لما فرغ الافرنج من طرابلس بعد افتتاحها وتدبير أعمالها وتقرير أحوالها نهضوا إلى وفنية وعرف ظهير الدين ذاك من قصدهم فنهض في العسكر نحوها لحمايتها وخيم بازائهم بحمص فلم يتمكن الافرنج من منازلتها ومضايقتها وترددت بينه وبينهم مراسلات ومخاطبات أفضت إلى أن أجاب كل واحد من الفريقين إلى تقرير الموادعة على الأعمال والمسالمة واستقر الأمر في ذلك على أن يكون للافرنج الثلاث من استغلال البقاع ويسلم إليهم حصن المنيطرة وحصن ابن عكار ويكفوا عن العيث والفساد في الأعمال والأطراف وأن يكون حصن مصياث وحصن الطوفان وحصن الأكراد داخلًا في شرط الموادعة ويحمل أهلها عنها
[ ٢٦٤ ]
مالًا معينًا في كل سنة إلى الافرنج فأقاموا على ذلك مدةً يسيرةً فلم يلبثوا على ما تقرر وعادوا إلى رسمهم في الفساد والعناد وفيها توفي الشريف القاضي المكين فخر الملك أبو الفضل اسمعيل بن ابرهيم بن العباس الحسيني ليلة الخميس الخامس والعشرين من صفر منها بدمشق ﵀
وفي جمادى الأولى من هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوصول السلطان ركن الدنيا والدين محمد بن ملك شاه إلى بغداد وانفاذ كتبه إلى سائر البلاد معلمًا فيها بما هو عليه من قوة العزم على قصد الجهاد والأمر لظهير الدين أتابك بالمقام بحيث هو إلى حين ترد العساكر إلى الشام وينضاف إليها ويدبر أمرها لأنه كان تابع كتبه بالاستصراخ والاستنجاد على الكفرة الأضداد فعرضت عوائق عن ذاك عاقت وموانع عن المراد صدت وطالت مدة الانتظار وتزايد طمع الكفار بتأخر العساكر السلطانية فحملت ظهير الدين أتابك الحمية الاسلامية والعزيمة التركية على التأهب للمسير بنفسه إلى بغداد لخدمة الدار العزيزة النبوية المستظهرية والمواقف السلطانية الغياثية والمثول بها والشكوى لما نزل بالمسلمين في الأعمال إليها من تملك البلاد وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال وحديثهم بينهم بالطمع في الامتداد إلى تملك الأعمال الجزرية والعراقية. وتأهب للمسير واستصحب معه فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس وخواص أصحابه وما أمكنه من الخيول العربية السبق وطرف مصر من أجناس اللباس وما يصلح لتلك الجهات من التحف والهدايا من كل فن له قيمة وافرة وتوجه في البرية على طريق السماوة فاستناب في دمشق ولده تاج الملوك بوري ووصاه بما يجب عمله من استعمال اليقظة في الذب والحماية واحسان السيرة في الرعية والمغالطة للافرنج والثبات على الموادعة المستقرة معهم إلى حين العود.
[ ٢٦٥ ]
فلما سار وحصل في الوادي المعروف بوادي المياه من البرية وافى الخبر بما شاع من المرجفين ببغداد من الحديث بتقليد السلطان بلاد الشام لامراء عين عليهم ووقعت الاشارة في ذلك إليهم فأحدث هذا الخبر وحشةً أوجبت عوده من طريقه واعتمد على فخر الملك بن عمار ومن عول عليه من ثقاته في الاتمام إلى بغداد بما صحبه من التحف والهدايا والمناب عنه في انهاء ما دعاه إلى العود من طريقه. فوص فخر الملك إلى بغداد بما صحبه فصادف من الابتهاج بمقدمه والتأسف على عود أتابك ولم يصل ويشاهد ما زاد على الأمل وظهور بطلان تلك الأراجيف بالمحال الذي لا حقيقة له وتواصلت الأجوبة عن ذلك بما سر النفوس وشرح الصدور والاعتذار من إشاعة المحال وأكاذيب الأخبار. وقد كان ظهير الدين أتابك في عوده من وادي المياه قد اتصل به أن كمشتكين الخادم التاجي الوالي ببعلبك قد أرسل الافرنج بالتماس المصافاة منهم وبعثهم على شن الغارات على الأطراف وأنه قد سير أخاه بايتكين الخادم التاجي إلى السلطان للتوصل بالمحال إلى افساد الحال فحين سمع ظهير الدين هذا الخبر ونفوذه ندب جماعةً من العسكر وقرر معهم المصير إلى المسالك والطرقات التي لا بد من عبوره فيها لمسلكه وحمله إليه فلم يقف لبايتكين المذكور على خبر. وسار ظهير الدين في العسكر من طريقه وكتب إلى ولده تاج الملوك يأمره بالخروج في العسكر إلى بعلبك والنزول عليها فسارع إلى امتثال أمره وسار إليها ونزل عليها على غفلة من أهلها غرة ممن بها ثم أرسل الخادم المذكور يلتمس منه الدخول في الطاعة وتسليم الموضع إليه ويحذره من الاستمرار على المخالفة والعصيان ويخوفه الاقامة على ما يفضي إلى سفك الدماء وبالغ في الأعذار له والانذار فلم يجب إلى المراد والايثار وأصر على الخلف والانكار. ووافى عقيب ذلك ظهير الدين في العسكر ومن جمعه من الرجالة وزحف إلى بعلبك مقابلًا لها
[ ٢٦٦ ]
ونصب عليها المنجيق وشرع في عمل آلة الحرب والنقوب لقصد الأماكن المستضعفة منها لانتهاز الفرصة فيها وترامى إليه من أحداث أهلها وأجنادها جماعة أحسن إليهم وخلع عليهم وزحف إلى سورها وقاتل من عليه فقتل جماعةً منهم فحين شاهدوا الجد في القتال والصبر على النزال جنحوا إلى الدخول في الطاعة والتمس الخادم الاقالة وبذل تسليم البلد والحصن على شرط اشترطه واقطاع عينه وطلب بعض المقدمين للحديث معه والتوفق لنفسه فنفذ إليه الأمير بلتاش لمحله من الدولة فتقررت الحال على ما اقترحه وسلم البلد والحصن الذي هو غاية في المنعة والحصانة ومن العجائب والقلاع المشهورة وخرج إليه وجرى على عادته الجميلة في الصفح عمن أساء إليه وأظهر العصيان عليه وعوضه عن بعلبك حصن صرخد وهو مشهور بالحصانة والمنعة أيضًا وعاد إليه ما كان قبض عنه من ملك واقطاع وعاد إلى دمشق. وسلم ظهير الدين أتابك بعلبك إلى
ولده تاج الملوك بوري فرتب فيها من ثقات أصحابه من اعتمد عليه في حفظها وقرر أحوالها وكانت مدة المقام في منازلتها خمسة وثلاثين يومًا وتسلمت في اليوم الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة ٥٠٣ وأمر ظهير الدين بإزالة حوادث الظلم عن أهل بعلبك وتسويغ بعض خراج أهلها وأعاد عليهم املاكًا كانت قد اغتصبت في قديم الزمان وكثر له الدعاء وتواصل عليه الثناء وعاد منكفيًا إلى دمشق. وورد عليه الخبر بعود السلطان من بغداد إلى أصفهان في شوال من السنةه تاج الملوك بوري فرتب فيها من ثقات أصحابه من اعتمد عليه في حفظها وقرر أحوالها وكانت مدة المقام في منازلتها خمسة وثلاثين يومًا وتسلمت في اليوم الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة ٥٠٣ وأمر ظهير الدين بإزالة حوادث الظلم عن أهل بعلبك وتسويغ بعض خراج أهلها وأعاد عليهم املاكًا كانت قد اغتصبت في قديم الزمان وكثر له الدعاء وتواصل
[ ٢٦٧ ]
عليه الثناء وعاد منكفيًا إلى دمشق. وورد عليه الخبر بعود السلطان من بغداد إلى أصفهان في شوال من السنة وورد الخبر بوفاة الأمير ابرهيم ينال صاحب آمد وكان قبيح السيرة فيها مذكورًا بالظلم في أهلها وكان جماعة من أهلها قد خلوا عنها لأجله المستمر عليهم واساءته إليهم فسرت النفوس بفقده وأمل من بعده الصلاح وقام مقامه ولده فكان أصلح منه سريرةً وأحسن طريقةً وفي هذه السنة خرج طنكري من أنطاكية في حشده ولفيفه المخذول إلى الثغور الشامية فملك طرسوس وما والاها وأخرج صاحب ملك الروم منها وعاد إلى أنطاكية ثم خرج إلى شيزر وقرر عليها عشرة آلاف دينار مقاطعةً تحمل إليه بعد أن عاث في عملها ونزل على حصن الأكراد فتسلمه من أهله وتوجه إلى عرقة وكان الملك بغدوين وابن صنجيل قد نزلا على ثغر بيروت برًا وبحرًا فعاد طنكري إلى أنطاكية وسار جوسلين صاحب تل باشر إلى ثغر بيروت لمعاونة النازلين عليه من الافرنج ويستنجد بهم على عسكر الأمير مودود النازلين على الرها. وشرع الافرنج في عمل البرج ونصبه على سور بيروت فحين نجز وزحفوا به كسر بحجارة المناجيق وأفسد فشرعوا في عمل غيره وعمل ابن صنجيل برجًا آخر ووصل في الوقت من اصطول مصر في البحر تسعة عشر مركبًا حربية فظهروا على مراكب الافرنج وملكوا بعضها ودخلوا بالميرة إلى بيروت فقويت بها نفوس من فيها من الرعية. وأنفذ الملك بغدوين إلى السويدية يستنجد بمن فيها من الجنوية في مراكبهم فوصل منها إلى بيروت أربعون مركبًا مشحنةً بالمقاتلة فزحف الافرنج في البر والبحر إليها بأسرهم في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال ونصبوا
[ ٢٦٨ ]
على السور برجين اشتدوا في القتال فقتل مقدم الاصطول المصري وخلق كثير من المسلمين ولم ير الافرنج من ما تقدم وتأخر أشد من حرب هذا. وانخذل الناس في البلد وأيقنوا بالهلاك فهجم الافرنج على البلد آخر نهار هذا اليوم فملكوه بالسيف قهرًا وغلبةً وهرب الوالي الذي كان فيه في جماعة من أصحابه وحمل إلى الافرنج فقتل ومن كان معه وغنموا ما كان استصحبه من المال ونهب البلد وسبي من كان فيه وأسر واستصفين أموالهم وذخائرهم. ووصل عقيب ذلك من مصر ثلاثمائة فارس نجدةً لبيروت فحين حصلوا بالاردن خرجت عليهم فرقة من الافرنج يسيرة العدد فانهزموا منهم إلى الجبال فهلك منهم جماعة. فلما تقرر أمر بيروت رحل الملك بغدوين في الافرنج ونزل على ثغر صيدا وراسل أهله يلتمس منهم تسليمه فاستمهلوه مدة عينوها فأجابهم إلى المهلة بعد أن قرر عليهم ستة آلاف دينار تحمل إليه مقاطعةً وكانت قبل ذلك ألفي دينار ورحل عنها إلى بيت المقدس للحج وفي هذه السنة وردت الأخبار بظهور الكرج على بلاد كنجة وما قاربها وأكثروا العيث والفساد في نواحيها وانتهى الخبر بذلك إلى السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن ملك شاه فانهض اليوم عسكرًا وافر العدد فأوقع بهم وشردهم وعن الفساد والعيث أبعدهم بالفتك فيهم وطردهم ودوخ بلادهم وأخرب أعمالهم فأمن أهل بلاد كنجة من شرهم وقامت الهيبة باهلاكهم وعاد العسكر السلطاني ظافرًا غانمًا
[ ٢٦٩ ]
وفي هذه السنة وردت الأخبار بظهور قوم كافر نزل على من صادفوه في الأعمال ووصلوا إلى جيحون فأفسدوا تلك الأعمال وأعاثوا فيها واتصل الخبر بالسلطان المعظم أبي الحرث سنجر بن ملك شاه سلطان خراسان فانهض إليهم أميرًا كبيرًا من مقدمي عساكر خراسان في عدد دثر من الأتراك فظفر بهم وكسرهم وقتل منهم خلقًا كثيرًا عائدين خاسرين مفلولين وفي ثامن من ذي القعدة من السنة ظهر في السماء كوكب من الشرق له ذؤابة ممتدة إلى القبلة وأقام إلى آخر ذي الحجة ثم غاب. وفيها كاتب السلطان غياث الدنيا والدين الأمير سكمان القطبي صاحب أرمينية وميافارقين وشرف الدين مودود صاحب الموصل يأمرهما بالمسير في العساكر إلى جهاد الافرنج وحماية بلاد الموصل فجمعا واحتشدا ونهضا ونزلا بجزيرة بني نمير إلى أن تكامل وصول ولاة الأطراف إليهما وخلق كثير من المتطوعة ووصل إليهما أيضًا الأمير نجم الدين ايل غازي بن ارتق في خلق كثير من التركمان واجتمع المسلمون في عدد لا يقوم بلقائه جميع الافرنج. واتفقت الآراء على افتتاح الجهاد بقصد الرها ومضايقتها إلى أن يسهل الله افتتاحها بحكم حصانتها ومنعتها. فرحلوا بأسرهم ونزلوا عليها في العشر الثاني من شوال وأحاطوا بها من جهاتها كالنطاق ومنعوا الداخل والخارج بالمسير إليها وكان القوت بها قليلًا فأشرف من بها على الهلاك وغلا بها السعر وطالت مدة الحصر لها والتضييق عليها. وحين عرف الافرنج صورة هذه الحال شرعوا في الجمع والاحتشاد والتأهب للذب عنها والاستعداد واتفقت الكلمة بينهم على
[ ٢٧٠ ]
هذه الحال واجتمع طنكري صاحب انطاكية وابن صنجيل صاحب طرابلس والملك بغدوين مقدمو ولاة الأعمال. من الافرنج وتعاهدوا وتعاقدوا على الثبات في الحرب والمصابرة واللباث، فلما استقرت الأحوال بينهم على البينة رحلوا بأسرهم إلى ناحية الرها. واتصلت الأخبار بظهير الدين أتابك وعرف صورة الحال فيما تقرر بينهم فسار من دمشق في العسكر وخيم على سلمية وعرف إن الافرنج قد قصدوا في طريقهم رفنية وفيها الأمير شمس الخواص واليها وإنهم لما نزلوا عليها ظهر إليهم في خيله وقتل منهم جماعة ووصل إلى المخيم بسلمية واجتمع إليه خلق كثير من الشام ووصل الخبر بحصول الافرنج على الفرات عازمين على قطعه قصد الرها فرحل أتابك في الحال وتوجه إلى ناحية الرقة وقلعة جعبر وقطع الفرات وتلوم هناك إلى أن عرف خبر الافرنج وإنهم قد أحجموا عن العبور لتفرق سرايا العساكر الاسلامية وطلائعهم في سائر الجهات والمسالك إلى الفرات ولما عرف المسلمون قرب الافرنج منهم اتفقت الآراء فيما بينهم على الافراج لهم ليتمكنوا من لقائهم في الفضاء من شرقي الفرات ورحلوا عن الرها في آخر ذي الحجة منها ونزلوا أرض حران على سبيل الخديعة والمكر وكانت حران قد حصلت للأمير مودود وسلمها إلى نجم الدين ايل غازي بن ارتق. وتوفق المسلمون عن لقاء الافرنج إلى أن يقربوا منهم ويصل إليهم عسكر دمشق وفطن الافرنج لهذا التدبير والاتفاق عليه فخافوا واستشعروا الهلاك والخذلان وأجفلوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطئ الفرات وبلغ المسلمين خبرهم فنهضوا في أثرهم وأدركهم سرعات الخيل وقد قطع الفرات بعضهم من مقدميهم فغنم المسلمون سوادهم وأثقالهم وأتوا على العدد الدثر من أتباعهم قتلًا وأسرًا وتغريقًا في الفرات وامتلأت الأيدي من الغنائم
[ ٢٧١ ]
والأسلاب والسبي والدواب. ولم يتمكن المسلمون من قطع الفرات للحاق بهم بحكم اشتغالهم بأمر الرها والعود إليها وكانوا قد أخرجوا منها كل ضعيف الحال ورتبوا جماعةً من الأرمن لحفظها وحملوا إليها ما صحب العسكر الواصل من الأقوات تقويةً لها وخرج بغدوين الرويس صاحبها عنها وتوجه صحبة الافرنج المنهزمين. وأقام عسكر الاسلام على الفرات أيامًا نازلًا بإزائهم ورحل طالبًا للعود إلى منازلة الرها وعرف ظهير الدين أتابك خبر عودهم على تلك الصفة فعاد منكفيًا إلى عمله لحمايته منهم بعد أن نفد شطرًا وافرًا من معسكره إلى النازلين على الرها لمعونتهم ووصل إلى دمشق وأقام من كان أنهضه من عسكره إلى الرها إلى أن خلت البلاد منها وأذن لهم في العود إلى أماكنهم بعد اكرامهم والاحسان إليهم
وترددت بين أتابك ظهير الدين وبين الأمير شرف الدين مودود مراسلات أفضت إلى استحكام المودة بينهما واتفاق الكلمة وتأكيد أسباب الألفة فطال مقام عسكر الاسلام على الرها لامتناعها وحصانتها وقل تواصل الميرة إلى المخيم وعدم وجودها فدعتهم الحاجة إلى العود عنها فتفرقوا بعد أن رتبوا من يقيم على حران لحصر الرها. وحدث لنجم الدين ايل غازي ابن ارتق استيحاش من سكمان القطبي لأمر تجدد بينهما فأجفل من حران إلى ماردين فقبض سكمان على ابن أخيه بلك وحمله معه إلى بلده مقيدًا. وبعد تفرق العساكر اسلامية عن الرها عاد إليها بغدوين الرويس صاحبها وحصل بها والغارات متواصلة على أطرافها. وقد كان الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب لما عرف هزيمة الافرنج خرج إلى أعمال حلب
[ ٢٧٢ ]
واستعاد ما كان غلب الافرنج عليه منها وغار على عمل انطاكية وغنم منه غنيمةً وافرة ولما عرف خبر عودهم عاد إلى حلب. ووصل الافرنج عقيب ذلك فأفسدوا في عمل حلب وقتلوا وأسروا خلقًا كثيرًا وعاد طنكري ونزل على الأثارب وملكها بعد طول حصرها والمضايقة لها وذلك في جمادى الآخرة من السنة وأمن أهلها وخرج منها من أراد الخروج وأقام من أثر المقام واستقرت الموادع بعد ذلك بين الملك فخر الملوك رضوان وبين طنكري على أن يحمل إليه الملك من مال حلب في كل سنة عشرين ألف دينار مقاطعةً وعشرة أرؤس خيلًا وفكاك الأسرى واستقرت على هذه القضية وفيها وصل الملك بغدوين صاحب بيت المقدس إلى ناحية بعلبك وعزم على العيث والافساد في ناحية البقاع وترددت المراسلة بينه وبين ظهير الدين أتابك في هذا المعنى إلى أن تقررت الموادعة بينهما على أن يكون الثلاث من استغلالات البقاع للافرنج والثلاثان للمسلمين والفلاحين وكتب بيهما المواصفة بهذا الشرح في صفر من السنة ورحل عائدًا إلى عمله وقد فاز بما حصل في يده وأيدي عسكره من غنائم بعلبك والبقاع ووردت الأخبار فيها بوصول بعض ملوك الافرنج في البحر ومعه نيف وستون مركبًا مشحونة بالرجال لقصد الحج والغزو في بلاد الاسلام فقصد بيت المقدس وتوجه إليه بغدوين واجتمع معه وتقرر بينهما قصد البلاد الاسلامية. فلما عادا من بيت المقدس نزلا على ثغر صيدا في ثالث شهر ربيع الآخر سنة ٥٠٤ وضايقوه برًا وبحرًا. وكان الاسطول المصري مقيمًا على ثغر صور ولم يتمكن من انجاد صيدا فعملوا البرج وزحفوا به إليها وهو ملبس بحطب الكرم والبسط وجلود البقر الطرية ليمنع من الحجارة والنفط وكانوا إذا أحكموه على هذه الصورة نقلوه على بكر تركب تحته
[ ٢٧٣ ]
في عدة أيام متفرقة فإذا كان يوم الحرب وقرب من السور زحفوا به وفيه الماء والخل لطفي النار وآلة الحرب فلما عاين من بصيدا هذا الأمر ضعفت نفوسهم وأشفقوا من مثل نوبة بيروت فأخرج إليها قاضيها وجماعة من شيوخها وطلبوا من بعدوين الأمان فأجابهم إلى ذلك وأمنهم العسكرية معهم على النفوس والأموال واطلاق من أرد الخروج منها إلى دمشق واستحلفوه على ذلك وتوثقوا منه وخرج الوالي والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من أهل البلد وتوجهوا إلى دمشق لعشر بقين من جمادى سنة ٥٠٤ وكانت مدة الحصار سبعةً وأربعين يومًا. ورتب بغدوين الأحوال بها والحافظين لها وعاد إلى بيت المقدس ثم عاد بعد مدة يسيرة إلى صيدا فقرر على من أقام بها نيفًا وعشرين ألف دينار فأفقرهم واستغرق أحوالهم وصادر من علم أن له بقية منهم