فيها اشتد خوف أهل صور من عند الافرنج إلى منازلتهم فأجمعوا أمرهم مع عز الملك أنوشتكين الأفضلي الوالي بها على تسليمها إلى ظهير الدين أتابك بحكم ما سبق من نصرته لهم في تلك النوبة ومعاضدته إياهم في تلك الشدة وندبوا رسولًا وثقوا به وسكنوا إليه في الحديث مع ظهير الدين أتابك في هذا الباب ووصل إلى بانياس وواليها الأمير سيف الدولة مسعود فتحدث معه وسار الأمير مسعود مع الرسول إلى دمشق لتقرير الحال بمحضر منه فصادف ظهير الدين أتابك قد توجه إلى ناحية حماة لتقرير الحال فيما بينه وبين فخر الملوك رضوان صاحب حلب فأشفق الأمير مسعود أن يتأخر الأمر إلى حين عود ظهير الدين من حماة فيبادر بغدوين بالنزول على صور ويفوت الغرض المطلوب فيها فقرر مع ولده تاج الملوك بوري النائب عنه في دمشق المصير معه إلى بانياس وانتهاز الفرصة في تسليم صور إليه فأجاب إلى ذلك وتوجه معه إلى بانياس وتم مسعود إلى صور ومعه من يعتمد عليه من العسكر ولم ينتظر وصول أتابك ووصل إليها وحصل بها. وانتهت الحال في ذلك إلى أتابك فانهض فرقةً وافرة من الأتراك إلى صور تقويةً لها فوصلت إليها وحصلت بها واستقر أمر الأتراك فيها وحمل إليها من دمشق ما أنفق فيهم وطيب نفوس أهل البلد وأجروا
[ ٢٩٠ ]
على الرسم في إقامة الدعوة والسكة على ما كانت عليه لصاحب مصر ولم يغير لهم رسم وكتب ظهير الدين أتابك إلى الأفضل بمصر يعلمه: أن بغدوين قد جمع وحشد للنزول على صور وأن أهلها استنجدوا بي عليه والتمسوا مني دفعه عنهم فبادرت بانهاض من أثق بشهامته لحمايتها والمراماة دونها إليه وحصلوا فيها ومتى وصل إليها من مصر من يتولى أمرها ويذب عنها ويحميها بادرت بتسليمها إليه وخروج نوابي منها وأنا أرجو أن لا يهمل أمرها وانفاذ الاسطول بالغلة إليها والتقوية لها. وحين عرف بغدوين هذا الخبر رحل في الحال من بيت المقدس إلى عكا فوجد الأمر قد فات وحصل بها الأتراك فأقام بعكا ووصل إليه من العرب الزريقيين من بلد عسقلان رجل يعلمه أن القافلة الدمشقية قد رحلت من بصرى إلى ديار مصر وفيها المال العظيم وأنا دليلك إليها وتطلق لي من أسر من أهلي فنهض بغدوين من وقته عن عكا في طلب القافلة واتفق أن بعض بني هوبر تخطف بعضها وخلصت منهم ووصلت إلى حلة بني ربيعة فمسكوها أيامًا وأطلقوها بعد ذلك وخرجت من نقب عازب وبينه وبين بيت المقدس مسافة يومين للفارس فلما حصلت بالوادي أشرفت الافرنج عليها فهرب من كان بها فالذي صعد منها الجبل سلم وأخذ ماله وأخذت العرب أكثر الناس فاشتمل الافرنج على ما فيها من الأمتعة والبضائع وتتبعت العرب من أفلت منهم فأخذوه وحصل لبغدوين منها ما يزيد على خمسين ألف دينار وثلاثمائة أسير وعاد إلى عكا ولم يبق بلد من البلاد إلا وقد أصيب بعض تجاره في هذه القافلة.
[ ٢٩١ ]
وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن موسى البلاساغوني التركي في يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة بدمشق ﵀ وهو معزول عن قضائها ولازم منزله
وفي هذه السنة وصل ابن الملك تكش ابن السلطان البارسلان أخي السلطان العادل ملك شاه إلى حمص هاربًا من ابن عمه السلطان غياث الدنيا والدين محمد ولم يمكنه المقام بحمص ولا حماة فتوجه إلى حلب وكان ولد فخر الملوك رضوان صاحب حلب في الدركاه السلطانية فأشفق من المقام بحلب فتوجه إلى طنكري صاحب أنطاكية فاستجاره فأجاره وأكرمه وأحسن إليه واجتمع إليه جماعة من الأتراك الذين مع طنكري فأقام عنده. وخرج طنكري من أنطاكية في أول جمادى الآخرة إلى ناحية كربيل مقدم الأرمن وكان قد هلك طمعًا في تملك بلاده فعرض له مرض في طريقه أوجب عوده إلى أنطاكية فاشتد به المرض فهلك في يوم الأربعاء الثامن من جمادى الآخرة وقام في الأمر بعده ابن أخيه سرجال فتسلم أنطاكية وأعمالها واستقام له الأمر فيها بعد أن جرى بين الافرنج خلف بسببه إلى أن أصلح بينهم القسوس وطلب من الملك رضوان مقاطعة حلب المستقرة
[ ٢٩٢ ]
فأجابه إلى ذلك ومبلغها عشرون ألف دينار والخيل وطلب مقاطعة شيزر فأجاب صاحبها إليها وهي عشرة آلاف دينار. وتواترت غارات بغدوين على عمل البثنية من أعمال دمشق وانقطعت الطريق وقلت الأقوات بها وغلا السعر فيها وتتابعت كتب ظهير الدين أتابك إلى الأمير شرف الدين مودود صاحب الموصل بشرح هذه الأحوال في هذه الأعمال وبعثه على الوصول إليه للاعتضاد على دفع المردة الاضداد والفوز بفضيلة الجهاد وكان مودود قد شنع عليه عند السلطان غياث الدنيا والدين بشناعات من الحال لفقها الحسدة الأعداء أوجبت استيحاشه منه وبعده عنه قيل في جملتها أنه عازم على الخلاف والعصيان وأن يده ويد أتابك قد صارت يدًا واحدة وأراؤهما متوافقة وأهواؤهما متطابقة. فما عرف ذلك سير ولده وزوجته إلى باب السلطان بأصفهان للتنصل والاعتذار وإبطال ما رمي إليه من المحال والتبرئ مما افتري عليه وعزي إليه والاستعطاف له والاعلام بأنه جار على ما ألف منه على اخلاص الطاعة والعبودية والمناصحة في الخدمة والاهتمام بالجهاد. ثم جمع عسكره من الأتراك والأكراد ومن أمكنه وتوجه إلى الشام وقطع الفرات في ذي القعدة من السنة. فحين اتصل خبره ببغدوين الملك قلق لذلك وانزعج لخبره. وكان جوسلين صاحب تل باشر قد اختلف هو وخاله بغدوين الرويس صاحب الرها وصار مع بغدوين صاحب بيت المقدس واقطعه طبرية واتفقا على أن راسل جوسلين لظهير الدين أتابك يبذل المصافاة والمودة ويرغبه في الموادعة والمسالمة ويسلم إليه حصن ثمانين المجاور لحصن وجبل عاملة ويتعوض عن ذلك بحصن الحبيس الذي في
[ ٢٩٣ ]
السواد ونصف السواد ويضمن عن بغدوين الوفاء بذلك والثبات على المودة والمصافاة وترك التعرض لشيء من أعمال دمشق ولا يعرض هو لشيء من أعمال الافرنج. فلم يجب إلى ذلك ونهض من دمشق في العسكر للقاء الأمير مودود والاجتماع به على الجهاد فاجتمعا بمرج سلمية واتفق رأيهما عرى قصد بغدوين وصارا وقد استصحب أتابك جميع العسكر ومن كان بحمص وحماة ورفنية ونزلا يوم عيد النحر بقدس ورحلا منها إلى عين الجر بالبقاع ثم منها إلى وادي التيم ثم نزلا بانياس ونهضت فرقة من العسكر فقصدت ناحية ثمانين فلم يظفر منها بمراد وعادت ووصل إليها بغدوين وقد كان لما ينس من إجابة أتابك إلى الموادعة وأصل الغارات والفساد في الشام إلى أن وصل عسكر السلطان إلى عمله. وبالغ أتابك فيما حمله إلى الأمير مودود وإعظامه وإكرامه وما حمله إليه وإلى مقدمي عسكره وخواصه من أنواع الملبوس والمأكول والمركوب ثم نهضوا معلمين على النزول على القحوانة ووصل إلى بغدوين سرخالة صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وأجمعوا رأيهم على النزول غربي جسر
[ ٢٩٤ ]
الصنبرة ثم يقطعون إلى القحوانة للقاء المسلمين وقد احتاطوا على أثقالهم وراء الجسر والمسلمون لا يعملون بذلك وأنهم قد عارضوهم في المسير إلى هذا المنزل. فسبق الأتراك إلى نزولهم في القحوانة وقطع بعد عسكر الأتراك الجسر لطلب العلوفات والزرع فصادفوا الافرنج قد ضربوا خيامهم وقد تقدم بغدوين المسبق إلى هذا المنزل ونزل صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وراءه يتبعونه إليه
ونشبت الحرب بين المتعلفة وبين الافرنج وصاح الصائح ونفر الناس وقطعوا الجسر وهم يظنون أنه جوسلين لأنه صاحب طبرية فوقف أتابك على الجسر وتسرع خلق كثير من العسكر إلى قطع الجسر وقطع الأمير تميراك بن أرسلانتاش في فريق وافر من العسكر ونشبت الحرب بين الفريقين من غيرتا هب للقاء ولا ضرب خيام ولا استقرار في منزل ولا مجال واختلط الفريقان فمنح الله الكريم له الحمد المسلمين النصر على المشكرين بعد ثلاث كرات فقتل فيها من الافرنج تقدير ألفي رجل من الأعيان ووجوه الأبطال والشجعان وملكوا ما كان نصب من خيامهم والكنيسة المشهورة وأفلت بغدوين بعد ما قبض وأخذ سلاحه وملكت دواب الرجالة وما كان لهم وغرق منهم خلق كثير في البحيرة واختلط الدم والماء وامتنع الناس من الشرب منها أيامًا حتى صفت منه وراقت والتجأ من نجا من الافرنج إلى طبرية وأكثرهم جرحى وذلك في يوم السبت الحادي عشر من المحرم سنة ٥٠٧. وبعد انفصال الأمر
[ ٢٩٥ ]
وصل باقي الافرنج أصحاب طنكري وابن صنجيل فلأمره على التسرع وفندوا رأيه ونصبوا ما كان سلم من خيامهم على طبرية وفي غد يوم الوقعة نهض فريق من عسكر الأتراك إلى ناحية طبرية وأشرفوا على الافرنج بناحية طبرية وعزموا على النزول إليهم والايقاع بهم فخافهم الافرنج وأيقنوا بالهلاك وأقام الأتراك على الجبل عامة نهارهم وانكفوا إلى معسكرهم وطلع الافرنج إلى الجبل وتحصنوا به لصعوبة مرتقاه وهو من غربي طبرية والماء ممتنع على من يكون فيه فعزم المسلمون على الصعود إليه مواقعتهم واستدعى أتابك العرب الطائيين والكلابيين والخفاجيين فوصلوا في خلق كثير بالمزادات والروايا والابل لحمل الماء وصعدت الطلائع إلى الجبل من شماله وعرفوا أن هذا الجبل لا يمكن الحرب فيه لصعوبته على الفارس والراجل. وعلم المسلمون أن الظفر قد لاحت دلائله واماراته والعدو قد ذل وانخزل وفل وانخذل وسرايا الاسلام قد بلغت في النهيض إلى أرض بيت المقدس ويافا وأخربت أعمالهم ودوختها واستاقت عواملها ومواشيه وغنمت ما وجدته فيها فانثنى الرأي عن الصعود ودامت الحال على هذه القضية إلى آخر صفر وعقيب هذه النوبة وصل من حلب من عسكر الملك فخر الملوك رضوان مائة فارس على سبيل المعونة خلاف ما كان قرره وبذله فأنكر ظهير الدين أتابك وشرف الدين مودود ذلك منه وأبطلا العمل بما كانا عزما عليه من الميل إليه وإقامة الخطبة له وذلك في أول شهر ربيع الأول سنة ٥٠٧ وسيرا رسولًا إلى السلطان غياث الدنيا والدين إلى مدينة أصفهان بالبشارة بهذا الفتح ومعه جماعة من أسارى الافرنج ورؤسهم وخيولهم وطوارقهم ومضاربهم وأنواع سلاحهم
[ ٢٩٦ ]
ثم إن العسكر رحل من المنزل إلى وادي المقتول ونزل الافرنج عند ذلك عن الجبل إلى منزلهم والتجأوا إلى جبل في المنزل وتواصلت إليهم ميرهم وازوادهم وأمدادهم من أعمالهم فعاد إليهم عسكر الأتراك من منزلهم جرائد في بضع عشرة كردوسًا ولزموا ذلك أيامًا يرومون أن يخرجوا إليهم فلم يظهروا للحرب ولازم بعضهم بعضًا الفارس والراجل في مكان واحد لا يظهر منهم شخص وجعل الأتراك يحملون عليهم فيصيبون منهم بالنشاب ما يقرب منهم ويمنعون الميرة والعلوفة عنهم وقد أحدقوا بهم كالنطاق وهالة بدر الآفاق فاشتد الأمر بهم فرحلوا عن منزلة في ثلاثة أيام تقدير فرسخ عائدين. فلما كان الليل قصدوا الجبل الذي كانوا أولًا عليه ملتجئين إليه ومحتمين به وواظب المسلمون قصدهم والتلهف على ما يفوت منهم ومن غنائمهم بالاستمرار على الاحجام عن ظهورهم على أن مقدمي العسكر يمنعونهم من التسرع إليهم والاقدام في منزلهم عليهم ويعدونهم بفرصة تنتهز فيهم. فطال أمد المقام وضاقت صدور أصحاب مودود لبعد ديارهم وتأخر عودهم وتعذر أوطارهم فتفرق أكثرهم وعادوا إلى بلادهم فاستأذن آخرون في العود فأذن لهم وعزم مودود على المقام بالشام والقرب من العدو ينتظر ما يصله من الأمر السلطاني والجواب عما أنهاه وطالع به فيعمل بحسبه. ولم يبق في بلاد الافرنج مسلم إلا وأنفذ يلتمس الأمان من أتابك وتقرير حاله ووصل إليه بعض ارتفاع نابلس ونهبت بيسان ولم يبق بين عكا والقدس ضيعة عامرة والافرنج على حالهم في التضييق عليهم والحصر لهم على الجبل. واقتضى الرأي عود أتابك ومودود فعادا إلى دمشق في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٥٠٧ ونزل مودود في حجرة
[ ٢٩٧ ]
الميدان الأخضر وبالغ أتابك في إكرامه واحترامه وإعظامه بما يجد إليه السبيل وتأكدت المودة بينهما والمصافاة وتولى خدمته بنفسه وخاصته وواصلا صلاة الجمعة جميعًا في مسجد الجامع بدمشق والتبرك بنظر المصحف الكريم الذي كان حمله عثمان بن عفان ﵁ من المدينة إلى طبرية وحمله أتابك من طبرية إلى جامع دمشق