وصل القائد ظالم بن موهوب العقيلي إلى دمشق واليًا عليها في يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة ٣٦٣ عقيب نوبة القرمطي فدخلها وتمكن أمره في ولايتها وتأثلت حاله في إيالتها وتوفرت عدته وعدته واشتدت شوكته لا سيما عند قبضه على أبي المنجا وولده صاحبي القرمطي مع جماعة وافرة من أصحابهما وحبسهم وأخذ أموالهم واستغراق أحوالهم. واتفق أن أبا محمود مقدم العسكر المصري المقدم ذكره وصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة ونزل بالشماسية فخرج ظالم متلقيًا له ومستبشرًا به ومبتهجًا بنزوله ومستأنسًا بحلوله لما كان مستشعره من الخوف من عود القرمطي إلى دمشق ونزوله عليها ثم أن ظالمًا أنزل أبا محمود المقدم الدكة المعروفة وحمل إليه أبا المنجا صاحب القرمطي المعتقل والمعروف بالنابلسي الذي كان هرب من الرملة متقربًا إليه وإلى المغاربة
[ ٩ ]
بذلك فجعل كل واحد منهما في قفص من خشب وحملهما إلى مصر فلما وصلا إلى المعز لدين الله أمر بحبس أبي المنجا وولده وقال للنابلسي: أنت الذي قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعةً في المغاربة وواحدًا في الروم. فاعترف بذلك فأمر بسلخه فسلخ وحشي جلده تبنًا وصلب ولما نزل القائد أبو محمود المقدم على دمشق في عسكره اضطرب الناس وقلقوا وامتدت أيدي المغاربة في العيث والفساد في نواحي البلد وأخذ من يصادف في الطرقات والمسالك وكان صاحب الشرطة بعد القبض على أبي المنجا قد أخذ إنسانًا وقتله فظهر الغوغاء وحملة السلاح وقتلوا أصحاب المسالح وكثر من يطلب الفتن من العوام وطمعت المغاربة في نهب القرى وأخذ القوافل ظاهر البلد ولم يتمكن القائد أبو محمود المقدم من ضبط أصحابه لأنه لم يكن معه مال ينفقه فيهم ولم يقبلوا أمره ولا امتثلوا زجره. وكان ظالم يأخذ مال السلطان الذي يستخرج من البلد وقد عرف ظالم أن الرعية تكره المغاربة في الفساد وقطع الطريق على الصدار والوراد وامتنع السفار من المجي والذهاب وعدلوا في ذلك عن نهج الصواب ونزح أهل القرى منها إلى البلد وخلت من أهلها واستوحش ظاهر البلد وباطنه. فلما كان يوم الخميس النصف من شوال من السنة جاء قوم من العسكرية ينهب القصارين من ناحية الميدان فكثر الصائح في البلد وخرج الناس بالسلاح وثارت الأحداث وخرج أصحاب ظالم ووقع القتال وظالم يظهر
[ ١٠ ]
أنه يريد الصلاح والدفع عن البلد ولم يكاشف في الأمر ووجد الناس حجةً للمقال والشكوى لما يجري عليهم فلما كان في بعض الأيام خرج قوم من المغاربة يطلبون الطرق فظفروا برفقة قافلة في طريق الحرجلة قد أقبلت من حوران فأخذوها وقتلوا منها ثلاثة نفر فجاء أهل القتلى وحملوهم وطرحوهم في الجامع فكثر الناس عليهم وبالغوا في المقال والانكار لأجلهم وغلقت الأسواق ومشى الناس بعضهم إلى بعض ونفرت قلوبهم واستوحشوا وخافوا. فلما كان يوم الاثنين السابع عشر من ذي القعدة من السنة سمع صبي يصيح على بعد: النفير النفير إلى قينية إلى اللؤلؤة. فقال قائل: كان بالامس آخر النهار قوم من المغاربة ومن البادية في جنينة في القنوات فقتلت المغاربة من البادية ابن عم لورد بن زياد وقد وقع بينهم حرب وقد ثارت الفتنة بباب الجابية فخرج رجل من العسكرية يقال له نفاق ابن عم لأبي محمود فظهر القوم من غد في طلب الرجل وكان مسكنه في ناحية قينية
[ ١١ ]
فأقبلوا يريدون بيته وانتشرت خيلهم ورجالتهم في أرض قينية إلى لؤلؤة والقنوات إلى باب الجابية وباب الحديد فظفروا بالقصارين عند باب الحديد فأخذوا ما كان معهم من الثياب فصاح الناس النفير ولبسوا السلاح وخرج أصحاب ظالم مع الرعية وزحفت المغاربة حتى بلغوا قريبًا من سور البلد وليس في مقابلتهم من يذودهم ويدافعهم فنفر إليهم أهل البلد من كل ناحية ونشب القتال ونكا النشاب في المغاربة أعظم نكاية وقصدوا الباب الصغير وامتد الناس خلف المغاربة وصعدوا على طاحون الأشعريين يرمونهم بالحجارة وطرحوا النار فيها فاحترقت وهي أول نار طرحت في البلد وزحفت الرعية وأصحاب ظالم إلى المغاربة وضايقوهم مضايقةً ألجؤهم إلى الصعود فوق مسجد إبراهيم وكان ذلك منهم جهلًا واغترارًا وكان في الطريق الأعلى نحو البيمارستان العتيق شرذمة قليلة فحملوا على الأحداث وأصحاب ظالم فانهزموا من المرج إلى خلف المرمى وتبعتهم المغاربة فلما علم ظالم هزيمتهم خرج من دار
الامارة حتى وقف عند الجسر المعقود على بردا وأمر بغلق باب الحديد ورتب قومًا من أصحابه على جسر باناس ليلًا ينهزم الناس فلما شاهد انهزام الناس والمغاربة في أثرهم ضرب بيده على فخذه ثم استدعى رمحه وعبر الجسر ومعه فرقة من أصحابه وحمل على أوائل المغاربة فردهم عن أحداث البلد وصاح الناس في الميدان النفير فانهزم ظالم وأصحابه وجأت المغاربة نحو الفراديس ودخلوا الدروب وملكوا السطوح وطرحوا النار في الفراديس وكان هناك من البنيان
[ ١٢ ]
الرفيع الغاية في الحسن والبهاء ما لم ير مثله وهو أحسن مكان كان بظاهر دمشق وامتدت النار مشرقةً حتى بلغت مسجد القاضي فأتت على دور لبني حذيفة وأخذت النار كله فاتلفت ما كان بين الفاخورة وحمام قاسم وكنيسة مريوحنا وحين انهزم الناس وتكامل العسكر في المرج والميدان وارتفع صياح المغاربة وانهزم من على السطح من الرماة والنظارة وامتدوا إلى القنوات ودخلوا باب الحديد وانتشروا فلما عرفوا انهزام ظالم قصدت خيلهم ناحية الشماسية في طلبه فلما حصلوا بها أقبلت الأحداث تجول فيها مع المغاربة فطرحوا النار في لؤلؤة الكبرى والصغرى والقنوات وقينية وأقبل الليل وبات الناس على أسوء حال وأشد خوف عظيم وأعظم وجل. وتمكنت النار في تلك الليلة فاحرقت درب الفحامين ودرب القصارين ثم أخذت مغربةً إلى مسجد معوية واحرقت درب الستاقي وما حوله إلى حمام العصمي ثم أخذت في زقاق المشاطين والقنوات وقويت النار في اللؤلؤة الكبرى والصغرى وبلغت إلى ناحية المشرق وأتت على الرصيف جميعه وكانوا في وقت يمكنهم من باب الحديد قد طرحوا النار في دار عمرو بن مالك ودار ابن طغج ابن جف فقويت
[ ١٣ ]
النار في أخشاب وبطاين سقوف منقوشة وظهر لها في الليل ألسنة عالية وشرر عظيم وكذلك النار التي ألقيت في الفراديس كان لها شرر مرتفع والقوا النار أيضًا في باب الحديد والمظلمة بازاء دار الحمامي إلى الطريق الآخذ إلى حجر الذهب ووصلوا إلى رحبة السماكين مقابل دار ابن مقاتل ووجدوا بين أيديهم من الرعية من منعهم من دخول الزقاق ودخل قوم من الرعية المظلمة وأدركوا واطفؤها وقويت النار في دار ابن مالك فاحترقت وما يليها من الطاحون إلى حد حمام ضحاك ثم أخذت النار نحو القبلة فأتت على ما كان من الدور حول دار ابن طغج وما يليها إلى قصر عاتكة وسوق الجعفري والحوانيت والتقت على قصر حجاج وأشرق الصبح وقد خلا المكان واجتمع قوم في تلك الليلة من حجر الذهب والفسقار والنواحي المعروفة بباب الحديد وعملوا على المحاربة عن الدروب والأزقة وأبواب الدور فما لاح الصباح بضيائه إلا وقد بنوا حائط باب الحديد وسدوا الباب وأتى الله بالفرج. وقد كانت المغاربة في تلك الليلة في لهو ولعب وزفن وفرح وسرور بأخ البلد من عدوهم ينظرون إلى النار تعمل في جنباته وقد أتت عليه فلما أصبحوا انحدر العسكر من الدكة يريد البلد وكان الناس قد غدوا إلى الميدان وصعدوا السطح ينظرون نزول العسكر وقد حارت عقول كثير
[ ١٤ ]
من الناس من الخوف فلما نظرت الدبادبة ممن كان على السطح انحدر العسكر وقد علت الأصوات بالنفير فلما سمع الناس النفير بادروا الخروج بالسلاح التام وعدد الحرب وآلاتها وخرج قوم بمثل حربة وعصًا وفاس وكساء ومقلاع وحمر عليها حجارة واشتد الناس في القتال ونزل القائد أبو محمود في عسكره فضرب في الميدان خيمةً وأصبح الناس في شدة عظيمة وبلية هائلة وظهروا من البلد وقد تبعهم الخلق الكثير من الأخيار والمستورين يطلبون من الله تعالى الفرج فلما قربوا من عسكر المغاربة صاح نفر منهم فنفرت من الصياح خيل هناك فقيل لهم: أشراف البلد يريدون الوصول إلى القائد. فأذن لهم فلما حضروا لديه وسلموا عليه أحسن الرد عليهم وبش بهم وقال: ما حالكم وما الذي جاء بكم. فشكوا إليه أحوالهم والاضرار بهم والمضايقة لهم وخضعوا وذلوا له ولطفوا به فقال. ما نزلت في هذا المكان لقتالكم وانما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب المفسدين عنكم يعني أصحابه وما أوثر قتال رعية. فشكروه ودعوا له وأثنوا عليه وانصرفوا عنه مستبشرين بما سمعوه منه وجاءوا إلى خيمته واختلطوا بأصحابه وقد خف الخوف والوجل عنهم. ودخلت المغاربة البلد لقضاء حوايجهم وعاد القائد أبو محمود في عسكره إلى الدكة منزله. وولي الشرطة لرجلين يقال لأحدهما حمزة المغربي والآخر يقال له ابن كشمرد من
الأخشيدية فدخل في جمع كثير من الخيل والرجالة فطافا في البلد بالملاهي والزفن وجلسا في مجلس الشرطة وطاف في الليل جماعة من الرجال بالعدد والسلاح ممن يريد الفساد وإثارة الفتن ووجد الطائف الدروب قد ضيقت
[ ١٥ ]
فشكا ذلك إلى القائد أبي محمود فشق هذا الأمر عليه وضاق له صدره. فلما كان في بعض الليالي اجتاز الطائف في ناحية المحاملين على جسر المصلى يريد باب الصغير في جمع وافر ووصل إلى سوق الغنم فوجد درب سوق الغنم مسدودًا فعظم ذلك عليه وغضب لأجله وعاد إلى ورائه منكفئًا حتى دخل من ناحية البطاطين فشكا إلى أبي محمود فقال: إن القوم على ما هم عليه من العصيان والخلاف. وكثرت الأقوال في مجلسه ولم يكن صاحب رأي سديد ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة واستدعى مشايخ البلد إليه فدخلوا عليه فتواعدهم وأغلظ القول لهم وقال: إن لم يفتح هذا الباب والا وأنتم مقيمون على الخلاف والعصيان. فقالوا: أيها القائد لم يسد هذا الباب لعصيان ولا خلاف وانما كان سده بحيث لا يدخل منه من لا يعلمه القائد ولا يوثره من أهل الفساد ومن يوثره إثارة الفتنة والعناد. فقال: قد أمهلتكم ثلاثة أيام وإن لم يفتح هذا الباب لأركبن إليه ولأحرقنه ولأقتلن كل من أصادفه فيه. فقالوا: نحن نطيع أمرك ولا نخالفه إذا استصوبت ذلك. وخرجوا من عنده متحيرين في أمرهم ولا يعلمون كيف يسوسون جهلة الناس وأمور السلطان. فصاروا إلى باب الصغير واجتمع إليهم أهل الشرة وغيرهم وفيهم المعروف بالمارود راس شطار الأحداث وأحاطوا بهم وسألوهم عن حالهم فأعادوا عليهم ما سمعوه من القائد أبي محمود بسبب سد الباب فقال بعضهم: يفتح ولا يجري مثل ما جرى أولًا فنخرب البلد.
[ ١٦ ]
وقال قوم من أصحاب السلاح بالضد فقالت المشايخ: نحن نفتح هذا الباب وإن جرى أمر مكروه عند دخول المغاربة وغيرهم أو ثارت منه فتنة كنتم أنتم أصل ذلك وسببه. ثم انهم فتحوه من وقتهم فلما شاهد المشايخ ذاك حاروا بين الفريقين وقال بعضهم لبعض: ما قال أبو محمود وما قال أهل الشرة وقد فتح الباب بأمركم ولسنا نأمن أمرًا يكون من المغاربة فتكونوا أنتم السبب فيه. ففكروا في الخلاص من لائمة الفريقين واعملوا الراي فيما بينهم وقالوا: الصواب أن نأمرهم بسده. وكان ذلك منهم رأيًا سديدًا وتدبيرًا. وجرى بين رجل من أكابر المغاربة ورجل من أهل الشرة منازعة بسبب صبي أراد المغربي أن يغلب عليه فرفع البلدي سيفه وضرب به المغربي فقتله في سوق البقل فغلظ الأمر واضطرب البلد وغلقت حوانيت الأسواق وثار العسكر بسبب المقتول فعند ذلك وجدت المشايخ الحجة في سد الباب لهذا الحادث وانتهى الخبر إلى القائد أبي محمود ففرق السلاح في أصحابه وثار أهل البلد وتأهبوا للمحاربة وأصبح العسكر منحدرًا يريد باب الصغير وكان عندهم العلم بتفريق السلاح والاستعداد للحرب فتيقظ الناس فاحترزوا إلى حين ارتفع النهار وفتح الناس حوانيتهم وكان المعروف بابن المارود راس الأحداث قد عرف هو وأصحابه ان قصد العسكر باب الصغير لأجلهم وصاح الناس النفير وارتفعت الأصوات وتقدمت الرجالة وانتشروا في سوق الدواب وعبروا الجسر وطرحوا النار في الطاحون قبلي الجسر وانتشروا في الطريق والمقابر يشاهدون
[ ١٧ ]
النار في دور عند مسجد الخضر وامتدت الأحداث والرعية في المقابر ووقع النفير في الأسواق وكانوا في غفلة فصاح فيهم صايح: أما يستيقظ من هو غافل أما ينتبه من هو راقد. فغلقت حوانيت الأسواق وأضحى الناس من استشعار البلاء على ساق ونزل القايد أبو محمود في محراب المصلى كانت رجالته منتشرةً في المقابر فاجتمعت مشايخ البلد إلى القائد أبي محمود من باب الجابية والمحاربة على باب الصغير وكان فيهم الشريف أبو القاسم أحمد بن أبي هشام العقيقي العلوي فقال له: الله الله أيها القائد في الحرم والأطفال وأتقياء الرجال. ولم يزل يخضع له ويلطف به إلى أن أمسك بعد سؤال متردد وعاد منكفئًا بعسكره إلى مخيمه بالدكة في يوم الأربعاء لست مضين من ذي الحجة سنة ٣٦٣ وكف عن القتال. ودخل صاحب النظر إلى البلد وانتشر الفساد في سائر الضياع والجهات وطرحت النار في الأماكن والحارات وثارت الفتنة واشتدت النار وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين ولم تزل الحرب متصلةً مدة صفر وربيع الأول وبعض ربيع الآخر وتقررت المصالحة والموادعة إلى أن ولي جيش بن
الصمصامة البلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ذكره في سنة ٣٦٣. وصرف القائد ظالم بن موهوب العقيلي عن ولايتهبلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ذكره في سنة ٣٦٣. وصرف القائد ظالم بن موهوب العقيلي عن ولايته
[ ١٨ ]