وإذا كنا لسنا في موضع عرض لمراحل حركة التدوين التاريخي في الشام يكفي أن نذكر أن هذه الحركة وصلت الذروة على يدي ابن عساكر حين كتب تاريخ دمشق ثم ابن العديم حين كتب "بغية الطلب في تاريخ حلب" إنما يلاحظ هنا بأن هذين الكتابين العملاقين قد صنفا حسب نمط كتب التراجم، ومما جاء في بدايتي كل منها من عرض تاريخي حسب الوقائع والحوليات، شمل أخبار فتوح الشام ليس إلاّ، وتميز ابن العديم عن ابن عساكر بأنه صنف كتابا مفردًا أوقفه على العرض التاريخي الإِخباري لمدينة حلب، وهو كتابه "زبدة الحلب من تاريخ حلب" ولم يفعل ابن عساكر هذا، لطبيعة منهجه وثقافته، فهو إمام بالحديث في الدرجة الأولى، ولذلك جاء كتابه الذي صنفه بدمشق مهتمًا بطبقات الحدثين والعلماء، وموليا قليل الاهتمام لمن سواهم، وخاصة رجال السلطة.