لنحاول أولا التعرف إلى شخصية ابن القلانسي ومن ثم نعود للربط بينه وبين تواريخ آل الصابئ.
ترجم لابن القلانسي عدد من المؤرخين يتصدرهم ابن عساكر ثم ياقوت وبعده الذهبي، ولما ذكره ابن عساكر مكانة خاصة للزمان والمكان، ومما قاله عنه ابن عساكر: "حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى التميمي، المعروف بابن القلانسي، العميد كانت له عناية بالحديث، وكان أديبًا له خط حسن ونثر ونظم وصنف تاريخًا للحوادث بعد سنة أربعين وأربعمائة إلى حين وفاته، وتولى رئاسة ديوان دمشق مرتين".
وقال عنه ياقوت: "حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى، المعروف بابن القلانسي التميمي الأديب الشاعر، المؤرخ، كان من أعيان دمشق ومن أفاضلها المبرزين، ولي رئاسة ديوانها مرتين، وبها توفي سنة خمس وخمسين، وله تاريخ للحوادث، ابتدأ به من سنة إحدى وأربعين وأربعمائة إلى حين وفاته، وكانت له عناية بالحديث، وله كتب عليها سماعه".
[ ١٣ ]
وقد أورد كل من ابن عساكر وياقوت نماذج من شعر من ابن القلانسي، لكنهما وإن ذكرا تاريخ وفاته لم يحددا تاريخ مولده أو سنّه حين الوفاة، وقد تولى الذهبي ذلك فبين أنه جاوز الثمانين أثناء وفاته وكان دون التسعين، وعن الذهبي نقل كل من أبي المحاسن في النجوم الزاهرة واليافعي في مرآة الجنان.
وجرت العادة لدى كثير من الأوائل الإشارة إلى أنفسهم في مصنفاتهم، حيث يمكن في أيامنا استخراج المعلومات من هذه الإشارات، وفيما يختص بابن القلانسي لم يشر إلى نفسه قط في مصنفه أو تحدث عن دور من أدواره سيما وأنه كان من كبار رجالات الدولة في دمشق، نعم هناك إشارات غير مباشرة إلى بعض مواقفه السياسية وتذوقه للأدب، فهو قد ضمن كتابه عدة قصائد من نظمه، كما أثبت بعض نصوص الوثائق الديوانية الواردة إلى دمشق لإعجابه بصياغتها.
ولئن انعدمت إشاراته لنفسه فهناك بعض الإشارات لأفراد من أسرته، من ذلك أنه ذكر في حوادث سنة ٥٣٩: "وفي يوم السبت الثالث عشر من رجب من السنة، توفي الأخ الأمين أبو عبد الله محمد بن أسد بن علي بن محمد التميمي عن أربع وثمانين سنة، بعلة الذرب، ودفن بتربة اقترحها خارج باب الصغير من دمشق، وكان على الطريقة المرضية من حسن الأمانة والتصون والديانة، ولزوم داره، والتنزه عن كل ما يوتغ الدين، ويكره بين خيار المسلمين، غير مكاثر للناس، ولا معاشر لهم، ولا متخلط بهم".
وعلى أهمية هذه الإشارة كم كنا نتمنى لو أنه ذكر الفارق بالسن بينه وبين أخيه.
ومن ثنايا مواد ابن القلانسي نرى بأن أسرته كانت من كبار أسر دمشق، وأعظمها مكانة، فهو قد تحدث في وقائع سنة ٥٤٨ هـ عن الاضطرابات في دمشق، وبين أن هذه الاضطرابات انتهت حينما "ردّ -سلطان دمشق- أمر الرئاسة [رئاسة دمشق] والنظر في البلد إلى الرئيس رضي الدين
[ ١٤ ]
أبي غالب عبد المنعم بن محمد بن أسد بن علي التميمي، وطاف في البلد مع أقاربه، وسكن أهله، وسكنت الدهماء، ولم يغلق في البلد حانوت ولا اضطرب أحد، واستبشر الناس قاطبة من الخاص والعام والعسكرية وعامة الرعية".
واحتفظت أسرة آل القلانسي بمكانتها العالية في دمشق لعدة قرون فقد تحدث كل من ابن كثير، وابن طولون وبدران عن "الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن عز الدين بن غالب بن المظفر ابن الوزير مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن أبي يعلى حمزة بن أسد بن علي ابن حمزة التميمي الدمشقي، ابن القلانسي، أحد رؤساء دمشق الكبار، ولد سنة تسع وأربعين وستمائة، وسمع الحديث من جماعة ورواه وله رئاسة باذخة، وأصالة كثيرة، وأملاك هائلة كافية لما يحتاج إليه من أمور الدنيا، ولم يزل مع صناعة الوظائف إلى أن ألزم بوكالة بيت السلطان، ثم بالوزارة".
وابن القلانسي هذا هو حفيد لمؤرخنا، وهو الذي بنى دار الحديث القلانسية في صالحية دمشق، ولعله بناها على تربة جده المؤرخ، ذلك أنه دفن في سفح جبل قاسيون.
وعلى العموم نجد أن ما جاء في كتب التراجم وفي ثنايا تاريخ ابن القلانسي عبارة عن مواد مقتضبة، فهي وأن تحدثت عن ثقافته العالية واهتمامه بالحديث فإنها لم تذكر اسم واحد من أساتذته ولا من تأثر بهم ثقافيًا، ولا عن سلوكه ونشاطاته وصفاته الخلقية والخُلقية، وغير ذلك من الأمور التي بودنا لو عرفناها.
ومهما يكن الحال فإن كتابه في التاريخ وعمله في ديوان "الإنشاء" بمثابة رئيس له تدل على علو ثقافته وتمكنه من ناصية اللغة، ومن المفيد هنا أن نشير إلى أنه وإن شابه أهل عصر في اهتمامه بالصنعة والمترادفات، إلا أنه لم يسرف في ذلك كما أسرف العماد الأصفهاني وسواه ولا شك أن رئاسته للديوان جعلته وسط أخبار الوقائع والأحداث مع شيء من المشاركة، ومكنته من الاطلاع
[ ١٥ ]
على الوثائق الرسمية على مختلف أنواعها سيما وأنه تسلم ديوان الحساب [الخراج] لفترة من الزمن، جامعا بينه وبين ديوان الإنشاء [الرسائل] .
ومرّ بنا قول ابن عساكر ثم ياقوت أنه بدأ مصنفه في التاريخ بحوادث ما بعد سنة أربعين أو إحدى وأربعين حسب تحديد ياقوت، وهذا التحديد فيه شيء من الوهم، لعل مرده إلى النساخ، فابن القلانسي بدأ كتابه بحوادث سنة /٤٤٨ هـ/ وصرح بأنه صنع "مذيلًا"، وفي العادة قد "يبنى المذيل" على ذيل، والذيل يأتي بمثابة ملحق بكتاب أساسي.
ونعود الآن إلى ما سلف ذكره عن ثابت بن سنان وهلال بن المحسن، فثابت كتب كتابًا بالتاريخ أوقفه على مصر والشام ووقف به مع أحداث سنة /٣٦٥ هـ/ وهي سنة وفاته، وجاء من بعده هلال بن المحَسِّن فكتب ذيلًا
على تاريخ ثابت تداخلت بعض سنيه، حيث بدأه بحوادث سنة /٣٦٠/ ووقف به حتى نهاية سنة /٤٤٧/.
ولا يصرح ابن القلانسي باعتماده على كتابي ثابت بن سنان وهلال بن المُحَسِّن أو على واحد منهما على الأقل، كل ما هنالك أنه في سياق حديثه عن ولاية "حيدرة بن مفلح" لدمشق، وهو أحد الولاة الفاطميين قال: "واستمرت عليه الأيام في الولاية إلى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، التي بني هذا المذيل عليها، وعادت سياقة الحوادث منها، وإيراد ما فيها، وتجدد بعدها".
والبحث التاريخي هو الذي قاد إلى الافتراض بان ابن القلانسي بنى "مذيله" على كتابي ثابت بن سنان وهلال بن المحسن، أو على واحد منهما فمن شبه المؤكد أن مصنف ابن القلانسي بشطريه "الأساس" و"المذيل" يبدأ بحوادث سنة /٣٦٠/ وبهذه السنة بدأ هلال كتابه، ومن المسلم به أن ما كتبه هلال عن أخبار السنوات /٣٦٠-٣٦٥ هـ/ وهي السنوات التي
[ ١٦ ]
تداخل بها كتابه مع كتاب ثابت هناك تطابق بالمواد، مع اختلاف بالتفاصيل، وهذا ما نلاحظه حينما نقارن مواد السنوات المتداخلة بين تاريخ ثابت بن سنان وتاريخ الطبري، لهذا ليس من المستبعد أبدًا أن يكون ابن القلانسي اعتمد على تاريخ هلال بن المحسن دون سواه.
وتبقى الأمور في حدود الفرضية، فتاريخ هلال بن المحسن هو بحكم المفقود، ومصنف ابن القلانسي وصلتنا منه نسخة خطية واحدة محفوظة في مكتبة البودليان في أكسفورد برقم [١٢٥ Hunt] وهذه النسخة قد بتر من أولها مقدار أربع عشرة ورقة، ولا شك أن هذه الأوراق قد حوت خطبة الكتاب مع بعض المواد الإخبارية، ولئن تمكنت من تدارك المواد الإخبارية المفقودة من مختصر كتاب ثابت بن سنان، تبقى المسألة الأساسية معلقة.
من هذا نخلص إلى القول أن مخطوطة البودليان تحوي قسمين من المعلومات الإخبارية، القسم الأول منها حتى سنة ٤٤٨ من تصنيف هلال بن الحسن لوحده أو مع ثابت بن سنان، والقسم الثاني حتى نهاية الكتاب من تصنيف ابن القلانسي، والقضية التي تواجهنا الآن هي: هل نقل ابن القلانسي مواد آل الصابئ نقلًا حرفيًا، أم عدل فيها اختصارًا وزيادة ونقصانًا؟.
إن من يقرأ مخطوطة البودليان يلحظ بعض الفوارق باللغة والعرض بين شطري الكتاب، إنما رغم ذلك يخيل أن ابن القلانسي تدخل بمواد الشطر الأول وأعاد صياغتها، وهنا لربما حذف بعض المواد. وأضاف موادًا من عنده، مما تجمع لديه من مصادر ووثائق محلية.
لقد دعا ابن القلانسي ما صنفه باسم "المذيل" ولما كانت محتويات مخطوطة البودليان تحوي الأصل والمذيل، فقد بات من المفترض أن نطلق على الكتاب اسم "تاريخ دمشق" ثم لذهابنا إلى الافتراض بأن جميع محتويات الكتاب من صياغة ابن القلانسي وروايته [بالوجادة أو غير ذلك من الطرق] فقد بات من المسوغ نسبة الكتاب بأجمعه إلى ابن القلانسي.
[ ١٧ ]
يؤرخ مصنف ابن القلانسي لقرنين من الزمن هما من أهم القرون، وبالنسبة لكثير من الأحداث هو المصدر المتفرد، في هذين القرنين جرت أحداث الصراع القرمطي الفاطمي على الشام، وأعقب ذلك الحكم الفاطمي للشام، وكان حكما لم يعرف الاستقرار لأسباب داخلية فاطمية، ولمقاومة أهل الشام لهذا الحكم، وابن القلانسي يروي لنا سيرة المقاومة الشامية، وهي سيرة لشعب دمشق وشعب الشام أجمع، سيرة لمنظمات هذا الشعب وفئاته الاجتماعية وقبائله، سيرة لعمران دمشق وخططها، وهنا يقتضي أن ننوه أن هذه مزية تفرد بها ابن القلانسي إلى أبعد الحدود.
صحيح أن الكتاب أوقفه صاحبه بالأصل على دمشق لكنه يولي مع دمشق اهتماماته بقية أجزاء الشام، ثم بقية أجزاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، فمواده عن كل من الخلافتين الفاطمية والعباسية لها مكانة خاصة، بل أكثر من هذا نجده يتقصى أخبار المغرب الأقصى ويقدم لنا رواية ذات مكانة خاصة حول المهدي بن تومرت وتأسيس دولة الموحدين.
وعلى مكانة مواد ابن القلانسي حول العصر الفاطمي، فإن الذي يفوقها أهمية هو ما رواه حول دخول الشام تحت السلطان السلجوقي، ثم أحداث الحروب الصليبية زمن الحملتين الأولى والثانية، وهي أحداث عاصرها وكان شاهد عيان لها، ولأهمية هذه الروايات تمت ترجمتها إلى كل من الإنكليزية والفرنسية.
وابن القلانسي مؤرخ ثقة يمكن الاعتماد على رواياته، وقد أوضح منهجه في كتابه بقوله: "قد انتهيت في شرح ما شرحته من هذا التاريخ، ورتبته وتحفظت من الخطأ والخطل والزلل فيما علقته من أفواه الثقات، ونقلته وأكدت الحال فيه بالاستقصاء والبحث، إلى أن صححته إلى هذه السنة المباركة، وهي سنة أربعين وخمسمائة، وكنت قد منيت منذ سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وإلى هذه الغاية بما شغل الخاطر عن الاستقصاء عما يجب إثباته في هذا
[ ١٨ ]
الكتاب، من الحوادث المتجددة في الأعمال، والبحث عن الصحيح منها في جميع الأحوال، فتركت بين كل سنتين من السنين بياضًا في الأوراق، ليثبت فيه ما يعرف صحته من الأخبار، وتعلم حقيقته من الحوادث والآثار، وأهملت فيما ذكرتها من أحوال سلاطين الزمان فيما تقدم، وفي هذا الأوان، باستيفاء ذكر نعوتهم المقررة، وألقابهم المحررة، تجنبًا لتكريرها بأسرها، والإطالة بذكرها، ولم تجر بذلك عادة قديمة، ولا سنة سالفة في تاريخ يصنف، ولا كتاب يؤلف، وإنما كان الرسم جاريًا في القديم باطراح الألقاب والإِنكار لها، بين يدي ذوي العلوم والآداب، فلما ظهرت الدولة البويهية الديملية، ولقب أول مسعود نبغ فيها بعماد الدولة بن بويه، ثم أخوه وتاليه في الولادة والسعادة بركن الدولة أبي علي، ثم أخوهما بمعز الدولة أبي الحسين، وكل منهم قد بلغ من علو المرتبة والمملكة، ونفاذ الأمر في العراق وخراسان والشام إلى أوائل المغرب ما هو مشهور، وذكره في الآفاق منشور، ولما علا قدر الملك عضد الدولة فناخسره بن ركن الدولة أبي علي بن بويه بعدهم، وظهر سلطانه، وعلا شانه وملك العراق بأسره وما ولاه من البلاد والمعاقل، وخطب له على المنابر، زيد في نعوته في أيام المطيع لله أمير المؤمنين ﵀: تاج الملة، ولم يزد أحد من أخوته: مؤيد الدولة صاحب أصفهان، وفخر الدولة صاحب الري وما ولاهما، وانضاف إليهما على اللقب.
ولم يزل الأمر على ذلك مستمرًا إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجق، وقويت شوكة الترك، وانخفضت الدولة البويهية واضمحلت وانقرضت، ولقب السلطان طغرلبك لما ظهر أمره في العراق، واجتاح شأفة أبي الحارث أرسلان الفساسيري في أيام الإمام الخليفة القائم بأمر الله أمير المؤمنين ﵀ بـ: السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم، ركن الدنيا والدين، غياث المسلمين، بهاء دين الله، وسلطان بلاد الله، ومغيث عباد الله، يمين خليفة الله، طغرلبك.
[ ١٩ ]
ثم زاد الأمر في ذلك، إلى أن أضيف إلى ألقاب ولاة الأطراف: الدين والإسلام، والأنام والملة، وغير ذلك، بحيث اشترك في هذا الفن الخاص والعام، لا سيما في هذا الأوان".
إن هذا النص الفريد في كتاب ابن القلانسي فيه أكثر من دليل، ليس على منهج المؤلف ودقته وتحريه ونوعية مصادره فحسب، بل على عمق في فهم التاريخ الإسلامي ومشاكله، ونظرة ثاقبة واعية لأحداثه، وقد تأثر بهذه النظرة عدد من المؤرخين والسياسيين المسلمين، فهذا ما نشهد صداه في كتاب الكامل لابن الأثير، وعدد آخر من المصنفات الإسلامية العربية والفارسية سواء.
ومع أن ابن القلانسي يشير بأنه كان يجمع مواد كتابه على شكل مذكرات يومية، فإن ما يؤسف له هو طابع الاختصار لديه، فقد عقدت مقارنة بينه وبين وليم الصوري وهو من معاصريه، وكلاهما كتب عن حوادث الحروب الصليبية، واحد في القدس باللاتينية وآخر في دمشق بالعربية، ومع أن ابن القلانسي انفرد بذكر أخبار بعض الحوادث إلا أنه إذا اجتمع مع وليم على قص خبر حادثة، فالتفاصيل لدى وليم أكبر منها عند ابن القلانسي.
وهذا لا يقلل من قيمة ابن القلانسي، خاصة إذا تذكرنا أنه المصدر العربي الوحيد الذي وصلنا، وقام برواية الأخبار من وجهة نظر عربية صريحة ومنصفة، وفيها اعتدال كبير، وهذه صفات افتقر إليها وليم الصوري وغيره من المؤرخين غير العرب مثل آنا كومينا، مؤرخة الحملة الصليبية الأولى بالإغريقية، والمؤرخ السرياني المجهول الذي أرخ للحملتين الأولى والثانية وميخائيل السرياني.
ولهذا لاقى كتاب ابن القلانسي عناية خاصة، وكان أن أقدم المستشرق هـ. أمدروز على تحقيقه ونشره سنة ١٩٠٨ لحساب مؤسسة برل في ليدن هولنده، وقد طبع نصه في بيروت في مطبعة الآباء اليسوعيين، وقامت منذ
[ ٢٠ ]
قرابة العقدين من السنين مكتبة المثنى في بغداد بإعادة طبعه بطريقة تصوير الأوفست، ونفذت نسخ الكتاب من الأسواق منذ سنين عديدة.
لقد بذل المستشرق أمدروز جهده في تحقيق نص الكتاب فنال بعض التوفيق، وكان حظه من الاخفاق أكبر، علما بأنه ألحق بالمتن عددًا من الحواشي المهمة استقى غالبيتها من تاريخ ميا فارقين للفارقي ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي.
ومرد الإخفاق إلى أنه لا يوجد في العالم إلا نسخة خطية واحدة من الكتاب، وهذه النسخة على وضوح خطها النسخي، ورغم نظافتها وخلوها من التطبيع وخروم الأوراق والأسطر، والاضطراب، فإن متنها قد انتشرت فيه التصحيفات بشكل رهيب، لا يستطيع المرء التنبه إليها إلا بكل صعوبة يضاف إلى هذا أن الناسخ -الذي لا نملك ترجمة لحياته- كان عاجزًا عن قراءة الأصل الذي اعتمده، لذلك لم يكتف بأعمال التصحيف بل تجاوز جملًا برمتها، ولهذا فمتن الكتاب فيه من الثغرات ما لا يمكن احصاؤه، وعندما أقدم أمدروز على نشر الكتاب أخفق في التنبه إلى تصحيفات النص وثغراته كما أخفق في قراءة الكثير من الكلمات بشكل صحيح، ولهذا جاءت طبعته مشوشة النص، وقامت الحاجة إلى إعادة تحقيق الكتاب ونشره.
ومنذ أكثر من عشرين عاما كنا نتحدث عن وجود حاجة ماسة إلى إعادة تحقيق جميع الكتب التي سبق نشرها في أوروبا، وأن هناك حاجات مسيسة للاهتمام بتاريخ بلاد الشام في العصور الإسلامية، فالطالب عندما يدرس العصر الأموي يعرف ما كان جري بالكوفة ولا يدري ما كان يجري في دمشق دار الخلافة، ومقر نشاطاتها، ولكم يتمنى المرء لو تم إنشاء مركز للدراسات الشامية يلحق بجامعة دمشق أو بغيرها من المؤسسات الثقافية، ويعمل على جمع مصادر تاريخ بلاد الشام، وإحياء نصوص هذه المصادر أو التعريف بها، وحبذا لو
[ ٢١ ]
أقدمت مجلة الدراسات التاريخية التي تصدر في دمشق عن لجنة "كتابة التاريخ العربي" على فتح ملف دائم للحديث عن تاريخ الشام مع المصادر.
وكنت قد عرفت تاريخ ابن القلانسي منذ زمن بعيد، وتوثقت صلاتي به في العشرين سنة الماضية منذ عملي في إعداد أطروحة الدكتوراه وأثناء بحثي في التاريخ الفاطمي وأخبار القرامطة والعصر السلجوقي والحروب الصليبية، وأخيرًا اتخذت قرارًا بان أعمل في أسرع وقت على إعادة تحقيق الكتاب ونشره، وفي إحدى الأمسيات كنت أحدث بعض الأصدقاء عن هذه النية، وأنني سأراسل مكتبة البودليان للحصول على شريط مصور للمخطوط، وهنا أخبرني الصديق أحمد ابش، أن لديه نسخة من هذا الشريط، وتفضل مشكورًا بإعارتي إياها، حيث أخرجت عنها صورة مطبوعة، ولا بد من الإشارة هنا إلى السيد ابش هو شاب دمشقي يعمل جاهدًا في سبيل جمع مصادر تاريخ دمشق، وإني أنتظر له مستقبلًا جيدًا في خدمة تاريخ هذه المدينة الخالدة.
وأثناء عملي في تحقيق الكتاب والإشراف على طباعته لاقيت التشجيع والعون من عدد من الأصدقاء أخص منهم الأخ عبد الهادي حرصوني، كما أن بعض طلابي قدموا لي مشكورين بعض المساعدات في إعداد فهارس الكتاب، ذلك أنني ألحقت الكتاب بفهارس فنية للأعلام مع فهارس للمحتويات وثلاث خرائط اثنتان لدمشق المدينة ودمشق والمناطق القريبة منها، وثالثة لمسرح عمليات الحروب الصليبية، وهنا أعود لأتوجه بالشكر إلى أصحاب مطابع دار الملاح والعاملين فيها لما بذلوه من جهود في سبيل إخراج الكتاب بشكل صحيح لائق، وللصديق الزميل الأستاذ فواز بكدش لتفضله بتصميم غلاف الكتاب.
ولا بد لي أن أشير في نهاية هذه المقدمة بأنه على الرغم من اعترافي بجميع المساعدات التي قدمت لي، فإن مسؤولية الكتاب أتحملها لوحدي وأنني بذلت
[ ٢٢ ]
أثناء التحقيق كل طاقاتي، وعدت إلى سلسلة عريضة من المصادر التاريخية والجغرافية وسواها مع عمليات السبر والبحث عن بعض المواقع على الطبيعة، وتابعت ذلك والكتاب قيد الطباعة، وأسوق هنا المثل التالي، فلقد مر بي في [ص ٣٩] ذكر نبع اسمه الفوار، وبحثت عن مواقع هذا النبع في المصادر فلم أهتد إلى ذكر له، وسألت فأخبرت أنه اسم لواحد من ينابيع بلدة الحمة المحتلة، وهذا ما أثبته في الحاشية، وبعد هذا تبين لي أن هذا وهم، والصحيح أنه نبع قائم على طريق دمشق خان أرنبه، وأنه يبعد عن خان أرنبه مسافه /١٥/ كم وعلى مسافة /٤/ كم من، معسكر للطلائع.
وهذا المثل فيه عبرة كبيرة، إن الباحث ينشد الكمال، لكن من المحال الوصول إلى هذا الهدف، وإن للبحث العلمي بداية من ليس له نهاية، لهذا أتوجه إلى جميع القراء بالدعوة إلى إرشادي إلى ما أخفقت في قراءته أو تحديده أو شرحه، فالكتاب الآن هو ملكهم ومحتوياته فيها تاريخهم ممثلًا بأعظم مدن التاريخ وأروعها دورًا، دمشق دار العروبة والإسلام.
والحمد لله والصلاة والسلام على الإنسان الكامل سيدنا ونبينا وهادينا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
دمشق ٢٠ شوال ١٤٠٣ هـ
٣٠ تموز ١٩٨٣ م
سهيل زكار
[ ٢٣ ]