في رجب منها وردت الأخبار بوصول الافرنج في البحر من بلادهم إلى ظاهر اللاذقية مشحونة بالتجار والأجناد والحجاج وغير ذلك وأن صنجيل المنازل لطرابلس استنجد بهم على طرابلس في مضايقتها والمعونة على ملكتها وأنهم وصلوا إليه فاجتمعوا معه على منازلتها ومضايقتها فقاتلوها أيامًا ورحلوا عنها. ونزلوا على ثغر جبيل فقاتلوه وضايقوه وملكوه بالأمان فلما حصل في ملكتهم غدروا بأهله ولم يفوا بما بذلوه من الأمان وصادروهم واستنفدوا أحوالهم وأموالهم بالعقوبات وأنواع العذاب.
[ ٢٣١ ]
وورد الخبر باجتماع الأميرين سكمان بن أرتق وجكرمش صاحب الموصل في عسكرهما وتعاهدا وتعاقدا على المجاهدة في أعداء الله الافرنج وبذل الطاعة والاستطاعة في حربهم ونزلا في أوائل شعبان من السنة برأس العين. ونهض بيمند وطنكري في عكسريهما من ناحية أنطاكية إلى الرها لانجاد صاحبها على الأميرين المذكورين فلما قربا من عسكر المسلمين النازلين على الرها تأهب كل من الفريقين للقاء صاحبه فالتقوا في تاسع شعبان فنصر الله المسلمين عليهم وعزموهم وقتلوا منهم مقتلة كثيرة وكانت عدتهم تزيد على عشرة آلاف فارس وراجل سوى السواد والاتباع وانهزم بيمند وطنكري في نفر يسير وكان نصرًا حسنًا للمسلمين لم يتهيأ مثله وبه ضعفت نفوس الافرنج وقلت عدتهم وفلت شوكتهم وشكتهم وقويت نفوس المسلمين وأرهنت وأرهفت عزائمهم في نصرة الدين ومجاهدة الملحدين وتباشر الناس بالنصر عليهم وأيقنوا بالنكاية فيهم والادالة منهم
وفي هذا الشهر ورد الخبر بنزول بغدوين ملك الافرنج صاحب بيت المقدس في عسكره على ثغر عكا ومعه الجنويون والمراكب في البحر والبر وهم الذين كانوا ملكوا ثغر جميل في نيف وتسعين مركبًا فحصروه من جهاته وضايقوه من جوانبه ولازموه بالقتال إلى أن عجز واليه ورجاله عن حربهم وضعف أهله عن المقاتلة لهم وملكوه بالسيف قهرًا. وكان الوالي به الأمير زهر الدولة بنا الجيوشي قد خرج منه لعجزه عن حمايته وضعفه عن المراماة دونه وأنفذ يلتمس منهم الأمان له ولأهل الثغر ليأسه من وصول نجدة أو معونة فلما ملك الثغر تم على حاله منهزمًا إلى دمشق فدخلها وأكرمه ظهير الدين أتابك وأحسن تلقيه وكان وصوله إلى دمشق في يوم
[ ٢٣٢ ]
الخميس لثلاث بقين من شعبان وتقدم شمس الملوك دقاق وظهير الدين أتابك في حقه بما طيب نفسه وأكد أنسه وأقام بدمشق إلى أن تسهلت له السبيل في العود إلى مصر فتوجه إليها عائدًا ووصل إليها سالمًا وأوضح عذره فيما تم عليه من الغلبة فقبل عذره بعد الانكار عليه والغيظ من فعله وفي هذه السنة عرض للملك شمس الملوك دقاق بن السلطان تاج الدولة صاحب دمشق مرض تطاول به ووقع معه تخليط الغذاء أوجب انتقاله إلى علة الدق فلم يزل به وهو كل يوم في ضعف ونقص فلما أشفى ووقع اليأس من برءه وانقطع الرجاء من عافيته تقدمت إليه والدته الخاتون صفوة الملك بأن يوصي بما في نفسه ولم يترك أمر الدولة وولده سدىً فعند ذلك نص على الأمير ظهير الدين أتابك في الولاية بدمشق من بعده والحضانة لولده الصغير تتش بن دقاق بن تاج الدولة إلى حين يكبر واحسان تربيته وألقى إليه ما كان في نفسه وتوفي إلى رحمة الله في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان من السنة
وقد كان ظهير الدين أتابك قبل هذه الحال في عقابيل مرض أشفى منه وتداركه من الله تعالى العافية وابل من مرضه وشرع في احسان السيرة في العسكرية والرعية وأحسن إلى الأمراء والمقدمين من الدولة
[ ٢٣٣ ]
وأطلق يده من الخزانة في الخلع والتشريفات والصلات والهبات وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وأقام الهيبة على المفسدين المسيئين وبالغ في الاحسان إلى المطيعين والمحسنين وتألف القلوب بالعطاء واستمال الجانح بالتردد والحباء واستقامت له الأمور واجمع على طاعته الجمهور. وقد كان الملك شمس الملوك قد حمل على الرئيس أبي محمد بن الصوفي رئيس دمشق إلى أن قبض عليه في سنة ٤٩٦ وبقي معتقلًا إلى أن قررت عليه مصالحة نهض فيها وقام بها وبعد ذلك عرض له مرض قضى فيه محتوم نحبه وصار منه إلى ربه وقام بعده في منصبه ولده أبو المجالي سيف وأخوه أبو الذواد المفرج وكتب لهما المنشور في الاشتراك في الرئاسة وأحضرهما ظهير الدين أتابك عقيب وفاة شمس الملوك وطيب نفسيهما ووكد الوصية عليهما في استعمال النهضة في سياسة الرعايا وإنهاء أحوالهما فيما يستمر عليها من صلاح وفساد ليقابل المحسن إليها بالاحسان والجاني عليها بالتأديب والهوان فامتثلا أوامره وعملا بأحكامه. فكان الملك شمس الملوك ﵀ قبل وفاته قد سير أخاه الملك ارتاش ابن السلطان تاج الدولة إلى حصن بعلبك ليكون به معتقلًا عند واليه فخر الدولة خادم أبيه كمشتكين التاجي فرأى ظهير الدين أتابك في حكم ما يلزمه لأولاد تاج الدولة ان أرسل الخادم المذكور في اطلاقه واحضاره إلى دمشق فوصل إليها وتلقاه وأكرمه وبجله وخدمه وأقامه في منصب أخيه شمس الملوك وتقدم إلى الأمراء والمقدمين والأجناد بالطاعة لأمره والمناصحة في خدمته وأجلسه في دست المملكة في يوم السبت لخمس بقين من ذي الحجة سنة ٤٩٧ فاستقامت بذلك الأمور وسكنت إليه نفوس الجمهور.
[ ٢٣٤ ]
واتفق للأمر المقضي الذي لا يدافع والمحتوم الذي لا يمانع من سعى في افساد هذا التدبير ونقض هذا التقرير فأوحش الملك محيي الدين ارتاش من ظهير الدين أتابك ومن الخاتون صفوة الملك والدة شمس الملوك وأوقعت أمه في نفسه الخوف منهما وأوهمته انهما ربما عملا عليه فقتلاه والأمر بالضد مما نقله الواشي إليه وألقاه فخاف منهما وحسن له الخروج من دمشق ومملكتها والعود إلى بعلبك لتجتمع إليه الرجال والعسكرية فخرج منها سرًا في صفر سنة ٤٩٨ وخرج ايتكين الحلبي صاحب بصرى إليها هاربًا لتقرير كان بينهما في هذا الفساد فعاثا في ناحية حوران وراسلا بغدوين ملك الافرنج بالاستنجاد به وتوجها نحوه وأقاما عنده مدةً بين الافرنج يحرضانه على المسير إلى دمشق ويبعثانه على الافساد في أعمالها فلم يحصلا منه على حاصل ولا ظفرا بطائل فحين يئسا من المعونة وخاب أملهما في الاجابة توجها إلى ناحية الرحبة في البرية. واستقام الأمر بعدهما لظهير الدين أتابك وتفرد بالأمر واستبد بالرأي وحسنت أحوال دمشق وأعمالها بإيالته وعمرت بجميل سياسته. وقضى الله تعالى بوفاة تتش ولد الملك شمس الملوك دقاق المقدم ذكره في هذه الأيام. واتفق إن الأسعار رخصت والغلات ظهرت وانبسطت الرعية في
[ ٢٣٥ ]
عمارة الأملاك في باطن دمشق وظاهرها لاحسان سيرته واجمال معاملته وبث العدل فيهم وكف أسباب الظلم عنهم وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية طرابلس بظهور فخر الملك ابن عمار صاحبها في عسكره وأهل البلد وقصدهم الحصن الذي بناه صنجيل عليهم وإنهم هجموا عليه على غرة ممن فيه فقتل من به ونهب ما فيه وأحرق وأخرب وأخذ منه السلاح والمال والديباج والفضة الشيء الكثير وعاد إلى طرابلس سالمًا غانمًا في التاسع عشر من ذي الحجة. وقيل إن بيمند صاحب انطاكية ركب في البحر ومضى إلى الافرنج يستصرخها ويستنجد بهم على المسلمين في الشام وأقام مدة وعاد عنهم منكفئًا إلى انطاكية