ملك قبل إحراقه هيكل الرب واخرابه أورشليم تسع عشرة سنة وبعده أربعا وعشرين سنة. واسمه بالسريانية نبوخذنصر اعني عطارد ينطق [١] .
_________________
(١) [١-)] اصل الاسم نبو (وهو عطارد) . كدر. نصر. فيكون المعنى نبو ينصر من الكدر.
[ ٤٣ ]
وانما سمّي بذلك لأنه نطق بالعلوم والآداب المنسوبة الى عطارد. وفي السنة الثالثة من قمعه ملك اليهود رأى مناما راعت روحه منه واقتصّه على علماء بابل. فقالوا: هذا خطب عسير لا يكشفه للملك الا آلهة السماء الذين ليس مسكنهم مع الارضيين. فاحتدم صدره لذلك غيظا وتقدم الى اريوخ صاحب شرطه بإهلاك المنجمين والسحرة واصحاب الرقي والزجر والفأل. فقال دانيال لاريوخ: مهلا اتئد ولا تقتل حكيما ولكن اوصلني الى الملك. فلما مثل بين يديه مثولا قال له: اقادر أنت على ان تخبرني بالرؤيا التي رأيت وتعبيرها. فأجابه دانيال قائلا: إله السماء والأرض هو الذي يبدي السرائر. وأنت ايها الملك رأيت صنما عظيما ذا منظر رائع رأسه من الذهب الابريز وصدره وذراعاه من فضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه حديد ورجلاه خزف [١] . ورأيت حجرا انقطع من غير قاطع وضرب رجلي الصنم فهشمها هشما شديدا. فهذه الرؤيا. واما التعبير فأنت رأس الذهب بما منحك الله ملكا عزيزا وكرامة وجلالة. ويقوم بعدك ملك يكون دونك في العزّة. والثالث الممثّل بالنحاس يكون دون الثاني. والرابع الممثّل بالحديد دون الثالث فيهشم ويدقّ كثيرا من مجاوريه. اما الأرجل والأصابع التي من حديد وخزف فدليل ممالك مختلفة قوية وواهية. واما الحجر المنقطع من جبل من غير يد قاطعة فدليل ملك روحاني مبيد كل معبود سوى الواحد الحقّ يظهر في آخر الأيام. فخرّ بختنصر ساجدا لدانيال وأعطاه الألطاف والهدايا ورأسّه على جميع حكماء بابل. وولّى أعمامه حننيا وعزريا وميشائل امر مدينة بابل وسمّاهم بأسماء نبطيّة اعني شدراخ وميشاخ وعبدناغو.
ثم اتّخذ بختنصر صنما من ذهب طوله ستون ذراعا في عرض ستة اذرع. وتقدم الى جميع عظماء دولته ان يوافوا عيد الصنم. وانهم إذا سمعوا صوت القرن وباقي انواع الزمر يخرّون سجّدا للصنم. فامتثل الجميع امره ما عدا حننيا وعزريا وميشائل. فسعى بهم قوم الى بختنصر انهم لا يعتدّون بأمره. فاستشاط من ذلك غضبا وامر ان يسجر الآتون فوق ما كان يسجر سبعة أضعاف الوقود وان يكتّفوا [٢] بسراويلهم وقلانيسهم وبرانسهم وباقي ثيابهم ويزجّوا في اتون النار. فلما فعل بهم ذلك أحرقت النار الذين سعوا بهم. فأما هم فمكثوا في النار ممجّدين لله وملاك الطلّ نزل عليهم وامال عنهم لهيب النار فلم تنك فيهم ولا في ثيابهم ولا في لباسهم. فلما شاهد الملك ذلك بهت تعجبا وقال: ارى الرابع منهم شبيه المنظر ببني الآلهة يعني الملاك. وناداهم بأسمائهم قائلا: يا عباد الله العليّ اخرجوا.
_________________
(١) [١-)] ر رجلاء حديد وخزف. [٢-)] يكتّفوا ر يكفتوا.
[ ٤٤ ]
فخرجوا من النار ولم يشط شيء من ثيابهم ولا شعورهم. فرفع بختنصّر درجاتهم. ثم رأى بختنصر رؤيا ثانية كأنّ شجرة في سواء الأرض قد علت حتى بلغت الى السماء ولها ورق أنيق وثمار كثيرة فيها مطعم لكل بشر. وجميع حيوانات البرّ وطيور الجوّ تأوي الى ظلّها.
وكأنّ ملاكا قدّيسا نزل من السماء وقال: اقلعوا هذه الشجرة وجذّوا أغصانها وانثروا أوراقها وبدّدوا ثمارها وتتفرّق عنها حيوانات البرّ وطيور الجوّ وذروا عروقها في الأرض الى ان يحول عليها سبعة احوال. فاقتصّ بختنصّر هذه الرؤيا ايضا على دانيال وقال له: أنت قادر على تعبيرها لانّ فيك روح الآلهة القديسين. فقال دانيال: ايها الملك الرؤيا لمن يشنأك وتعبيرها على أعدائك. اما الشجرة الموصوفة بتلك الصفات الجليلة فإنك أنت الذي عززت حتى ارتفع اسمك الى السماء. واما الملاك القديس الذي رأيت وأقواله تلك فتدلّ على انّ الناس يخرجونك من بينهم ليصير لك تعمّر مع الوحوش وتطعم العشب طعما كالثور ويبلّك قطر السماء حتى تحول عليك سبعة احوال. ثم يثوب عقلك إليك وتستوي على كرسي ملكك. فكفّر خطاياك بالصدقات وآثامك بالترحّم على الضعفاء لتبعد عنك هفواتك.
ومن بعد سنة لما رأى بختنصّر ان رقاب امم المسكونة قد خضعت له ودانت له ملوكها هيبة له وخوفا من شدّة بأسه طغى بقلبه وشمخ بأنفه وأخذته العزّة في نفسه. فسمع صوت هاتف يهتف به هتافا ويقول: لك يقولون يا بختنصّر لقد لفظتك مملكتك وسيهيج عليك الناس. فتّمت الكلمة عليه في تلك الساعة وطرده الناس ورعى العشب كالثور. وطال شعره وصارت أظافيره كمخاليب سباع الطيور حتى أتت عليه سبع سنين. ثم راجعه عقله وطلبه قادته واستوى على سرير مملكته ومنح مزيدا من العظمة وحمد الله وعلم ان سلطانه الى دهر الداهرين يهب الملك لمن يشاء ويجعله في سفلة الناس وسقّاطهم.
وجدت في كتاب عتيق سرياني مجهول ان اوطولوقيوس المهندس اليوناني عرف في زمان بختنصّر وكان مشهورا في وقته. والموجود من كتبه الآن كتاب الكرّة المتحرّكة إصلاح الكندي وكتاب الطلوع والغروب ثلث مقالات. واما ثاوذوسيوس فلم نقف له على زمان معيّن وهو من حكماء اليونان المشهورين وله تصانيف حسان. له كتاب الأكر الذي هو اجلّ الكتب المتوسطات بين كتاب اوقليدس والمجسطي.
[ ٤٥ ]
وفي هذا الزمان كان فورون الفيلسوف الكلدي [١] . وكانت حكمته هي الحكمة الاولى التي لم تستقرّ. وكان صاحب فرقة وله جمع يتعلمون منه الفلسفة الطبيعية وذهب إليها فيثاغوروس وثاليس الملطيّ وعامّة الطلبة من اليونانيّين والمصريّين. وكانت هذه الفلسفة شائعة في يونان الى قبل زمان سقراطيس. ثم مال الناس عنها وقد انتصر لها أناس من المتأخرين منهم محمد بن زكريا الرازي لأنه لم يتوغل في العلم الالهي ولا فهم غرض ارسطوطاليس فيه فاضطرب رأيه وتقلّد آراء سخيفة وانتحل مذهبا خبيثا مذهب فورون وذمّ أقواما لم يفهم عنهم ولا هدي سبيلهم. وفرقة فورون يعرفون باصحاب اللذّة لأنهم كانوا يرون ان الغرض المقصود اليه في تعلم الفلسفة اللذة الحاصلة للنفس بمعرفتها وهي مع البدن لانجائها من عذاب الجهل في الآخرة كما هو رأي أرسطو لان النفس لا بقاء لها بعد البدن عندهم.