فيها تزايد فساد الافرنج في أعمال السواد وحوران وجبل عوف وانتهت الأخبار بذلك وشكوا أهلها إلى ظهير الدين أتابك فجمع العسكر ومن انضاف إليه من التركمان ونهض بهم وخيم في السواد. وكان الأمير عز الملك الوالي بصور قد نهض منها في عسكره إلى حصن تبين من عمل الافرنج فهجم ربضة
[ ٢٤٣ ]
وقتل من كان فيه ونهب وغنم واتصل الخبر ببغدوين ملك الافرنج فنهض إليه من طبرية ونهض أتابك إلى حصن بالقرب من طبرية فيه جماعة من فرسان الافرنجية فقاتله وملكه وقتل من كان فيه وانكفأ إلى المدان وعاد الافرنج إليه. فلما قربوا منه اندفع العسكر إلى ناحية زرا وتلاقت طلائع الفريقين وعزموا على المصاف والالتقاء وقد قويت نفوس المسلمين فلما كان من غد ذلك اليوم ركب العسكر وقد تأهب للقاء على تلك النية وزحفوا إلى موضع مخيمهم فصادفوهم وقد رحلوا عائدين إلى طبرية ثم منها إلى عكا فعاد ظهير الدين عند ذلك في العسكر إلى دمشق
وكانت الأخبار متناصرةً في هذه السنة باهتمام السلطان غياث الدنيا والدين محمد ابن ملك شاه بمحاصرة قلعة الباطنية المعروفة بشاه ذر المجاورة لأصفهان والجد في افتتاحها وحسم أسباب الفساد المتوجه على البلاد من المقيمين بها وتوجه عنها في عساكره الدثرة المتناهية في القوة والكثرة ولم يزل منازلها ومضايقها إلى أن منحه الله تعالى افتتاحها والاظهار على من فيها وملكها بالسيف قهرًا وقتل من كان فيها من الباطنية قسرًا وهدمها وأزاح العالم من الشر المتصل منها والبلاء المبثوث من أهلها. وأنشأ كتاب الفتح يوصف الحال فيها إلى سائر أعمال الملكة ليقرأ على المنابر ويستنزل في معرفة كل باد وحاضر أمير الكتاب أبو نصر بن عمر الأصفهاني كاتب السلطان وبلاغته في الكتابة معروفة مذكورة وقضاء حقه في إنشائه موصوفة
[ ٢٤٤ ]
مشهورة وذكرت مضمونه في هذا الموضع ليعلم من يقف عليه شرح حال هذه القلعة وما من الله به على أهل تلك البلاد من الراحة من شر أهلها وأذية المقيمين بها ونسختها بعد العنوان والطغراء: بسم الله الرحمن الرحيم وهو الوزير الأجل مجد الدين شرف الاسلام ظهير الدولة زعيم الملة بهاء الأمة فخر الوزراء أبو المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب رضى أمير المؤمنين. أما بعد أطال الله بقاء الوزير وألقابه وأدام تأييده وتمهيده وأحسن من عوائده مزيده فإن الله تعالى يقول وقوله الحق: " يا أَيُّها الذين آمنوا مَنْ يرتدُّ منكم عن دينهِ فسَوْفَ يأْتي اللهُ بِقوْمٍ يُحبُهمْ ويُحبُّونهُ أَذِلَّةٍ على المؤمنينَ أعزَّةٍ على الكافرينَ يُجاهدُونَ في سبيل اللهِ وَلا يَخافونَ لومة لائمٍ ذلكَ فضلُ اللهِ يُؤتيهِ مَنْ يشاءُ واللهُ واسعٌ عليمٌ ". ولقد أتانا الله وله الحمد من هذا الفضل ما صرنا به أطول الملوك في الاسلام باعًا وأعزهم في الذب عن حريمه أشياعًا وأتباعًا وأشدهم عند الحفيظة له بأسًا وأطهرهم من درن الشبهة فيه لباسًا وأقصدهم في اقتفار الحق المبين أنحاءً وأثقلهم على أعداء الله وأعداء الدين المنير وطاءةً وانحاءً فلا تتجه عزائمنا لمهم في ذلك الا حققنا الفيصل وطبقنا المفصل وفرينا الفري واقتدحنا من الزناد الوري وأعدنا الحق جدعًا وأنف الباطل مجدعًا نعمةً من الله تعالى اختصنا بها من دون سائر الأنام وأجلنا من التفرد بمزاياها في الذروة والسنام فالحمد لله على ذلك حمدًا يوازي قدر نعمه ويمتري المزيد
[ ٢٤٥ ]
من مواد كرمه ثم الحمد لله على ما يسرنا له من اعزاز الدين ورفع عماده وقمع أضداده واستئصال شأفة الباطنية المناهضين لعنادة الذين استركوا العقول الفاسدة فاستغووها بأباطيلهم واستهووها بأضاليلهم واتخذوا دين الله هزوءًا ولعبًا بما لفقوه من زخارف أقاويلهم سيما ما سنى الله من فتح الفتوح وهيأ أسبابه من النصر الممنوح بأخذ قلعة شاه ذر التي شمخ بها الجبل وبذخ وكان الباطل باض فيها وفرخ وكانت قذىً في عيون الممالك وسيما إلى التورط بالمسلمين في المهاوي والمهالك ومرصدًا عليهم بالشرارة والنكارة حيثما ينحونه من المسالك. وفيها ابن عطاش الذي طار عقله في مدرج الضلال وطاش وكان يرى الناس نهج الهدى مضلةً ويتخذ السفر المشحون بالأكاذيب مجلةً ويستبيح دماء المسلمين هدرًا ويستحل أموالهم غررًا فكم من دماء سفكت وحرم انتهكت وأموال استهلكت وترات تجرعتها النفوس فما أستدركت ولو لم يكن منهم إلا ما كان عند حدثان أمرهم بأصفهان من اقتناص الناس غيلةً واستدراجهم خديعةً وقتلهم إياهم بأنواع العقوبات قتلةً شنيعةً ثم فتكهم عودًا على بدء بأعيان الحشم وخيار العلماء واراقتهم ما لا يعد ولا يحصى من محرمات الدماء إلى غير ذلك من هنات يمتعض الاسلام لها أي امتعاض وما الله عن المسلم أن يتميز لها براض لكان حقًا علينا أن نناضل عن حمي الدين ونركب الصعب والذلول في مجاهدتها ولو إلى الصين. وهذه القلعة كانت من أمهات القلاع التي انقطع إليها رؤوس الباطنية كل الانقطاع فكان تبث الحبائل منها في سائر الجهات والأقطار وترجع إليها نتائج الفساد رجوع الطير إلى الأوكار وهي في العزة والمنعة مثل مناط الشمس التي تنال منها حاسة البصر دون حاسة اللمس ترد الطرف كليلًا وتعد
[ ٢٤٦ ]
العدد الدثر في محاصرتها كليلًا. وكأنها وهي أعلى شاهق نزلت على الجبل من حالق فهي بهذه الصفة مقابلة لبلدة أصفهان التي هي مقر الملك
ودار الثواء وأولى البلاد بتطهيرها من اهتياج الفتن واختلاف الأهواء ونحن نقيم بها طول هذه المدة المديدة وندبر أمرها إلى ما يصونه الرأي من الحيلة والمكيدة وأمامنا من المستخدمين وأصحاب الدواوين نفر تصغي إليهم أفئدتهم فيما كانوا عليه من مخالفة الدين يتوصلون بمكرهم إلى نقض ما يبرم وتأخير ما تقدم ويوهمون إنها من النصائح التي تقبل وتلزم حتى تطاول دون ذلك الأمد وبان من القوم المعتقد واتضح لنا من صائب التدبير ما يعتمد وكنا في خلال هذه الأحوال لم نخل هذه القلعة من طائفة تهزهم حمية الدين من الجند ينتهون من التضييق عليها إلى كل غاية من الجد فيتوفرون على محاصرتهم ومصابرتهم ويتشمترون لمزاولتهم ومصاولتهم ويقعدون لهم بكل مرصد ويسدون كل متنزل ومصعد حتى انقطعت عنهم المواد وخانتهم المير والأزواد واضطروا إلى أن نزل بعضهم على حكم الأمان بعد الاستئمار والاستئذان فأمرنا بتخلية سربهم وايمان سربهم وسلم الشطر من القلعة لخلوه من الفئة النازلة واعتصم ابن عطاش بقلة اخرى تسمى دالان مع نخب أصحابه من المقاتلة وهذه القلة هي أمنع المواضع من القلعة وأحصنها وأوعرها مسلكًا وأحزنها فقد نقل إليها ما كان بقي لهم من الميرة وسائر ما يستظهر به من السلاح والذخيرة على أن يلبثوا بها أيامًا معدودةً فينزلوا ويبذل لهم الأمان مثل ما بذل للأولين فيتحولوا كل ذلك بوساطة من قدمنا ذكرهم من المستخدمين في الدواوين وفي باطن الأمر خلاف ما يتوهم من الاعلان وذلك إنهم قدروا أن ما سلم من القلعة يترك على عمارته ومكانته وما امتنع به من القلة لا يقدر عليه لمنعته وحصانته فهم يتوصلون بتمكنهم من ذلك الحيل إلى سرقة ما سلموه آنفًا ببعض الحيل هذا وقد كفوا مؤن
[ ٢٤٧ ]
من نزل من الأكلة وعندهم الكفاف لمن بقي من العملة. ففطنا لما عمدوا وعليه اعتمدوا وأمرنا في الحال بالقلعة المسلمة فنسفت نسفًا وخسفت بها خسفًا وصير سفلها علوًا كما كان علوها خلوًا ثم انتقمنا من المستخدمين الغادرين بالملك والدين حتى ساقهم الحين المتاح إلى حين فلم يفلت منهم صاحب ولا مصحوب إن الشقاء على الأشقين مصبوب. ووافق ذلك حلول الموعد لنزول باقي القوم من دالان فأبوا إلا المطل والليان. فلما مضت أيام على ذلك أظهروا التمرد والعصيان فصاروا كما قال الله تعالى " وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فتنتهُ فَلَنْ تَملكَ لهُ مِنَ اللهِ شيئًا أُولائكَ الذينَ لَمْ يُردِ اللهُ أَنْ يُطهَرَ قلوبهم لَهمْ في الدُّنيا جِزْيٌ ولهم في الآخرةِ عذَابٌ عظيمٌ " فعند ذلك استخرنا بالله تعالى تجريد العزائم لهذا الجهاد الذي هو عندنا من أنفس العزائم ولا نخاف فيه لومة لائم وأهبنا بمن حضرنا من العساكر المنصورة إلى الأحداق بالقلعة المذكورة يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة فنزلوا لفنائها محتشدين ولصدق اللقاء متشمرين متجردين وجرت مناوشة عشية هذا اليوم أثخنت عدةً من أولئك القوم وبات المسلمون ليلتهم تلك على أضم والملحدون لحمًا على وضم. فلما تنفس الصبح وعردت الديوك الصدح وطوى الليل رداءه ورفع الفجر لواءه نصرا لله الحق وادال الدين وساء صباح المنذرين وعدت جيوش النصر يدًا واحدةً وكلمةً على التظافر والتظاهر مساعدة تسطوا بالفئة المتحصنة بالقلعة سطوة الليث الهصور وكأنهم طاروا بأجنحو الصقور على صم الصخور فلم يلبثوا قبل ذرور الشمس بقرنها وأخذها الناصح من لونها إن أخذوا القلعة عنوةً وقهرًا وأجروا من دماء الباطنية الملحدة نهرًا فلم يئل منهم وائل
[ ٢٤٨ ]
ولا أخطأهم من السيوف البواتر وائل وأمرنا في الحال بهدمها والتعفية على ردمها فلم يبق بها نافخ ضرمه ولا أثر من نسمه ولا مدر على أكمه وأسر ابن عطاش رأس الجالوت وولي الطاغوت الذي كان ممن قال الله تعالى فيه: " وَجعَلْناهمْ أَئمَّةً يَدْعونَ إلى النَّارِ " فجعلناه وولده المقرون به مثلةً للنظار وعبرةً لأولي الأبصار فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين هذا الفتح المبين والعزة التي تتلى لأنها من الدهر الحين والنعمة التي تمت وعمت وأحنت بالنقمة على أعداء الله ورسوله وطمت وما ذاك إلا من بركات عقائدنا الناصعة في موالاة الدولة العباسية ظاهر الله مجدها وما يلتزمه في فرضها من فضل المناصحة والمشايعة فيها نحن نسطو بالأعادي ونكفي من اعتراض النوائب كل العوادي ونسوس الدهماء من الحواضر
والبوادي. وهذه البشرى التي يهنأ بها الاسلام وترفع بها من الاشادة بذكرها في الخافقين الأعلام أمرنا بنشرها في الأقصى والأدنى لا سيما الدارة العزيزة ظاهر الله مجدها فإنها أولى من يبشر بمثلها ويهنأ وأنهينا بالأمير عز الدولة إلى إيصال هذه البشارة إلى الديوان العزيز النبوي أعلى الله جده فندب من قبله من يقوم بهذه الخدمة ويعلمه ما نحن نصدره من الاعتراف بقدر هذه النعمة وهذا الأمير كان من المندوبين أولًا وأخرًا لمحاصرة هذه القلعة فأبلى فيها بلاءً حسنًا جميلًا وأغنى غنائم نجد له فيه عديلًا ولذلك ما اختصصناه بهذه المزية واثرناه بابلاغ هذه البشرى الهنية والمعول تام على الاهتمام الوزيري في القائها إلى المقار المعظمة النبوية ليعلم من صدق نهضتها بالخدمات وعندنا المسعاة في إعزاز الدين من أوجب المهمات ما يزلفنا من شريف المراضي ويفرض لنا من المحامد والمآثر التامة على الأبد أكرم الأحاظي وأن يتقدم في حق المبشر ما هو على الدولة ثبتها الله متعين حتى يعود ولما يستحسن من موقع هذه البشارة عليه أثر بين والوزير أولى من اغتنم هذه المكرمة فاعتنقها وتمكن من عصمة الرأي السديد فاعتقلها واستحمد إلينا بما يتكلفه من جميل مساعيه ويتكفله بالاهتزاز والاهتمام فيه من سائر ما يلاحظه من الأمور ويراعيه إن شاء الله تعالى وكتب بالأمر العالي شفاهًا في ذي القعدة سنة ٥٠٠بوادي. وهذه البشرى التي يهنأ بها الاسلام وترفع بها من الاشادة بذكرها في الخافقين الأعلام أمرنا بنشرها في الأقصى والأدنى لا سيما الدارة العزيزة ظاهر الله مجدها فإنها أولى من يبشر بمثلها ويهنأ وأنهينا بالأمير عز الدولة إلى إيصال هذه البشارة إلى الديوان العزيز النبوي أعلى الله جده فندب من قبله من يقوم بهذه الخدمة ويعلمه ما نحن نصدره من الاعتراف بقدر هذه النعمة وهذا الأمير كان من المندوبين أولًا وأخرًا لمحاصرة هذه القلعة فأبلى فيها بلاءً حسنًا جميلًا وأغنى غنائم نجد له فيه عديلًا ولذلك ما اختصصناه بهذه المزية واثرناه بابلاغ هذه البشرى الهنية والمعول تام على الاهتمام الوزيري في القائها إلى المقار المعظمة النبوية ليعلم من صدق نهضتها بالخدمات وعندنا المسعاة في إعزاز الدين من أوجب المهمات ما يزلفنا من شريف المراضي ويفرض لنا من المحامد والمآثر التامة على الأبد أكرم
[ ٢٤٩ ]
الأحاظي وأن يتقدم في حق المبشر ما هو على الدولة ثبتها الله متعين حتى يعود ولما يستحسن من موقع هذه البشارة عليه أثر بين والوزير أولى من اغتنم هذه المكرمة فاعتنقها وتمكن من عصمة الرأي السديد فاعتقلها واستحمد إلينا بما يتكلفه من جميل مساعيه ويتكفله بالاهتزاز والاهتمام فيه من سائر ما يلاحظه من الأمور ويراعيه إن شاء الله تعالى وكتب بالأمر العالي شفاهًا في ذي القعدة سنة ٥٠٠
وفي هذه السنة تتابعت المكاتبات إلى السلطان غياث الدنيا والدين محمد ابن ملك شاه من ظهير الدين أتابك وفخر الملك بن عمار صاحب طرابلس بعظيم ما ارتكبه الافرنج من الفساد في البلاد وتملك المعاقل والحصون بالشام والساحل والفتك في المسلمين ومضايقة ثغر طرابلس والاستغاثة إليه والاستصراخ والحض على تدارك الناس بالمعونة. فندب السلطان لما عرف هذه الحال الأمير جاولي سقاوه وأميرًا من مقدمي عسكره كبيرًا في عسكر كثيف من الأتراك وكتب إلى بغداد وإلى الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد والي جكرمش صاحب الموصل بتقويته بالمال والرجال على الجهاد والمبالغة في اسعاده وانجاده واقطعه الرحبة وما على الفرات فثقل أمره على المكانين فدافعه ابن مزيد وسار نحو الموصل يلتمس من جكرمش ما وقع به عليه فتوقف عنه فنزل على قلعة السن ونهبها واجتمع إليه خلق كثير وخرج جكرمش إلى لقائه فظفر به جاولي سقاوه واستباح عسكره وانهزم ولده إلى الموصل فضبطها وتوجه وراءه وقتل جكرمش أباه وأنفذ رأسه إلى الموصل. فلما عرف ولده ذاك كاتب قلج أرسلان بن قتلمش يستنجده من ملطية ويبذل له تسليم البلاد والأعمال
[ ٢٥٠ ]
التي في يده إليه وكان جكرمش قد جمع مالًا عظيمًا من الجزيرة والموصل وكان جميل الصورة في الرعية عادلًا في ولايته مشهورًا بالانصاف في أعمال ايالته. فلما عرف قلج أرسلان بن سليمان ما كتب به إليه ولد جكرمش من الموصل فسار إليه ودخل قلج أرسلان إلى نصيبين لأنه كان في بعض عسكره وباقيه في بلاد الروم لانجاد ملك القسطنطينية على الافرنج. ولما تقارب عسكر قلج من عسكر جاولي سقاوه والتقت طلائع الفريقين ظفر قوم من أصحاب قلج بقوم من أصحاب جاولي فقتلوا بعضًا وأسروا بعضًا. فرحل جاولي يطلب عسكر قلج وقد عرف أنه قد أنفذ يستدعي بقية عسكره من بلاد الروم وأنه في قل وطلب ناحية الخابور وتوجه منها إلى الرحبة ونزل عليها وضايقها وراسل محمدًا واليها من قبل الملك شمس الملوك دقاق صاحب دمشق وعنده الملك ارتاش بن تاج الدولة الهارب من دمشق بعد وفاة الملك دقاق أخيه مقيمًا بالتسليم إليه فلم يحفل بمراسلته وآيسه من طلبته فأقام عليها مضايقًا لها مدة ووصل إليه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق في جماعة وافرة من عسكره التركمان واستنجد عليها بالملك فخر الملوك رضوان فوصل إليه في عسكره بعد أن هادن طنكري صاحب أنطاكية. فلما فصل عن حلب وعرف جوسلين صاحب تل باشر بعده عن حلب واصل الغارات على أعمالها من جميع جهاتها. ولم يزل جاولي مقيمًا على الرحبة منذ أول رجب وإلى الثاني والعشرين من شهر رمضان وزاد الفرات زيادته المعروفة فركب أصحاب جاولي الزواريق وصعدوا طالبين سور البلد بمواطأة من بعض أهل
[ ٢٥١ ]
البلد فلم يتهيأ لهم أمر مع من واطأهم بل هجموا السور وملكوا البلد ونهبوه وصادروا جماعة من أهله واستخرجوا ذخائرهم بالعقوبة ثم أمر جاولي برفع النهب وأمن الناس وردهم إلى منازلهم وتسلم القلعة بعد خمسة أيام في الثامن والعشرين من شهر رمضان. وأقر اقطاع محمد واليها عليه واستحلفه وقبض عليه بعد أيام لأمر بلغه عنه فأنكره منه واعتقله في القلعة وحصل الملك أرتاش في جملة سقاوه ولم يتمكن من التصرف في نفسه. وكان محمد هذا الوالي قد أرسل قلج أرسلان بن سليمان أولًا بالاستصراخ به وطلب المعونة على دفع جاولي عن البلد فتوجه نحو الرحبة في عسكره وبلغه خبر فتحها فعاد ونزل على الشمسانية ولم يكن في نيته لقاء جاولي. ورحل جاولي ونزل ماكسين وعزم على التوجه إلى ناحية الموصل ومعه فخر الملوك رضوان فاتفق أنهم قصدوا عسكر قلج فالتقى الفريقان في يوم الخميس التاسع من شوال وكان الزمان صيفًا واشتدت وقدة الحر وحميت الرمضاء فهلك أكثر خيل الفريقين وحمل عسكر قلج أرسلان على عسكر جاولي وقصد جاولي قلج أرسلان في الجملة وضربه بالسيف عدة ضربات فلم تؤثر فيه وانهزم عسكر قلج أرسلان وفصل عنه صاحب آمد وقت الحرب مع صاحب ميافارقين وانهزم الباقون ووقع السيف في أصحاب قلج أرسلان وسقط قلج مع الهزيمة في الخابور فهلك في الماء ولم يظهر وبعد أيام وجد هالكًا
[ ٢٥٢ ]
وعاد جاولي إلى الموصل وعاد عنه الملك فخر الملوك رضوان إلى حلب خوفًا منه وأخذ جاولي نجم الدين ايل غازي بن ارتق وطالبه بالمال الذي أنفقه في التركمان فصالحه على جملة يدفعها إليه وأخذ رهانه عليها إلى أن يؤديها وأقام له بها فيما بعد
[ ٢٥٣ ]
وقد كان قلج أرسلان أنفذ بعض مقدمي أصحابه إلى بلاد الروم في خلق كثير من التركمان لانجاد ملك القسطنطينية على بيمند ومن معه من الافرنج الواصلين إلى الشام فانصرفوا إلى ملك الروم وما حشده من عساكر الروم فلما اجتمع للفريقين ما اجتمع رتبوا المصاف والتقوا فاستظهر الروم على الافرنج وكسروهم كسرةً شنيعةً أتت على أكثرهم بالقتل والأسر وتفرق السالم الباقي منهم عائدين إلى بلادهم وفصل أصحاب قلج أرسلان الأتراك إلى أماكنهم بعد أن أكرمهم وخلع عليهم وأحسن إليهم ولما عاد جاولي سقاوه إلى الرحبة ونزل على الموصل راسل أهلها والجند بها فلم يمكنهم المدافعة له عنها ولا المراماة دونها فسلموها إليه بعد أخذ الأمان منه على من حوته وكان ولد قلج قد دخلها فقبض عليه وسيره إلى السلطان محمد ولم يزل مقيمًا عنده إلى أن هرب من المعسكر في أوائل سنة ٥٠٣ وعاد إلى مملكة أبيه ببلاد الروم ويقال انه لما وصل إليها عمل على ابن عمه وقتله واستقام له أمر المملكة بعده وفي هذه السنة وصل إلى دمشق الأمير الأصفهبد التركماني من ناحية عمله فأكرمه ظهير الدين وأحسن تلقيه وأقطعه وادي موسى ومآب والشراة والجبال والبلقاء وتوجه إليها في عسكره وكان الافرنج قد نهضوا إلى هذه الأعمال وقتلوا فيها وسبوا ونهبوا ما قدروا عليه منها فلما وصل إليها وجد أهلها على غاية من الخوف وسوء الحال عما جرى عليهم من الافرنج فأقام بها. ونهض الافرنج إليه لما عرفوا خبره من ناحية البرية ونزلوا بإزاء المكان الذي هو نازل به وأهملوه إلى أن وجدوا الفرصة فيه فكبسوه على غرة فانهزم في أكثر عسكره وهلك باقيه واستولوا على سواده ووصل إلى عين الكتيبة من ناحية حوران والعسكر الدمشقي نازل عليها فتلقاه ظهير الدين متوجعًا له بما جرى عليه ومسليًا عما ذهب منه وعوضه وطلق له ما صلحت به حاله
[ ٢٥٤ ]