فيها جمع الأمير سكمان بن أرتق خلقًا كثيرًا من التركمان وزحف بهم إلى افرنج الرها وسروج في شهر ربيع الأول وتسلم سروج واجتمع إليه خلق كثير وحشد الافرنج أيضًا والتقى الفريقان وقد كان المسلمون مشرفين على النصر عليهم والقهر لهم فاتفق هروب جماعة من التركمان فضعفت نفسه وانهزم ووصل الافرنج إلى سروج فتسلموها وقتلوا أهلها وسبوهم إلا من أفلت منهم هزيمًا. وفي هذه السنة توفي القاضي الفقيه الامام أبو إسحق ابرهيم بن محمد بن عقيل بن زيد الشهرزوري الواعظ ﵀ يوم الاثنين السابع من المحرم منها. وفي هذه السنة وصل كندفري صاحب بيت المقدس إلى ثغر عكا وأغار عليه فأصابه سهم فقتله وكان قد عمر يافا وسلمها إلى طنكري فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين القمص صاحب الرها إلى بيت المقدس في خمسمائة
[ ٢٢٤ ]
فارس وراجل فجمع شمس الملوك دقاق عند معرفة خبر عبوره ونهض إليه معه الأمير جناح الدولة صاحب حمص فلقوه بالقرب من ثغر بيروت فسارع نحوه جناح الدولة في عسكره فظفر به وقتل بعض أصحابه. وفيها افتتح الافرنج حيفا على ساحل البحر بالسيف وارسوف بالأمان وأخرجوا أهلها منها. وفي آخر رجب منها فتحوا قيسارية بالسيف وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها وأعانهم الجنويون عليها
وفيها ورد الخبر بقرب السلطان بركيارق من بغداد في عسكره طالبًا للقاء أخيه محمد فأسر وقتل وأخذ وزيره وجماعة من مقدميه وأمر بقتلهم وتوجه من وقته إلى ناحية أصفهان فنزل عليها عند وصوله إليها وتقرر أمرها بحيث ملكها وحصل فيها وهي دار السلطنة واستقام له الأمر بها. وفيها تقدم الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين ببغداد بالقبض على عميد الدولة محمد بن محمد بن جهير وزيره وعلى نوابه وأسبابه ومصادرتهم وقتلهم لأشياء نقمها عليه ومنكرات عزيت إليه.
[ ٢٢٥ ]
وفي شعبان منها أرسل القاضي ابن صليحة المتغلب على ثغر جبلة إلى الأمير ظهير الدين أتابك يلتمس منه انفاذ من يراه من ثقاته ليسلم إليه ثغر جبلة ويصل إلى دمشق بماله وحاله ويسيره إلى بغداد تحت الحوطة والأمان والحماية وجميل الرعاية فأجابه إلى ما اقترحه ووعده بتحقيق أمله وندب لولاية الثغر المذكور ولده الأمير تاج الملوك بوري وكان الملك شمس الملوك دقاق غائبًا عن دمشق في ديار بكر فعاد منها ودخل إلى دمشق في أول شوال من السنة وتقررت الحال على ما التمس ابن صليحة وتوجه تاج الملوك في أصحابه إلى جبلة فتسلها وانفصل ابن صليحة عنها ووصل إلى دمشق بأصحابه وأسبابه وكراعه ودوابه وكل ما تحويه يده من مال وأثاث وحال فأكرم مثواه وأحسن لقياه وأقام ما أقام بدمشق وسير إلى بغداد مع فرقة وافرة من الأجناد بجميع ما يملكه وحصل بها واتفق له من وشى بماله وعظم سعة حاله إلى السلطان ببغداد فنهب واشتمل على ما كان يملك. وأما تاج الملوك فإنه لما ملك ثغر جبلة وتمكن هو وأصحابه فيها أساءوا إلى أهله وقبحوا السيرة فيهم وجروا على غير العادة المرضية من العدل والانصاف فشكوا حالهم فيما نزل بهم إلى القاضي فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن عمار المتغلب على ثغر طرابلس لقربها منهم فوعدهم المعونة على مرادهم واسعادهم بالانفاذ لهم وانهض إليهم عدةً وافرةً من عسكره فدخلت الثغر واجتمعت مع أهله على الأتراك فقهروهم وأخرجوهم منه وملكوه وقبضوا تاج الملوك وحملوه إلى طرابلس فأكرمه فخر الملك وأحسن إليه وسيره إلى دمشق وكتب إلى والده أتابك يعرفه صورة الحال ويعتذر إليه مما جرى. وفيها قبض الملك شمس الملوك دقاق على أمين الدولة أبي محمد بن الصوفي رئيس دمشق وصالحه على جملة من المال يحملها إلى خزانته وأطلقه من الاعتقال وأقره على رئاسته
[ ٢٢٦ ]
وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف مع الأمير سعد الدولة المعروف بالقوامسي ووصل إلى عسقلان لجهاد الافرنج في أول شهر رمضان وأقام بحيث هو إلى ذي الحجة منها ورحل عن عسقلان ونهض إليه من الافرنج ألف فارس وعشرة آلاف راجل والتقى الفريقان فكسرت ميمنة المسلمين وميسرتهم وتبعوهم وبقي سعد الدولة المقدم في نفر يسير من عسكره في القلب فحمل الافرنج عليه وطلب الثبات فعاجله القضاء وكبا به جواده وسقط عنه إلى الأرض فاستشهد مكانه ﵀ ومضى شهيدًا مأجورًا. وعاد المسلمون على الافرنج وتذامروا عليهم وبذلوا النفوس في الكرة إليهم فهزموهم إلى يافا وقتلوا منهم وأسروا وغنموا وكانت العقبى الحسنة لهم ولم يفقد إلا نفر يسير منهم. وفيها انكفا الأمير كربوقا صاحب الموصل والجزيرة عن السلطان بركيارق لمشاهدة أحوال ولايته واستعادة المخالفين إلى طاعته فلما وصل إلى مراغة عرض له مرض الموت واشتد به وتوفي هناك وسار إلى ربه. وفي هذه السنة وصل السلطان بركيارق بن ملك شاه إلى بغداد منهزمًا من أخيه السلطان محمد في أخرها