وبعد وفاة ثابت جاء هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ، وهو قريبه حيث أن جده إبراهيم هو ابن أخت ثابت، لذلك ذكرت بعض المصادر تجاوزًا بأن ثابت هو خال هلال بن المحسن، وكان هلال في بداية حياته على عقيدة أهل الصابئة ثم دخل الإسلام، وقد ولي ديوان الإنشاء في بغداد، وعاش فترة تاريخية هامة جدًا، عاصر أحداثها وعرف أخبارها عن كثب وبشكل وثائقي، فقام بتدوينها في عدد من الكتب مفردة مثل كتابه في تاريخ الوزراء، أو جاءت كذيل لكتب ثابت بن سنان، ففي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي نقرأ: "وكان هلال من كبار العلماء الأدباء، وله التاريخ الذي ذيله على تاريخ ثابت بن سنان، وبدأ به من سنة إحدى وستين وثلاثمائة إلى سنة سبع وأربعين وأربعمائة"، وأكد هذا القفطي في تاريخ الحكماء حيث قال: "ثم كتاب هلال ابن المُحَسِّن بن إبراهيم الصابئ، فإنه داخل كتاب خاله ثابت وتمم عليه إلى سنة سبع وأربعين وأربعمائة، ولم يتعرض أحد في مدته إلى ما تعرض له من أحكام الأمور، والاطلاع على أسرار الدول، وذلك أنه أخذ ذلك عن جده لأنه كان كاتب الإنشاء ويعلم الوقائع، وتولى هو الإنشاء أيضًا، فاستعان بعلم الأخبار الواردة على ما جمعه، ثم يتلوه كتاب ولده غرس النعمة محمد ابن هلال، وهو كتاب حسن إلى بعد سنة سبعين وأربعمائة".
في الحقيقة إن ثابت بن سنان أنهى كتابه بحوادث سنة ٣٦٥ هـ، وأن هلال ابن المحَسِّن ابتدأ كتابه الذي ذيل به على تاريخ ثابت بحوادث سنة ٣٦٠ وأنهاه بأخبار سنة ٤٤٧ هـ، فقد كتب ابنه غرس النعمة محمد بن هلال في مقدمة
[ ١٠ ]
كتابه في التاريخ الذي دعاه باسم "عيون التواريخ" والذي أرخ به للفترة الممتدة ما بين ٤٤٨ إلى ٤٧٩ هـ، وجعله بمثابة ذيل لتاريخ أبيه، ذكر الأسباب التي حدت به إلى تأليفه بقوله: "وبعد، فكان أبي وصىّ إليّ لما أحس بقدوم الوفاة، ويئس من أيام الحياة، ولمعت له لوامع المنية، وقرعت سمعه قوارع البلية، رغبة في زيادة الذكر ونمائه وانتشاره وبقائه، بصلة كتاب التاريخ الذي ألفه إلى آخر سنة سبع وأربعين وأربعمائة تأليفًا يعجز عنه من يروم مثله، ويفتضح فيه من يتعاطى فضله، إذ هو السحر الحلال، والعذب الزلال، والصادر عن أوحد دهره، وفريد عصره، وشرع فيه وقد أتت عليه سنة [ولد هلال سنة ٣٥٩ هـ]، جرب فيها الأمور ومارسها، وخبرها ولابسها، وأنا عار من جميع صفاته، وخال من سائر سماته.
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس
لكن قوله مستمع، ومرسومه متبع، وأمره مطاع، ورأيه غير مضاع
وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وفي يوم الأربعاء سادس عشر رمضان توفي والدي، الرئيس أبو الحسن، هلال بن الحسن بن إبراهيم بن هلال، ومولده الأحد، النصف من شوال سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، فانتقض السؤدد بمصابه، وانثلم الفضل بذهابه".
لسوء الحظ أن معظم مواد التراث التاريخي لأسرة آل الصابئ هي بحكم المفقود، ولقد أكثر سبط ابن الجوزي النقل من تواريخ كل من ثابت وهلال، وقام بإحدى نسخ كتابه مرآة الزمان بنقل جميع محتوياته كتاب غرس النعمة، وقد استخرجت هذا الكتاب من مخطوطتين في باريس واستانبول وحققته وسأدفعه للنشر قريبًا إن شاء الله تعالى ويسر.
هذا ووصلنا كتاب مخطوط صغير جاء بمثابة مختصر لتاريخ ثابت بن سنان، ضمنه مخْتَصِرُه أخبار القرامطة، ويتألف هذا الخطوط من إحدى
[ ١١ ]
وثلاثين ورقة من قطع ١٩×١٣.٥ سم في كل صفحة (وجه) ما بين ٢٠-٢٣ سطرًا، في كل سطر ما بين ٧-٨ كلمات، وهذه النسخة هي بحوزة المستشرق البريطاني برنارد لويس، وكان قد حصل عليها من القاهرة أثناء إعداده لأطروحة الدكتوراه، وقد تفضل فأعارني نسخة عنها، قمت -بعد استئذانه- بنشرها ضمن محتويات كتابي أخبار القرامطة.
ونسخة الأستاذ لويس هذه قد كتبت من قبل ثلاثة نساخ على الأقل، وقد تم الفراغ من كتابتها "في سلخ شوال سنة ألف وسبع وخمسين" [٢٧ تشرين الثاني سنة ١٦٤٧ م] وقد نسخت كما يبدو عن نسخة من تاريخ ثابت تم نسخها في "سلخ جمادي الأولى سنة سبع وسبعين وخمسمائة" [١١- تشرين الأول سنة ١١٨١] ونسخت هذه النسخة -كما صرح- عن مسودة المؤلف.
إن خط هذه المخطوطة هو نسخي مقروء، وحالة المخطوطة حسنة، إنما يبدو أن المستوى الثقافي لنساخها ومعرفتهم بقواعد اللغة العربية كان ضعيفًا، لهذا تبعثرت الأخطاء النحوية والإملائية في كل مكان.
ويمكن تقسيم المعلومات التي تتضمنها إلى قسمين: قسم وردت معظم رواياته في تاريخ الطبري، وقسم وقعت أحداث رواياته بعد وفاة الطبري، فقام ثابت بتدوين أخبار هذه الأحداث، وجل الأخبار في هذا القسم من عصر ثابت، وعندما نقرأ هذا القسم نلاحظ أمرًا مدهشًا، حيث أن الكتاب يروي أخبار القرامطة إبتداء من "سنة مائتين وثمان وسبعين من الهجرة" حتى "سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة" بشكل كامل التسلسل سنة تلو أخرى، ثم يقفز فيبدأ بأخبار "سنة ستين وثلاثمائة".
ولا ندري بشكل مؤكد سبب هذا، لكن لدى قراءة المواد الأخيرة ومقارنتها بالمواد الأولى، نجد أن المواد الأولى تولي قرامطة البحرين والعراق
[ ١٢ ]
الاهتمام الأكبر، في حين أن المواد الأخيرة موقوفة على نشاط القرامطة في الشام وصراعاتهم مع الخلافة الفاطمية في الشام ومصر.
إن هذا يدفعنا إلى الافتراض بأن الذي جمع مواد مخطوطة الأستاذ لويس، جمعها من كتابين لعلهما: تاريخ ثابت بن سنان الذي ذيل به على تاريخ الطبري، وكتابه الآخر الذي أوقفه على تاريخ الشام ومصر، ويبدو أن الكتاب الأول كان مبتورًا، فهو بالأصل "مسودة المؤلف" وأن الذي تولى عملية الاختصار لم يتنبه إلى الخرم الكبير، ولا إلى طبيعة المواد المروية والاختلاف الذي لحقها، أو أنه تنبه لكنه لم يخبرنا.
ومهما يكن الحال فإن المواد المتأخرة من مخطوطة الأستاذ لويس تتوافق، لا بل تتطابق تمامًا مع محتويات تاريخ ابن القلانسي عن دمشق، وهو بيت القصيد في مقدمتنا هذه.