كان من ابتداء أمر بكجور ما ذكر انه كان غلامًا مملوكًا لفرغويه أحد غلمان سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب وكان فرغويه قد غلب على أمر حلب بعد وفاة سيف الدولة ومنع ولده سعد الدولة أبا المعالي منها ودفعه عنها فسار أبو المعالي إلى حماة ورفنية وكان ينزل مهمًا في عسكره. وكانت الروم قد خربت حمصًا وأعمالها ونزل رقتاش التركي غلام سيف الدولة من حصن برزويه فلقي مولاه أبا المعالي وسار معه ونزل على حمص وشرع في عمارتها ولم شعثها لأن الروم لما ملكتها أفسدت أعمالها في النوبة الأولى عند خروجهم في سنة ٣٥٨ على غفلة من أهلها وغرة ممن بها واجتهد رقتاش في عمارتها وتحصينها وأبو المعالي يقوي أمره بها ويشد شوكته فيها. وكان فرغويه قد استناب بكجور في حلب فلما قوي أمره قبض على مولاه وحبسه في قلعة حلب وملك البلد وأقام تقدير ست سنين. وكوتب أبو المعالي من حلب وأطمع في
[ ٤٨ ]
تملك البلد في رجال فرغويه وأن يكونوا عونًا له على أمره فجمع بني كلاب ومن أمكنه ونهض صوب حلب ونزل على معرة النعمان فملكها وأخذ منها غلامًا كان غلب عليها يقال له زهير فقتله وسار عنها فنزل حلب سنة ٣٦٦ فأقام عليها تقدير أربعة أشهر ثم تسهل له فتحها بحيلة عملها وتحصن بكجور في القلعة فراسله أبو المعالي فطلب منه الأمان فأمنه فقال بكجور: أريد يتوسط بيني وبينك وجوه البلد من بني كلاب. فأجابه إلى ذلك فتوسطوا الأمر بينهما وأخذوا له العهد والميثاق والأمان على نفسه وولده وماله وانه لا يغدر به ويوليه حمصًا على انه ينحدر من القلعة ويسلمها ولا يأخذ منها شيئًا إلا ما لا بد منه فأجابه إلى ذلك فولاه حمصًا لما نزل من القلعة وسلمها ووفى له بكل ما عاهده عليه. وسار بكجور إلى حمص في السنة المذكورة وصرف همه إلى عمارتها وكان أمره كل يوم فيها إلى الزيادة بعد الدخول غليها في الضعف. واتفق له إن أعمال دمشق من حوران والبثنية قد اختلت وخربت على ما تقدم ذكره من قلة القوت بها وغلاء السعر فيها وجلا منها خلق كثير إلى حمص فعمر البلد وكثر الناس عنده. وكان في بكجور خور وكان مجتهدًا في العمارة وأمن السبل والطرق فلما انقطعت الغلات عن دمشق ومات بها كثير من الناس جوعًا من أهل حوران والبثنية ورغب الناس جالبون منها في حمل الغلة إلى دمشق مكنهم من ذلك وحمى لهم الطرق في ترددهم بادين وعائدين فحسن حال حمص وكثر السفر إليها ومنها. وكانت العرب قد طمعت في أعمال دمشق وكان واليها القائد أبو محمود بن جعفر في ضعف وقسام غالب عليه واتفق وفاة أبي محمود إبراهيم بن جعفر المذكور بدمشق في صفر سنة ٣٧٠ وكان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة على ما تقدم ذكره وحماها من العرب
[ ٤٩ ]
وحسنت حال دمشق بحمل الغلات إليها في تلك الشدة. وكان بكجور يكاتب العزيز بالله بمصر وورد الجواب عليه بأن تصير إلى بابنا لنوليك دمشق وكان العزيز قد رغب في الجند الذين يعملون السلاح مثل الناشب والرامح وجمع الجمع الكثير وأخرجهم إلى حرب الفتكين وجرى من أمره ما ذكر في موضعه. فلما كان في سنة ٣٧٢ وقعت الوحشة بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب وبين بكجور وراسله بأن يخرج من بلده فكتب بكجور إلى العزيز يسأله انجاز الوعد بولاية دمشق ودعت الحاجة إلى عود القائد بكجور مقدم العسكر المصري بحكم اعتزام المغاربة على الوثوب بالوزير ابن كلس وقتله وقادت الضرورة العزيز إلى أن ولي بكجور دمشق وكتب إلى بلتكين ومنشا كاتب الجيش بأن يسلم البلد إلى بكجور ويرحل عنه. وقد كان كتب أيضًا كتابًا إلى العزيز إن إن أنفذ إلي عسكرًا لآخذ لك حلب وأطمعه في ذلك فأنفذ إليه بعض عسكر دمشق فسار بهم ونزل على حلب وحصرها مدة يسيرة. فظهر دمستق الروم بارديس ونزل على أنطاكية وعزم على كبس بكجور على حلب فكتب إليه ابن جراح يحذره فرحل عن حلب وتبعه عسكر الروم في أثره وتم بكجور ونزل على حمص وحمل ما كان له إلى بعلبك ونزل في جوسية في جمع عظيم ونزل ملك الروم ميماس حمص ولم يعرض للبلد ودخل المدينة وشاهد الكنيسة ورحل عنها متوجهًا إلى البقيعة يريد طرابلس.
[ ٥٠ ]
وأنفذ إلى أهل حمص رسولًا يقول لهم: نريد مالًا يحمل إلينا. فقالوا: هذا بلد خراب ليس فيه مال. فرجع ونزل عليها وقال لأهلها: من خرج من البلد فهو آمن. فخرج قوم وأقام قوم فدخل عسكره فنهب وسبى وأحرق الجامع
ومواضع من البلد وتحصن قوم بالمغاير فأوقد عليهم فأهلكهم الدخان ولم يعرض للعرب ولا لمن هرب إليها وكان دخول الروم إلى حمص يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأول سنة ٣٧٣ وهي النوبة الثانية للروم وقيل إن أبا المعالي بن سيف الدولة خاف من أخذ بكجور حلب بالمغاربة فأنفذ إلى ملك الروم يسأله اخراب حمص. ورجع أكثر من كان مع بكجور من عسكر دمشق أصحاب القائد بلتكين وبقي بكجور وأصحابه منتظرًا أن يرحل بلتكين عن دمشق ويسير إليها. وكان السبب في تأخر ولاية دمشق إن الوزير ابن كلس كتب إلى بلتكين أن لا يسلم دمشق إلى بكجور وعرف العزيز ذاك وكتب يذكر بأمره وانجاز وعده فسأل العزيز عن تأخر الأمر في ذلك فقال له الوزير: الصواب أن لا يلي بكجور دمشق ويعصى فيها. قال: نحن استدعيناه لذلك ووعدناه به. فقال: قد كان ذاك والحزم أن لا يولي. فقال له: لا بد من ذلك. فكتب الوزير إلى منشا بن الفرار كاتب الجيش: واقف بكجور على ما يأخذ من المال له ولرجاله وسلم ولاية دمشق إليه. فسلم بلتكين البلد إليه وعاد متوجهًا إلى مصر في يوم الأحد مستهل رجب سنة ٣٧٢ وكانت ولاية بلتكين دمشق خمسة شهور ودخل بكجور البلد واليًا في يوم السبت سابع رجب من السنة وقد عرف إن الذي أخر الولاية الوزير بن كلس فحقد بكجور عليه. وكان لابن كلس نائب في عمله وضياعه يقال له ابن أبي العود يهودي وكان يكتب إليه بأخبار البلد فقال بكجور: هذا عين علي. وتقدم بقتله
[ ٥١ ]
فقتل فلما بلغ ذلك الوزير عظم عليه واغتم له وأعلم الوزير العزيز وقال: هذا مبدأ عصيان بكجور وقد تمكن من البلد وجاء معه ابن جراح وهو عدو. فلما كان في سنة ٧٧ عزم الوزير على العمل على قتل بكجور فأنفذ إلى غلام نصراني عطار يعرف بابن أخي الكويس من أهل دمشق إن احتل على قتل بكجور ولم يكن النصراني من أهل ذاك فقال: لا يتم هذا الأمر إلا برجل من الجند من أصحابه يعين على هذا الأمر. فكتب رقعةً بما يريد إلى بعض أصحاب بكجور، فلما وصلت الرقعة إليه ونظر ما فيها فظن إن بكجور دسها إليه ليبلوه بها فأوصل الرقعة إلى بكجور فوقف عليها وقال: أريد من جاءك بها. فقال: إنما أوصلتها إليك لأبرأ من أمرها ولا أكتمها عنك. فلم يقبل قوله ولج في طلبه وقال له: إن الذي أوصل الرقعة أجيرًا لابن أخي الكويس العطار. فوجه قبض عليه وعلى الأجير ووضع العقوبة على العطار وقال: أريد الصبي. وقبض على قوم كانوا يعاشرون العطار فكحلهم ونفاهم وكان فيهم ثلاثة من أهل العلم والفضل يقال لأحدهم ابن الخطاب والآخر الخلادي والثالث المستولي وأخرج ابن الكويس بعد ما صفي ومعه رجلان من المتهمين فصلبوا أقبح صلب وماتوا في غد ذلك اليوم في رمضان سنة ٧٧ وبلغ الخبر الوزير ابن كلس فعظم عليه وازداد حنقًا وأعلم العزيز ذاك واتفق أن يخرج إليه عسكر ومعه جراح وشرع بكجور في أذية الناس من أصحاب الوزير في ضياعه وجار في البلد جورًا عظيمًا ولم يخل من القتل والصلب والفتك. فجرد إليه في سنة ٧٨ القائد منير الخادم في عسكر كثيف وأصدرت
[ ٥٢ ]
الكتب إلى ولاة الأعمال بالمسير معه ولما عرف بكجور ذلك أنفذ إلى العرب وجمع وحشد واستقبل العسكر فالتقيا وصدقوا القتال وكثر في بني كلاب الطعن والجراح وبشارة ومنير المقدمان قائمان في أصحابهما عليهما الحديد فحملوا جميعًا على الكلبين فهزموهم والجؤهم إلى حيطان داريا فرجعوا ومن معهم من أصحاب بكجور خاسرين مفلولين. فخاف بكجور على نفسه أن يؤخذ فراسلهم بأنه يسلم البلد ويرحل عنه وقد كان كوتب القائد نزال والي طرابلس بالمسير والنزول على دمشق وكان عسكره ستة ألف فسار فلما عرف بكجور انفصاله قلق وخاف وذل وراسل منشا بن الفرار الكاتب باني عازم على المسير من هذا البلد وأريد أن أكون على عهد وأمان ولا أتبع بمضرة فأجيب إلى ما التمس وجمع ماله وسلاحه وخاف من الرجعة والحيلة أن يقع عليه من البلد وأخفى أمره وستر مسيره فلما كان في يوم الثلاثاء نصف رجب سنة ٣٨٨ سار خائفًا وجلًا نحو الشرق وأخذ مع الجبل وسار معه ابن الجراح إلى حصن حوارين فأخذ ما كان له وأخفى أمره. فلما عرف خبره نهض في أثره القايد منير من غد ونزل على البلد ففرح الناس به وتوجه بكجور إلى الرقة وتخلف بدمشق من أصحابه تقدير ثلاث مائة رجل فصاحوا عزيز يا منصور فأمنوا. ولما نزل منير القائد على دمشق أصبح القائد
نزال نازلًا معه في يوم الخميس فلامه الناس على ما اعتمده من التثاقل ونفذت المطالعات إلى مصر
[ ٥٣ ]
بشرح الحال فأنكر الوزير ابن كلس فعل منشا وإهماله بكجور حتى نجا وأشخصه إلى مصر مع المستأمنة من أصحاب بكجور وقال له: خليت بكجور خوفًا على نفسك أما كان معه عسكر فيه كفاية. فقال: لم يكن غير ما فعلته لأن نزالًا تأخر عنا وتثاقل وكان بكجور في قوة وكثرة من العرب وغيرهم وهم أصحاب دروع وجواشن وخيل سبق. فلم يقبل عذره وعزله من تدبير العسكر. وكان ابن كلس يخاف من بكجور أن تكون له عودة إلى ولاية دمشق فيتمكن من دمشق فأنفذ رسولًا إليه يقول له: ما أردنا رحيلك عن البلد وإنما انفاذنا العسكر لابعاد ابن الجراح لفساده وعناده وما كان من ضياع وغلات فلك افعل فيها ما أحببت فما لنا فيه حجة. فحمل بكجور ما كان له بدمشق وأقام بالرقة منقطعًا ليس له سلطان يستند إليه وكان بالرقة يراسل كرديًا يقال له باد قد غلب على ميافارقين ويراسل أبا العالي بن سيف الدولة بحلب أن يرده إلى العمل الذي كان في يده من حمص. فلما كان في سنة ٣٧٩ خرج عسكر صاحب بغداد إلى باد الكردي المقدم ذكره لغلبته على الموصل وديار ربيعة فكسر وانهزم عسكره وأصحابه وعرف بكجور ذلك فخاف من عسكر بغداد فراسل سعد الدولة أبا المعالي يسئله تولية حمص فأجابه إلى ذلك. وكان ابن كلس يسأل عن أخباره بالرقة خوفًا منه فلما عرف الوزير ذلك قال: يجاورنا بكجور في حمص فطمع في الديار. فأرسل إلى غلام له يقال له ناصح الطباخ بأن يسير إلى حمص فيأخذ من بها من أصحاب
[ ٥٤ ]
بكجور فسرى في البرية فلم يشعر به حتى أتاهم فكان أبو المعالي صاحب حلب قد علم بالسرية فأنفذ إليهم من حذرهم واتفق لهم أنهم حملوا وخرجوا من حمص هاربين فلما حصلوا بأحمالهم بظاهر البلد أدركتهم السرية فأخذتهم ورجعت إلى دمشق. وفسد أمر بكجور مع المغاربة ومع أبي المعالي فراسل صاحب بغداد فلم ير له عنده ما يحب وكان الوزير ابن كلس مضرب بينهما ويطمع كل واحد منهما في صاحبه. وكان الوزير ابن كلس يهوديًا من أهل بغداد خبيثًا ذا مكر وحيلة ودهاء وذكاء وفطنة وكان في قديم أمره خرج إلى الشام فنزل بالرملة فجلس وكيلًا للتجار فلما اجتمعت الأموال التي للتجار كسرها وهرب إلى مصر في أيام كافور الاخشيدي صاحب مصر فتاجره وحمل إليه متاعًا كثيرًا ويحال بماله على ضياع مصر وكان إذا دخل ضيعةً عرف غلتها وارتفاعها وظاهر أمرها وباطنها وكان ماهرًا في اشغاله لا يسئل عن شيء من أمورها إلا أخبر به عن صحة فكبرت حاله وخبر كافور بخبره وما فيه من الفطنة والسياسة فقال: لو كان هذا مسلمًا لصلح أن يكون وزيرًا. فبلغه ما قال كافور فطمع في الوزارة فدخل جامع مصر في يوم الجمعة وقال: أنا أسلم على يد كافور. فبلغ الوزير ابن حنزابة وزير كافور ما هو عليه وما طمع فيه فقصده وخاف منه فهرب إلى المغرب وقصد يهودًا كانوا هناك مع أبي تميم المعز لدين الله أصحاب أمره فصارت له عندهم حرمة فلم يزل معهم إلى أن أخذ المعز مصر فسار معه إليها فلما توفي المعز وأصحابه اليهود وولي العزيز بالله استوزره في سنة ٣٦٥ وكان هذا الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس كبير الهمة قوي النفس والمنة عظيم الهيبة فاستولى على أمر العزيز وقام به استصحه فعول عليه وفوض أمره إليه وكانت أموره مستقيمة بتدبيره فلما اعتل علة لوفاة ركب إليه العزيز عائدًا فشاهده على حال اليأس فغمه أمره وقال له: وددت بأنك
[ ٥٥ ]
تباع فابتاعك بملكي أو تفتدى وأفديك بولدي فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب؟ فبكى وقبل يده وتركها على عينه وقال: أما ما يخصني يا أمير المؤمنين فلا أنصح لك فيما يتعلق بدولتك. قال: قل يا يعقوب فقولك مسموع ورأيك مقبول. قال: سالم يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ولا تبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى عرضت لك فيه فرصة. وتوفي في ذي الحجة سنة ٣٨٠ فأمر العزيز أن يدفن في داره بالقاهرة في قبة كان بناها لنفسه وحضر جنازته وصلى عليه والحده بيده في قبره وانصرف عنه حزينًا بفقده وأغلق الدواوين وعطل العمال أيامًا واستوزر أبا عبد الله الموصلي بعده مديدة ثم صرفه وقلد عيسى بن نسطورس وكان نصرانيًا من أقباط مصر وفيه جلادة وكفاية فضبط الأمور وجمع الأموال ووفر كثيرًا من الخراج ومال إلى
النصارى فقلدهم الأعمال والدواوين واطرح الكتاب المتصرفين من المسلمين واستناب في الشام رجلًا يهوديًا يعرف بمنشا بن ابرهيم بن الفرار فسلك مسلكه في التوفر على اليهود وعيسى مع النصارى مثله واستولى أهل هاتين الملتين على الدولة. فكتب رجل من أجلاد المسلمين رقعةً وسلمها إلى امرأة وبذل لها بذلًا على اعتراض العزيز ورفع الظلامة إليه وتسليمها إلى يده وكان مضمون الرقعة: يا أمير المؤمنين يا الذي عز النصارى بعيسى بن نسطورس واليهود بمنشا بن الفرار وأذل المسلمين بك ألا نظرت في أمري وكان العزيز على بغلة سريعة في المشي وإذا ركبها تدفقت كالموج ولم تلحق فوقفت له المرأة في ضيق فلما قاربها رمتها إليه فسارع الركابي إلى أخذ الرقعة على العادة وغاصت المرأة في الناس ووقف العزيز عليها وأمر بطلب المرأة فلم توجد وعاد إلى قصره منعم الفكر في أمره فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان وكان متقدمًا عنده في خواصه وأهل أنسه فأعطاه الرقعة وقال له: قف عليها. فلما قرأها قال له: ما عندك في هذا الأمر. قال: مولانا أعرف بوجه الرأي والتدبير. فقال: صدقت كاتبتها تهيبًا على ما كنا على غلط فيه وغفلة عنه. وتقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب النصارى وإنشاء الكتب إلى الشام بالقبض على منشا بن الفرار والمتصرفين من اليهود وأن ترد الأعمال في الدواوين إلى الكتاب المسلمين ويعول في الأشراف عليهم على القضاة في البلاد. ثم أن عيسى طرح نفسه على ست الملك بنت العزيز وكان يحبها حبًا شديدًا ولا يرد لها قولًا واستشفع بها في الصفح عنه وتجديد الاصطناع له وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار وكتب إلى العزيز رقعةً يذكر فيها بخدمته وحرمته ورضي عنه وأعاده إلى ما كان عليه وشرط عليه استخدام المسلمين في دواوينه وأعمالهلدهم الأعمال والدواوين واطرح الكتاب المتصرفين من المسلمين واستناب في الشام رجلًا يهوديًا يعرف بمنشا بن ابرهيم بن الفرار فسلك مسلكه في التوفر على اليهود وعيسى مع النصارى مثله واستولى أهل هاتين الملتين على الدولة. فكتب رجل من أجلاد المسلمين رقعةً وسلمها إلى امرأة وبذل لها بذلًا على اعتراض العزيز ورفع الظلامة إليه وتسليمها إلى يده وكان مضمون الرقعة: يا أمير المؤمنين يا الذي عز النصارى بعيسى بن نسطورس واليهود بمنشا بن الفرار وأذل المسلمين بك ألا نظرت في أمري وكان العزيز على بغلة سريعة في المشي وإذا ركبها تدفقت كالموج
[ ٥٦ ]
ولم تلحق فوقفت له المرأة في ضيق فلما قاربها رمتها إليه فسارع الركابي إلى أخذ الرقعة على العادة وغاصت المرأة في الناس ووقف العزيز عليها وأمر بطلب المرأة فلم توجد وعاد إلى قصره منعم الفكر في أمره فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان وكان متقدمًا عنده في خواصه وأهل أنسه فأعطاه الرقعة وقال له: قف عليها. فلما قرأها قال له: ما عندك في هذا الأمر. قال: مولانا أعرف بوجه الرأي والتدبير. فقال: صدقت كاتبتها تهيبًا على ما كنا على غلط فيه وغفلة عنه. وتقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب النصارى وإنشاء الكتب إلى الشام بالقبض على منشا بن الفرار والمتصرفين من اليهود وأن ترد الأعمال في الدواوين إلى الكتاب المسلمين ويعول في الأشراف عليهم على القضاة في البلاد. ثم أن عيسى طرح نفسه على ست الملك بنت العزيز وكان يحبها حبًا شديدًا ولا يرد لها قولًا واستشفع بها في الصفح عنه وتجديد الاصطناع له وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار وكتب إلى العزيز رقعةً يذكر فيها بخدمته وحرمته ورضي عنه وأعاده إلى ما كان عليه وشرط عليه استخدام المسلمين في دواوينه وأعماله
[ ٥٧ ]