قلب من الله خائف (٢٦١)
وضمن هذا الفن ظهرت القصائد النبوية الطويلة في مدح رسول الله ﷺ، وتعداد معجزاته، والتشوق إلى زيارة ضريحه وإلى غير ذلك، ومن أشهر شعراء هذا الفن ابن الجنان (توفي عام ٦٤٠ هـ) والشاعر علي بن إبراهيم الأنصاري (توفي عام ٥٧١ هـ)، والشاعرة أم السعد بنت عصام الحميري المعروفة بـ (سعدونة) توفيت (عام ٦٤٠ هـ) (٢٦٢).
ويعتبر العصر الموحدي في الأندلس عصر بزوغ الشعر الصوفي ونضوجه، وأحسن من يمثله محيي الدين بن عربي (توفي عام ٦٣٨ هـ) المار ذكره (٢٦٣).
وبرز في الأندلس خلال العصر الموحدي، ونتيجة استرداد الإسبان لمعظم المدن الأندلسية، وما لحق أهلها من الأذى والضرر، نوع من الشعر يسمى رثاء المدن، مع الصريخ إلى نجدتها، وأحسن من مثل ذلك عالمنا الشهير ابن الآبار بقصيدته السينية المشهورة:
_________________
(١) السعيد، أيضًا، ص ٢٣٥.
(٢) المراكشي - المعجب، ص ٣٧٣ - عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة، ج ٥، ص ٢٤٠.
(٣) السعيد، المرجع السابق، ص ٢٥٢.
(٤) ابن سعيد، المغرب، ج ١، ص ٤٠٦.
(٥) المقري، نفح، ج ٢، ص ٥٩٩.
(٦) ينظر، المقري، نفح، ج ٧، ص ٤٣٢، ص ٤٤٠ - ٤٧٠ - أزهار الرياض، ج ٣، ص ٢٢٦ - ٢٨٢ - ينظر، محسن جمال الدين. احتفالات الموالد النبوية، ص ٢٠ وما بعدها - السعيد، المرجع السابق، ص ٢٦٩ وما بعدها.
(٧) ينظر، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ٣٣٩ - أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج ٣، ص ٧٢ - ٧٣.
[ ٣٥٤ ]
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إن السبيل إلى منجاتها درسا (٢٦٤)
ويشاركه في ذلك أبو البقاء الرندي في قصيدته النونية:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغرّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان (٢٦٥)
ومن أشهر كتاب الأندلس في هذا العصر الرحالة ابن جبير البلنسي صاحب كتاب الرحلة المشهور (توفي عام ٦١٤ هـ) (٢٦٦). واشتهرت أسرة بني عياش الأندلسية بالكتابة ودخل أفرادها في خدمة خلفاء الموحدين، أمثال أبي الحسن بن عياش، ومحمد بن عبد العزيز بن عياش وعلي بن عياش (٢٦٧). ومن أشهر كتاب الأندلس خلال هذا العصر أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي صاحب الرسائل المشهورة (٢٦٨).
واشتهرت الأندلس أيضًا بالمكتبات، مما حدا بخلفاء الموحدين أن يجلبوا من الأندلس أشهر الكتب ووضعوها في الخزانة العلمية بمدينة مراكش (٢٦٩). وقد نقل الخليفة الموحدي يوسف إحدى المكتبات الخاصة من مدينة إشبيلية إلى مكتبته بقصر الخلافة بمراكش دون علم صاحب المكتبة أو استئذانه (٢٧٠). واستخدم الموحدون نساخين وخطاطين من أهل الأندلس لنسخ المؤلفات العلمية، فكان من أشهر هؤلاء أبو العباس بن الصغيرة من أهل المرية، وقد عينه الخليفة يوسف أمينًا لمكتبته العلمية (٢٧١).
أما عصر مملكة غرناطة ٦٣٥ - ٨٩٧ هـ، فقد اتخذت هذه المملكة العربية الأخيرة في الأندلس مذهب الإمام مالك أساسًا لكل أمورها (٢٧٢). ولا شك كان للمذهب المالكي دوره الفعال في عملية تنظيم هذه الدولة، وكان لرجال المذهب سلطان قوي في الجانب الفكري والسياسي (٢٧٣).
_________________
(١) المقري، نفح، ج ٤، ص ٤٥٧ - أزهار الرياض، ج ٣، ص ٢٠٧.
(٢) المقري، نفح، ج ٤، ص ٤٨٧ - أزهار الرياض، ج ١، ص ٤٧ - السعيد، المرجع السابق، ص ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٣) رحلة ابن جبير، ص ٢٣.
(٤) عنان، عصر الموحدين، ق ٢، ص ٦٩٨.
(٥) القلقشندي، صبح الأعشى، ج ٦، ص ٥٣٤ - ٥٣٥.
(٦) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ١٨٤ - أبو رميلة، علاقات، ص ٣٩٧.
(٧) المراكشي، المعجب، ص ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٨) أبو رميلة، علاقات، ص ٣٩٩.
(٩) ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص ٣٨.
(١٠) فرحات، غرناطة، ص ١٥٤.
[ ٣٥٥ ]
وكان أبرز علماء المذهب المالكي، الفقيه أبا سعيد فرج بن لب (٧٠١ - ٧٨٢ هـ) وكان من أشهر أساتذة المدرسة النصرية ومن تلاميذه: إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي (توفي عام ٧٩٠ هـ) صاحب كتاب (أصول الفقه)، ومحمد بن سراج (توفي عام ٨٤٨ هـ) وعرف بفتاويه المتعددة، وأبو عبد الله محمد بن علي الفخار الإلبيري، والفقيه محمد بن محمد الأنصاري السرقسطي (توفي عام ٨٦١ هـ) وكانت له شهرة واسعة، وقد شارك السلطان النصري في جنازته لما كان يتمتع به من سمعة وشهرة (٢٧٤). وقد أفتى هذا الفقيه السرقسطي: بأن الإسبان لا يحق لهم من حيث المبدأ بيع أراضي المسلمين التي انتزعوها منهم، لأنهم في الأساس ليسوا أصحابها، وإنما هي أرض إسلامية، ولكن أوضاع المسلمين الذين هم تحت رحمة الإسبان (وهم المدجنون) هي أوضاع خاصة، لذا جاز لهم شراء تلك الأراضي تلبية لحاجاتهم المعيشية (٢٧٥).
وشهد المجتمع النصري حركة زهد قوية في أوساط العامة والخاصة، فكثر الزهاد والمتصوفون. فبالإضافة إلى أوضاع هذه الدولة الخاصة، ساعد على ازدهار حركة الزهد قدوم مهاجرين من الهند وسمرقند وتبريز وخراسان فاستقروا في الأندلس وساهموا في إبراز تيار الزهد، وقد زارهم ابن بطوطة خلال رحلته الأندلسية (٧٥١ - ٧٥٢ هـ) (٢٧٦).
ويشير ابن الخطيب إلى وجود رباطات المتصوفين في حي البيازين بغرناطة بإشراف أبي أحمد جعفر الخزاعي الذي كان يجمع المصلين كل ليلة لقراءة القرآن، وعقد حلقات الذكر، وسماع أشعار المتصوفة ولا سيما أشعار الحلاج (٢٧٧). واشتهرت الزاهدة عائشة بنت عبد الله الأندلسي، التي أمضت حياتها داخل حجرة صغيرة، منصرفة لعبادتها، حتى اتهمت بالجنون (٢٧٨). وترك أبو عبد الله محمد بن المحروق أحد زعماء مدينة غرناطة الطيبات واعتزل في رباط ابن المحروق، وفي رباط العقاب المشهور على سفح جبل مشرف على غرناطة قضى الزاهد ابن سبعين والششتري قسمًا من حياتهما (٢٧٩).
ومن أقطاب التصوف في مملكة غرناطة، أبو الحسن علي بن فرحون القرشي
_________________
(١) المقري، نفح، ج ٢، ص ٥٢، ص ٦٩٩ - ج ٣، ص ٦١٧ - ج ٥، ص ٣٥٥، ص ٤٢٩.
(٢) فرحات، غرناطة، ص ١٥٥.
(٣) رحلة ابن بطوطة، ج ٢، ص ٧٦٩.
(٤) الإحاطة، ج ١، ص ٤٦١ - ٤٦٣ - فرحات، غرناطة، ص ١٥٦.
(٥) المقري، نفح، ج ٥، ص ٣٠٦.
(٦) فرحات، غرناطة، ص ١٥٧.
[ ٣٥٦ ]
القرطبي (توفي عام ٧٥١ هـ) (٢٨٠) وأبو إسحاق إبراهيم بن يحيى الأنصاري المرسي (توفي عام ٧٥١ هـ أيضًا) وله كتاب (زهرة الأكمام) في قصة يوسف، وأبو عبد الله محمد الأنصاري المالقي (٦٤٩ - ٧٥٤ هـ) وله كتاب (بغية السالك في أشرف المسالك) في مراتب الصوفية وطرائق المريدين (٢٨١).
ومن خلال ما زودتنا به الروايات نفهم أن المراكز الفكرية ودور التعليم المهمة كانت موجودة في المدن الرئيسية كغرناطة ومالقة والمرية ووادي آش، وكانت الكتاتيب منتشرة في القرى والأرياف، وأعظم مدرسة بنيت في هذا العهد المدرسة اليوسفية بغرناطة عام ٧٥٠ هـ/١٣٤٩ م بناها السلطان يوسف الأول، كما عرفت باسم المدرسة العلمية والمدرسة النصرية. بدأت أولًا تدرس العلوم الدينية، ثم أصبحت تهتم بأكثر أنواع المعرفة والفكر، وقصدها الطلبة من سائر مناطق مملكة غرناطة، ونالت شهرة واسعة حتى أوفد عليها طلاب العلم من عدوة المغرب، بالإضافة إلى هذا كله وجد المؤدبون الخاصون لأولاد السلاطين (٢٨٣). وكتب على باب المدرسة بعض الأبيات:
يا طالب العلم هذا بابه فتحا فادخل تشاهد سناه لاح شمس ضحى
واشكر مجيدك من حل ومرتحل إذ قرب الله من مرماك ما نزحا
وشرفت حضرة الإسلام مدرسة بها سبيل الهدى والعلم قد وضحا
أعمال يوسف مولانا ونيته قد طرزت صحفًا ميزانها رجحا (٢٨٤)
وكانت المدرسة النصرية تعرض لائحة من الكتب مع أسماء الأساتذة الذين يقومون بتدريسها: فالقرآن الكريم يحتل الصدارة، ثم يأتي بعده كتاب الموطأ للإمام مالك.
وبعد ذلك ظهر كتاب (تحفة الحكماء في نقاط العقود والأحكام) للقاضي أبي بكر بن عاصم الغرناطي. واهتمت مدرسة غرناطة بتعليم اللغة والأدب، فاعتمدت كتاب سيبويه وكتاب الأغاني وآثار الجاحظ ومقامات الهمذاني والحريري، كما اعتمدت شعر العرب فكان ديوان الحماسة وديوان المتنبي من الكتب المفضلة. ولا نعرف بالتحديد عدد السنوات التي كان يقضيها الطلاب في هذه المدرسة قبل تخرجهم، إنما المتفوقون منهم
_________________
(١) المقري، نفح، ج ٥، ص ٢٢٦.
(٢) عنان، نهاية الأندلس، ص ٤٦٧.
(٣) فرحات، غرناطة، ص ١٥٨.
(٤) المقري، نفح، ج ٥، ص ٢٦٨، - ج ٧، ص ١٠٨، ص ١٦٦، ص ٢٨٢.
(٥) المقري، نفح، ج ٥، ص ٤٥٧ - فرحات، غرناطة، ص ١٦٠.
[ ٣٥٧ ]
كانوا يحصلون على إجازة خطية يمنحون بموجبها حق تدريس مادة معينة أو كتاب معروف (٢٨٥).
وشهدت مملكة غرناطة نهضة علمية كان من روادها محمد بن الرقاح المرسي الذي اشتهر بالهندسة والرياضيات، ومارس الطب أيضًا، وتوفي عام ٧١٥ هـ. ونبغ أبو يحيى بن رضوان الوادي آشي وتوفي سنة ٧٥٧ هـ، ووضع قصيدة في علم الفلك بعنوان (المنظوم من علم النجوم) ووضع رسالة في الاسطرلاب (٢٨٦).
ومن أشهر أطباء هذا العصر محمد بن إبراهيم الأنصاري المعروف بابن السراج
فكان طبيب السلطان محمد الثاني الخاص، وكان يداوي الفقراء مجانًا ويوزع أمواله على المحتاجين. وكذلك الطبيب يحيى بن هذيل التجيبي حكيم غرناطة وفيلسوفها (توفي عام ٧٥٣ هـ) وكان استاذًا لابن الخطيب (٢٨٧). وكان محمد الشقوري طبيب دار الإمارة أيام السلطان يوسف الأول وله كتاب (تحفة المتوسل وراحة المتأمل). وفي المرية لمع اسم الطبيب والشاعر والمؤرخ أحمد بن علي بن محمد بن خاتمة الأنصاري (توفي عام ٧٧٠ هـ) وله كتاب عن الوباء الذي عصف بالأندلس عام ٧٤٩ هـ/١٣٤٨ م بعنوان (تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد) (٢٨٨). ولا ننسى في هذا المجال لسان الدين ابن الخطيب، الذي سنذكره فيما بعد، وكان أيضًا من الأطباء المشهورين وله عدة كتب طبية منها: (رسالة تكوين الجنين) و(مقنعة السائل في المرض الهائل) يصف فيه أعراض الوباء الكبير (٢٨٩). ومن الابتكارات الطبية التي توصل إليها أطباء العصر النصري، منها: ما توصل الطبيب المالقي الحسن بن محمد بن الحسن القيسي حيث قدم دواء ضد سموم الحيات إلى السلطان يوسف الأول (٢٩٠). واستعان الغرناطيون بحشائش معينة توضع فوق المكان الملتهب فتشفيه وبخاصة مرض النقرس. كما استعملوا الضماد في مداواة عرق النسا. ويؤكد ابن الخطيب في كتابه (مقنعة السائل) أن مرض الطاعون ينتقل بالعدوى ويختفي في ثياب المريض، محاولًا بذلك الإشارة إلى
_________________
(١) فرحات، غرناطة، ص ١٦٠ - ١٦١.
(٢) فرحات، غرناطة، ص ١٦٢.
(٣) المقري، نفح، ج ٣، ص ٥٢، ص ٢٥٨.
(٤) أيضًا، ج ١، ص ٢٤، (حاشية) - ج ٦، ص ٣٣ - ٣٧.
(٥) فرحات، غرناطة، ص ١٦٣.
(٦) ابن الخطيب، الإحاطة، ج ١، ص ٤٦٧.
[ ٣٥٨ ]
وجود الجراثيم مما لم يكن معروفًا في ذلك الوقت (٢٩١). ووضع الطبيبان ابن خاتمة وابن الخطيب جملة من الإرشادات والنصائح الطبية، من أجل إبعاد سكان مملكة غرناطة من خطر الوباء الكبير أو الطاعون الأسود. وتوجت مملكة غرناطة جهودها الطبية ببناء المستشفى (البيمارستان) في مدينة غرناطة على أيام السلطان محمد الخامس، وبناء دار للعجزة ومأوى للعميان في عصر السلطان محمد الأول (٢٩٢).
ونالت الحركة اللغوية تقدمًا كبيرًا في ظل مملكة غرناطة وكان من أشهر روادها: أبو بكر محمد بن إدريس القضاعي (توفي عام ٧٠٧ هـ) وله كتاب (الختام المفضوض عن خلاصة علم العروض)، والعالم أبو جعفر أحمد بن إبراهيم النحوي (٦٢٦ - ٧٠٨ هـ)، وكان عالمًا بالقرآن والحديث، وكانت له حظوة عند السلطان أبي عبيد الله محمد بن الأحمر، وله كتاب (صلة الصلة). ومن علماء اللغة كذلك، أبو عبد الله محمد بن علي الفخار الذي كان شيخ النحاة الأندلسيين في عصره، وعليه درس ابن الخطيب وابن زمرك وتوفي بغرناطة عام ٧٥٤ هـ (٢٩٣). وابن مالك الأندلسي (٦٤٠ - ٦٨٦ هـ) صاحب الألفية المشهورة، من أهل جيان، الذي رحل إلى المشرق تاركًا الأندلس المضطربة (٢٩٤).
ونالت الدراسات التاريخية حظوة كبيرة في عهد هذه المملكة، ومن الشخصيات المشهورة في حقل التاريخ أبو جعفر أحمد بن علي بن خاتمة الأنصاري (توفي عام ٧٧٠ هـ) وله كتاب (مزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية). وكذلك القاضي المشهور أبو الحسن علي بن عبد الله النباهي (٧١٣ - بعد عام ٧٩٣ هـ) وكان من خصوم ابن الخطيب ومن الساعين إلى هلاكه، وله كتاب (تاريخ قضاة الأندلس) وكتاب (نزهة البصائر والأبصار) في تاريخ الدولة النصرية (٢٩٥).
وأما كتب لسان الدين ابن الخطيب (٧١٣ - ٧٧٦ هـ) التاريخية فهي أكثر من أن تُعد، ويأتي في مقدمتها (اللمحة البدرية في الدولة النصرية) وكتاب (الإحاطة في أخبار غرناطة) وكتاب (أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام) وكتاب (نفاضة الجراب) وكتاب (كناسة الدكان) وغيرها كثير.
_________________
(١) فرحات، غرناطة، ص ١٦٣.
(٢) فرحات، غرناطة، ص ١٣٥، ص ١٦٤.
(٣) المقري، نفح، ج ٥، ص ٣٥٥.
(٤) عبد العال سالم مكرم " ابن مالك الأندلسي " مجلة العربي، العدد ١٦٦، ص ١٣١ وبعدها.
(٥) المرقبة العليا، ص ط المقدمة.
[ ٣٥٩ ]
أما الحركة الأدبية في مجال الشعر والنثر فقد ازدادت في ظل مملكة بني الأحمر وكان روادها لسان الدين ابن الخطيب وابن زمرك، واستمر الإزدهار مرافقًا للوجود العربي حتى سقوط غرناطة، فكأن القلم والسيف تعاهدا على الجهاد ومواصلة الطريق حتى النفس الأخير (٢٩٦).
والأعلام من الأدباء الذين أوصلوا الحركة الأدبية إلى هذا التفوق في عهد مملكة غرناطة هما:
١ - لسان الدين ابن الخطيب (توفي عام ٧٧٦ هـ)، الذي ترك لنا قصائد شعرية في أغراض متنوعة ولا سيما في المدح والسياسة، وله موشحات مشهورة، ومن أهمها:
جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندلس
ومن خلال مناصبه السياسية التي تقلدها في دولة بني الأحمر، وكان قريبًا من الأحداث ومشاركًا فيها، فجاءت كتبه التاريخية مصادر أساسية لكل ما يتعلق بتلك المرحلة من الوجود العربي من الأندلس، وله رسائل مشهورة منها السلطانية ومنها الفلسفية ومنها الإخوانيات (٢٩٧).
٢ - أبو عبد الله محمد بن يوسف الصريحي المعروف بابن زمرك (٧٣٣ - ٧٩٧ هـ) تلميذ ابن الخطيب، والساعي إلى قتل أستاذه عام ٧٧٦ هـ وقد ترك لنا ابن زمرك مجموعة قصائد في المدح والوصف والغزل، كما برع في الموشحات (٢٩٨).
ومن الشخصيات الأدبية التي عاصرت ابن الخطيب أبو سعيد فرج بن لب (توفي عام ٧٨٢ هـ)، وكان شاعرًا يتسم شعره بالرقة والسهولة (٢٩٩). ويختتم رواد الحركة الأدبية الأمير إسماعيل بن يوسف بن محمد بن الأحمر (توفي عام ٨٠٧ هـ) صاحب كتاب (نثير فرائد الجمان في نظم فحول الزمان) وفيه تناول سير الكتاب والشعراء المشهورين في القرن الثامن للهجرة، كما له كتاب (نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان) وفيه يتحدث عن شعر الملوك من بني الأحمر وبني مرين وبني حفص وبني عبد الواد، وكذلك عن شعر وزراء الأندلس وقضاتها (٣٠٠).
_________________
(١) فرحات، غرناطة، ص ١٦٨.
(٢) عنان، نهاية الأندلس، ص ٤٧٢ وبعدها - فرحات، غرناطة، ص ١٧٦ وما بعدها.
(٣) أيضًا، ص ٤٨٢ وبعدها - أيضًا، ص ١٨٠ وما بعدها.
(٤) المقري، نفح، ج ٥، ص ٥٠٩ - ٥١١.
(٥) عنان، نهاية الأندلس، ص ٤٨٥ - ٤٨٦.
[ ٣٦٠ ]