وَفِي رَجَب ظهر عَن الْيَهُود مَا فِيهِ قبح وشناعة واستحكم عَلَيْهِم السخف وَنِهَايَة الخلاعة
(وسخيف من سَاءَهُ الْمَنّ والسلوى وأرضاه الفوم والقثاء)
فتأهبوا للاقلاع عَن الْمقَام واللحوق بأخوانهم بِبَيْت الْمُقَدّس وَالشَّام وَادعوا أَن ملكهم الْمَسِيح بن دَاوُود قد ظهر واستتب لَهُ الْملك وَتمّ فباعوا أمتعتهم ببخس الْأَثْمَان وتأهبوا للاجتماع على الْمُضِيّ فِي طَرِيق الشَّيْطَان وَمِنْهُم من أخبر أَنه سَيَأْتِي لَهُم مَا يحملهم إِلَى ذَلِك الْمحل من غير تَعب وَلَا وَجل وَفِي الْكَشَّاف عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إِن فِي صُدُورهمْ إِلَّا كبر مَا هم ببالغيه﴾ فِي سُورَة غَافِر مَا لَفظه المجادلون هم الْيَهُود وَكَانُوا يَقُولُونَ يخرج الْمَسِيح بن دَاوُد يُرِيدُونَ الدَّجَّال ويبلغ سُلْطَانه الْبر وَالْبَحْر وتسير مَعَه الْأَنْهَار وَأَنه آيَة من آيَات الله فَيرجع إِلَيْنَا الْملك فَسمى الله ذَلِك كبرا وَنفى أَن يبلغُوا متمناهم انْتهى
والدجال خُرُوجه آخر الزَّمَان وَلَيْسَ ملكهم هَذَا كَمَا يدعونَ وَلَيْسَ هَذَا وَقت خُرُوجه فحرر القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن سعد الدّين سؤالا إِلَى الإِمَام وَوَقع فِي الْجَواب مَا يقْضِي بِأَن عدم وقوفهم على رسوم الذِّمَّة ينقصها وتنوقل
[ ١ / ٢٢٢ ]
هَذَا الْكَلَام حَتَّى اتَّصل بكوكبان وشبام فهتكوا حَرِيم من عِنْدهم من الْيَهُود وَأخذُوا مَا مَعَهم من الأثاث والحلى والنقود وَلما صرخَ الصَّارِخ بشبام أَن هَذَا عَن أَمر الإِمَام بَادر أهل حَاز والغرزة إِلَى نهب من عِنْدهم
وَوصل جمَاعَة من هَمدَان وَحُضُور إِلَى صنعاء فأجدب عَلَيْهِم المرعا وخاب الْمَسْعَى ومنعهم أَمِير الْبَلَد السَّيِّد جمال الدّين عَليّ بن الْمُؤَيد وَحين بلغ نهبهم الإِمَام سد هَذَا الْبَاب وَذكر أَنه لم يَأْمر بالانتهاب وتوجهت على الَّذين انتهبوهم الْآدَاب
وَلما شرعت نَار سخفهم أَن تطفى وَحصل التغافل عَن فعلتهم الَّتِي لَا تخفى عَمدُوا إِلَى رجل مِنْهُم فجملوه بِأَحْسَن الثِّيَاب وأداروا عَلَيْهِ كؤوس الشَّرَاب وَلما أَخذه غول الْخمْرَة وخاضت بِهِ فِي الغمرة طلع إِلَى الْقصر الْكَبِير ورام أَن يتسنم كرسيه والسرير وَيَدْعُو إِلَى طوعه بالمأمور فِيهِ والأمير فَكلم السَّيِّد جمال الْإِسْلَام بالعبرانية بِكَلَام مَعْنَاهُ أَنه قد تمّ ملكك فقوض الْخيام واخرج عَن الْقصر وَسلم الْأَمر
فبادر أهل الحضرة بإنزاله وتبادر كل مِنْهُم إِلَى نعاله وَصبُّوا لَهُ مطرة بِلَا ريح جزا ذَلِك الْفِعْل الْقَبِيح الشنيع ثمَّ مضوا بِهِ إِلَى حبس الْبُسْتَان وأنزلوه بمنازل الهوان وخلعوا مَا عَلَيْهِ من ثِيَاب الْحَرِير ومسخت رئاسته إِلَى التعزيز كَمَا مسخ إخْوَته إِلَى القردة والخنازير وَرفع شَأْنه إِلَى الإِمَام فَعَاد جَوَابه بِمَا فِيهِ كِفَايَة النَّاس من شَره وإذاقته عواقب نكثه ومكره فأوصلوه إِلَى الْحلقَة وضربوا ثمَّ عُنُقه وعلق بِبَاب شعوب وَبَقِي مُدَّة على هَيْئَة المصلوب
وَعند ذَلِك ضاعف الإِمَام الْآدَاب على الْيَهُود وَأسْقط عمائمهم عَن الرؤس وَرفع كبارهم إِلَى الحبوس
وَفِي هَذِه السّنة اتّفق حَرْب بَين العصيمات وَخيَار وَقتل من الْجَانِبَيْنِ ثَلَاثَة أَنْفَار فأدبهم الإِمَام وتحاجزوا عَن الْخِصَام
وَفِي شعْبَان انتهب برط قافلة من العمشية كَانَت فِي عُهْدَة سُفْيَان فلحقهم الْعَار بذلك على قاعدتهم فصادفوا جمَاعَة
[ ١ / ٢٢٣ ]
من برط فَقتلُوا مِنْهُم أَرْبَعَة وجنوا على آخَرين واستعادوا بعض المنهوب وَفِي أثْنَاء ذَلِك انتهب العرصان والمعضة وهم البدو الَّذين بأطراف مساقط الْجوف قافلة جَاءَت من حَضرمَوْت
وَاشْتَدَّ برد هَذِه السّنة وَكَانَ شُرُوعه عِنْد ابْتِدَاء رُجُوع الشَّمْس فاستمر قدر شَهْرَيْن
وَفِي السَّاعَة الرَّابِعَة من لَيْلَة الْأَحَد ثامن عشر من رَمَضَان رجفت الأَرْض وَانْشَقَّ لَهَا بعض الْبيُوت وانتبه النيام وَصَاح من فِي قلبه رقة وعمت أَكثر الْبِلَاد اليمنية وَفِي بعض الْمَلَاحِم المنسوبة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَن الرجفتين المذكورتين فِي شهر جُمَادَى الْمَاضِي وَهَذَا شهر رَمَضَان عَلامَة لشدَّة الْبرد وغلا السّعر وَقلة الْمَطَر وَقد اتّفق ذَلِك كُله
قلت قَالَ السخاوي قَالَ الْمَيْمُونِيّ سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول ثَلَاثَة كتب لَا أصل لَهَا أصُول الْمَغَازِي والملاحم وَالتَّفْسِير قَالَ الْخَطِيب فِي جَامعه وَهَذَا مَحْمُول على كتب مَخْصُوصَة فِي الْمعَانِي الثَّلَاثَة غير مُعْتَمد عَلَيْهَا لعدم عَدَالَة ناقلها وزيادات الْقصاص فِيهَا
وَأما كتب الْمَلَاحِم فجميعها بِهَذِهِ الصّفة وَلَيْسَ يَصح فِي ذكر الْمَلَاحِم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أَحَادِيث يسيرَة وَأما كتب التَّفْسِير فَمن أشهرها كتابا الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان وَقد قَالَ أَحْمد فِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ من أَوله إِلَى آخِره كذب قيل لَهُ فَيحل النّظر فِيهِ قَالَ لَا
وَأما الْمَغَازِي فَمن أشهرها كتاب مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَكَانَ يَأْخُذهُ عَن أهل الْكتاب
[ ١ / ٢٢٤ ]
وَقد قَالَ الشَّافِعِي كتب الْوَاقِدِيّ كذب وَلَيْسَ فِي الْمَغَازِي أصح من مغازي مُوسَى بن عقبَة انْتهى
وفيهَا حدث مَوْلُود عينه بجبهته ثمَّ مَاتَ ونتجت بَهِيمَة فلوا لَهُ أظلاف كالبقر وَولد بِبَيْت عذاقة مَوْلُود لَهُ أذنان كأذني الْحمار وَعين بجبهته وَقيل إِنَّه تكلم فِي المهد
وفيهَا وجد بجهات بيحان وَمَا يقرب من مَدِينَة سبأ بَين صخرتين صنم من حَدِيد طوله ذِرَاع لَهُ عنق ورقبة وَرَأس وَفِي وَجهه فصان يلمعان وَإِذا احتركت الرّيح دخلت عُنُقه فَسمع لَهُ خوار
وَفِي آخر شهر شَوَّال جهز الإِمَام الْحَاج الْيَمَانِيّ صُحْبَة وَلَده يحيى وَمَعَهُ الْفَقِيه مُحَمَّد بن عَليّ جميل والحاج فرحان وَجَاءَت الْأَخْبَار فِي ذِي الْقعدَة بانتهاب الحرامية من أدركوه
وَفِي نصف ذِي الْحجَّة جهز الإِمَام زيد بن خَلِيل الْهَمدَانِي والحاج عُثْمَان زيد جِهَة حَضرمَوْت فِي قدر مِائَتَيْنِ من الْعَسْكَر وَجَاء الْخَبَر أَن بيشة صَارَت مختارة من قبائل تِلْكَ الْجِهَات وأميرها يَوْمئِذٍ الشريف سعيد بن شنبر فَرجع حَاج الْيمن من الشّرف لذَلِك الْحَادِث والشريف حمود اسْتمرّ على
[ ١ / ٢٢٥ ]
ذَلِك الْحَال وَاسْتمرّ فِي إمارته إِلَى الْجلَال وَكَانَ هَذِه الْأَيَّام بالمبعوث فانتقل إِلَى وَادي فَاطِمَة موفور الْجَانِب محفوفا بِجَمَاعَة من الأتباع والأقارب
وَارْتَفَعت الأسعار بطرِيق مَكَّة هَذِه السّنة وَعدم الْمَطَر فِي الْمَشَارِق فَرَحل أَهلهَا عَنْهَا وَقل فِي غَيرهَا واتصل الْقَحْط بِبِلَاد الْعَجم وَفَارِس حَتَّى أَن بَعضهم بَاعَ وَلَده فِي سد رمقه فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد وألجأهم الْحَال إِلَى دُخُول عمان واتصل الْقَحْط بِمَا وَرَاء النَّهر وبلاد الصين
وفيهَا منع الصفي أَحْمد بن الْحسن عَن رمي الْعَسْكَر إِلَى دائر مَدِينَة صنعاء فَرَأى من يَرْمِي إِلَيْهِ عقيب خُرُوجه من صَلَاة الْعِيد فَضَربهُ قَالَ الرَّاوِي فَحمل إِلَى مَكَانَهُ وَمَات
وَدخلت سنة ثَمَان وَسبعين وَألف فِيهَا اسْتَقَرَّتْ إِمَارَة سعد ووفدت الْأَخْبَار بصلاح الْحَج وتوفر المحامل الْأَرْبَعَة الْيُمْنَى والشامي والمغربي وشرعت الأسعار فِي الإنخفاض