فيها وصل الأمير ناصر الدولة وسيفها ذو المجدين أبو محمد الحسين بن الحسن ابن حمدان إلى دمشق واليًا عليها دفعةً ثانيةً بعد أولى في يوم الاثنين النصف من رجب منها وأقام يسوس أحوالها ويستخرج أموالها إلى أن ورد عليه الأمر من الحضرة بمصر بالمسير في العسكر إلى حلب فتوجه إليها في العسكر في السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة ٤٥٢ واتفقت الوقعة المشهورة المعروفة بوقعة الفنيدق بظاهر حلب في يوم الاثنين مستهل شعبان من السنة بين ناصر الدولة المذكور وعسكره وبين جميع العرب الكلابيين ومن انضم إليهم فكسرت العرب عسكر ناصر الدولة واستولوا عليهم ونكوا فيهم وأفلت ناصر الدولة منهزمًا مجروحًا مفلولًا وعاد إلى مصر.
[ ١٤٢ ]
ولم تزل الأخبار متواترة من ناحية العراق بظهور المظفر أبي الحرث أرسلان الفساسيري وقوة شوكته وكثرة عدته وغلبة أمره على الامام القائم بأمر الله أمير المؤمنين وقهر نوابه وامتهان خاصته وأصحابه وخوفهم من شره حتى أمضى أمره إلى أن يأخذ الجاني من حرم الخلافة ويفعل ما يشاء ولا يمانع له ولا يدافع عنه. وقد شرح الخطيب أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت البغدادي ﵀ في أخبار أهل بغداد ما قال فيه: ولم يزل أمر القائم بأمر الله أمير المؤمنين مستقيمًا إلى أن قبض عيه أرسلان الفساسيري في سنة ٤٥٠ وهو واحد من الغلمان الأتراك عظم أمره واستفحل شأنه لعدم نظرائه من الغلمان الأتراك والمقدمين والاسفهسلارية إلا إنه استولى على العباد والأعمال ومد يده في جباية الأموال وشاع بالهيبة أمره وانتشر بالقهر ذكره وتهيبته العرب والعجم ودعي له على كثير من منابر الأعمال
[ ١٤٣ ]
العراقية وبالأهواز ونواحيها ولم يكن القائم بأمر الله يقطع أمرًا دونه ولا يمضي رأيًا إلا بعد إذنه ورأيه ثم صح عنده سوء عقيدته وخبث نيته وانتهى ذلك إليه، من ثقات من الأتراك لا يشك في قولهم ولا يرتاب. وانتهى إليه إنه بواسط قد عزم على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة فكاتب السلطان طغرلبك محمد بن ميكال كذا وهو بنواحي الري يعرفه صورة حال الفساسيري ويبعثه على العود إلى العراق ويدارك أمر هذا الخارجي قبل تزايد طمعه وإعضال خطبه. وعاد الفساسيري من واسط وقصد دار الخلافة في بغداد وهي بالجانب الغربي في الموضع المعروف بدار إسحق فهجمها ونهبها وأحرقها ونقض أبنيتها واستولى على كل ما فيها.
[ ١٤٤ ]
ووصل السلطان طغرلبك إلى بغداد في شهر رمضان سنة ٤٤٧ وتوجه الفساسيري إلى الرحبة حين عرف وصول طغرلبك على الفرات وكاتب المستنصر بأمر الله صاحب مصر يذكر له كونه في طاعته وإخلاصه في موالاته وعزمه على إقامة الدعوة له في العراق وإنه قادر على ذلك وغير عاجز عنه فأنجده وساعده بالأموال وكتب له بولاية الرحبة. وأقام السلطان طغرلبك ببغداد سنةً كاملةً وسار منها إلى ناحية الموصل وأوقع بأهل سنجار وعاد منها إلى بغداد فأقام برهةً ثم عاد إلى الموصل وخرج منها متوجهًا إلى نصيبين ومعه أخوه إبراهيم ينال وذلك في سنة ٤٥٠. وحدث بين السلطان طغرلبك وأخيه إبراهيم خلف أوجب انفصاله عنه بجيش عظيم وقصد تاحية الري وقد كان الفساسيري كاتب إبراهيم ينال أخا السلطان طغرلبك يبعثه على العصيان لأخيه ويطمعه في الملك والتفرد به ويعده المعاضدة عليه والموازرة والمرافدة والشد منه وسار طغرلبك في أثر أخيه مجدًا وترك عساكره من ورائه فتفرقت غير إن وزيره عميد الملك الكندري وربيبه أنوشروان وزوجته خاتون وصلوا بغداد في من بقي معهم من العسكر في شوال سنة ٤٥٠. واتصلت الأخبار بلقاء طغرلبك وأخيه إبراهيم بناحية همذان وورد الخبر بذاك على خاتون وولدها والوزير وإن إبراهيم استظهر عليه وحصره في همذان فعند ذلك عزموا على المسير إلى همذان لانجاد السلطان فحين شاع الخبر بذاك اضطرب
[ ١٤٥ ]
أمر بغداد اضطرابًا شديدًا وخاف من بها وكثرت الأراجيف باقتراب أرسلان الفساسيري. وتوقف الكندري الوزير عن المسير فأنكرت خاتون ذلك عليه وهمت بالايقاع به وتوقف ابنها لتوقفهما عن المسير والانجاد للسلطان طغرلبك فنهضا للجانب الغربي من بغداد وقطعا الجسور من ورائهما وأنتهب دورهما واستولى من كان مع الخاتون من الغز على ما فيها من الأموال والأمتعة والأثاث والسلاح وتوجهت خاتون في العسكر إلى ناحية همذان وتوجه الوزير الكندري على طريق الأهواز. فلما كان يوم الجمعة السادس
من ذي القعدة ورد الخبر بأن أرسلان الفساسيري بالأنبار وسعى الناس إلى صلاة الجمعة بجامع المنصور فلم يحضر الامام وأذن المؤذن في المنارة ونزل منها وأعلم الناس إنه رأى العسكر عسكر الفساسيري بإزاء شارع دار الرقيق فبادروا إلى أبواب الجامع وشاهدت قومًا من أصحاب الفساسيري يسكنون الناس بحيث صلوا في هذا المكان اليوم في جامع المنصور الظهر أربعًا من غير خطبة وفي يوم السبت تاليه وصل نفر من عسكر الفساسيري وفي غدوة يوم الأحد دخل الفساسيري بغداد ومعه الرايات السود فضرب مضاربه على شاطئ دجلة واجتمع أهل الكرخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مظافرة الفساسيري وكان قد جمع العيار وأهل الفساد وأطمعهم في نهب دار الخلافة والناس إذ ذاك في ضر وجهد قد توالى عليهم الجدب وغلا السعر وعز الأقوات وأقام الفساسيري بمكانه والقتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن بدجلة. فلما كان يوم الجمعة الثاني دعي المستنصر بالله صاحب مصر على المنبر بجامع المنصور وزيد في الآذان حي على خير العمل. وشرع في بناء الجسر بعقد باب الطاق وكف الناس عن المحاربة أيامًا وحضر يوم الجمعة الثاني من الخطبة فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة. وخندق الخليقة القائم بأمر الله حول داره ورم ما تشعث منها ومن أسوار المدينة فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي والكرخ ونهض بهم إلى محاربة الخليفة ونشبت الحرب بين الفريقين يومين وقتل منهما الخلق الكثير. وأهل هلال ذي الحجة فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة فأضرم النار في الأسواق بنهر معلى وما يليه وعبر الناس لانتهاب دار الخليفة فنهب منها ما لا يحصى كثرةً وعظمًا. ونفذ الخليفة إلى مونس بن بدر الصقلي وكان قد ظاهر الفساسيري فاذم للخليفة في نفسه ولقيه قريش أمير بني عقيل فقبل الأرض دفعات وخرج الخليفة من الدار راكبًا وبين يديه راية سوداء وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة وعلى رأسه عمامة تحتها قلنسوة الأتراك عراضه وبين يديه وضرب له قريش خيمةً في الجانب الغربي فدخلها وأحدق به خدمه وماشى الوزير رئيس الرؤساء أبا القسم بن مسلمة الفساسيري ويده قابضة على يده وكمه وقبض على قاضي القضاة الدامغاني وجماعة معه وحملوا إلى الحريم الطاهري وقيد الوزير والقاضي. فلما كان يوم الجمعة الرابع عشر من ذي الحجة لم يخطب بجامع الخليفة وخطب في سائر الجوامع للمستنصر صاحب مصر وفي هذا اليوم انقطعت الدعوة لبني العباس في بغدادن ذي القعدة ورد الخبر بأن أرسلان الفساسيري بالأنبار وسعى الناس إلى صلاة الجمعة بجامع المنصور فلم يحضر الامام وأذن المؤذن في المنارة ونزل منها وأعلم الناس إنه رأى العسكر عسكر الفساسيري بإزاء شارع دار الرقيق فبادروا إلى أبواب الجامع وشاهدت قومًا من أصحاب الفساسيري يسكنون الناس بحيث صلوا في هذا المكان اليوم في جامع المنصور الظهر أربعًا من غير خطبة وفي يوم السبت تاليه وصل نفر من عسكر الفساسيري وفي غدوة يوم الأحد دخل الفساسيري بغداد ومعه الرايات السود فضرب مضاربه على شاطئ دجلة واجتمع أهل الكرخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مظافرة الفساسيري وكان قد جمع العيار وأهل الفساد وأطمعهم في نهب دار الخلافة
[ ١٤٦ ]
والناس إذ ذاك في ضر وجهد قد توالى عليهم الجدب وغلا السعر وعز الأقوات وأقام الفساسيري بمكانه والقتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن بدجلة. فلما كان يوم الجمعة الثاني دعي المستنصر بالله صاحب مصر على المنبر بجامع المنصور وزيد في الآذان حي على خير العمل. وشرع في بناء الجسر بعقد باب الطاق وكف الناس عن المحاربة أيامًا وحضر يوم الجمعة الثاني من الخطبة فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة. وخندق الخليقة القائم بأمر الله حول داره ورم ما تشعث منها ومن أسوار المدينة فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي والكرخ ونهض بهم إلى محاربة الخليفة ونشبت الحرب بين الفريقين يومين وقتل منهما الخلق الكثير. وأهل هلال ذي الحجة فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة فأضرم النار في الأسواق بنهر معلى وما يليه وعبر الناس لانتهاب دار الخليفة فنهب منها ما لا يحصى كثرةً وعظمًا. ونفذ الخليفة إلى مونس بن بدر الصقلي وكان قد ظاهر الفساسيري فاذم للخليفة في نفسه ولقيه قريش أمير بني عقيل فقبل الأرض دفعات وخرج الخليفة من الدار راكبًا وبين يديه راية سوداء وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة وعلى رأسه
[ ١٤٧ ]
عمامة تحتها قلنسوة الأتراك عراضه وبين يديه وضرب له قريش خيمةً في الجانب الغربي فدخلها وأحدق به خدمه وماشى الوزير رئيس الرؤساء أبا القسم بن مسلمة الفساسيري ويده قابضة على يده وكمه وقبض على قاضي القضاة الدامغاني وجماعة معه وحملوا إلى الحريم الطاهري وقيد الوزير والقاضي. فلما كان يوم الجمعة الرابع عشر من ذي الحجة لم يخطب بجامع الخليفة وخطب في سائر الجوامع للمستنصر صاحب مصر وفي هذا اليوم انقطعت الدعوة لبني العباس في بغداد
ولما كان اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة أخرج الخليفة القائم بأمر الله من الموضع الذي كان فيه وحمل إلى الأنبار ومنها إلى الحديثة في الفرات فجلس هناك وكان صاحب الحديثة الأمين مهارش هو المتولي لخدمة الخليفة فيها بنفسه وكان حسن الطريقة. ولما كان يوم الاثنين من ذي الحجة شهر الوزير رئيس الرؤساء وزير الخليفة على جمل وطيف به في محال الجانب الغربي ثم صلب بباب الطاق وخراسان وجعل على فكيه كلابان من حديد على جدع فمات ﵀ بعد صلاة العصر وأطلق القاضي الدامغاني بمال قرر عليه.
[ ١٤٨ ]
قال أبو بكر الخطيب ﵀: ثم خرجت يوم النصف من صفر سنة ٤٥١ من بغداد ولم يزل الخليفة في محبسه بالحديثة إلى أن عاد السلطان طغرلبك من ناحية الري إلى بغداد بعد أن ظفر بأخيه إبراهيم ينال وكسره وقتله ثم كاتب الأمير قريشًا باطلاق الخليفة إلى داره إلى ناحية العراق وجعل السفير بينه وبين طغرلبك في ذلك أبا منصور عبد الملك بن محمد بن يوسف وشرط أن يضمن الخليفة للفساسيري صرف طغرلبك عن وجهته. وكاتب طغرلبك مهارشًا في أمر الخليفة وإخراجه من محبسه فأخرجه وعبر به الفرات وقصد به تكريت في نفر من بني عمه وقد بلغه أن طغرلبك بشهرزور فلما قطع الطريق عرف أن طغرلبك قد حصل ببغداد فعاد راجعًا حتى وصل النهروان فأقام الخليفة هناك ووجه طغرلبك مضارب في الحال وفروشًا برسم الخليفة ثم خرج لتلقيه بنفسه وحصل الخليفة في داره ونهض طغرلبك في عسكر نحو الفساسيري وهو بسقي الفرات فحاربه إلى أن أظفره الله به وقتله وحمل رأسه إلى بغداد وطيف به فيها وعلق بإزاء دار الخلافة
[ ١٤٩ ]