فيها عرض لظهير الدين أتابك مرض اشتد به ولازمه وخاف منه على نفسه وأشفق على أهله وولده وأصحابه ورعيته إن تم عليه أمر وتواصلت مكاتبات فخر الملك بن عمار ورسله من طرابلس بالاستصراخ والاستنجاد على الافرنج النازلين عليها والبعث على تعجيل إعانته بمن يصل إليه من العساكر لكشف غمته وتفريج كربته وقد كان الأمير سكمان بن ارتق والأمير جكرمش صاحب الموصل قد اتفقا على الجهاد في المشركين ونصرة المسلمين فنتج لظهير الدين فكرة وراية فيما نزل به من المرض
[ ٢٣٦ ]
المخوف أن يرسل الأمير سكمان بن ارتق يستدعي وصوله إلى دمشق في عسكره ليوصي إليه ويعتمد في حماية دمشق عليه. ونفذت إليه أيضًا مكاتبة ابن عمار بتحريضه على المسارعة إلى ذلك والقصد لنصرته وبذل له مالًا جزيلًا على معونته ونصرته فحين واقف على مضمون المكاتبات أجاب إلى المقترح عليه وسارع إليه وثنى عنانه إلى دمشق مغذًا في سيره مواصلًا لجدة نجده وتشميره وقطع الفرات إلى ما حض عليه والمغارات. فلما وصل إلى القريتين واتصل خبره إلى أتابك لامه أصحابه وخواصه على ما فرط في تدبيره وعنفوا رأيه فيما استدعاه وخوفوه عاقبة ما أتاه وقالوا له: إذا وصلت الأمير سكمان بن ارتق دمشق وأخرجتها من يدك كيف يكون حالك وأحوالنا أو ليس قد عرفت نوبة اتسز لما استدعى السلطان تاج الدولة بن البارسلان وسلم إليه دمشق كيف بادر باهلاكه ولم يمهله ولا أهله. فعند ذلك أفاق لغلطته وتنبه لغفلته وندم ندامة الكسعي وزاده هذا الأمر مرض الفؤاد مع مرض الجسم. وبينما هو وأصحابه من التفكر فيما يعتمد من أمره وتدبير به حاله عند وصوله والخبر ورد من القريتين بأن الأمير سكمان ساعة وصوله في عسكره إلى القريتين ونزوله لحقه مرض شديد وقضى منه محتوم نحبه وصار إلى رحمة ربه وحمله أصحابه في الحال ورحلوا عائدين به فسر أتابك بهذه الحال سرورًا زائدًا كان معه بدء سعادته وعود برئه إلى جسمه وعافيته فسبحان مدبر الخلق بحكمته
[ ٢٣٧ ]
ومسبب الأسباب بقدرته وقصدوا ناحية الجزيرة وذلك في أول صفر من السنة وفي هذه السنة وردت الأخبار بهلاك صنجيل مقدم الافرنج النازلين على ثغر طرابلس في رابع جمادى الأولى بعد أن كان الأمر استقر بينه وبين فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس من المهادنة على أن يكون ظاهر طرابلس لصنجيل بحيث لا يقطع الميرة عنها ولا يمنع المسافرين منها. وفي أول السنة ورد الخبر بوصول السلطان محمد تبر ابن ملك شاه إلى الموصل ونزوله عليها وخروج الأمير جكرمش صاحبها إليه باذلًا له الطاعة وشروط الخدمة ورحل عنها. وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان بركيارق ابن السلطان ملك شاه ﵀ بنهاوند بعد أن تقررت الحال بينه وبين أخيه بحيث تكون مملكة خراسان بأسرها للسلطان أبي الحرث سنجر وأصفهان وأعمالها وبغداد وما والاها برسم السلطان بركيارق والسلطنة له وأرمينية وأذربيجان وديار بكر والموصل والجزيرة والشام وما يليها للسلطان محمد تبر. وتوجهت عساكر السلطان بركيارق بعد وفاته إلى بغداد ومقدمها الأمير اياز ومعه الأمير صدقة بن مزيد بن دبيس وتوجه السلطان محمد إلى بغداد أيضًا. فلما عرف الأمير اياز خبره خاف منه على نفسه فهرب منه ومعه ولد السلطان بركيارق ودخل السلطان محمد بغداد ووصل إليه الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد الأسدي واستقر أمره معه. وعرف اياز إن حاله لا تستقر إلا بالعود إلى طاعة السلطان محمد والدخول في جملته والكون في خدمته فراسله والتمس الأمان منه والتوثقة باستحلافه على الوفاء بما عاهده عليه فأجابه إلى ما رامه منه ووصل إليه في العسكر مع ولد السلطان
[ ٢٣٨ ]
بركيارق وكان طفلًا صغيرًا فانضاف في جملته مع عسكره. فلما كان بعد أيام غدر باياز ونكث عهده وأخلف وعده وقبض عليه وهو آمن مطمئن بما توثق به من إيمانه وقتله وجعل سبب هذا الفعل أمورًا أسرها في نفسه وأوردها واحتج بأمور أضمرها وعددها ليعذر في فعله وما هو بمعذور في فعله ولا بمشكور
وفي أول شعبان توجه ظهير الدين أتابك إلى بعلبك في العسكر ونزل عليها متنكرًا على كمشتكين الخادم التاجي واليها لأسباب انتهت إليه عنه فأنكرها منه. فلما نزل عليه وضايقه وعرف ما في نفسه أنفذ إليه ببذل الطاعة والخدمة والانكار لما افترى به عليه والتنصل مما نسب إليه والحلف على البراءة مما اختلق من المحال عليه فصفح له عن ذلك ورضي عنه وقرر أمره وأوعز بكف الأذية عن ناحيته. ورحل عنها متوجهًا إلى ناحية حمص وقصد رفنية ونزل عليها ووفد عليه خلق كثير من جبل بهرا فهجموا رفنية على حين غفلة من أهلها وعرة من مستحفظها وقتلوا من بها وبأعمالها والحصن المحدث عليها من الافرنج وأحرق ما أمكن احراقه في الحصن وغيره وهدم الحصن وملكت أبراج رفنية وقتل من كان فيها وعاد العسكر إلى حمص وفي رجب خرج الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب وجمع خلقًا كثيرًا وعزم على قصد طرابلس لمعونة فخر الملك ابن عمار على الافرنج النازلين عليه وكان الأرمن الذين في حصن ارتاح قد سلموا إليه الحصن لما شملهم من جور الافرنج وتزايد ظلمهم فلما عرف طنكرى ذلك خرج من انطاكية لقصد ارتاح واستعادتها وجمع من في أعماله من الافرنج ونزل عليها
[ ٢٣٩ ]
وتوجه نحو فخر الملك في عسكره لابعاده عنها وقد جمع وحشد من أمكنه من عمل حلب والأحداث الحلبيين لقصد الجهاد. فلما تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين فثبت راجل المسلمين وانهزمت الخيل ووقع القتل في الرجالة ولم يسلم منهم الا من كتب الله سلامته ووصل الفل إلى حلب وأحصي المفقود من الخيل والرجل فكان تقدير ثلاثة ألف نفس. وحين عرف ذلك من كان في ارتاح من المسلمين هربوا بأسرهم منها وقصد الافرنج بلد حلب فأجفل أهله منه ونهب من نهب وسبي من سبي وذلك في الثالث من شعبان واضطربت أحوال من بالشام بعد الأمن والسكون وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف يزيد على عشرة آلاف فارس وراجل مع الأمير شرف المعالي ولد الأفضل وكوتب ظهير الدين أتابك بالاستدعاء للمعونة والاعتضاد إلى جهاد الكفرة الأضداد فلم يتمكن من الاجابة إلى المراد لأسباب عاقته عن المعونة والاسعاد وتوجه في العسكر إلى بصرى فنزل عليها عازمًا. على مضايقتها وفيها الملك ارتاش بن تاج الدولة وايتكين الحلبي لأنهما كانا عند الافرنج على ما شرح من أمرهما أولًا. ثم استدرك الرأي واستصوب المسير إلى العسكر المصري للاعتضاد على الجهاد فسار إليه ووصل إلى ظاهر عسقلان ونزل قريبًا منه وعرف الافرنج الخبر فتجمعوا وقصدوا عسقلان والتقى الفريقان في رابع عشر ذي الحجة من السنة فيما بين يافا وعسقلان فاستظهر الافرنج على المسلمين وقتلوا والي عسقلان وأسروا بعض المقدمين وانهزم عسكر مصر إلى عسقلان وعسكر دمشق إلى بصرى وقيل إن الذين قتلوا من المسلمين
[ ٢٤٠ ]
بإزاء الذين قتلوا من المشركين كانوا متقاربين ولما عاد ظهير الدين والعسكر إلى بصرى وجد الملك ارتاش وايتكين الحلبي لما يئسا من نصرة الافرنج لهما قد قصدا ناحية الرحبة وأقاما بها مدةً وتفرقا وراسل المقيمان ببصرى نوشتكين وفلوا كذا من ظهير الدين يطلبان منه الأمان والمهلة لهما بالتسليم مدة اقتراحهما فأجاب إلى ما التمساه منه ورحل عنهما ولما بلغ الأجل منتهاه والوعد مداه سلما بصرى إليه وخرجا منها ووفى لهما بما وعدهما من الأمان والاقطاع وزاد على ذلك وأقاما عليه مدة أيامه