لقد كان للفتح الإسلامي للشام، أعظم الآثار على هذه البلاد، من ذلك تثبيت طابع العروبة فيها، وتبديل البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعمرانية، فعلى صعيد السياسة الداخلية والخارجية تحول دور القبائل العربية من الهامش إلى الصميم، وعلى صعيد المدن، نجد قبل الفتح أن مدينة القدس كانت أهم مدن جنوبي بلاد الشام، تتلوها دمشق، وأن أنطاكية كانت أهم مدن الشمال وأبرزها دورًا، تتلوها قنسرين، لكن بعد الفتح، وبسبب انتشار الإسلام، وانسلاخ البلاد عن الإمبراطورية البيزنطية، وقيام الحروب الدائمة معها، ثم قيام السلطان الأموي في الشام، كل هذا أدى إلى تقهقر القدس حيث تقدمتها دمشق، وتخلفت في ذات الوقت مدينة بصرى، واضمحل دورها كثغر تجاري لبلاد الشام على بوابات شبه جزيرة العرب، وتأخرت أنطاكية في الشمال ووصلت قنسرين إلى حالة الاحتضار، وتقدمت حلب وتبعتها معرة النعمان.
ووضح هذا الحال في العصر الأموي، وتوطدت أركانه، وبعد قيام الخلافة العباسية، وانشغالها المطلق بمشاكل خراسان وبلاد ما وراء النهر، وإهمالها للحدود مع بيزنطة، وقيام نظام الثغور والعواصم صارت حلب مركز
[ ٧ ]
شمال الشام سياسيًا واقتصاديًا وعقائديًا وثقافيًا، وغدت دمشق هي المسؤولة عن جنوب الشام.
وتنافست كل من حلب ودمشق، ووضح للعيان أن أحداث الشام باتت تدور على محورين أساسيين واحد في الشمال [حلب] وآخر في الجنوب، [دمشق]، ويمكن تعقب جذور هذه القضية إلى العصر الأموي، فبعد وفاة يزيد بن معاوية حدث صراع شديد على الخلافة والسلطة وانقسم الشام إلى معسكرين: واحد تزعمته قبائل كلب في الجنوب، وآخر تزعمته قبائل كلاب في الشمال، وكانت كلب قبائل يمانية الأصل، وكلاب عدنانية، وفي معركة مرج راهط انتصرت كلب على كلاب، وأعيد تأسيس الحكم الأموي، بزعامة الفرع المرواني، لكن الشام انقسمت بشكل فعلي إلى دارين: دار في الجنوب لكلب ومن لف لفها ودار في الشمال لكلاب ومن قاربها بالنسب، وفصل بين هاتين الدارين خط عرضاني انطلق شرقا وغربا من بلدة الرستن على العاصي.
وعندما دب الضعف في قلب الخلافة العباسية كانت الأجزاء الشمالية من بلاد الشام بزعامة حلب، من أقدم البلدان التي أعلنت انفصالها، وقامت فيها دولة مستقلة هي الدولة الحمدانية بزعامة سيف الدولة الحمداني.
ومن حلب حاول سيف الدولة مدّ سلطانه إلى الأجزاء الجنوبية من الشام، فدخل دمشق، لكنه لم يتمكن من الاحتفاظ بها، فقبل استقلال حلب، كانت مصر الإسلامية قد استقلت عن جسم الدولة العباسية، وقامت فيها الدولة الطولونية، ومارست الدولة الطولونية السياسة الخارجية التقليدية لمصر المستقلة بالحاق الشام، وقد نجحت -مع الدول التي تلتها في حكم مصر- في الاحتفاظ بالجزء الجنوبي من الشام، وأخفقت في البقاء في الشمال.
وفي حلب أقام سيف الدولة بلاطا حاكى فيه بلاط بغداد، وحوى هذا البلاط عددًا كبيرًا من العلماء في كل فن مع الشعراء والأدباء، وشهدت بلاد
[ ٨ ]
الشام بشكل عام نشاطا ثقافيا كبيرًا ومتميزًا، حيث عبر عن دور الشخصية الشامية العربي، وعبرت كل من حلب ودمشق عن شخصيتها بالاتجاه نحو إنتاج تواريخ محلية، وبالفعل جاء إلى الوجود عدد من المؤرخين منهم من عاش في المعرة أو مدينة حلب فأرخ لمدينة حلب والجزء الشمالي من البلاد مع مناطق الجزيرة، ومنهم من عاش في دمشق أو اهتم بها، فكتب في تاريخها إنما مع التعلق بالديار المصرية والاهتمام بها