قد مضى ذكر ما جرى عليها أمر القائد ريان المعزي الخادم في تولية أمر دمشق وما شاهده من أمر الفتن الحادثة فيها واتصال الحروب بها وما اعتمده من النظر في تسديد أحوالها وتدارك اصلاح اختلالها بعد ذلك وتسكين نفوس من بها. ووافق هذه الحال ما تناصرت به الأخبار من بغداد من اشتداد الفتن والوقائع بين الديلم والأتراك وما كان من عصيان الحاجب سبكتكين المعزي مقدم الأتراك على عز الدولة بختيار بن مولاه معز الدولة أبي الحسين بن بويه الديلمي وما حدث من موت الحاجب سبكتكين المذكور ورد الأمر في التقدم على الأتراك إلى الحاجب أبي منصور الفتكين المعزي والرئاسة عليهم لسكونهم إلى سداده وجميل فعله في الأعمال واقتصادهم واعتمادهم عليه في اخماد ثائرة الفتنة وسكنت نفوس الأجناد ببغداد
وفي ذي القعدة من سنة ٣٦٣ وردت الأخبار بخلع المطيع لله واستخلاف ولده الطائع لله عند اشتداد الفتنة بين الديلم والأتراك وأقام على هذه الحال برهةً خفيفةً ثم ثارت الفتنة واتصلت الحوادث
[ ٢١ ]
وزاد الأمر في ذلك إلى حد أوجب للحاجب الفتكين الانفصال عن بغداد في فرقة وافرة من الأتراك تناهز ثلاثمائة فارس من طراخين الغلمان ووصل أولًا إلى ناحية حمص للأسباب التي أوجبت ذلك ودعت فأقام بها أيامًا قلائل وسار منها إلى دمشق والأحداث بها على الحال المقدم شرحهما في تملكها والغلبة عليها والتحكم فيها فنزل بظاهرها وخرج إليه شيوخها وأشرافها وخدموه وأظهروا السرور به وسألوه الاقامة عندهم والنظر في أحوالهم وكف الأحداث الذين بينهم ودفع الأذية المتوجهة عليهم منهم فأجابهم إلى ذلك بعد أن توثق منهم وتوثقوا منه بالأيمان الموكدة والمواثيق المشددة على الطاعة والمساعدة ودخل البلد وأحسن السيرة وقمع أهل الفساد وأذل عصب ذوي العيث والعناد وقامت له هيبة في الصدور وصلح به ما كان فاسدًا من الأمور. وكانت العرب قد استولت على سواد البلد وما يتصل به فقصدهم وأوقع بهم وقتل كثيرًا منهم وظهر لهم من شجاعته وشهامته وقوة نفس من في جهته وجملته ما دعاهم إلى الاذعان بطاعته والنزول على حكمه والعمل باشارته وأمر بتقرير امضاء الاقطاعات القديمة وارتجاع ما سوى ذلك وأحسن التدبير والسياسة في ترتيب العمال في الأعمال وأنعم النظر في أبواب المال ووجوه الاستغلال فاستقام له الأمر وثبتت قدمه في الولاية وسكن أهل دمشق إلى نظره. وكاتب المعز مكاتبةً على سبيل المداجاة والمغالطة والمدامجة والتمويه والانقياد له والطاعة لأوامره فأجابه بالاحماد له والارتضاء بمذهبه والاستدعاء له إلى حضرته ليشاهده ويصطفيه لنفسه ويعيد إلى ولايته بعد ذلك مكرمًا مولىً مشرفًا فلم يثق إلى ذلك ولا سكنت نفسه إليه وامتنع من الاجابة إلى ما بعثه عليه
[ ٢٢ ]
ووافق إن المعز لدين الله اعتل العلة التي قضى فيها محتوم نحبه وصار إلى رحمة ربه في سنة ٣٦٥ وكان مولده بالمهدية وعمره خمس وأربعون سنة ومولده سنة ٣١٩ ومدة أيامه في الخلافة ثلاث وعشرون سنة وستة أشهر وأمه أم ولد ونقش خاتمه بنصر العزيز العليم ينتصر الامام أبو تميم وكان عالمًا فاضلًا شجاعًا جاريًا على منهاج أبيه في حسن السيرة وانصاف الرعية ثم عدل عن ذلك وتظاهر بعلم الباطن ورد من كان باقيًا من الدعاة في أيام أبيه وأذن لهم في الاعلان مذهبهم ولم يزل عن ذلك غير مفرط فيه إلى أن خرج من الغرب. وقام في منصبه من بعده ولده نزار أبو منصور العزيز بالله مولوده بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة ٣٤٤
ولما عرف حال الحاجب الفتكين جهز إليه عسكرًا كثيرًا مع القائد جوهر المعري ويجري الأمر بينهم على ما هو مشروح في موضعه. واتفق خروج ابن الشمشقيق متملك الروم في هذه السنة إلى الثغور فاستولى على
[ ٢٣ ]
أكثرها ودعت أبا بكر ابن الزيات الضرورة إلى مصالحته والدخول في طاعته والمسير في عدة وافرة من أهل طرصوس والثغور في خدمته وفعلت عدة من بطون العرب مثل ذلك فلما نزل ابن الشمشقيق على حمص وافتتحها وانتقل عنها إلى بعلبك وملكها وأراد قصد دمشق وكتب ابن الزيات إلى الفتكين وأهل دمشق يعرفهم قوة متملك الروم وانهم لا يقدرون على مقاومته ولا يتمكنون من محاربته ويشير عليهم بالدخول في طاعته والنزول على حكم اشارته وأصغى الفتكين وأهل البلد إلى ذلك وعلموا ان فيه المصلحة وقرروا ما يستكفونه به ليصبحوا في كنف السلامة ويأمنوا شر العساكر الواصلة إليهم. وكتب إليه بقبول الاشارة ورد الأمر إليه فيما يدبره والعمل فيه بما يراه ويستصوبه. فدخل ابن الزيات إلى متملك الروم وقال له: قد وردت كتب الفتكين وأهل دمشق بالانقياد المملك إلى ما يرومه منهم ويرسم حمله إليه من الخراج عن بلدهم وسألوا أمانه وحسن الرأفة بهم والمحاماة عنهم. فقال له: قد قبلت طاعتهم وأمرت بايمانهم على نفوسهم وأموالهم ورضيت منهم بالخراج. وأنفذ إليهم صليبًا بالأمان فأنفذه ابن الزيات إليهم مع المعروف بالدمشقي صاحبه وكان من وجوه الطرسوسين فتلقوه بالمسرة والاكرام والشكر الزائد عن حسن السفارة وجميل الوساطة. وأشار ابن الزيات على الفتكين بالخروج لتلقي الملك فخرج في ثلاثمائة غلام في أحسن زي وعدة وأفضل ترتيب وهيئة واستصحب أشراف البلد وشيوخه ولقيه فأقبل عليه وأكرمه والدمستقيين فيما خاطبهم به من الجميل وعاملهم به من وكيد العناية ومرضي الرعاية وتوسط ابن الزيات ما بينه وبينهم على تقرير مائة ألف درهم.
[ ٢٤ ]
وسار ابن الشمشقيق إلى دمشق لمشاهدتها فلما وصل إليها ونزل بظاهرها استحسن ما رآه من سوادها وتقدم إلى أصحابه بكف الأذية عن أهلها وترك الاعتراض لشيء من عملها ودخل الفتكين والشيوخ إلى البلد لتقسيط القطيعة وجمعها وتحصيل الملاطفات التي يخدم مثله بمثلها وحملوا إليه ما جاز حمله وحصل المال المقرر له في بدرة. وخرج الفتكين إليه لمعاودة خدمته فوجده راكبًا والطرسوسيون يتطاردون بالرماح بين يديه فلما شاهد ابن الشمشقيق موكبه تقدم إلى ابن الزيات بتلقيه وقد كانت الحال تأكدت بين الفتكين وابن الزياد فتلقاه ووصاه بالتذلل له والزيات في التعظم له والتقرب إليه وأعلمه ان ذلك ينفق عليه ففعل الفتكين ما أشار به وترجل له هو وأصحابه وابن الزيات عند قربهم منه وقبلوا الأرض مرارًا فسر الملك بذلك وأمرهم بالركوب فركبوا وأسند إلى الفتكين وسأله عن حاله فأجابه جوابًا استرجعه حجةً فيه. وكان الملك فارسًا يحب الفرسان فلعب الفتكين وابن الزيات بين يديه لعبًا استحسنه منه وشاهد من فروسية الفتكين
[ ٢٥ ]
ما أعجبه فتقدم إليه بالزيادة في اللعب والتفرد به ففعل والتفت الملك إلى ابن الزيات فأثنى على الفتكين وقال: هذا غلام نجيب وقد أعجبني ما شاهدته منه في حسن أفعاله وجميع أحواله. فأعلم ابن الزيات الفتكين فترجل وقبل الأرض وشكره ودعا له فأمره بالركوب فركب وقال لابن الزيات: عرفه إن ملكي قد وهب له الخراج وترك طلبه منه. فأعاد الفتكين الترجل والشكر والدعاء وعاد الملك إلى بلاطه والفتكين معه في أثناء مسيره يلعب ويرى بالزوبين والملك شديد التوفر عليه حتى إذا نزل أحضره وخلع عليه وحمله على شهري واستهداه الملك الفرس الذي كان تحته والسلاح الذي عليه الرمح فعاد وأضاف إليه عشرين فرسًا بتجافيفها وعدة رماح وشيئًا كثيرًا من أصناف الثياب والطيب والتحف التي يتحف بها مثله فشكره الملك على هذا الفعل وقبل الفرس والته ورد ما سوى ذلك وكافاه على الهدية بأثواب ديباج كثيرة وصياغات وشهاري وبغلات وسار على طريق الساحل فنزل على صيدا. وخرج إليه أبو الفتح بن الشيخ وكان رجلًا جليل القدر ومعه شيوخ البلد ولقوه وقرروا معه أمرهم على مال أعطوه اياه وهدية حملوها إليه وانصرف عنهم على سلم وموادعة وانتقل إلى ثغر بيروت فامتنع أهله عليه فقاتلهم وافتتح الثغر عنوةً ونهبه وسبى السبي الكثير منه وتوجه إلى جبيل فاعتصم أهلها عليه وجرى أمرها مجرى بيروت
ونزل على طرابلس فأقام عليها تقدير أربعين يومًا يقاتل أهلها
[ ٢٦ ]
ويقاتلونه فبينما هو على ذلك إذ دس إليه خال بسيل وقسطنطين سمًا فاعتل منه ورحل إلى أنطاكية فطالب أهلها بتسليمهما فلم يجيبوا إلى ذلك وقطع ما كان في بساتينها من شجر التين وهو يجري هناك مجرى النخل في البصرة وحفزه المرض الذي لحقه واستخلف البرجي البطريق على منازلتها وتوجه إلى القسطنطينية وتوفي بعد أن افتتح البرجى أنطاكية في سنة ٣٦٥ وورد الخبر بوفاة أبي تميم معد المعز لدين الله صاحب مصر في يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ٣٦٥ وكان مولده بالممهدية على أربع ساعات وأربعة أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي عشر من شهر رمضان سنة ٣١٩ وعمره خمس وأربعون سنة وتقلد الأمر بعد أبيه في يوم الجمعة التاسع عشر من شوال سنة ٣٤١ ومدة أيامه بمصر ثلاث سنين وانتصب مكانه ولده نزار أبو المنصور العزيز بالله وقد تقدم ذكر ذاك الا ان هذه الرواية أجلى من تلك الحكاية. وقيل إن المعز كان مغرىً بعلم النجوم والنظر فيما يقتضيه أحوال مولده وأحكام طالعه فحكم له بقطع فيه واستشار منجمه فيما يزيله عنه فأشار عليه أن يعمل له سردابًا تحت الأرض ويتوارى فيه إلى حين زوال الوقت وتقضيه فعمل على ذلك وأحضر قواده وكتابه وقال لهم: إن بيني وبين الله تعالى عهدًا في وعد وعدنيه وقد قرب أوانه وجعلت ولدي نزارًا ولي العهد بعدي ولقبته العزيز بالله واستخلفته عليكم وعلى تدبير أموركم مدة غيبتي فالزموا الطاعة له والمناصحة واسلكوا الطريق الواضحة. فقالوا له: الأمر أمرك ونحن عبيدك وخدمك. ووصى إلى العزيز بما أراد وجعل
[ ٢٧ ]
جوهرًا مدبره والمشار إليه في الأمور وتنفيذها بين يديه ونزل إلى السرداب الذي اتخذه وأقام فيه سنة فكانت المغاربة إذا رأوا غمامًا سايرًا ترجلوا إلى الأرض وأومؤا إليه بالسلام بقدر ذاك. ثم خرج بعد ذلك وجلس للناس فدخلوا إليه على طبقاتهم وخدموه بأدعيتهم وما أقام على هذه الحال إلا مديدةً واعتل علته التي قضى فيها نحبه. وقام العزيز بالله في منصبه وقد كان الفتكين والقرامطة يكاتبونه بأنهم قاصدون الشام إلى أن وافوا إلى دمشق في سنة ٣٦٥ وكان الذي وافى منهم اسحق وكسرى وجعفر فنزلوا على ظاهر دمشق نحو الشماسية ووافى معهم كثير من العجم وأكرمهم الفتكين وحمل إليهم الميرة وخرج نحوهم وأقاموا على دمشق أيامًا ورحلوا متوجهين إلى الرملة. وكان أبو محمود إبراهيم بن جعفر لما عرف خبرهم تحصن بيافا فلما نزلوا الرملة شرعوا في القتال ولما أمن الفتكين من ناحية مصر والرملة عمل على أخذ ثغور الساحل وسار فيمن اجتمع إليه ونزل صيدا فكان بها ابن الشيخ واليًا ومع رؤوس من المغاربة ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي الذي تقدم
[ ٢٨ ]
ذكره في دمشق فقاتلوه وكانوا في كثرة وطمعوا في الفتكين وامتدوا خلفه ونزل على نهر وطفت الرعية من صيدا وخرج منهم خلق كثير وقال الفتكين لساقة العسكر: اطلبوا طريق بانياس وتبعوهم. فحملت عليهم الأتراك ورمتهم المغاربة بالحرب فلقوهم بالصدور واقلبوا باللتوت عليهم وداسوهم بالخيل عليها التجافيف فانهزموا وأخذهم السيف وكان ظالم بن موهوب معهم فانهزم إلى صور وأحصي القتلى فكانوا أربعة ألف وطمع في أخذ عكا وتوجه نحوها. وقد كان العزيز بالله كاتب الفتكين بمثل ما كاتبه به المعز لدين الله من الاستمالة ووعده بالاصطناع وأخذت عليه البيعة وظهرت منه الطاعة فأجابه فيه جوابًا فيه بعض الغلظة وقال: هذا بلد أخذته بالسيف وما أدين فيه لأحد بطاعة ولا أقبل منه أمرًا. وغاظ العزيز هذا الجواب منه وأحفظه واستشار أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس وزيره فيما يدبر أمر
[ ٢٩ ]
الفتكين به فأشار باخراج القايد جوهر إليه مع العساكر فأمر بالشروع في ذلك وترتيب الأمر فيه. وعرف الفتكين ذلك وما وقع العزم عليه فجمع وجوه أهل دمشق وأشرافها وشيوخها وقال لهم: قد علمتم انني لم أتوسطكم وأتولى تدبيركم إلا عن رأيكم ومرادكم وقد طلبني من هذا السلطان ما لا طاقة لي به وأنا منصرف عنكم وداخل إلى بلاد الروم وعامل على طلب موضع أكون فيه واستمد ما أحتاج إليه منه لئلا يلحقكم بقصد من يقصدكم ما يثقل به الوطأة عليكم وتصل به المضرة إليكم. وكان أهل دمشق يأبون المغاربة لمخالفتهم لهم في الاعتقاد ولأنهم أمويون ولقبح سيرة الناظرين الذين كانوا عليهم
فقالوا: أما أخبرناك لرئاستنا وسياستنا على أن نمكنك من تركنا ومفارقتنا أو نالوك جهدًا من نفوسنا ومساعدتنا! ونفوسنا دونك وبين يديك في المدافعة عنك. وجددوا له التوثقة على الطاعة والمناصحة. وفصل جوهر في العسكر الكثيف من مصر بعد أن استصحب أمانًا من العزيز بالله لا لفتكين وخاتمًا ودستًا من ثيابه وكتابًا إليه بالعفو عنه وعما فرط منه فلما حصل بالرملة كاتب الفتكين بالرفق والملاطفة وأن يبلغ له ما يريده وأعلمه ما قرره له مع العزيز بالله وأخذه أمانه الموكد والتشريف الفاخر وأشار عليه في أثناء ذلك بترك اثارة الفتنة وأن يطلب صلاح الحال من جهته وأقرب طرقه. فلما وصل الكتاب إليه ووقف عليه أجابه عنه بالجميل من الجواب والمرضي من الخطاب والشكر على ما بذله له من نفسه وغالطه في المقال واحتج عليه بأهل دمشق فيما يصرف رأيه
[ ٣٠ ]
وتدبيره عليه. وكان كاتب الفتكين المعروف بابن الخمار وهو يرى غير رأي المغاربة ويزري عنده على اعتقادهم ويقرر في نفسه وجوب قتالهم ووقف جوهر على كتابه فعلم انه مصر على الحرب فسار إليه حتى إذا قرب منه ووصل إلى دمشق نزل في العسكر بالشماسية وبرز إليه الفتكين في أصحابه ومن حشده من العرب وغيرهم ونشبت الحرب بين الفريقين واتصلت مدة شهرين وقتل فيها عدد كثير من الطائفتين وظهر من شجاعة الفتكين والغلمان الذين معه ما عظموا به في النفوس وتحصلت لهم الهيبة القوية في القلوب. وأشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبي محمد الحسن بن أحمد القرمطي واستدعائه للاجتماع معه على دفع المغاربة ففعل وسار الحسن متوجهًا إليه في عسكره وعرف جوهر خبره فعلم انه متى حصل بين عدوين ربما تم عليه مكروه منهما فرجع إلى طبرية. ووصل الحسن بن أحمد إلى الفتكين واجتمعا وتحالفا وتعاقدا وسارا في أثر جوهر فاندفع منهما إلى الرملة وأقام بها وأنفذ رحله وأثقاله إلى عسقلان وكتب إلى العزيز يعرفه بصورة الحال ويستأذنه في قصد عسقلان ان دعته إلى ذلك ضرورة ووافى الفتكين والحسن بن أحمد القرمطي ونزلا على الرملة ونازلا جوهرًا وقاتلاه واجتمع إليهما من رجال الشام وعربها تقدير خمسين ألف فارس وراجل ونزلوا بنهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من البلد ولا ماء لأهله إلا منه فقطعاه عنهم واحتاج جوهر وعسكره والرعية إلى الماء المجتمع من المطر في الصهاريج وغناء قليل ومادته إلى نفاد ورأى جوهر أنه لا قدرة له على المقام ومقاومته القوم فرحل إلى عسقلان في أول الليل ووصل إليها في آخره وتبعه الفتكين والقرمطي إليها ونزلا عليها وحاصراه فيها وضاقت الميرة به
[ ٣١ ]
وغلت الأسعار عنده وكان الوقت شتاء لم يمكن حمل الأقوات إليه في البحر واشتدت الحال حتى أكلت المغاربة وأهل البلد الدواب الميتة وابتاعوا الخبز إذا وجدوه حساب كل خمسة أرطال بالشامي بدينار معزي. وكان جوهر شجاعًا مبارزًا وربما خرج وتقدم وإذا وجد فرصةً من الفتكين دعاه إلى الطاعة وبذل له البذول المرغبة فيسترجعه الفتكين ويسترجله ويهم أن يقيل منه ويجيبه ثم يثنيه عنه الحسن بن أحمد وابن الخمار الكاتب ويمنعانه ويخوفانه ويحذرانه وزاد الضيق والشدة على المغاربة وتصور جوهر العطب إن لم يعمل الحيلة في الخلاص فراسل الفتكين سرًا وسأله القرب منه والاجتماع معه ففعل ذلك الفتكين ووقفا على فرسيهما فقال له جوهر: قد علمت ما يجمعني وإياك من حرمة الاسلام وحرمة الدين وهذه فتنة قد طالت وأزيقت فيها الدماء ونحن المأخوذون بها عند الله تعالى وقد دعوتك إلى الصلح والموادعة والدخول في السلم والطاعة وبذلت لك كل اقتراح وإرادة وإحسان وولاية فأبيت إلا القبول ممن يشب نار الفتنة ويستر عنك وجه النصيحة فراقب الله تعالى وراجع نفسك وغلب رأيك على هوى غيرك. فقال له الفتكين: أنا والله واثق به وبصحة الرأي والمشورة منك لكنني غير متمكن مما تدعوني إليه ولا يرضى القرمطي بدخوله فيه معي. فقال له: إذا كان الرأي والأمر على ذلك فإني أصدقك على أمري تعويلًا على الأمانة وما أجده من الفتوة عندك فقد ضاق الأمر وامتنع الصبر وأريد أن تمن علي بنفسي وبها ولاء المسلمين الذين معي وعندي وتذم لي لأمضي وأعود إلى صاحبي شاكرًا وتكون قد جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف وعقدت علي وعلى صاحبي منةً تحسن الأحدوثة عنك فيها وربما أملت المقابلة لك عنها. فقال له الفتكين:
افعل وأمن على أن أعلق سيفي ورمح الحسن بن أحمد على باب عسقلان وتخرج أنت وأصحابك من
[ ٣٢ ]
تحتها. فرضي جوهر بذلك وتعاهدا وتصافحا عليه وأخذ ختم الفتكين رهنًا على الوفاء به وافترقا وعاد الفتكين إلى عسكره وجوهر إلى البلد وأنفذ جوهر إلى الفتكين ألطافًا كثيرة ومالًا فقبل ذلك منه وكافاه عليه. وأنفذ الفتكين إلى القرمطي يعرفه ما جرى بينه وبين جوهر فركب الحسن إليه وقال له: لقد أخطأت فيما فعلته وبذلته وجوهر هذا ذو رأي وحزم ودهاء ومكر وقد استقلك بما عقده معك وسيرجع إلى صاحبه ويحمله على قصدنا ثم لا يكون لنا به طاقة فيأخذنا ومن الصواب أن ترجع عن ذلك حتى يهلك هو وأصحابه جوعًا وتأخذهم بالسيف. فقال له الفتكين: قد عاهدته وحلفت له وما استجيز الغدر به. وعلقا السيف والرمح وخرج جوهر وأصحابه تحتهما ووصل إلى مصر ودخل على العزيز بالله وشرح له الحال واستفحال أمره ومن معه فقال له: ما الرأي. قال: إن كنت تريدهم فأخرج بنفسك إليهم وإلا فإنهم واردون على أثري. فأمر العزيز باخراج الأموال ووضع العطاء في الرجال وبرز بروزًا كليًا واستصحب الخزائن والذخائر وتوابيت آبائه على القوم في ذلك وسار جوهر على مقدمته. ووردت الأخبار على الفتكين والحسن القرمطي بما جرى فعادا إلى الرملة وجمعا العرب واتفقا واحتشدا وتأهبا واستعدا وورد العزيز في العساكر ونزل في الموضع المعروف بقصر ابن السرح بظاهر الرملة والفتكين والقرمطي على قرب منه في الموضع المعروف ببركة الخيزران وبات العسكران على اعداد للحرب وباكراها وقد اصطف كل منهما ميمنةً وقلبًا وميسرةً وحال الفتكين بين الصفين يكر ويحمل ويطعن ويضرب فقال العزيز لجوهر: أرني الفتكين. فأشار إليه وقيل إنه كان في ذلك اليوم على فرس أدهم بتجافيف من مرايا وعليه كذا غند أصفر وهو يطعن تارةً بالرمح ويضرب أخرى بالسيف والناس يتحامونه ويتقونه فأعجب العزيز ما رأى منه ومن هيئته وفروسيته وعلى رأسه المظلة ووقف وأنفذ إليه ركابيًا
[ ٣٣ ]
يختص بخدمته يقال له نميرة وقال له: قل: يا الفتكين أنا العزيز وقد أزعجتني عن سرير ملكي وأخرجتني لمباشرة الحرب بنفسي وأنا مسامحك بجميع ذلك وصافح لك عنه فأترك ما أنت عليه ولذ بالعفو مني فلك عهد الله وميثاقه اني أومنك وأصطفيك وأنوه باسمك وأجعلك اسفهسلار عسكري وأهب لك الشام بأسره وأتركه في يدك. فمضي نميرة الركابي إليه وأعاد الرسالة عليه فخرج بحيث يراه الناس وترجل وقبل الأرض مرارًا ومرغ خديه عليها معفرًا وقال له: قل لأمير المؤمنين لو تقدم هذا القول منك لسارعت إليه وأطعت أمرك فأما الآن فليس إلا ما ترى، وعاد نميرة وقال ذلك للعزيز فقال له: ارجع إليه وقل له يقرب مني ويكون بحيث أراه ويراني فإن استحققت أن يضرب في وجهي بالسيف فليفعل. فمضى نميرة وقال له ذلك فقال: ما كنت الذي أشاهد طلعة أمير المؤمنين وأنابذه بالحرب وقد خرج الأمر عن يدي. ثم حمل على الميسرة فكسرها وهزمها وقتل كثيرًا ممن كان فيها وشاهد العزيز ما جرى وكان في القلب فراسل الميمنة بالحملة وحمل هو والمظلة على رأسه فانهزم الفتكين والقرمطي ووضع السيف في عسكريهما فقتل منه نحو عشرين ألف رجل ومضى الحسن القرمطي هاربًا على وجهه. وعاد العزيز إلى معسكره ونزل في مضاربه وجلس الأسرى بحضرته والعرب تجيئه بمن يقع في أيديها من أصحاب الفتكين والخلع تخرج إليهم مقابلة عن ذلك وقد بذل لمن يجئه بالفتكين مائة ألف دينار وكان الفتكين يميل إلى المفرج بن دغفل بن الجراح ويتمرده لأنه كان وضئ الوجه صبيحه وشاع ذلك عنه فيه واتفق ان انهزم فطلب ساحل البحر ومعه ثلاثة من غلمانه رفقائه وبه جراح وقد كده العطش فلقيته سرية من الخيل فيها المفرج فلما رآه التمس ماء فأعطاه إياه وقال له: احملني إلى
[ ٣٤ ]
هناك. ففعل حتى إذا وصل إلى قرية تعرف بلبنا أنزله فيها وأحضره ماء وفاكهةً ووكل به جماعةً من أصحابه وبادر إلى العزيز فتوثق منه في المال الذي بذله في الفتكين ثم عرفه حصوله في يده وأخذ جوهرًا ومضى فسلمه إليه وورد المبشرون إلى العزيز بحصوله فتقدم بضرب نوبة من مضاربه وفرشها واعداد ما يحتاج إلى اعداده من الآلات للاستعمال فيها واحضار كل من حصل في الأسر منسوبًا إليه فأحضر وأومنوا وكسوا ورتبوا في أشغالهم المنسوبة إليهم في خدمته ووصل الفتكين وقد خرج العسكر لاستقباله وهو
غير شاك في انه مقتول فأمر العزيز أن يعدل به إلى النوبة المضروبة وكانت قريبًا من مضاربه وبين يديه مختار الصقلبي صاحب القصر في جماعة من الخدم والصقالبة يمنعون الناس منه ويحولون بينه وبينهم فلما رأى القواد والصقالبة والمغاربة باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم وقبلوا الأرض ففعل الفتكين مثل ذلك ودخل المضارب المعدة له فشاهد أصحابه وحاشيته على ما كانوا عليه من الحال والعمل في خدمته وحمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه فرمى نفسه إلى الأرض ورمى ما على رأسه وعفر خديه على التراب وبكى بكاءً شديدًا سمع منه نشيجه وقال: ما استحققت الابقاء علي فضلًا عن العفو الكريم والاحسان الجسيم ولكن مولانا أبي إلا ما يقتضيه أعرافه الشريفة وأخلافه المنيفة. وامتنع من الجلوس في الدست وقعد بين يديه وأتاه بعد ساعة أمين الدولة الحسن بن عمار وهو أجل كتابه وجوهر ومعهما عدة من الخدم على أيديهم الثياب فسلما عليه وأعلماه رضي العزيز عنه وتجاوزه عن الهفوة الواقعة منه وألبسه جوهر دستًا من ملابس العزيز كان في جملة الثياب وقال له: أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت سؤ الاستشعار وعدت إلى حال السكون والانبساط. فجدد الدعاء وتقييل الأرض وشكر جوهرًا على ما ظهر منه في أمره وعاد الحسن وجوهر إلى العزيز فأخبراه ما كان منه. وواصله العزيز بعد ذلك بالمراعاة والملاطفة في الفواكه والمطاعم وتقدم من غد إلى البازيارية وأصحاب الجوارح بالمصير إلى باب مضربه وراسله بالركوب إلى الصيد تأنيسًا له وقاد إليه عدة من دواب بمراكبها فركب وهو يشاهد القتلى من أصحابه وعاد من متصيده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع والنفاطون بالمشاعل ونزل في مضاربه فلما كان في الليل ركب العزيز إليه ودخل عليه فبادر إلى استقباله وتقبيل الأرض وتعفير خديه بالتراب فأخذ العزيز بيده وأمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات ثم جلس فسأله عن خبره وخاطبه بما سكن نفسه وقال له: ما نقمت عليك إلا انني دعوتك إلى مشاهدتي تقديرًا أن تستحيي مني فأبيت وقد عفوت الآن عن ذلك وعدت إلى أفضل ما تحب أن تطيب نفسك به وسأصطنع لك اصطناعًا يسير ذكره وافعل معك فعلًا أزيد على أملك وأمنيتك فيه. فبكى الفتكين بين يديه وقال: قد تفضلت يا أمير المؤمنين علي تفضلًا ما استحققته ولا قدرته وأرجو أن يوفقني الله بخدمتك ومقابلة نعمتك. وأنس الفتكين بعد ذلك وخاطب فيمن بقي من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة والتقريرات المتتابعة ونزلوا على مقاديرهم ورتبهم في مواضعه واستحجبه العزيز وجعله من أخص خاصته وأقرب صاحب من خدمة حضرته. وكان العزيز قد أنفذ النجب بالرسل والكتب تابعةً للحسن بن أحمد القرمطي فلحقوه بطبرية وأعادوا عليه الرسائل بالصفح عما جرى منه والدعاء إلى وطء البساط ليصطنعه ويصطفيه والتماس ما يريده ليبلغه له ويرجع إلى بلاده فأقام على أمره وترددت المراسلات إليه ومنه والوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ثلاثين ألف دينار له ولأصحابه تحمل إليه في كل سنة ويكونوا على الطاعة والموادعة وحمل إليه مال سنة وأضيف إليه ثياب كثيرة وخيل بمراكب وتوجه إليه جوهر وقاضي الرملة فاستحلفاه للعزيز على الوفاء والمصلحة وأخذا له المواثيق المسدودة المؤكدة وأعطياه المال والخلع والحملان وانصرف إلى الاحساء وعاد العزيز إلى مصر والفتكين حاجبه ولم يزل المال المقرر للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد أبي المنجا صاحبه إلى أن مات. ووصل العزيز إلى مصر والقاهرة فدخلها ونزل في قصره وأنزل الفتكين في دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير وركب وجوه سائر الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه ووافاه فيمن وافاه أبو الفرج يعقوب بن يوسف ابن كلس الوزير بعد أن لاطفه وهاداه وزاد أمر الفتكين بين يدي العزيز وتكبر على ابن كلس الوزير وامتنع من قصده والركوب إليه وأمره العزيز فلم يفعل وتدرجت الوحشة بينهما حتى قويت واستحكمت وأعمل الحيلة الوزير في الراحة منه ودس إليه سمًا فقتله به ولما مضى لسبيله حزن العزيز حزنًا شديدًا عليه واتهم ابن كلس واعتقله نيفًا وأربعين يومًا صح له منه خمسمائة ألف دينار وواقفت الأمور باعتزاله النظر فيها فأعاده العزيز وجدد اصطناعه واستخدامه انه مقتول فأمر العزيز أن يعدل به إلى النوبة المضروبة وكانت قريبًا من مضاربه وبين يديه مختار الصقلبي صاحب القصر في جماعة من الخدم والصقالبة يمنعون الناس منه ويحولون بينه وبينهم فلما رأى القواد والصقالبة والمغاربة باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم وقبلوا الأرض ففعل الفتكين مثل ذلك ودخل المضارب المعدة له فشاهد أصحابه وحاشيته على ما كانوا عليه من الحال والعمل في خدمته وحمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه فرمى نفسه إلى الأرض ورمى ما على رأسه وعفر خديه على التراب وبكى بكاءً شديدًا سمع منه نشيجه وقال: ما استحققت الابقاء علي فضلًا عن العفو الكريم والاحسان الجسيم ولكن مولانا أبي إلا ما يقتضيه أعرافه الشريفة وأخلافه المنيفة. وامتنع من الجلوس في الدست وقعد بين يديه وأتاه بعد ساعة أمين الدولة
[ ٣٥ ]
الحسن بن عمار وهو أجل كتابه وجوهر ومعهما عدة من الخدم على أيديهم الثياب فسلما عليه وأعلماه رضي العزيز عنه وتجاوزه عن الهفوة الواقعة منه وألبسه جوهر دستًا من ملابس العزيز كان في جملة الثياب وقال له: أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت سؤ الاستشعار وعدت إلى حال السكون والانبساط. فجدد الدعاء وتقييل الأرض وشكر جوهرًا على ما ظهر منه في أمره وعاد الحسن وجوهر إلى العزيز فأخبراه ما كان منه. وواصله العزيز بعد ذلك بالمراعاة والملاطفة في الفواكه والمطاعم وتقدم من غد إلى البازيارية وأصحاب الجوارح بالمصير إلى باب مضربه وراسله بالركوب إلى الصيد تأنيسًا له وقاد إليه عدة من دواب بمراكبها فركب وهو يشاهد القتلى من أصحابه وعاد من متصيده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع والنفاطون بالمشاعل ونزل في مضاربه فلما كان في الليل ركب العزيز إليه ودخل عليه فبادر إلى استقباله وتقبيل الأرض وتعفير خديه بالتراب فأخذ العزيز بيده وأمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات ثم جلس فسأله عن خبره وخاطبه بما سكن نفسه وقال له: ما نقمت عليك إلا انني دعوتك إلى مشاهدتي تقديرًا أن تستحيي مني فأبيت وقد عفوت الآن عن ذلك وعدت إلى أفضل ما تحب أن تطيب نفسك به وسأصطنع لك اصطناعًا يسير ذكره وافعل معك فعلًا أزيد على أملك وأمنيتك فيه. فبكى الفتكين بين يديه وقال: قد تفضلت يا أمير المؤمنين علي تفضلًا ما استحققته ولا قدرته وأرجو أن يوفقني الله بخدمتك ومقابلة نعمتك. وأنس الفتكين بعد ذلك وخاطب فيمن بقي من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة والتقريرات المتتابعة ونزلوا على مقاديرهم ورتبهم في مواضعه واستحجبه العزيز وجعله من أخص خاصته وأقرب صاحب من خدمة حضرته. وكان العزيز قد أنفذ النجب بالرسل والكتب تابعةً للحسن بن أحمد القرمطي فلحقوه بطبرية وأعادوا عليه الرسائل بالصفح عما جرى منه
[ ٣٦ ]
والدعاء إلى وطء البساط ليصطنعه ويصطفيه والتماس ما يريده ليبلغه له ويرجع إلى بلاده فأقام على أمره وترددت المراسلات إليه ومنه والوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ثلاثين ألف دينار له ولأصحابه تحمل إليه في كل سنة ويكونوا على الطاعة والموادعة وحمل إليه مال سنة وأضيف إليه ثياب كثيرة وخيل بمراكب وتوجه إليه جوهر وقاضي الرملة فاستحلفاه للعزيز على الوفاء والمصلحة وأخذا له المواثيق المسدودة المؤكدة وأعطياه المال والخلع والحملان وانصرف إلى الاحساء وعاد العزيز إلى مصر والفتكين حاجبه ولم يزل المال المقرر للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد أبي المنجا صاحبه إلى أن مات. ووصل العزيز إلى مصر والقاهرة فدخلها ونزل في قصره وأنزل الفتكين في دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير وركب وجوه سائر الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه ووافاه فيمن وافاه أبو الفرج يعقوب بن يوسف ابن كلس الوزير بعد أن لاطفه وهاداه وزاد أمر الفتكين بين يدي العزيز وتكبر على ابن كلس الوزير وامتنع من قصده والركوب إليه وأمره العزيز فلم يفعل وتدرجت الوحشة بينهما حتى قويت واستحكمت وأعمل الحيلة الوزير في الراحة منه ودس إليه سمًا فقتله به ولما مضى لسبيله حزن العزيز حزنًا شديدًا عليه واتهم ابن كلس واعتقله نيفًا وأربعين يومًا صح له منه خمسمائة ألف دينار وواقفت الأمور باعتزاله النظر فيها فأعاده العزيز وجدد اصطناعه واستخدامه
[ ٣٧ ]