في مستهل شهر ربيع الأول منها اجتمع ستة كواكب في برج الحوت وهي الشمس والقمر والمشتري والزهرة والمريخ وعطارد وذكر أهل صناعة النجوم إنهم لم يعرفوا اجتماع هذه الكواكب في برج في قديم الزمان وحديثه ولا سمعوا ذاك. وفي شعبان منها ورد الخبر بأن الأمير جناح الدولة حسين أتابك الملك فخر الملوك رضوان بحلب استوحش من الملك استيحاشًا خاف معه على نفسه وكان زوج والدته ففصل عن حلب منكرًا لما تم في أمره وكان أمر التدبير إليه والمعتمد في الحل والعقد فيها عليه ووصل إلى حمص في عسكره وخواصه وكان قراجة نائبه فيها فسلمها إليه وحصل بها وشرع في تحصينها والأحكام لجهات قلعتها ونقل أهله إليها وأمن على نفسه
[ ٢١٦ ]
باستقراره بها. ووصل عقيب انفصاله الأمير ياغي سيان من انطاكية إلى حلب وشرع في التدبير والتقرير بها والأمر والنهي في عسكريتها وأهليها وبرز الملك رضوان وياغي سيان من حلب في العسكر إلى ناحية شيزر عازمًا على الاحتشاد والتأهب والاستعداد لمعاودة النزول على دمشق فأقاموا على شيزر تقدير شهر ووقع الخلف بين مقدمي العسكر فتفرقوا وعاد كل منهم إلى مكانه وعاد الملك إلى حلب. وفي هذه السنة ورد على فخر الملوك رضوان كتاب المستعلي بالله صاحب مصر مع رسوله يلتمس منه الدخول في طاعته وإقامة الدعوة لدولته وكذلك كتاب الأفضل يتضمن مثل هذه الحال فأجابهما إلى ما التمساه وأمر بأن يدعى للمستعلي على المنبر وللأفضل بعده ولنفسه بعده وأقامت الخطبة على هذه القضية تقدير أربع جمع وكان الملك رضوان قد بنى الأمر في ذلك على الاجتماع مع العسكر المصري والنزول على دمشق لأخذها من أخيه الملك دقاق فوصل الأمير سكمان بن ارتق وياغي سيان صاحب انطاكية إلى حلب وانكرا على الملك الدخول في هذا الأمر واستبدعاه من فعله وأشارا عليه بابطاله واطراح العمل به فقبل ما أشير إليه وأعاد الخطب إلى ما كانت عليه وفي أول شهر ربيع الأول من السنة وردت الأخبار بخروج العسكر المصري من مصر ونزوله على ثغر صور عند ظهور عصيان واليه المعروف بالكتيلة وخروجه عن الطاعة والايثار للخلف والعدول عن المخالصة في الخدمة والعود للمبايعة ولم يزل العسكر منازلها ومضايقًا عليها إلى أن
[ ٢١٧ ]
افتتحها بالسيف قهرًا وقتل فيها الخلق الكثير ونهب منها المال الجزيل وأخذ الوالي أسيرًا من غير أمان ولا عهد وحمل إلى مصر فقتل بها
وفي هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الافرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرةً وتتابعت الأنباء بذلك فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها. وصحت الأخبار بذاك عند الملك داود بن سليمان بن قتلمش وكان أقرب إليهم دارًا فشرع في الجمع والاحتشاد وإقامة مفروض الجهاد واستدعى من أمكنه من التركمان للاسعاد عليهم والانجاد فوافاه منهم مع عسكر أخيه العدد الكثير وقويت بذاك نفسه واشتدت شوكته فزحف إلى معابرهم ومسالكهم وسبلهم فأوقع بكل من ظفر به منهم بحيث قتل خلقًا كثيرًا وعادوا إليه واستظهروا عليه وكسروا عسكره فقتلوا منهم وأسروا ونهبوا وسبوا وانهزم التركمان بعد أخذ أكثر دوابهم واشترى ملك الروم من السبي خلقًا كثيرًا وحملهم إلى القسطنطينية وتواصلت الأخبار بهذه النوبة المستبشعة في حق الاسلام فعظم القلق وزاد الخوف والفرق وكانت هذه الوقعة لعشر بقين من رجب. وفي النصف من شعبان توجه الأمير ياغي سيان صاحب أنطاكية والأمير سكمان بن أرتق والأمير كربوقا في العسكر إلى أنطاكية وقد وردت الأخبار بقرب الافرنج منها ونزولهم البلانة وخف ياغي سيان إلى أنطاكية وسير ولده إلى دمشق إلى الملك دقاق وإلى جناح الدولة بحمص وإلى سائر البلاد والأطراف بالاستصراخ والاستنجاد والبعث على الخفوف إلى الجهاد وقصد تحصين أنطاكية وإخراج النصارى منها. وفي اليوم الثاني من شوال نزلت عساكر الافرنج على بغراس وأعادوا
[ ٢١٨ ]
على أعمال أنطاكية فعند ذلك عصى من كان في الحصون المعاقل المجاروة لأنطاكية وقتلوا من كان فيها وهرب من هرب منها وفعل أهل ارتاح مثل ذلك واستدعوا المدد من الافرنج. وفي شعبان ظهر الكوكب ذو الذؤابة من الغرب وأقام طلوعه تقدير عشرين يومًا ثم غاب فلم يظهر وكان قد نهض من عسكر الافرنج فريق وافر يناهز ثلاثين ألفًا فعاثوا في الأطراف ووصلوا إلى البارة وفتكوا فيها تقدير خمسين رجلًا وكان عسكر دمشق وصل إلى ناحية شيزر لانجاد ياغي سيان فلما نزلت هذه الفرقة المذكورة على البارة ونهضوا نحوهم وتطاردوا وقتل منهم جماعة وعاد الافرنج إلى الروج وتوجهوا إلى أنطاكية. وغلا سعر الزيت والملح وغير ذلك وعدم في أنطاكية وتواصل ذلك إليها سرقةً فرخص فيها وجعل الافرنج بينهم وبين أنطاكية خندقًا لكثرة الغارات عليهم من عسكر أنطاكية وقد كان الافرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه ففتحوا نيقية وهي أول مكان فتحوه فلم يفوا له بذلك ولا سلموها إليه على الشرط وافتتحوا في طريقهم بعد الثغور والدروب. وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية حلب بفساد حال رئيسها المعروف بالمجن لما كان عليه من التمكن والغلبة على الأمر وارتكاب
[ ٢١٩ ]
الظلم بحيث قبض عليه ونهبت داره وقتل مع من قتل من أولاده واستؤصلت شأفته وذلك مجازاة الساعي في قتل النفوس وسفك الدماء وما هي من الظالمين ببعيد وذلك في ذي القعدة. وفي هذه السنة استوزر الملك رضوان أبا الفضل بن الموصول ولقب مشيد الدين بحلب