في هذه السنة قويت شوكة الافرنج في رفنية وبالغوا في تحصينها وتشحنها بالرجال وشرعوا في الفساد والتناهي في العناد فصرف ظهير الدين همه إلى الكشف عن أحوالهم والبحث عن مقاصدهم في أعمالهم وترقب الفرصة فيهم ومعرفة الغرة منهم وتقدم إلى وجوه العسكر ومقدميه بالتأهب والاستعداد لقصد بعض الجهات لاحراز فضيلة الجهاد والنهوض لأمر من المهمات ثم أسرى إليهم مغذًا حتى أدركهم وهم في مجاثمهم غارون وفي أماكنهم لاهون قارون فلم يشعروا إلا والبلاء قد أحاط بهم من جميع جهاتهم فهجمت الأتراك عليهم البلد فملكوه وحصل كل من كان فيه في قبضة الأسر وربقة الذل والقهر فقتل من قتل وأسر من أسر وغنم المسلمون من سوادهم وكراعهم وأثاثهم ما امتلأت به الأيدي وسرت به النفوس وقويت بمثله القلوب وذلك في يوم الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة من السنة وانكفأ المسلمون إلى دمشق ظافرين مسرورين غانمين لم يفقد منهم بشر ولا عدم شخص ومعهم الأسرى ورؤوس القتلى فأطيف بهم في البلد بحيث تضاعف بمشاهدتهم السرور وانشرحت الصدور وقويت من الجند في الجهاد والغزو الظهور.
[ ٣٠٦ ]
ولما شاع ذكر ظهير الدين أتابك في الأعمال العراقية والدركاه السلطانية بما أعطاه الله من شدة البأس في محاربة الافرنج الأرجاس ومنحه من النصر عليهم والنكاية فيهم والذب عن أهل الشام ومراماته دونهم ومحاماته عنهم واحسان السيرة فيهم بحيث دعي له في محافل الرعايا والتجار وشكر بين الرفق من سفار الأقطار فحسده قوم من مقدمي الدركاه السلطانية الغياثية وراموا القدح فيه والطعن عليه طلبًا لافساد حاله واعتمادًا لعكس أماله وحطًا لرتبته بالحضرة السلطانية وتشعيث الآراء الجميلة الغياثية وظهر الأمر بذاك وانتشر وشاع من كل صوب واشتهر وكتب إليه بذلك من يؤثر صلاحه من الأصدقاء ويشفق عليه فأحدث ذاك له استيحاشًا دعاه إلى التأهب والاستعداد لتوجه ركابه إلى الباب الأمامي المستظهري والباب السلطاني الغياثي بمدينة السلام بغداد للمتولي بهما والخدمة لهما والتقرب بالسعي إليهما وإنهاء حاله إليهما وإزالة ما وقع في النفوس كأنه بالقدوم عليهما. وأشير عليه بترك ذلك وإهماله وحذر منه وبعث على إغفاله فلم يصح إلى هذا المقال ولا أعاد على أحد جواب سؤال بل تأهب للمسير وبالغ في الجد فيه والتشمير وأعد ما يصحبه من أنواع التحف المستحسنة من أواني البلور والمصاغ وأجناس الثياب المصرية والخيول السبق العربية مما يصلح أن يتقرب بمثله إلى تلك المناصب العلية وسار في خواصه وأهل ثقته من غلمانه في يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة من السنة
فلما قرب من بغداد وأنهي خبر وصوله تلقاه من خواص الدار العزيزة النبوية المستظهرية والدركاه السلطانية الغياثية ووجوه الدولة وأعيان الرعية من بالغ في إكرامه وتناهى في احترامه وقوبل من ذاك وما زاد في مسرة أوليائه وألفت في أعضاد حساده وأعدائه وأوضح حاله فيما قصد لأجله فما سمع إلا ما عاد ببسط عذره وإحماد فعله وإطراء أمره وتطييب نفسه وإبعاد
[ ٣٠٧ ]
استيحاشه وتأكيد أنسه. وحين عزم على الانكفاء إلى دمشق وأذن له في ذلك شرف بالخلع السنية والكرامات الهنية وكتب له المنشور العالي السلطاني الغياثي بولاية الشام حربًا وخراجًا واطلاق يده في ارتفاعه على ايثاره واختياره بانشاء الطغرائي أبي إسمعيل الأصفهاني وهو إذ ذاك فريد زمانه في الكتابة والبلاغة ووحيد عصره في الآداب والبراعة وقد أثبت نسخته في هذا المكان ليعرف الواقف عليه فضل منشئه وعلو مرتبة من كتب له وأحسن وصفه فيه وهو: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا منشور أمر بانشائه السلطان المعظم غياث الدنيا والدين أطال الله بقاءه وأعز أولياءه ونصر لواءه للأمير الاصفهسلار الأجل الكبير ظهير الدين أتابك أدام الله تأييده لما بان تمسكه من الطاعة بأحكم علائقها واعتصامه من الخدمة بأوكد وثائقها وانتهاجه من المشايعة أقوم مسالكها واعتماده أفضل طرائقها وأجلت التجارب منه عين الناصح الأريب والمهذب اللبيب المتدرج في مراقي الرتب السنية بالمساعي الرضية والمحرز أحاظي القرب الخطيرة بالآثار الشهيرة المشهورة موافقة في قود الجماهير العظام والذب عن حوزة الاسلام والتجرد لمظافرة الأولياء ومقارعة الأعداء والاستقلال بمضلعات الأعباء الجامع إلى خصائص هذه الأسباب والالمام بخدمة الأبواب والتحقق بزمر الحشم والأصحاب المستقل بنصحه المنخول بولائه المقبول ووسائله المشفوعة توالدها بالطوارف وشوافعه المنصورة سوالفها بالأوانف أن يزاد في الانافة بقدره والاشادة بذكره ويستخلص
[ ٣٠٨ ]
تخلية صدره بتفخيم أمره وتجدد الصنيعة عنده بما يكون لواجب حقوقه قضاءً ولمصالح مساعيه كفاءً ولمحله المرموق لائقًا ولموضعه من الدولة مضاهيًا مطابقًا فرأيناه أحق من أفيضت عليه ملابس الانعام وحبي من الكرامة بأوفر الأقسام ورفع من مراتب الاجتباء والاختصاص إلى الذروة والسنام ورشح لكفاية المهام وتدبير الأمور الجسام وأوطئ عقبة الكماة الأنجاد ورد إلى ايالته الأمصار والأجناد رسمنا أن نجدد له هذا المنشور بإمارة الشام ونقرر عليه جميع ما دلت عليه المناشير المنشأة المتضمنة لأسامي البلاد الموجبة له صارة رسمه معما يجري معها ويضاف إليها من النواحي والضياع والحصون والقلاع حسبن ما أورد ذكره مفصلًا في هذا المثال وجعلناها نعمةً مصونةً من الارتجاع وطعمةً محميةً من الانتزاع قلدناه في عامة تلك البقاع أعمال الحرب والمعاون والأحداث والأخرجة والأعشار وسائر وجوه الجبايات والعروض والاعطاء والنفقة في الأولياء والمظالم والأحكام وسائر المستظهر عليه بنظر الولاة الكفاة والنصحاء الثقاة رعايةً لحقوقه اللازمة ومحافظةً على أذمته المتقادمة وثقةً منه باستدامة النعمة وارتباطها بالتوفر على شرائط الخدمة واستدعاء مزيد الاحسان واستيفاء عوائد الاصطناع بدوام النصح وفضل الاستقلال والاضطلاع والله تعالى يجرينا على أحسن عوائده بإصابة شاكلة الصواب في اختيار الأولياء ويلهمنا المرشد في مرامي الأفكار ومواقع الآراء. ولا يخلينا في اصطفاء من يصطفيه واجتباء من يجتبيه من مساوقة التوفيق لما نرتاده ونرتنيه أمرناه بتقوى الله وطاعته واستشعار خيفته ومراقبته والالتجاء منها إلى الحصن الأمنع والظل الأمتع والاستظهار منها بالذخر الأتقى
[ ٣٠٩ ]
والحرز الأوقى والاحتراس من هواجس الهواء باعتلاق عروتها الوثقى وادراع شعارها الأتقى، قال الله تعالى: " يا أَيُّها الذينَ آمنوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكمْ فُرقانًا وَيُكَفِّر عَنكُمْ سَيَآتِكُمْ وَيَغفِرْ لَكمْ وَأللهُ ذو الفضلِ العظيم ". وأمرناه أن يسير فيمن قبله من الأولياء والحشم أجمل سيرة ويحملهم بحسن السياسة على أفضل وثيرة ويسلكهم مسلكًا وسطًا بين اللين والخشونة والسهول والوعورة ويشعر قلوبهم من الهيبة ما يقبض المتبسط ويردع المتسلط ويرد غرب الجامح ويقيم صعر الجانح ويخص منهم ذوي الرأي والحنكة والثبات والمسكة بالمشاورة
والمباحثة ويستخلص نخائل صدورهم عند طروق الحوادث بالمفاوضة والمنافثة ويستعين بثمار ألبابهم ونتائج أفكارهم على دفاع الملم وكفاية المهم ويتناول سفهاءهم وذوي العيث والفساد منهم بالتقويم والتهذيب والتعريك والتأديب ويردهم عن غلوائهم بالقول ما كفى وأحرز النصح ما أجدى وأغنى ومن زاده الأناة والحلم والاحتمال والكظم تماديًا في العدوان وتتابعًا في الطغيان عركه عرك الأديم وتجاوز به حد التقويم إلى التحطيم متيقنًا إن إعطاء كل طبقة ممن تشمله رعايته وتكنفه إيالته حقها من قوانين السياسة إرهاقًا لبصيرة القارح المتمسك وكفًا لغرب الحرج المتهالك. قال الله تعالى: " وَإِمَّا تخافنَّ مِنْ قومٍ خِيانَةً فأنْبِذْ إِلَيهِم على سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحبُّ الخائنينَ " وأمرناه أن يوكل بأمر الثغور المتاخمة لأعماله والمصاقبة لبلاده عينًا كالئةً وأذنًا واعيةً وهمةً للصغير والكبير في مصالحها مراعية فيشحنها بذوي البأس والنجدة المذكورين بالبسالة والشدة المعروفين بالصريمة والغناء
[ ٣١٠ ]
والصبر عند اللقاء والبصيرة بمكابدة الأعداء ويستظهر لهم باستنجادة الأسلحة والآلات والاستكثار من المير والأقوات ويناوب بينهم في مقارهم مناوبةً تجم المكدود وتريح المجهود وتدر عليهم الأرزاق عند الوجوب والاستحقاق ليقوم أودهم ويقل لددهم ويحسن طاعتهم وتلين مقادتهم ويكثف عددهم وعدتهم ويشتد على الأعداء شوكتهم ويغيظ الكفاء وربهم وشازبهم. قال الله تعالى: " وأَعدُّوا لهم ما استطعتم من قوَّةٍ ومِنْ رباطِ الخيلِ تُرْهبونَ بِه عَدُوَّ اللهِ وعدُوَّكمْ " وأمرنا أن يأخذ نفسه وأصحابه بالثبات والصبر عند قراع السيوف بالسيوف وذلوق الزحوف بالحروف ويرخصوا أنفسهم في ابتغاء مرضاه والذب عن حوزة الدين والمحاماة عن بيضة الاسلام والمسلمين ويحتاط مع ذلك لنفسه وأصحابه ولا يقدم بهم على غرر ولا يفسح لهم في ركوب خطر إلا بعد الأخذ بالحزم واستعمال الرفق في الحذر ويكون أقدامهم على بصيرة تامة لا تقتحم معها غرة ولا تضاع فرصة ولا يحجمون إذا أحمر الناس واشتد المراس عن تورد المعركة ولا يلقون بأنفسهم إذا حمي الوطيس والتقى الخميس بالخميس إلى التهلكة. قال الله جل وعلا: " وجاهِدوا في اللهِ حقَّ جِهادِهِ " وأمرناه أن يصل جناح ضمانه بالوفاء ويشد أركان عهده بالثبات ويصون ذمته عما يحفزها ويشفق عليها مما يحيلها ويغيرها ويذهب مع دواعي الصدق ويصير على تكاليف الحق ولا يروع لهم سربًا أمنه ولا ينقض شرطًا ضمنه ولا ينكث عهدًا أبرمه ولا يخلف وعدًا أقدمه ولا يتجافى عمن يلوذ بعقوته ولا يأبى قبول السلم ممن اتقى بصفحته. قال
[ ٣١١ ]
الله تعالى: " وأَوفوا بالعهدِ إِنَّ العهدِ كانَ مسؤولًا ". وقال جل من قائل: " وَإِنْ جَنحوا المسَّلْمِ فاجنحْ لها " وأمرناه أن يعم رعاياة القارة والمارة بالأمن العائد عليهم بسكون الجأش وسعة المعاش ويحوطهم في متوجهاتهم ومتصرفاتهم حياطةً تكنفهم من جميع جهاتهم ويحمي نفوسهم وذراريهم وأموالهم ومعائشهم حمايةً ترد كيد الظالم وتقبض يد الغارم وتخرج ذوي الريب من مظانهم وتحول بينهم وبين عدوانهم وتجري حكم الله فيهم وتقيم حده على من سفك فيهم دماء وانتهك محرمًا أو أظهر شقاقًا وعنادًا أو سعى في الأرض فساد. قال الله تعالى: " إِنَّما جَزَاءُ الَّذينَ يُحارِبونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعُونَ في الأَرضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلوا أَو يُصْلَبُوا أَو يُقطَّعَ أَيديهمْ وأَرجُلُهمْ مِنْ خِلاَفٍ أَو يُنفَوْا مِنَ الأَرضِ ذلكَ لهمْ جِزْيٌ في الدُّنيا ولهم في الآخرةِ عَذَابٌ عظيمٌ " وأمرنا أن ينظر في أموال الرعايا أتم نظر وأوفاه ويسئل عن ظلاماتهم أبلغ سؤال وأحفاه ويستن بالسنة العادلة فيهم ويمنع أقوياهم عن تهضم مستضعفيهم ويحمل من تحت يده على التعادل والتناصف ويصدهم عن التعاصب والتظالم ويقر الحقوق مقارها عند وضوح الحجة وارتفاع الشبهة ويختار لهم من العمال والولاة أسدهم طرائق وأقومهم مذاهب وأحمدهم خلائق ويأمر كلًا منهم أن لا يغير عليهم رسمًا ولا ينوي لهم حقًا ولا يسومهم في معاملاتهم خسفًا ولا يحدث عليهم من يدع الجور رسمًا
[ ٣١٢ ]
ولا يرتكب منهم ظلمًا ولا يأخذ منهم برًا باثيم ولا برءًا بسقيم ويقنع منهم في اخرجاتهم ومقاساتهم وقسوطهم ومقاطعاتهم بالجقوق المستمرة ويحملهم في العدل على الفوائد
المستقرة ويستقرئ آثار الولاة قبله فما طاب منها وحسن اقتفاؤه اقتفره وما ذم منها واستنكره أماطه وغيره. ويعتقد إنه مسؤول عما اكتسب واجترح ومحاسب على ما أفسد وأصلح. قال الله تعالى: " وأَنْ ليسَ للإِنسانِ إِلاَّ ما سَعَى وأَنْ سَعيهُ سَوفَ يُرَى ثُمَّ يُجزاهُ الجزاءَ الأَوْفَى " فليتلقى هذه النعمة الكبيرة والعارفة الخطيرة بإعظام قدرها والقيام بواجب شكرها وليتحقق إنها قاطنة بفنائه ما أحسن جوارها بخالصة نصحه وولائه وباقية عليه على عقبه ما عملوا بأحكام هذا العهد وغنوا بتأكيد أسبابه وأعلنوا بشعار الدولة واستمروا على السنة المألوفة في إقامة الخطبة والسكة ويمسكوا بولاء الدولة العباسية التي هي سنة متبعة وما عداها ضلالة مبتدعة وجاهدوا في الله حق جهاده وأحسنوا السيرة في عباده وبلاده والله تعالى يمدنا وإياه في هذا الرأي الذي رأيناه ويزلف من رضاه يحمد فاتحته وعقباه إن شاء الله تعالى وكتب في المحرم سنة ٥١٠قرة ويستقرئ آثار الولاة قبله فما طاب منها وحسن اقتفاؤه اقتفره وما ذم منها واستنكره أماطه وغيره. ويعتقد إنه مسؤول عما اكتسب واجترح ومحاسب على ما أفسد وأصلح. قال الله تعالى: " وأَنْ ليسَ للإِنسانِ إِلاَّ ما سَعَى وأَنْ سَعيهُ سَوفَ يُرَى ثُمَّ يُجزاهُ الجزاءَ الأَوْفَى " فليتلقى هذه النعمة الكبيرة والعارفة الخطيرة بإعظام قدرها والقيام بواجب شكرها وليتحقق إنها قاطنة بفنائه ما أحسن جوارها بخالصة نصحه وولائه وباقية عليه على عقبه ما عملوا بأحكام هذا العهد وغنوا بتأكيد أسبابه وأعلنوا بشعار الدولة واستمروا على السنة المألوفة في إقامة الخطبة والسكة ويمسكوا بولاء الدولة العباسية التي هي سنة متبعة وما عداها ضلالة مبتدعة وجاهدوا في الله حق جهاده وأحسنوا السيرة في عباده وبلاده والله تعالى يمدنا وإياه في هذا الرأي الذي رأيناه ويزلف من رضاه يحمد فاتحته وعقباه إن شاء الله تعالى وكتب في المحرم سنة ٥١٠ وتوجه منكفئًا إلى دمشق على أجمل صفة وأحسن قضية في سلامة النفس والجملة وتزايد العز والحرمة ودخلها في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة ٥١٠
[ ٣١٣ ]