في هذه السنة عاد السلطان تاج الدولة عن نصيبين بعد ما جرى فيها طالبًا لابرهيم ابن قريش فلما عرف خبره جمع وحشد واستصرخ واستنجد وحصل في خلق عظيم ونزل بهم في المنزل المعروف بشرقي الهرماس ونزل السلطان تاج الدولة على دارا. فلما كان يوم الاثنين الثاني من شهر ربيع الأول من السنة التقى الجيشان على نهر الهرماس واختلط الفريقان واشتد القتال وانكشفت الوقعة عن قتل جماعة من الأتراك والعرب وعاد كل فريق منهما إلى مكانه فلما استقر بالعرب المنزل عاد عسكر تاج الدولة إليهم وهم غارون وحمل عليهم وهم غافلون فانهزمت العرب وأخذهم السيف فقتل منهم العدد الكثير والأكثر من الرجالة المقيمين في المخيم وقتل الأمير ابرهيم بن قريش وجماعة من الأمراء والمقدمين من بني عقيل وغيرهم وقيل أن تقدير القتلى من الفريقين عشرة ألف رجل واستولى النهب والسلب والسبي على من وجد في المخيم وامتلأت الأيدي من الغنائم والسواد والمواشي والكراع بحيث بيع الجمل بدينار واحد والمائة شاة بدينار واحد ولم يشاهد أبشع من هذه الوقعة ولا أشنع
[ ٢٠٢ ]
منها في هذا الزمان وقتل بعض نسوان العرب أنفسهن اشفاقًا من الهتيكة والسبي. ولما عادوا بالأسرى والسبي وحصلوا بشاطي الفرات ألقى جماعة من الأسرى أنفسهم في الفرات فهلكوا وقصد السلطان تاج الدولة ديار بكر ونزل على آمد وضايقها وملكها من ملكة ابن جهير المقيم بها مع الجزيرة وولاه نصيبين عوضًا عن الجزيرة وملك آمد من ابن مروان وتسلم ميافارقين وأعمالها وقرر أمرها وأنفذ ولاته إلى الموصل وسنجار وملك الأعمال وانهزم بنو عقيل من منازلهم وبلادهم وتوجهوا نحو السلطان بركيارق بن ملك شاه وكان علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش ووالدته خاتون بنت السلطان محمد ابن داود كذا عمة السلطان ملك شاه يشكون ما نزل به من السلطان تاج الدولة
ولما تهيأ لتاج الدولة ما تهيأ وما أمله من ملكة البلاد وطاعة العباد قويت شوكته وكثرت عدته وعدته وحدث نفسه بالسلطنة وتوجه إلى ناحية خراسان وليس يمر ببلد ولا معقل من المعاقل غلا خرج إليه أهله وبذلوا له الطاعة والمناصحة في الخدمة وأمره يستفحل وشأنه يعظم. وفصل عنه قسيم الدولة صاحب حلب وعماد الدولة بوزان صاحب الرها مغاضبين وقصدا ناحية السلطان بركيارق بن ملك شاه مخالفين له وعاصيين عليه واقتضت الحال عود تاج الدولة إلى ديار بكر ونزل على مدينة سروج فملكها وولى فيها وفي الجزيرة من ارتضاه من ثقات
[ ٢٠٣ ]
خواصه. واتصل به خبر وصول الأمير قسيم الدولة اق سنقر صاحب حلب ومويد الدولة صاحب الرها الذين كانا فارقاه إلى السلطان بركيارق ودخولهما عليه وإكرامه لهما وحسن موقع وصولهما منه وسروره بمقدمهما عليه وأنهما شرعا في وقوع في ناحية تاج الدولة والتحذير من الاهمال لأمره والتحريض على معاجلته قبل اعضال خطبه وتمكنه من الغلبة على السلطنة والاستيلاء على أعمال المملكة وأشارا عليه بالمسير في هذا الوقت وطلبا منه من يسير معهما لايصالهما إلى بلديهما حلب والرها فسار معهما لايصالهما إلى الموصل ورد بني عقيل إليهم وقدم عليًا من شرف الدولة مسلم بن قريش عليهم ولقبه سعد الدولة. فوصل قسيم الدولة إلى حلب في شوال سنة ٤٨٦ ومعه جماعة من بني عقيل وبعض عسكر السلطان بركيارق بحيث وصل إلى حلب وانتهى الخبر بذاك إلى تاج الدولة فنهض في العسكر من ناحية الرحبة إلى الفرات وقصد بلد أنطاكية وأقام بها وورد عليه الخبر بانكفاء السلطان من الرحبة إلى بغداد وأن عزمه أن يشتو بها وأقام تاج الدولة بأنطاكية مدة فقلت الأقوات وارتفعت الأسعار وخوطب في العود إلى الشام فلم يفعل وعاد إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة وفي جملته الأمير وثاب بن محمود بن صالح وبنو كامل وجماعة من العرب لم يجسروا على الاقامة بالشام خوفًا من قسيم الدولة صاحب حلب. وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كثير إلى ثغر صور لما عصى واليها الأمير منير الدولة الجيوشي وقد كان أهل صور أنكروا عصيانه وكرهوا خلفه لسلطانه أمير الجيوش بدر وعرف ذلك من نياتهم فحين اشتد القتال عليها نادوا بشعار المستنصر بالله وأمير الجيوش فهجم العسكر المصري على
[ ٢٠٤ ]
البلد ولم يدافع عنه مدافع ولا مانع دونه ولا ممانع ونهب وأسر منه الخلق الكثير وأخذ في الجملة منير الدولة الوالي وخواصه وأجناده وحملوا إلى مصر في يوم الرابع عشر من جمادى سنة ٤٨٦ وقطع على أهل البلد ستون ألف دينار أجحفت بأحوالهم واستغرقت جل أموالها ولما وصل الوالي منير الدولة ومن معه من أجناده وأصحابه تقدم أمير الجيوش بضرب أعناقهم ففعل ذلك ولم يعف عن واحد منهم وفي هذه السنة وردت الأخبار من العراق بإبطال مسير الحاج لاسباب دعت إلى ذاك والخوف عليهم في مسيرهم وسار الحاج من دمشق والشام في هذه السنة صحبة الأمير الخاني أحد مقدمي أتراك السلطان تاج الدولة بعد العقد له بولايته وتأكيد خطابه بحمايتهم ووصيته. فلما وصلوا وقصدوا مناسكهم وفروض حجهم تلوموا عن الانكفاء أيامًا خوفًا من أمير الحرم ابن أبي شيبة إذ لم يصل إليه من جهتهم ما يرضيه فلما رحلوا من مكة تبعهم في رجاله ونهبهم قريبًا من مكة فعادوا إلى مكة وشكوا إليه وتضوروا لديه مما نزل بهم مع بعد دارهم فرد عليهم البعض من جمالهم وقتل في الوقعة أخو الأمير الخاني المقدم فلما أيسوا من رد المأخوذ لهم ساروا من مكة عائدين على أقبح صفة فحين بعدوا عنها ظهر عليهم قوم من العرب من عدة جهات فأحاطوا بهم فصانعوهم على ما دفعوه إليهم هذا بعد أن قتل من الحجاج جماعة وافرة وهلك قوم بالضعف والانقطاع وجرى عليهم من العرب المكروه وعاد السالم منهم على أقبح حال وأكسف بال.
[ ٢٠٥ ]
وفيها توفي الامام أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن الحنبلي ﵀ في يوم الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة بدمشق وكان وافر العلم متين الدين حسن الوعظ محمود السمت