فيها ورد الخبر إلى الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة باستشهاد أبيه تاج الدولة وانفلال عسكره وهو نازل في عانة على الفرات في عسكره يريد الاتمام إلى بغداد ثم المصير إلى أبيه تاج الدولة حين استدعاه إلى الوصول إليه فاضطرب لذاك وقلق وخاف من وصول من يطلبه فحط مضاربه في الحال وقوضت خيام العسكر في الوقت ورحل مجدًا في سيره في نفر من سرعان خيله وغلمانه وترك باقي عسكره من ورائه ولم يزل مغذًا في قصده إلى أن دخل حلب وفتح الوزير أبو القاسم النائب في القلعة أبوابها وأصعده إليها وأخذوا الأهبة لمن يقصدها.
[ ٢١٢ ]
ووصل إليه من الفل أخوه شمس الملوك دقاق ابن السلطان تاج الدولة من ناحية دياربكر وجماعة من خواص عسكره المفلول وأقام بحلب مدة يسيرة وراسله الأمير ساوتكين الخادم المستناب في القلعة والبلد وقرر له ملكة دمشق سرًا فخرج في الحال من حلب من غير أن يعلم به أحد وجد في سيره ليله ونهاره فلما عرف الملك فخر الملوك خبره أنهض عدة من الخيل في أثره ففاتهم ولم يعرفوا له خبرًا ولا وجدوا له أثرًا ووصل إلى دمشق وحصل بها وأجلسه ساوتكين في منصب أبيه السلطان تاج الدولة وأخذ له العهد على الأجناد والعسكرية واستقام له الأمر واستمرت على السداد الأحوال. وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الحجاز بأن الأمير اصفهبذ وصل إلى مكة في أربعمائة فارس من التركمانية فقاتل أهلها فقهرهم وملكها وقتل خلقًا كثيرًا من حرابتها من أصحاب ابن أبي شيبة وانهزم ابن أبي شيبة وجمع الأشراف من مكة وحصل بها وأقام بها مديدةً يسيرةً ورحل عنها
وفي هذه السنة وردت الأخبار بخلاص الأمير ظهير الدين طغتكين أتابك من اعتقاله عقيب الكسرة التاجية وتوجه عائدًا إلى دمشق وخرج صاحبه السلار حصن الدولة بختيار شحنة دمشق نحوه لتلقيه والعود في خدمته. وقد كان هذا الأمير المذكور في حداثة سنه ونضارة غصنه قد حظي عند السلطان الشهيد تاج الدولة ورشحه بحجره وقدمه على أبناء جنسه من خواصه
[ ٢١٣ ]
وبطانته وسكن إلى شهامته وصرامته وسداد طريقته ورد إليه بعد ذلك ما أنس منه الرشد وحسن التدبير في الصدر والورد والاسفهلارية على عسكريته واستنابه في تدبير أمر دمشق وحفظها أيام غيبته فأحسن السيرة فيها وأنصف الرعية من أهلها وبسط المعدلة في كافة من بها فكثر الدعاء له والثناء عليه فعلت منزلته وامتثلت أوامره وأمثلته ولم يلبث أن شاع ذكره بنجابته وأشفقت النفوس من هيبته فولاه ميافارقين من ديار بكر وهي أول ولايته وسلم إليه ولده الملك شمس الملوك دقاق واعتمد عليه في تربيته وكفالته فساس أمرها بالهيبة والتدبير وأصلح فاسدها في أقرب أوان ومدة ونكا في جماعة من مقدميها ووجوه أهلها حين عرف منهم خيانةً ومخامرةً نكايةً قامت بها الهيبة واستقامت معها أمور الرعية. وتنقلت به الأحوال إلى أن توجه مع السلطان تاج الدولة إلى ناحية الري وشهد الوقعة التي استشهد فيها تاج الدولة وحصل في قبضة الاعتقال مع من أسر من المقدمين وأقام مدة إلى أن أذن الله في الخلاص ووصل إلى دمشق في سنة ٤٨٨ فتلقاه الملك شمس الدولة دقاق وعسكره وأرباب دولته وبولغ في اكرامه واحترامه ورد إليه النظر في الاسفهسلارية واعتمد عليه في تدبير المملكة وسياسة البيضة. واقتضت الحال فيها بينه وبين الملك وأمراء الدولة العمل على الأمير ساوتكين والايقاع به وتمم عليه الأمر وقتل وعقدت الوصلة بينه وبين ظهير الدين أتابك وبين الخاتون صفوة الملك والدة الملك شمس الملوك دقاق ودخل بها واستقامت له الحال بدمشق وأحسن السيرة فيها وأجمل في تدبير أهليها وبالغ في الذب عنها والمراماة دونها وسكنت نفس الملك شمس الملوك إليه واعتمد في التدبير عليه.
[ ٢١٤ ]
وقد كان الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة صاحب حلب مائلًا إلى دمشق ومحبًا لها ومؤثرًا للعود إليها ولا يختار عليها سواها لمعرفته بمحاسنها وترعرعه فيها فجمع وحشد واستنجد بالأمير سكمان بن ارتق وبرز طالبًا لدمشق والنزول عليها وانتهاز الفرصة فيها. وقد كان الملك شمس الملوك دقاق والعسكر مع الأمير ياغي سيان والأمير نجم الدين ايل غازي قد غابوا عن دمشق في هذا الوقت فوصل الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب في عسكره ونزل بظاهر البلد في سنة ٤٨٩ وزحف في العسكر لقتالها. وكان في البلد وزير الملك شمس الملوك زين الدولة محمد بن الوزير أبي القاسم ونفر قليل من العسكرية وانضاف إليهم جماعة من الأجناد وأهل البلد وأغلقت الأبواب وارتكبت الأسوار وصاحوا ورشقوهم بالسهام وكانوا قد بلغوا في الزحف إلى سوق الغنم وقربوا من السور والباب الصغير وطلب جماعة من العسكرية وأحداث البلد الخروج إليهم والدفع لهم عن البلد فمنعهم السلار بختيار شحنة البلد والرئيس أمين الدولة أبو محمد بن الصوفي رئيس البلد من الخروج وقاتلوهم على الأسوار ومنعوهم من الوصول إليها. واتفق الأمر المقتضى أن حجر المنجنيق وقع في رأس حاجب الملك رضوان وهو قائم يحرض على الحرب فقتله فسكنت الحرب واشتغلوا بأمره وعادوا إلى مخيمهم لأجله ولم يتم لهم أمر ولا تسهل لهم عرض وبلغهم أن الملك شمس الملوك عائد في العسكر إلى دمشق فرحل في العسكر عائدًا إلى حلب خائبًا في الأمر الذي طلب. وطلب في رحيله ناحية مرج الصفر وطلب حوران فعاث العسكر في أطرافها وطلب التوجه إلى بيت المقدس. وعاد شمس الملوك دقاق لما انتهى إليه الخبر في العسكر ووصل إلى دمشق وتبع عسكر الملك رضوان على أثره فوصل وتقارب المدى بين الفريقين وفصل الملك رضوان منكفئًا إلى حلب فوصل إليها في آخر ذي الحجة من السنة
[ ٢١٥ ]