قد ذكرنا ما ذكرناه من الحوادث في سنة ٥٠٦ وسياقة الأمر إلى أوائل سنة ٥٠٧ رغبةً في صلة الحديث ورغبةً عن قطعه. ولما كان يوم الجمعة الأخيرة من شهر ربيع الآخر سنة ٥٠٧ دخل الأمير مودود من مخيمه بمرج باب الحديد إلى الجامع على رسمه ومعه أتابك فلما قضيت الصلاة وتنفل بعضها مودود وعادا جميعًا وأتابك أمامه على سبيل الاكرام له وحولهما من الديلم والخراسانية والأحداث والسلاحية بأنواع السلاح من الصوارم المرهفة والصمصامات الماضية والنواحل المختلفة والخناجر المجردة ما شاكل الأجمة المشتبكة والغيضة الآشبة والناس حولهما لمشاهدة زيهما وكبر شأنهما فلما حصلا في صحن الجامع وثب رجل من بين الناس لا يؤبه له ولا يحفل به فقرب من الأمير مودود كأنه يدعو له ويتصدق منه فقبض ببند قبائه بسرعة وضربه بخنجره أسف سرته ضربتين إحداهما نفذت إلى خاصرته والأخرى إلى فخذه هذا والسيوف تأخذه من كل جهة وضرب بكل سلاح وقطع رأسه ليعرف شخصه فما عرف وأضرمت له نار فألقي فيها. وعدا أتابك خطوات وقت الكائنة وأحاط به أصحابه ومودود متماسك يمشي إلى أن قرب من الباب
[ ٢٩٨ ]
الشمالي من الجامع ووقع فحمل إلى الدار الأتابكية وأتابك معه ماش واضطرب الناس اضطرابًا شديدًا وماجوا واختلفوا ثم سكنوا بمشاهدتهم له يمشي وظنوا به السلامة وأحضر الجرائحي فخاط البعض وتوفي ﵀ بعد ساعات يسيرة في اليوم المذكور فقلق أتابك لوفاته على هذه القضية وتزايد حزنه وأسفه وانزعاجه وكذلك سائر الأجناد والرعية وتألموا لمصابه وزاد التأسف والتلهف عليه وكفن ودفن وقت صلاة العصر من اليوم في مشهد داخل باب الفراديس من دمشق وكل عين تشاهده باكية والمدامع على الوجنات جارية. وشرع أصحابه في التأهب للعود إلى أماكنهم من الموصل وغيرها من البلاد وتقدم أتابك بإطلاق ما يستدعونه لسفرهم واستصحبوا معهم أثقاله وجواهره وماله
وقد كانت سيرته في ولايته حائرةً وطريقته في رعية الموصل غير حميدة وهرب خلق كثير من ولايته لجوره فلما بلغه تغير نية السلطان فيه عاد عن تلك الطريقة وحسنت أفعاله وظهر عدله وانصافه واستأنف ضد ما عرف منه وسمع عنه ولزم التدين والصدقات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المكروه فشاعت بالجميل أخباره وبحسن الارتضاء آثاره ثم توفي سعيدًا مقتولًا شهيدًا ولم يزل مدفونًا في ذلك المشهد مخدوم القبر بالقومة والقراءة إلى آخر شهر رمضان من السنة ووصل من عند ولده وزوجته من حمل تابوته إليهما
[ ٢٩٩ ]
وفي هذه السنة ورد الخبر من بغداد بوفاة الفقيه الامام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي ﵀ ببغداد يوم السبت الخامس والعشرين من شوال منها وقد انتهت الرئاسة إليه على أصحاب الشافعي ودفن في تربة شيخه أبي إسحق الشيرازي ﵀ قد تقدم من ذكر ما كان من نوبة صور وانتقال ولايتها إلى ظهير الدين أتابك واستنابته مسعودًا في حفظها وحمايتها وتدبير أمرها وانفاذ رسوله إلى الأفضل بشرح حالها ولم يزل الرسول المسير إلى مصر مقيمًا بها إلى ذي الحجة من سنة ٥٠٦ وظهر للأفضل صورة الحال فيها وجلية الأمر بها وأعاد الرسول بالجواب الجميل وإن: هذا أمر وقع منا أجمل موقع وأحسن موضع واستصواب رأي ظهير الدين فيما اعتمده وإحماد ما قصده. وتقدم بتجهيز الاسطول إليها بالغلة والميرة ومال النفقة في الأجناد والعسكرية وما يباع على الرعية من الغلات ووصل الاسطول بذلك إلى صور ومقدمه شرف الدولة بدر بن أبي الطيب الدمشقي الوالي كان بطرابلس عند تملك الافرنج لها في آخر صفر سنة ٥٠٧ بكل ما يحتاج إليه فرخصت الأسعار بها وحسنت حالها واستقام أمرها وزال طمع الافرنج فيها. ووصل في جملته خلع فاخرة من طرف مصر رسم ظهير الدين وولده تاج الملوك بوري وخواصه ولمسعود الوالي المستناب بها وأقام الاسطول عليها إلى أن استقام الريح له فأقلع عنها في العشر الأخير من شهر ربيع الأول منها. وأرسل بغدوين الملك إلى الأمير مسعود واليها يلتمس منه المهادنة والموادعة والمسالمة لتحسم أسباب الأذية عن الجانبين فأجابه إلى ذلك
[ ٣٠٠ ]
وانعقد الأمر بينهما على السداد واستقامت الأحوال على المراد وأمنت السابلة للمترددين والتجار والسفار الواردين من جميع الأقطار وتوفي ﵀ في عاشر شوال سنة ٥٠٧ وقد كان صاحب أنطاكية لما فصل عن الملك بغدوين بعسكره عائدًا إلى أنطاكية فسح عنه ولد الملك تكش بن السلطان البارسلان وقصد صور وأنفذ إلى ظهير الدين أتابك في الوصول إلى دمشق فأجابه بالاعتذار الجميل والاحتجاج المقبول ودفعه أحسن دفع فلما أيسه توجه إلى مصر ولقي من الأفضل ما أحب من الإكرام والمزيد من الاحترام والانعام واطلاق ما يعود إليه بصالح الحال وتحقيق الآمال
وفي جمادى الآخرة وردت الأخبار من ناحية حلب بمرض عرض للملك فخر الملوك رضوان صاحبها وأنه أقام به واشتد عليه وتوفي ﵀ في الثامن والعشرين من الشهر فاضطرب أمر حلب لوفاته وتأسف أصحابه لفقده وقيل أنه خلف في خزانته من العين والعروض والآلات والأواني تقدير ستمائة ألف دينار وتقرر الأمر بعده لولده البارسلان وعمره ست عشرة سنة وفي كلامه حبسة وتمتمة وأمه بنت الأمير ياغي سيان صاحب أنطاكية وقبض على جماعة من خواص أبيه فقتل بعضًا وأخذ مال بعض ودبر الأمر معه خادم أبيه لؤلؤ فأساء كل واحد منهما التدبير وقبض على أخويه ملك شاه من أمه وأبيه ومبارك من أبيه وجارية وقتلهما. وقد كان أبوه الملك رضوان في مبدأ أمره فعل مثل فعله بقتل أخويه من تاج الدولة أبي طالب وبهرام شاه وكانا على غاية من حسن الصورة فلما توفي كان ما فعل بولديه مكافأة عما اعتمده في أخويه.
[ ٣٠١ ]
وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب واشتدت شوكتهم بها وخاف ابن بديع رئيس الأحداث بحلب وأعيان البلد منهم لكثرتهم وشد بعضهم من بعض وحماية من يلجأ إليهم منهم لكثرتهم وكان الحكيم المنجم وأبو طاهر الصائغ أول من أظهر هذا المذهب الخبيث بالشام في أيام الملك رضوان واستمالا إليه بالخدع والمحالات ومال إليهم خلق كثير من الاسماعيلية بسرمين والجور وجبل السماق وبني عليم فشرع ابن بديع رئيس حلب في الحديث مع الملك البارسلان بن رضوان في أمرهم وقرر الأمر معه على الايقاع بهم والنكاية فيهم فقبض على أبي ظاهر الصائغ وعلى كل من دخل في هذا المذهب وهو زهاء مائتي نفس وقتل في الحال أبو طاهر الصائغ واسمعيل الداعي وأخو الحكيم المنجم والأعيان المشار إليهم منهم وحبس الباقون واستصفيت أموالهم وشفع في بعضهم فمنهم من أطلق ومنهم من رمي من أعلى القلعة ومنهم من قتل وهرب جماعة أفلتوا إلى الافرنج وتفرقوا في البلاد ودعت الملك البارسلان الحاجة إلى من يدبر أمره ويثقف أوده فوقع اختياره على ظهير الدين أتابك صاحب دمشق فراسله في ذلك وألقى مقاليده إليه واعتمد في صلاح أحواله عليه وسأله الوصول إلى حلب والنظر في مصالحها وأوجبت الصورة أن خرج الملك نفسه في خواصه وقصد أتابك في دمشق ليجتمع معه ويؤكد الأمر بينه وبينه فوصل إليه في النصف من شهر رمضان من السنة فلقيه أتابك بما يجب لمثله من تعظيم مقدمه واجلال محله وأدخله إلى قلعة دمشق وأجلسه في دست عمه شمس الملوك
[ ٣٠٢ ]
دقاق بن تاج الدولة وقام هو والخواص في خدمته وحمل إليه ما أمكن حمله من تحف وألطاف تصلح لمثله وكذلك لجميع من وصل في صحبته وأقام أيامًا على هذه الحال وتوجه عائدًا إلى حلب في أوال شوال من السنة ومعه ظهير الدين أتابك في أكثر عسكره ووصل إلى حلب وأقام أيامًا. وأشار عليه قوم من أصحابه بالقبض على جماعة من أعيان عسكره وعلى وزيره أبي الفضل بن الموصول وكان حميد الطريقة مشهورًا بفعل الخير وتجنب الشر ففعل ذلك واستخلص ظهير الدين أتابك من جملتهم الأمير كمشتكين البعلبكي مقدم عسكره وخالف ما في نفس أتابك من صائب الرأي ومحمود التدبير فحين شاهد الأمر على غير السداد والصواب وبان له فساد التدبير واختلاف التقدير رأى أن الانكفاء إلى دمشق أصوب ما قصد وأحسن ما اعتمد وفي صحبته والدة الملك رضوان لرغبتها في ذلك وايثارها له. ولما حصل في دمشق اتصلت المراسلة بينه وبين بغدوين ملك الافرنج في ايقاع المهادنة والموادعة والمسالمة لتعمر الأعمال بعد الأخراب وتأمن السوابل من شر المفسدين والخراب فاستقرت هذه الحال بينهما واستحلف كل واحد منهما صاحبه على الثبات والوفاء واخلاص المودة والصفاء وأمنت المسالك والأعمال وصلحت الأحوال وتوفر الاستغلال
وفي هذه السنة ورد الخبر من شيزر بأن جماعة من الباطنية من أهل أفامية وسمين ومعرة النعمان ومعرة نصرين في فصح النصارى وثبوا في حصن شيزر على غفلة من أهله في مائة راجل فملكوه وأخرجوا جماعةً وأغلقوا باب الحصن وصعدوا إلى القلعة فملكوها وأبراجها وكان بنو منقذ أصحابها قد خرجوا لمشاهدة عيد النصارى وكان هذا أمر قد
[ ٣٠٣ ]
رتب في المدة الطويلة وقد كانوا أحسنوا إلى هؤلاء المقدمين على الفساد كل الاحسان فبادر أهل شيزر قبل وصولهم إلى الباشورة ورفع الحرم بالحبال من الطاقات وصاروا معهم وأدركهم الأمراء بنو منقذ أصحاب الحصن وصعدوا إليهم وكبروا عليهم وقاتلوهم حتى الجأوهم إلى القلعة فخذلوا وذلوا وهجموا إليهم وتكاثروا عليهم وتحكمت سيوفهم فيهم فقتلوهم بأسرهم وقتل كل من كان على رأيهم في البلد من الباطنية ووقع التحرز من مثل هذه الحال