السبب في غلبة قسام على ولاية دمشق إن الفتكين المعزي المذكور كان قد استخدمه وقدمه واعتمد عليه وسكن في كثير من أمره إليه فصار له بذلك صيت يخشى به ويرجا له. واتفق خلو البلد من أكابر الولاة بعد الفتكين وفراغه من شجعان الرجال وكان فيه المعروف بحميدان قد وليه وأمر فيه ونهي وأخذ وأعطى ففسد الأمر بين قسام وبين حميدان فصار حميدان من تحت حكم قسام لقهره له بكثرة من معه من الأحداث واستيلائه على البلد فطرده قسام عن الولاية ونهب أصحابه ما كان في داره وخرج هاربًا فتمكن قسام من البلد واستقامت حاله فيه واجتمعت إليه الرجال وكثر ما في يده وقويت شوكته وتضاعفت عدته وعدته وولي القائد أبو محمود البلد بعد حميدان في نفر يسير وهو ضميمة لقسام. واتفقت النوبة الحادثة ببغداد بين الديلم والعرب من بني حمدان وهروب أبي تغلب الغضنفر بن حمدان في البرية والجبال إلى أن خرج إلى حوران فقصد دمشق ونزل عليها فمنع قسام من دخول أحد من رجاله إليها ووصل كتاب العزيز بالمنع له من البلد فسأل أبو تغلب عامل الخراج بدمشق أن يمكن أصحابه من ابتياع ما يحتاجون إليه من الأسواق فكلم العامل قسامًا في ذلك فأذن له فيه ودخل أصحابه البلد وقد كان طمع أن يوليه العزيز وكان قسام قد خاف من ذلك وسعى قوم بينهما وكان أبو تغلب نازلًا بالمزة
[ ٣٨ ]
فأقام بها شهورًا فشق قسام مقامه وظن أنه يلي البلد. فلما كان في بعض الأيام وقف رجل من العجم من أصحاب ابن تغلب في باب الجابية وكان نشوانًا فجرد سيفه وقال: إلى كم يكون هذا العيار. فعظم ذلك على قسام وتخوف أن يكون لأبي تغلب سلطنة فيملكه ومن معه ففسد الأمر بينهما بهذا السبب وتقدم قسام إلى أصحابه بأخذ كل من يدخل من أصحاب أبي تغلب فكمنوا في خراب قينية فأخذوا منهم نحو سبعين رجلًا وقتلوا منهم جماعة وعاد من أفلت منهم إلى أبي تغلب عراة قد أخذت ثيابهم ودوابهم فلم يتمكن أبو تغلب من شيء يفعله. وكتب إلى مصر بذلك فلما وقف أبي تغلب واهلاكه ونزل الرملة وأوصل إلى ابن جراح سجلًا بولاية الرملة وقال: إن هذا أبا تغلب يريد أن يسير إليها ليأخذها بسيفه وأنا معين لك عليه وكان أبو تغلب قد رحل عن دمشق نحو الفوار ونزل عليه وسار الفضل ونزل طبرية وراسل أبا تغلب في الاجتماع معه وكان الفضل يهوديًا أولًا وكان أبوه طبيبًا فكبرت نفس أبي تغلب أن يجلس معه على سرير من جهة اليهودية فأعلم ذلك فقال: كل منا على سرير. فاجتمعا في طبرية وجلس كل منهما على سريره وجرت بينهما محاورات على ان الرملة ولاية لأبي تغلب ويقلع ابن جراح منها وأنا معين لك عليه وقرر ذلك في نفسه وسار الفضل إلى دمشق يجبي الخراج ويفضه في الجند وزاد في العطاء وزاد في جنده وعسكره وسار عن دمشق وأخذ طريق الساحل. وشرع أبو تغلب في أمره وتوجه نحو الرملة وقد اجتمع إليه بنو عقيل مع شبل بن معروف العقيلي فهرب ابن جراح منها وجعل يحشد العرب ويحشد ثقةً بمعونة الفضل له وكذلك
[ ٣٩ ]
أبو تغلب مثله أيضًا فلما توجه الفضل على الساحل ونزل على عسقلان وقصد ابن جراح أبا تغلب بعسكره وسارت بنو عقيل مع شبل ابن معروف واصطلوا القتال للطاس كذا وأبو تغلب واقف في مصافه وعاد الفضل واجتمع مع ابن الجراح بعسكره وكان معه مغاربة كثيرة فقالوا لأبي تغلب: قد اجتمع عسكر الفضل مع عسكر ابن جراح. فقال: على هذا جرت الموافقة بيني وبينه. فلما نظر المغاربة الذين كانوا مع أبي تغلب إلى مغاربة الفضل قد أقبلوا مع عسكر ابن جراح حملوا يريدون الدخول معهم فقالوا لابن تغلب: احمل في أثر هؤلاء من قبل أن يدهمك الأمر. فبقي متحيرًا وعلم إن الحيلة قد تمت عليه فلما حمل المغاربة الذين كانوا معه وساروا مع أصحابهم وأقبل العسكران على عسكر أبي تغلب فانهزم جميع من كان معه ثم انهزم هو فلم يدر في أي طريق يأخذ وكانت عدته في الغابة جميعها وذكر أنه لم يتقدم إليه رجل إلا ضربه. ولم يزل على ذلك حتى تبعه رجل من أصحاب ابن جراح يقال له منيع فصاح إليه: يا إنسان اسمع مني أنا ألحق بك. وظن أن كلامه حق فقال له: هذه الخيل التي أمامك خيلنا فلو وقفت علي لنجوت بك. وكان يتكلم معه وهو يقرب منه وبيده رمح فطول الرمح وهو يكلمه وهو يظن الا يقدر عليه فلم يمكنه في أبي تغلب شيء فطعن عرقوب فرسه فوقف به الفرس فأخذه وسار به إلى ابن جراح فأركب جملًا وأشهر
بالرملة وقتله وأحرقه وذلك في صفر سنة ٣٦٩ وخلت الديار لابن جراح وأتت بنو طيء على الناس وشملهم البلاء منهم. وكان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفًا شديدًا لأنه كان عازمًا على انفاد العساكر إلى مصر فعاقه عن ذلك الخلف الجاري بينه وبين أخيه واشتغاله به في سنة ٣٦٩رملة وقتله وأحرقه وذلك في صفر سنة ٣٦٩ وخلت الديار لابن جراح وأتت بنو طيء على الناس وشملهم البلاء منهم. وكان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفًا شديدًا لأنه كان عازمًا على انفاد العساكر إلى مصر فعاقه عن ذلك الخلف الجاري بينه وبين أخيه واشتغاله به في سنة ٣٦٩
[ ٤٠ ]