فيها برز الملك شمس الملوك دقاق وظهير الدين أتابك من دمشق في العسكر وقصد الرحبة ونزل عليها وضايق من بها وقطع أسباب الميرة عنها وأضر بالمضايقة إلى أن اضطر المقيم بها إلى طلب الأمان له ولأهل البلد فأومنوا وسلمت إليه بعد القتال الشديد والحرب المتصلة في جمادى الآخرة منها ورتب أمرها وندب من رآه من الثقات لحفظها وقرر أحوال من بها ورحل عنها في يوم الجمعة الثاني والعشرين منها منكفئًا إلى دمشق
[ ٢٢٩ ]
وفيها ورد الخبر من حمص بأن صاحبها الأمير جناح الدولة حسين أتابك نزل من القلعة إلى الجامع لصلاة الجمعة وحوله خواص أصحابه بالسلاح التام فلما حصل بموضع مصلاه على رسمه وثب عليه ثلاثة نفر عجم من الباطنية ومعهم شيخ يدعون له ويسمعونه في زي الزهاد فوعدهم فضربوه بسكاكينهم وقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه وكان في الجامع عشرة نفر من متصوفة العجم وغيرهم فاتهموا وقتلوا صبرًا مظلومين في الوقت عن آخرهم. وانزعج أهل حمص لهذا الحديث وأجفلوا في الحال وهربت أكثر سكانها من الأتراك إلى دمشق واضطربت الأحوال بها وراسلوا الملك شمس الملوك بدمشق يلتمسون انفاذ من يتسلم حمص ويعتمد عليه في حمايتها والذب عنها قبل انتهاء الخبر إلى الافرنج وامتداد أطماعهم فيها فسار الملك شمس الملوك وظهير الدين أتابك في العسكر من دمشق ووصل إلى حمص وتسلمها وحصل في قلعتها ووافق ذلك وصول الافرنج إليها ونزولهم على الرستن لمضايقتها ومنازلتها فحين عرفوا ذلك احجموا عن القرب إليها والدنو منها ورحلوا عنها وقد كان المعروف بالحكيم المنجم الباطني صاحب الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب أول من أظهر مذهب الباطنية في حلب والشام وهو الذي ندب الثلاثة النفر لقتل جناح الدولة بحمص وورد الخبر بهلاكه بعد الحادثة بأربعة عشر يومًا.
[ ٢٣٠ ]
ولما رتب شمس الملوك أمر حمص وقرر أحوالها وانكفأ عائدًا إلى دمشق في أول شهر رمضان خرجت العساكر المصرية من مصر إلى البر والاصطول في البحر مع شرف ولد الأفضل شاهنشاه وكتب في استدعاء المعونة على الجهاد وبنصرة العباد والبلاد بانفاذ العسكر الدمشقي فأجيب إلى ذلك وعاقت عن مسيره أسباب حدثت وصوادف صدفت ووصل أصطول البحر ونزل على يافا آخر شوال وأقام أيامًا وتفرق الاصطول والعساكر إلى الساحل وكانت الأسعار بها قد ارتفعت والأقوات قد قلت فصلحت بما وصل مع الاصطول من الغلة ورخص الأسعار إلا أن غارات الافرنج متصلة عليها وفي ذي القعدة من السنة تواترت الأخبار بخروج قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش من بلاد الروم طالبًا أنطاكية ووصوله إلى قريب من مرعش وجرى بينه وبين الأمير الدانشمند صاحب ملطية خلف ومنازعة أوجبت عوده عليه وإيقاعه به وفل عسكره والفتك برجاله ولما انكفأ بعد ذلك قيل أنه وصل إلى الشام وأرسل رسوله إلى حلب يلتمس الاذن للسفار بالوصول إلى عسكره بالمير والازواد وما يحتاج إليه سائر العسكرية والاجناد فسر الناس بذلك وتباشروا به