وابتداء أمره والسبب في توليته وذكر شيء من أخباره إلى انتهاء مدته بحكم نميزه عن الولاة المذكورين بالشجاعة والشهامة وحسن السياسة واجمال السير والنصفة في العسكرية والرعية وحماية الأعمال بهيبته المشهورة وبفطنته المشكورة وتشتيت شمل أولي الفساد من الأعراب واستقامة الأمور بابالته على قضية الايثار والمراد. هو الأمير المظفر أمير الجيوش عدة الامام سيف الخلافة عضد الدولة شرف المعالي أبو منصور أنوشتكين مولده ما وراء النهر في بلد الترك في البلد المعروف بختل وسبي منه وحمل إلى كاشغر وهرب إلى بخارا وملك بها وحمل إلى بغداد ثم إلى دمشق وكان شتيم الوجه بين التركية وكان وصوله سنة ٤٠٠ فاشتراه القائد تزبر بن اونيم الديلمي وكان ندبه لحماية أملاكه وصونها من الأذى فكفاه ذلك بشهامته وصرامته فاشتهر بذاك أمره وشاع ذكره وسئل مولاه أن يهديه للامام الحاكم بأمر الله وقيل بل وصله الأمر بحمله فحمل في جملة غلمان في سنة ٤٠٣ فاستطرف من بينهم وجعل في الحجرة فقهر من بها من الغلمان وطال عليهم باليقظة والذكاء وجعل يلقب كل غلام بما يليق به فشكره إلى المتولي فضربه وتزايد أمره فأخرج منها في سنة ٤٠٥ ولزم الخدمة وجعل يتقرب إلى الخاص والعام بكل ما يجد السبيل
[ ١١٦ ]
إليه من التودد والاكرام لما يريد الله تعالى من اسعاد جده واظهار سعده فارتضى الحاكم مذهبه في الخدمة وزاد في واجبه وقوده وسيره مع سديد الدولة ذي الكفايتين الضيف في العسكر إلى الشام في سنة ٤٠٦ ودخل إلى البلد دمشق ولقي مولاه القائد دزبر فترجل له وقبل يده وصار يتودد إلى الكبير والصغير ونزل في دار حيوس بحضرة زقاق عطاف ثم عاد إلى مصر وجرد إلى الريف في السيارة ثم عاد إلى مصر ولزم الخدمة بالحضرة ولزم بعلبك واليًا عليها وحسنت حاله فيها وانتشر ذكره بها وصادق ولاة الأطراف وكاتب عزيز الدولة فاتكًا والي حلب وهاداه ولقب منتجب الدولة وورد الأمر عليه بالمسير إلى الحضرة فلما بلغ العريش وصله النجاب بالسجل بولاية قيسارية والأمر بالعود إليها فشق ذلك عليه وقال: انقل من ولاية بعلبك إلى ولاية قيسارية. وكان من حسن سياسته فيها وجميل عشرته لأهليها وحمايته لها ما ذاع به ذكره وحسن به صيته وكثر شكره. وورد الخبر بقتل فاتك والي حلب سنة ٤١٢ قتله غلام له هندي قد رباه واصطفاه وتوثق به واجتباه كذا وهو نائم عقيب سكره بسيفه وعمل فيه شاعره المعروف بمفضل بن سعد قصيدةً رثاه بها وذكر فيها من بعض أبياتها
لحمامه المقضيّ ربّى عبده ولنحره المفري حدّ حسامه
[ ١١٧ ]
وكتب إلى مجنتب الدولة بالمسير إلى الحضرة فوصلها وولي فلسطين ووصل إليها في يوم الثلاثاء من المحرم سنة ٤١٤ وبلغ حسان بن مفرج بن الجراح خبره فقلق له وتخوفه ثم علا ذكره وظهر أمره وكثرت عدته وعدته وقويت شوكته وجرت له وقائع مع العرب يستظهر فيها عليهم ويثخن فيهم فكبر بذلك شأنه ثم حسد وسعي فيه إلى الحضرة وكوتب الوزير حسن بن صالح في بابه بأمر قرره حسان بن مفرج بن الجراح ونسب إليه كل قبيح ومحال فاستؤذن في القبض عليه فأذن في ذلك فقبض عليه بعسقلان بحيلة دبرت له في سنة ٤١٧ وسأل فيه سعد السعداء فأجيب سؤاله لجلالة مكانه وأطلق من الاعتقال ووصل إلى الحضرة وحسنت حالته وظهرت هيبته وظهرت هيئة اقطاعه وغلمانه ودوابه وهو مع ذلك ينفذ رسله إلى الشام وسائر الأعمال وتأتيه بالأخبار ويطالع بها فكثر تعجب الوزير من يقظته ومضاء همته وعزيمته. وكانت العرب بعده قد استولت على الأعمال وأفسدت الشام وملك حسان املاك الملاك واتفق الخلف الجاري بين أرباب الدولة عقيب وفاة الحاكم وترافع القواد والولاة إلى أن تقررت الحال على صرف الوزير وتقليد الوزارة لنجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي فنظر في الأعمال وهذب ما كان مستويًا عليها من الاضاعة والاهمال. واقتضت الآراء وصواب التدبير تجريد العساكر المصرية إلى الشام ووقع الاختيار في ذلك على الأمير منتجب الدولة فاستدعاه الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وقال له: ما تحتاج إليه لخروجك إلى الشام ودمشق. فقال: فرسي البرذعية وخيمة استظل بها. فعجب الوزير من مقاله واستعاد فرسه المذكورة من سعيد السعداء وردها إليه وأطلق له خمسة آلاف دينار وأصحبه صدقة بن يوسف الفلاحي ناظرًا في الأموال ونفقة الرجال وجردت العساكر معه ولقب بالأمير مظفر منتجب الدولة وخلع عليه وخرج إلى مخيمه وحملة من جرد معه سبعة ألف فارس وراجل سوى العرب وسار في ذي القعدة وودعه الامام الظاهر لاعزاز دين الله وعيد بالرملة عيد النحر وسار إلى بيت المقدس وجمع العساكر وقصد صالح بن مرداس وحسان بن مفرج وجموع العرب عند معرفته بتجميعهم ووقع اللقاء في القحوانة والتقى الفريقان فهزمت جموع العرب وأخذتهم السيوف وتحكمت فيهم. وكان صالح ابن مرداس على فرسه المشهور فوقف به من كد الهزيمة ولم ينهض به فلحقه رجل من العرب يعرف بطريف من فزارة فضربه بالسيف في رأسه وكان مكشوفًا فصاح ووقع ولم يعرفه وتم في طلب فرسه فمر به رجل من البادية فعرفه فقطع رأسه وعاد يرقص به فلقيه الأمير عز الدولة رافع فأخذه منه وجاء به إلى الأمير المظفر فلما رآه نزل عن فرسه وسجد لله شكرًا على ما أولاه من الظفر وركب وأخذه بيده وجعله على ركبته وأطلق للزبيدي الذي جاء به ألف دينار ولعز الدولة رافع خمسة آلاف دينار وأطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه وجوشنه وألف دينار وأخذ الغلمان الأتراك الذين لصالح لنفسه وأحسن
[ ١١٨ ]
إليهم وتقدم بجمع الرؤوس وأنفذ جثة صالح إلى صيدا لتصلب على بابها وأوصل رأسه إلى الحضرة وخلع على الواصلين به وأعيدوا ومعهم الخلع وزيادة الألقاب للأمير المنتجب وقرئ سجله عليه وصار يكاتب ويخاطب بالأمير
[ ١١٩ ]
المظفر سيف الامام وعدة الخلاف مصطفى الملك منتجب الدولة. وقال فيه الأمير أبو القينان محمد ابن سلطان بن محمد بن حيوش من قصيدة امتدحه بها:
فكم ليلةٍ نام عني الرقيب ونبّهني القمر المرتقب
جمعت بها بين ماء الغمام وماء الرضاب وماء العنب
لجود المظفّر سيف الامام وعدته المصطفى المنتجب
ولما توجه عقيب ذلك إلى حلب ونزل عليها ظفر بشبل الدولة نصر بن صالح وكان قد انهزم ولحقه رجل فرماه بخشت في كتفه فأنفذه ووقع عن فرسه وسر به أحد الأتراك فقطع رأسه وسلمه إلى رافع وأنفذ من يسلم جثته إلى حماة فصلبت على الحصن وأمر أمير الجيوش بعد ذاك بانفاذ ثياب وطيب وتكفين الجثة في تابوت ودفنها في المسجد وبقيت فيه إلى سنة ٤٣٩ ونقلها مقلد بن كامل لما ملك حماة إلى قلعة حلب. وأنفذ الراس والتركي والبدوي مع الشريف الزيدي إلى الحضرة في نصف شعبان سنة ٤٢٩ وعاد أمير الجيوش إلى دمشق
[ ١٢٠ ]
ونزل في القصر وأقام فيها ما أقام وسار منها إلى حلب ونزل على السعدي وفتحت له أبواب البلد ودخله وأحسن إلى أهله ورد ما كان صالح اغتصبه من الأملاك إلى أربابها وأمر بقتال القلعة فقوتلت وهو قائم وراسله مقلد بن كامل المقيم بها وسلمها إليه وأقطعه عدة مواضع وسكن في دار عزيز الدولة وتزوج بنت الأمير منصور بن زغيب ووصله السجل من الحضرة باقطاعه حلب وعاد إلى دمشق وشرع في عمارة الدار بالقصر. ثم بلغه عن الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وعن الظاهر ما أوجب الاستيحاش منه والنفور عنه فعزم على العود إلى حلب فظهر له من أجناده ما أنكره فهموا بالقيام عليه فسار من القصر بعد أن أمر الغلمان بنهب ما في القصر ووصل إلى حلب ودخلها في يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر ونزل في دار سعد الدولة واجتمع بزوجته وابنته الواصلين من مصر ولازم
[ ١٢١ ]
الشراب وصح عليه جسمه. وبلغه وصول سجل من مصر إلى دمشق عن الحضرة قرئ على المنبر يقال فيه: أما بعد فإنه قد علم الحاضر والبادي والموالف والمعادي حال أنوشتكين الدزبري الخائن وأنه كان مملوكًا لدزبر بن أونيم الحاكمي وأهداه إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله فنقله إلى المراتب إلى أن انتهى أمره إلى ما انتهى إليه فلما تغيرت نيته سلبه الله تعالى نعمته لقوله تعالى إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فشق هذا الأمر عليه وضاق صدره لاسقاط نعوته وقلق لذلك وليس من العود إلى دمشق وقد كان عازمًا على العود. ثم وصله السجل عن الحضرة صحبة بعض العرب نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله ووليه الامام معد أبي تميم المستنصر بالله أمير المؤمنين إلى أنوشتكين مولى دزبر بن أونيم الديلمي. أما بعد فإن الله بقضيته العادلة ومشيئته البالغة لم يك مغيرًا ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له وما لهم من دون من وال مع ما أنك أجرمت على نفسك في يومك وأمسك واستوجبت بذلك مقام الحلول من نحسك فلا تعجب بعذاب الله عندما أسرفت ووبيل عقابه عندما خالفت فإن الله تعالى يقول مخاطبًا لذوي العقول فمهل الكافرين أمهلهم رويدًا وتالله لقد جددت بمسيرك إلى حلب لبعد أملك وانقطاع أجلك وإنما بقي لك الأيام قلائل ويكثر
[ ١٢٢ ]
لك الندم وتحل بك النقم إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها وإن مثلك مثل شاة عطشانة ولهانة ضائعة جائعة نزلت في مرج أفيح غزير ماؤه كثير عشبه ومرعاه فشربت ماء وأكلت عشبًا فرويت بعد ظمائها وشبعت بعد جوعها واستحسنت بعد قبحها فلما تكامل حسنها ذبحت ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون وأن أمير المؤمنين يضرب لك مثلًا عن جده المصطفى - ﷺ - لما أنزل عليه " والضحى والليل إذا سبحا ما ودّعك ربَك وما قالَ " إلى قوله ﷿: " ألم يجدك يتيمًا فآوَى ووجدك ضالًا فهدى ووجدك عائلًا فأَغنى " فبدلت النعمة كفرًا ووضعت موضع الخير شرًا وقد انتهى إلى حضرة أمير المؤمنين افتخارك بجميع الأموال واكتنازك لها لأمر لا يدهمك أو ليوم ينفعك أفما قرأت القرآن العظيم أما تدبرت قول الملك الرحيم في قصة قارون لما بغى واعتدى وازداد في الطغيان حيث يقول جل وعلا: " فخسفنا به وبداره الأرض " فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين أما رأيت الأمم الماضية الذين عادوا الدولة ونصبوا لها العداوة الشديدة انظر إلى ديارهم كيف قل فيها الساكنون وكثر عليها الباكون قال الله تعالى: " فتلك بيوتهم حاويةً بما ظلموا " إن في ذلك لآية لقوم يعلمون فاشتغل عن اصلاح العين وعن خطرك في حساب
[ ١٢٣ ]
الفرقدين وافتكر في رب المشرقين ورب المغربين حيث يقول ﷻ: " أَلم نجعل لهُ عينين ولسانًا وشفتين وهديناه النجدين " وقد عرف أمير المؤمنين
بكتاب الله الأعلى الذي نزل على خاتم الأنبياء حيث يقول: " وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون " فلما سمع ما اشتمل عليه هذا السجل من الانكار والوعظ بالآيات والتخويف عظم الأمر عليه وضاق صدره لتغير النية فيه ورأى من الصواب إعادة الجواب بالتلطف والتنصل مما ظن به والاعتذار والترفق في المقال والاعتراف بما شمله قديمًا وحديثًا من الاحسان والافضال فكتب بعد البسملة: كتب عبد الدولة العلوية والامامية الفاطمية والخلافة المهدية عن سلامة تحت ظلها ونعمة منوطة بكفلها وهو متبرئ إليها من ذنوبه الموبقة واسائته المرهقة لا بد بعفو أمير المؤمنين متنصل أن يكون في جملة المجرمين المذنبين عن غير اساءة اقترفها ولا جناية احتقبها عائد بكرمها صابر لحكمها لقوله تعالى " وبشّر الصابرين " وهو تحت خوف ورجاء وتضرع ودعاء قد ذلت نفسه بعد عزها وخافت بعد أمنها ورسخت بعد رفعتها ومن يضلل الله فما له من هاد وأي قرب لمن أبعدته وأي رفعة لمن حططته والعبد يفخرها شمخ ويحدرها طال وبذخ فزلت نصبته وطالت أرومته وسمت فروعه وكان كقوله تعالى " وَضَرَبَ الله مثلًا كلمةً طيّبة كشجرة طيّبةٍ أَصلها ثابتٌ وفرعها في السماء تُؤتي أُكُلها كل حينٍ باذن ربّها ". فلما أنكرت الدولة حاله وقبحت أفعاله
[ ١٢٤ ]
وأزرت عليه خذله الأنصار وقل بعد الاكثار فصار كقول الملك الجبار مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار غير أن العبد يتوسل بوكيد خدمته وقديم نصيحته ومجاهدته لأعداء الدولة مذكرًا قول الله تعالى " والذين قتلوا في سبيل الله فَلَنْ يُصلّ أَعمالهم سيهديهم ويصلح بالَهم " وهو مع ذلك معترف بذنوب ما جناها واساء ما أتاها ذاكرًا ما نزل الله في كتابه المبين على سيد المرسلين " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إِنَّ الله غفورٌ رحيمٌ " عفا الله عن أمير المؤمنين أهل بيت العفو والكرامة لجميع الأمم وفيهم نزلت الآيات والحكم قال الله تعالى " وليعفوا وليصفحوا أَلا تحبُّون أَنْ يغفِر الله لكم " وليس مسير العبد إلى حلب ينجيه من سطوات مواليه لقوله تعالى " قل [متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا. أينما تكونوا يدرككم الموت و] لو كنتم في بروج مشيَّدةٍ " والذين كتب عليهم القتل [يدركهم] إلى مضاجعهم لكنه بعد توصله واعترافه بجرائره وذنوبه وتنصله يرجو قبول توبته وتمهيد عذره في إنابته ولله الأمر من قبل ومن بعد ولأمير المؤمنين في كل قول وحد فقد وعد الله المسرفين على أنفسهم فقال تعالى " قُل يا عبادي
[ ١٢٥ ]
الذين أسرفوا على أنفسكم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم " وأما ما رقي إلى الحضرة المطهرة عن العبد في كثرة الأموال وجمعها فذلك طباع ولد آدم في حب اللجين والعسجد وما عليه في الدنيا يعتمد نعوذ بالله أن يكون ذاك لمضادة أو مقاومة أو مكاثرة أو مقابلة لكنها معدة للجهاد في أعداء أمير المؤمنين ومبذولة في نصرة أوليائه المخلصين إذ يقول تعالى وله المثل الأعلى " وأَعدُّوا لهم ما استطعتم من قوَّة ومن رباط الخيل تُرهبون بهِ عدوّ الله وعدوَّكم " ولقد قرئ على العبد القرآن العظيم فوجده منوطًا بطاعة امام الزمان وهو ولي العفو والغفران عن أهل الاساءة والعدوان مكررًا لقول الملك الديان " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحبُّ المحسنين ". وأنفذ هو الجواب صحبة الرسول الواصل بعد إكرامه وطلع عقيب ذلك إلى قلعة حلب في يوم الأربعاء لعشر خلون من جمادى الأولى وبات ليلة الجمعة واقشعر جسمه وقت صلاة الظهر واشتدت به الحمى فأحضر طبيبًا من حلب وشرح له حاله فوصف له مسهلًا فلما حضر لم تطب نفسه لشربه ولحقه فالج في يده اليمنى ورجله اليمنى وزاد قلقه وقضى نحبه في الثلاث الأخير من ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ٤٣٦.
[ ١٢٦ ]
وله أخبار محمود في حسن السيرة والعدل والنصفة والذكاء والمعرفة وذكر المال الذي خلفه بقلعة حلب بعد وفاته ستمائة ألف دينار سوى الآلات والعروض وقيمة الغلات مائة ألف دينار وأخذ له من دمشق وفلسطين مائتا ألف دينار وكان له مع التجار خمسون ألف دينار ونهب له من القصر بدمشق مائتا ألف دينار. وخلف من الأولاد هبة الله من بنت وهب بن حسان ماتت أمه وعمره أربعون يومًا وأبوه وله شهران وسنة وأربع بنات إحداهن من بنت الأمير حسام الدولة البجناكي وابنة
من بنت عزيز الدولة رافع بن أبي الليل وابنتان من جاريتان وهبهما في القصر فأما هبة الله فإنه حمل إلى الحضرة وأكرم بها وكفله رضي الدولة غلامه وعاش ست سنين وسقط عن فرسه فمات والبنت من بنت حسام الدولة تزوجها الأمير صارم الدولة ذو الفضيلتين والبنت من بنت رافع نقلت إلى حلة أخوالها من بني كلاب. ثم رأت الحضرة في سنة ٤٤٨ نقل أمير الجيوش من تربته بحلب إلى تربته ببيت المقدس فأمرت بنقله في تابوت على طريق الساحل وكان يحط بخيمة وما يمر ببلد إلا كان وصوله يومًا مشهودًا وأخرجت الحضرة ثيابًا حسنةً وطيبًا كثيرًا وأمرت الشريف أثير الدولة ابن الكوفي أن يتولى تكفينه ودفنه وأن يأمر من بالرملة من غلمانه بالتحفي والمشي خلف جنازته وأن ينادي بألقابه فنودي بها ودفن في التربة التي له في بيت المقدس مع أولاده فسبحان من لا يزول ملكه ولا يخيب من عمل بطاعته المجازي عن إحسان السيرة بالاحسان وعن السيئات في العقبى والماآل ذو الجلال والكمال الغفور الرحيم بنت عزيز الدولة رافع بن أبي الليل وابنتان من جاريتان وهبهما في القصر فأما هبة الله فإنه حمل إلى الحضرة وأكرم بها وكفله رضي الدولة غلامه وعاش ست سنين وسقط عن فرسه فمات والبنت من بنت حسام الدولة تزوجها الأمير صارم الدولة ذو الفضيلتين والبنت من بنت رافع نقلت إلى حلة أخوالها من بني كلاب. ثم رأت الحضرة في سنة ٤٤٨ نقل أمير الجيوش من تربته بحلب إلى تربته ببيت المقدس فأمرت بنقله في تابوت على طريق الساحل وكان يحط بخيمة وما يمر ببلد إلا كان وصوله يومًا مشهودًا وأخرجت الحضرة ثيابًا حسنةً وطيبًا كثيرًا وأمرت الشريف أثير الدولة ابن الكوفي أن يتولى تكفينه ودفنه وأن يأمر من بالرملة من غلمانه بالتحفي والمشي خلف جنازته وأن ينادي بألقابه فنودي بها ودفن في التربة التي له في بيت المقدس مع أولاده فسبحان من لا يزول ملكه ولا يخيب من عمل بطاعته المجازي عن إحسان السيرة بالاحسان وعن السيئات في العقبى والماآل ذو الجلال والكمال الغفور الرحيم
ولما زاد أمر الحاكم بأمر الله في عسف الناس وما ارتكبه من سفك الدماء وإفاظة النفوس وأخذ الأموال والفتك بالكبار والعمال
[ ١٢٧ ]
والفتك بالمقدمين من الوزراء والقواد وأكابر الأجناد وعدل عن حسن السياسة والسداد وزاد خوف خدمه وخواصه منه واستوحشوا من فعله وشكا المقدمون والوجوه إلى أخته ست الملك بنت العزيز بالله هذه الأحوال فأنكرت ما أنكروه وأكبرت ما أكبروه واعترفت بصحة ما شكوه وحقيقة ما كرهوه ووعدتهم احسان التدبير في كف شره واجمال النظر في أموره وأمره ولم تجد فيه حيلة يحسم بها داؤه إلا العمل على إهلاكه وكف أذاه بعدمه وأعملت الرأي في ذلك وأسرته في انفس إلى أن وجدت الفرصة متسهلة فابتدرتها والعرة باديةً فاهتبلتها ورتبت له من اغتاله في بعض مقاصده وأخفى مظانه فأتى عليه وأخفى أمره إلى أن ظهر في عيد النحر من سنة ٤١١. وقال المغالون في المذهب أنه غائب في سره ولا بد أن يؤوب ومستتر في غيبه ولا بد أن يرجع إلى منصبه ويثوب وكان مولده بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٣٧٥ وولي الأمر وعمره عشر سنين وستة أشهر وستة أيام وفقد في العشر الأول من شوال سنة ٤١١ وعمره ست وثلاثون سنة ومدة أيامه خمس وعشرون سنة وشهران وأيام ونقش خاتمه بنصر الاله العلي ينتصر الامام أبو علي وكان غليظ الطبع قاسي القلب سفاكًا للدماء قبيح السيرة مذموم السياسة شديد التعجرف والاقدام على القتل غير محافظ على حرمة خادم ناصح ولا صاحب مناصح. وقام في الأمر بعده ولده أبو الحسن علي الظاهر لاعزاز الله وأخذت له البيعة بعد أبيه في يوم عيد النحر من سنة ٤١١
[ ١٢٨ ]
واستقامت الأمور بعد ميلها وأمنت النفوس بعد وجلها وحسنت السيرة بعد قبحها وارتضيت السياسة بعد النفور عنها ورد تدبير الأعمال والنظر فيها وتسديد الأحوال ولم ما تشعث منها إلى الوزير صفي أمير المؤمنين وخالصته أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي وكتب له السجل بالتقليد من إنشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران متولي الانشاء وقرئ بالحضرة على القواد والمقدمين في ذي الحجة سنة ٤١٨ ونسخته بعد البسملة: أما بعد فالحمد لله مطلق الالسن بذكره ومجزل النعم بشكره ومصرف الأمور على حكم إرادته وأمره الذي استحمد بالطول والنعماء وتمجد بالحكمة والسناء وملك ملكوت الأرض والسماء واستغنى عن الظهراء والوزراء وأكرم عباده بأن جعل تذكرته لهم في صحف مكرمة مرفوعة مظهرة بأيدي سفرة كرام برزةً فسبحان من نظر لخلقه فأحسن وأنعم وعلم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم يحمده أمير المؤمنين حمد مخلص في الحمد والشكر متخصص بشرف الأمانة ونفاذ النهى والأمر ويرغب الله تعالى في الصلاة على نبيه محمد الذي نزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيرًا وعز به الايمان وجعل له من لديه سلطانًا نصيرًا وانتخب أبانا عليًا أمير المؤمنين أخًا وزيرًا وصيره على أمر الدين والدنيا منجدًا له وظهيرًا صلى الله عليهما وسلم على العترة الزاكية من سلالتهما سلامًا دائمًا كثيرًا.
[ ١٢٩ ]
وإن أحق من عول عليه في الوزارة وأسند إليه أمر السفارة ونصب لحفظ الأموال وتمييزها وسياسة الأعمال وتدبيرها وإيالة طوالف الرجال كبيرها وصغيرها من كان حفيظًا لما يستحفظ من الأمور قوومًا بمصالح الجمهور عليمًا بمجاري السياسة والتدبير ولذاك قال يوسف الصديق ﵇ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليهم ولو استغنى أحد من رعاة العباد عن وزير وظهير يكاتبه على أمره ويظاهره لكان كليم الله موسى صلى الله عليه وهو القوي الأمين عنه مستغنيًا ولم يكن له من الله ﷻ طالبًا مستدعيًا وقد قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرًا من أهلي هرون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا ولما كنت بالأمانة والكفاية علمًا وعند أهل المعرفة والدراية مقدمًا وكان الكتاب على اختلاف طبقاتهم وتفاوت درجاتهم يسلمون إليك في الكتابة ويقتدون بك في الاصابة ويشهدون لك بالتقدم في العناء ويهتدون بحلمك اهتداء السفر بالنجم في الليلة الظلماء ولا يتناكرون الانحطاط عن درجتك في الفضل لتفاوتها في الارتفاع ولا يرد ذلك راد من الناس أجمعين الا خصمه وقوع الاجماع هذا مع المعروف من استقلالك بالسياسة واستكمالك لأدوات الرئاسة وتدبيرك أمور المملكة
وما ألف برشد وساطتك من سمو اليمن والبركة رأي أمير المؤمنين وبالله توفيقه أن يستكفيك أمر وزارته وينزلك أعلى منازل الاصطفاء بخاص أثرته ويرفعك على جميع الأكفاء بتام تكرمته وينوه باسمك تنويهًا لم يكن لأحد قبلك من الظهراء في دولته
[ ١٣٠ ]
فسماك بالوزير لموازرتك له على حمل الأعباء ووكد هذا الاسم بالأجل لأنك أجل الوزراء وعزز ذلك بصفي أمير المؤمنين وخالصته إذ كنت أعز الخلصاء والأصفياء وشرفك بالتكنية تسميقًا بك في العلياء ودعا لك بأن يمتعه الله بك ويؤيدك ويعضدك دعاءً يجيبه فيك رب السماء فأنت الوزير الأجل صفي أمير المؤمنين وخالصته المحبو بالمن الجسيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأمر أمير المؤمنين بأن تدعى بهذه الأسماء وتخاطب وتكتب بها عن نفسك وتكاتب ورسم ذكر ذلك فيما يجري من المحاورات واثباته في ضروب المكاتبات ليثبت ثبوت الاستقرار ويبقى وسمه على مر الليالي والنهار فأحمد الله ﵎ على تمييز أمير المؤمنين لك بتشريفه واختصاصه واجلاله إياك أعلى محال خواصه وأجر على سننك الحميد في خدمته ومذهبك الرشيد في مناصحته إذ كان قد فوض إليك أمر وزارته وجعلك الوسيط بينه وبين أوليائه وأنصار دعوته وولاة أعمال مملكته وكتاب دواوينه وسائر عبيده ورعيته شرقًا وغربًا وقربًا وبعدًا وأمضى توقيع من تنصبه للتوقيع عن أمير المؤمنين في الإخراج والإنفاق والايجاب والاطلاق وناط بك أزمة الحل والعقد والابرام والنقض والقبض والبسط والاثبات والحط والتصريف والصرف تفويضًا إلى أمانتك التي لا يقدح فيها معاب وسكونًا إلى ثقتك التي لا يلم بها ارتياب وعلمًا بأنك تورد وتصدر عن علم وحزم تفوق فيهما كل مقاوم ولا تأخذك في المناصحة لأمير المؤمنين والاحتياط له لومة لائم وجميع ما يوصي به غيرك ليكون له تذكرةً وعليه حجة فهو مستغنىً عنه معك لأنك تغني بفرط معرفتك عن التعريف ولا تحتاج مع وقوفك على الصواب وعلمك به إلى توقيف غير إن أمير المؤمنين يؤكد عليك الأمر بحسن النظر
[ ١٣١ ]
لرجال دولته دانيهم وقاصيهم بارك الله فيهم وأن يتوفر على ما يعود بصلاح أحوالهم وانفساح أمالهم وانشراح صدورهم وانتظام أمورهم إذ كانوا كتائب الاسلام ومعاقل الأنام وأنصار أمير المؤمنين المحفوفين بالاحسان والانعام حتى تحسن أحوالهم بجميل نظرك ويزول سوء الأثر فيهم بحسن أثرك وكذلك الرعايا بالحضرة وأعمال الدولة فأمرهم من المعني به والمسؤول عنه وأمير المؤمنين يأمرك بأن تستشف خيرة الولاية فيهم فمن ألفيته من الرعية مظلومًا أوعزت بنصفته ومن صادفته من الولاة ظلومًا تقدمت بصرفه وحسم مضرته ومعرته. فأما الناظرون في الأموال من ولاة الدواوين والعمال فقد أقام أمير المؤمنين عليهم منك المنقي الزكاء طبًا بالأدواء لا يصانع ولا تطيبه المطامع ولا ينفق عليه المنافق ولا يعتصم منه الخؤون السارق كما إنه لا يخاف لديه الثقة الناصح ولا يخشى عاديته الأمين في خدمته المجتهد الكادح والذي يدعو المتصرف إلى أن يحمل نفسه على الخطة النكراء في الاحتجار والارتشاء أحد أمرين أما حاجة تضطره إلى ذلك أو جهالة تورده المهالك فإن كان محتاجًا سد رزق الخدمة فاقته ورجا الراجون برءه من مرض الاسفاف وإفاقته وإن كان جاهلًا فالجاهل لا يبالي على ما أقدم عليه ولا يفكر في عاقبة ما يصير أمره إليه ومن جمع هذين القسمين كانت نفسه أبدًا تسف ولا تعف ويده تكف ولا تكف ووطأته تثقل ولا تخف فلا ترب من تنزه وعف ولا أثرى من رضي لنفسه بدنيء المكسب وأسف. وما يستزيدك أمير المؤمنين على ما عندك من حسن التأني والاجتهاد في اصلاح الفاسد واستصلاح المعاند واستفاءة الشارد بالمعصية إلى طاعنه وإعطاء رجال الدولة ما توجب لها حقوق الخدمة من فضل نعمته، وأمير المؤمنين يقول بعد ذلك قولًا يؤثر عنده في المشرق والمغرب ويصل إلى الأبعد والأقرب
[ ١٣٢ ]
إن أكثر من وقع عليه اسم الوزارة قبلك إنما تهيأ له ذلك بالحظ والاتفاق ولم يوقع اسمها عليك ويعذق بك أمرها إلا باستيجاب واستحقاق لأنها احتاجت إليك حاجة الرمح إلى عامله والعبء إلى حامله والمكفور إلى كافله. وكم أفرجت عن الطريق إليها لسواك واجتهدت أن يعدوك مقامها إكبارًا له فما عداك والله يكتب بجميل رأي أمير المؤمنين حسدتك وعداك ويتولاك بالمعونة على ما قلدك وولاك ويمتعه ببقائك كما
أمتعه بكفايتك وغنائك ويخير له في استيزارك كما خار له من قبل في اصطناعك وإيثارك بمنه وكرمه والسلام عليك ورحمة الله وكتب يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ٤١٨هـ بكفايتك وغنائك ويخير له في استيزارك كما خار له من قبل في اصطناعك وإيثارك بمنه وكرمه والسلام عليك ورحمة الله وكتب يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ٤١٨
[ ١٣٣ ]