قد تقدم من شرح ولاية القائد المذكور لدمشق والسبب لذلك وما آلت الحال إليه ما في معرفته الغناء والكفاية. ولما وردت المكاتبات من مصر عقيب انجلاء فتنة القائد أبي محمد الحسن بن عمار شيخ كتامة بتجديد البيعة للحاكم بأمر الله بما يطيب قلوب أهل البلد ويبعثهم على الوثوب على سليمان وكان هذا القائد المذكور مشهورًا بالكفاية والغناء وتوقد اليقظة في أحواله والمضاء لكنه كان مستهترًا بشرب الراح واستماع الغناء والتوفر على اللذة ولما وردت المطلقات المصرية بما اشتملت عليه في حقه وهو منهمك في لهوه لم يشعر إلا بزحف العامة والمشارقة إلى قصره وهجومهم عليه فخرج هاربًا على ظهر فرسه فنهبت خزائنه وأمواله وعدده وأوقعوا من كان في البلد معه من كتامة وقتلوا منهم عدةً وافرةً وعادت الفتنة ثائرةً واقتسم الرؤساء الأحداث حال البلد، وكان يكتب لبرجوان فهد بن إبراهيم النصراني فلما صار الأمر إليه استوزره وكان أبناء القبط بريف مصر واستكتب أبا الفتح أحمد بن أفلح على ديوان الرسايل. ولم يزل برجوان يتلطف للحسن بن عمار إلى أن أخرجه من استتاره وأعاده إلى داره وأجراه على رسمه في راتبه واقطاعاته بعد أن شرط عليه اغلاق بابه والا يداخل نفسه فيما كان يداخلها فيه ولا يشرع في فساد على الحاكم ولا على برجوان وأخذ العهد عليه بذلك واستحلفه بأوكد الأيمان وبالغ في التوثق منه.
[ ٨٢ ]
وكان أهل صور في هذه السنة التي هي سنة ٨٧ قد عصوا وأمروا عليهم رجلًا ملاحًا من البحرية يعرف بالعلاقة وقتلوا أصحاب السلطان واتفق إن المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة ونهب ما كان في السواد وأطلق يد العيث في البلاد وانضاف إلى هاتين الحادثتين خروج الدوقس عظيم الروم في عسكر كثير إلى الشام ونزوله على حصن أفامية فاصطنع برجوان القائد جيش بن الصمصامة وقدمه وجهز معه ألف رجل وسيره إلى دمشق وأعمالها وبسط يده في الأموال ورد إليه تدبير الأعمال فسار جيش ونزل على الرملة والوالي عليها وحيد الهلالي ومعه خمسة ألف رجل ووافاه ولاة البلد وخدموه وصادف القائد أبا تميم سليمان بن فلاح في الرملة فقبض عليه قبضًا جميلًا وندب أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة وياقوت الخادم ومن معه من عبيد الشرا لقصد صور ومنازلتها وفتحها وكان قد ولي جماعةً من الخدم السواحل وأنفذوا إليها وأنفذ في البحر تقدير عشرين مركبًا من الحربية المشحونة بالرجال إلى ثغر صور وكتب إلى علي بن حيدرة والي طرابلس بالمسير إليه في اصطوله وإلى ابن شيخ والي صيدا بمثل ذلك وإلى جماعة من الجهات بحيث اجتمع الخلق الكثير على باب صور ووقعت الحرب بينها وبين أهلها واستجار العلاقة بملك الروم وكاتب يستنصره ويستنجده وأنفذ إليه عدة مراكب في البحر مشحونةً بالرجال المقاتلة والتقت هذه المراكب مراكب المسلمين فاقتتلوا في البحر قتالًا شديدًا فظفر المسلمون بالروم وملكوا مركبًا من مراكبهم وقتلوا من فيه وكانت عدتهم مائة وخمسين رجلًا وانهزمت بقية المراكب فضعفت نفوس أهل صور ولم يكن لهم طاقة بمن اجتمع عليهم من العساكر برًا وبحرًا ونادى المغاربة من أراد الأمان من أهل الستر والسلامة فليلزم منزله فلزموا ذلك وفتح البلد وأسر العلاقة وجماعة من أصحابه ووقع النهب وأخذ من الأموال والرجال الشيء الكثير وكان هذا الفتح أول فتح على يد برجوان
[ ٨٣ ]
الحاكمي وحمل العلاقة وأصحابه إلى مصر فسلخ حيًا وصلب بظاهر المنظر بعد أن حشي جلده تبنًا وقتل أصحابه. وولي أبو عبد الله الحسين بن ناصر الدولة ابن حمدان صور وأقام بها وسار جيش بن الصمصامة على مقدمته بدر بن ربيعة لقصد المفرج بن دغفل بن الجراح وطلبه فهرب بين يديه حتى لحق بجبلي طيء وتبعه حتى كاد يأخذه ثم رماه ابن جراح بنفسه وعجائز نسائه وعاذ منه بالصفح وطلب الأمان فأمنه وشرط عليه ما التزمه وعفا عنه جيش وكف عنه واستحلفه على ما قرره معه وعاد إلى الرملة ورتب فيها واليًا من قبله وانكفأ إلى دمشق طالبًا لعسكر الروم النازل على أفامية. فلما وصل إلى دمشق استقبله أشرافها ورؤساء أحداثها مذعنين له بالطاعة فأقبل على رؤساء الأحداث وأظهر لهم الجميل ونادى في البلد برفع الكلف واعتماد العدل والانصاف واباحة دم كل مغربي يتعرض لفساد فاجتمع إليه الرعية يشكرونه ويدعون له وسألوه دخول البلد والنزول فيه بينهم فأعلمهم إنه قاصد
الجهاد في الروم وأقام ثلاثة أيام وخلع على رؤساء الأحداث وحملهم ووصلهم ونزل حمص. ووصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس والمتطوعة من عامتها وتوجه إلى الدوقس عظيم الروم النازل على حصن أفامية فصارت أهله قد اشتد بهم الحصار وبلغ منهم عدم الأقوات وانتهى أمرهم إلى أكل الجيف والكلاب وابتاع واحد واحدًا بخمسة عشرين درهمًا. فنزل بإزاء الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب والتقى الفريقان وتنازعا الحرب والمسلمون في عشرة ألف رجل ومعهم ألف فارس من بني كلاب فحمل الروم على القلب وفيه بدر العطار والديلم والسواد فكسروه ووضعوا السيف في من كان فيه وانهزمت الميسرة وفيها ميسور الصقلبي والي طرابلس ولحقتها الميمنة وفيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم ووحيد الهلالي وركب الروم المسلمين وقتلوا منهم ألفي رجل واستولوا على سوادهم وسلاحهم وكراعهم ومال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه وثبت بشارة الأخشيدي في خمسمائة غلام وشاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك والعطب وابتهلوا إلى الله الكريم اللطيف بعباده وسألوا الرحمة والنصر. وكان ملك الروم قد وقف على رايته بين يديه ولدان له وعشرة نفر من غلمانه ليشاهد ظفر عسكره وأخذه ما يأخذه من الغنائم فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد وعليه كذا غند وخوذة وبيده اليمنى خشت وباليسرى العنان وخشت آخر فظنه الدوقس مستأمنًا له ومستجيرًا به فلم يحفل به ولا تحرز منه فلما دنا منه حمل عليه والدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين الذي في يمناه رميةً أصابت خللًا في الدرع فوصل إلى جسده وتمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتًا وصاح الناس إن عدو الله قد قتل فانهزمت الروم وتراجع المسلمون وعادت العرب ونزل من كان في الحصن فأعانوهم واستولى المسلمون على الروم فقتلوهم وأسروهم وكانت الوقعة في مرج أفيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا رجل في أثر رجل ومن جانبه بحيرة أفامية ونهر المقلوب فلم يكن للروم مهرب في الهزيمة وتصرم النهار وقد احتز من رؤوس القتلى عشرة ألف راس وبات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم الله إياهم من الكفاية ووهب لهم من الظفر. ووافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة ومنهم من رد ومنهم من باع بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في معسكره بألا يبتاع أحمد من العرب الا ما عرفه وكان مأخوذًا منه فلم يجد الا ما أخذه أصحابه. وحصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة ألف دينار وأخذهما إليه وأقام على حصن أفامية أسبوعًا وحمل إلى مصر عشرة ألف راس وألفي رجل من الأسرى إلى باب أنطاكية ونهب الرساتيق وأحرق القرى وانصرف منكفيًا إلى دمشق. وقد عظمت هيبته فاستقبله أشرافها ورؤساؤها وأحداثها مهنئين وداعين له فتلقاهم بالشماسية وزادهم من الكرامة وخلع عليهم وعلى وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان وعسكر بظاهر البلد وخاطبوه في الدخول والجواز في الأسواق وقد كانوا زينوها اظهارًا للسرور به والتقرب إليه فلم يفعل وقال: معي عسكر وإن دخلت دخلوا معي ولم أمن أن يمدوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم. والتمس أن يخلوا له قريةً على باب دمشق تعرف ببيت لهيا ليكون نزوله بها فأجابوه إلى ذلكلجهاد في الروم وأقام ثلاثة أيام وخلع على رؤساء الأحداث وحملهم ووصلهم ونزل حمص. ووصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس والمتطوعة من عامتها وتوجه إلى الدوقس عظيم الروم النازل على حصن أفامية فصارت أهله قد اشتد بهم الحصار وبلغ منهم عدم الأقوات وانتهى أمرهم إلى أكل الجيف والكلاب وابتاع واحد واحدًا بخمسة عشرين درهمًا. فنزل بإزاء الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب والتقى الفريقان وتنازعا الحرب والمسلمون في عشرة ألف رجل ومعهم ألف فارس من بني كلاب فحمل الروم على القلب وفيه بدر العطار والديلم والسواد فكسروه ووضعوا السيف في
[ ٨٤ ]
من كان فيه وانهزمت الميسرة وفيها ميسور الصقلبي والي طرابلس ولحقتها الميمنة وفيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم ووحيد الهلالي وركب الروم المسلمين وقتلوا منهم ألفي رجل واستولوا على سوادهم وسلاحهم وكراعهم ومال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه وثبت بشارة الأخشيدي في خمسمائة غلام وشاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك والعطب وابتهلوا إلى الله الكريم اللطيف بعباده وسألوا الرحمة والنصر. وكان ملك الروم قد وقف على رايته بين يديه ولدان له وعشرة نفر من غلمانه ليشاهد ظفر عسكره وأخذه ما يأخذه من الغنائم فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد وعليه كذا غند وخوذة وبيده اليمنى خشت وباليسرى العنان وخشت آخر فظنه الدوقس مستأمنًا له ومستجيرًا به فلم يحفل به ولا تحرز منه فلما دنا منه حمل عليه والدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين الذي في يمناه رميةً أصابت خللًا في الدرع فوصل إلى جسده وتمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتًا وصاح الناس إن عدو الله قد قتل فانهزمت الروم وتراجع المسلمون وعادت العرب ونزل من كان في الحصن فأعانوهم واستولى المسلمون على الروم فقتلوهم وأسروهم وكانت الوقعة في مرج أفيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا رجل في أثر رجل ومن جانبه بحيرة أفامية ونهر المقلوب فلم يكن للروم مهرب في الهزيمة وتصرم النهار وقد احتز من رؤوس القتلى عشرة ألف راس وبات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم الله إياهم من الكفاية ووهب لهم من الظفر. ووافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة ومنهم من رد ومنهم من باع
[ ٨٥ ]
بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في معسكره بألا يبتاع أحمد من العرب الا ما عرفه وكان مأخوذًا منه فلم يجد الا ما أخذه أصحابه. وحصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة ألف دينار وأخذهما إليه وأقام على حصن أفامية أسبوعًا وحمل إلى مصر عشرة ألف راس وألفي رجل من الأسرى إلى باب أنطاكية ونهب الرساتيق وأحرق القرى وانصرف منكفيًا إلى دمشق. وقد عظمت هيبته فاستقبله أشرافها ورؤساؤها وأحداثها مهنئين وداعين له فتلقاهم بالشماسية وزادهم من الكرامة وخلع عليهم وعلى وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان وعسكر بظاهر البلد وخاطبوه في الدخول والجواز في الأسواق وقد كانوا زينوها اظهارًا للسرور به والتقرب إليه فلم يفعل وقال: معي عسكر وإن دخلت دخلوا معي ولم أمن أن يمدوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم. والتمس أن يخلوا له قريةً على باب دمشق تعرف ببيت لهيا ليكون نزوله بها فأجابوه إلى ذلك
[ ٨٦ ]