لما هرب معلي بن حيدرة بن منزو لعنه الله من ولاية دمشق على القضية ذكرتها اجتمعت المصامدة إلى الأمير زين الدولة انتصار بن يحيى زمامهم والمقدم واتفق رأيهم على تقديمه في ولاية دمشق وتقوية نفسه على الاستيلاء عليها وفدع من ينازعه فيها ووقع ذلك من أكثر الناس أجمل موقع وأحسن موضع وارتضوا به ومالوا إليه لسداد طريقته وحميد سيرته وكونه أحسن فعلًا ممن تقدمه وأجمل قصدًا ممن كان قبله فاستقر الأمر على هذه القضية والسجية المرضية في يوم الأحد مستهل المحرم من السنة. وفي هذه السنة اشتد غلاء الأسعار في دمشق وعدمت الأقوات ونفدت الغلات منها واضطر الناس إلى أكل الميتان وأكل بعضهم بعضًا ووقع الخلف بين المصامدة وأحداث البلد وعرف الملك اتسز بن أوق مقدم الأتراك وما آلت إليه الحال وكان متوقعًا لمثل ذلك فنزل عليها وبالغ في المضايقة لها إلى أن اقتضت الصورة وقادت الضرورة إلى تسليمها إليه بالأمان وتوثق منه بوكيد الايمان. فلما دخلها في ذي القعدة سنة ٤٦٨ وحصل بها نزل بأهلها منه قوارع البلاء بعد ما عانوه من ابن منزو لعنه الله واشتداد البلاء من
[ ١٧٤ ]
انزال دورهم واخراجهم منها واغتصاب أملاكهم والقبض لها واستعمال سوء السيرة وخبث النية والسريرة وتواصلت الدعوات عليه من سائر الناس وعلى أصحابه وأتباعه في جميع الأوقات وأعقاب الصلوات والرغبة إلى الله تعالى ذكره باهلاكه وتعفية أثاره. وفي هذه السنة وردت الأخبار من حلب بأن الأمير نصر بن محمود بن صالح صاحبها قتل بها في يوم الأحد عيد الفطر قتله قوم من أتراك الحاضر وذاك أنه قبض على مقدمهم المعروف بالأمير أحمد شاه وخرج إليهم لينهبهم فرماه أحدهم بسهم فقتله وقام في منصبه من بعده أخوه سابق بن محمود بن صالح. وفي هذه السنة خطب للامام المقتدي بالله أبي القسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله على منبر دمشق وقطعت الخطبة المستنصرية ونظر الملك اتسز بن أوق في أمور دمشق وأحوالها بما يعود بصلاح أعمالها ووفور استغلالها وأطلق لفلاحي المرج والغوطة الغلات للزراعات وألزمهم الاشتغال بالعمارات والفلاحات فصلحت الأحوال وتواصلت من سائر الجهات الغلات ورخصت الأسعار وتضاعف
[ ١٧٥ ]
الجذل بذلك والاستيثار وطابت نفوس الرعية وأيقنوا بزوال البؤس والبلية. وبرز اتسز في عسكره إلى نواحي الساحل عازمًا على قصد مصر وطامعًا في تملكها