في هذه السنة اقترن المريخ وزحل في برج السرطان وقت الظهر من يوم الاثنين النصف من شهر ربيع الأول وهو السادس والعشرون من نيسان وذكر أهل المعرفة من أهل صناعة النجوم أن هذا القران لم يحدث مثله في هذا البرج منذ مبعث النبي - ﷺ - وإلى هذه الغاية.
[ ١٩٩ ]
وفيها توجه السلطان العادل ملك شاه من أصفهان إلى بغداد معولًا على قصد مصر لتملكها فلما وصل إلى همذان وثب رجل ديلمي من الباطنية على وزيره خواجه بزرك نظام الملك أبي علي الحسن بن إسحق الطوسي فقتله ﵀ وهرب من ساعته فطلب فلم يوجد ولا ظهر له خبر ولا بان له أثر فأسف الناس وتألموا لمصابه وتضاعف حزنهم لفقد مثله لما كان عليه من حسن الطريقة وآثار العدل والنصفة والاحسان إلى أهل الدين والفقه والقرآن والعلم وحب الخير وحميد السياسة وكان قد آثر الاثارات الحسنة في البلاد من المدارس والرباطات بالعراق وبلاد العجم بحيث كان رزقه يجري على اثني عشر ألف إنسان من فقيه إلى غيره. وحزن السلطان ملك شاه عليه وأسف لفقده وأسرع السير إلى أن وصل إلى بغداد في أيام قلائل من شوال من السنة وقام مديدةً وخرج إلى المتصيد وعاد منه وقد وجد فتورًا في جسمه واشتد به المرض الحاد فتوفي ﵀ في ليلة الأربعاء السادس من شوال من السنة وكان بين وفاته ومقتل خواجه بزرك ثلاثة وثلاثون يومًا وأقام مقامه في المملكة ولده السلطان بركيارق وانتصب في منصبه وأخذت له البيعة ودعي على المنابر باسمه واستقام أمره وانتظمت الحال على مراده. وكان السلطان تاج الدولة تتش قد توجه من دمشق إلى بغداد للقاء أخيه السلطان ملك شاه والخدمة له والتقرب إليه وورد الخبر عليه بوفاته فانكفأ راجعًا ونزل على الرحبة وضايقها وأرسل المقيم بها يلتمس تسليمها إليه فلم يتم له فيها أمر ولا مراد فرحل عنها إلى دمشق وجمع وحشد وعاد
[ ٢٠٠ ]
في العسكر إلى الرحبة. وقد كان كاتب قسيم الدولة صاحب حلب ومؤيد الدولة ياغي سيان صاحب أنطاكية يستدعي منهما المساعدة ويبعثهما على الموازرة والمرافدة فسارا نحوه واجتمعا معه فقوي أمره بها واستظهر بعسكرهما ونزل على الرحبة وضايقها إلى أن ملكها بالأمان وأحسن إلى أهلها وأجمل السيرة فيها. وكان قد نذر على نفسه أنه متى ملكها بالأمان والقهر شهر فيها السيف فعند ذاك شهر سيفه عند دخوله إليها واغمده عند استقرار أمرها ووفى بنذره ورحل عنها بعد أن قرر أمرها ورتب المستحفظين من قبله فيها قاصدًا ناحية نصيبين. وقد كان بعد وفاة السلطان ملك شاه قد رجع ابرهيم بن قريش إلى بلاده وتسلم الموصل وأعمالها وجمع العرب والأكراد ونزل في بلاد بني عقيل الموصل وما والاها وغلب ولد أخيه شرف الدولة محمدًا وأبعده عن الولاية. ولما وصل تاج الدولة إلى نصيبين وصل إليه الأمير بوزان صاحب الرها وخرج إليه والي نصيبين يبذل الطاعة له والمناصحة في الخدمة فامتنع أهل البلد من الجند الذين بها من أصحاب ابراهيم بن قريش فقاتلها وهدم بعض سورا وملكها بالسيف وقتل فيها تقدير ألفي رجل وقتل كل من التجأ إلى جامعها ومساجدها وأخذت الحرم وهتكت البنات وعوقبوا بأنواع العقوبات إلى أن أظهرن كل مذخور وأبرزن كل مستور وفعل في أمرهم ما لا يستحله مسلم ولا يستحسنه كافر وأطلق بعد ذلك من كان في الأسر من الرجال والنسوان إلا من بقي في أيدي الأتراك وذلك في صفر سنة ٤٨٦ وحكى بعض من حضر هذه الكائنة القبيحة أنه
[ ٢٠١ ]
شاهد امرأة تحت الأتراك يطلب منها الفاحشة وهي تصيح وتستغيث وتتمنع أشد التمنع فجئته وحاولت تخليصها منه فلم يفعل فجرحته فتخلى عنها وإذا بها امرأة من وجوه الأشراف وأخرجتها إلى المخيم إلى أن سكنت الفتنة وأعدتها سالمةً إلى دارها دون كل بنت هتكت وأحرزت ثوابها وحسن الذكر بين أشراف نصيبين