ولد له متوشلح [٢] وعمره على الرأي السبعيني مائة وخمس وستون سنة وعلى رأي اليهود خمس وستون سنة. هذا حنوخ تمسك بوصايا الله الطاهرة وعمل بها وتتبع الخير وصرف عن الشر مواظبا على العبادة ثلاثمائة سنة فنقله الله الى حيث شاء حيا وقيل الى الفردوس.
والأقدمون من اليونانيين يزعمون ان حنوخ هو هرمس ويلقب طريسميجيسطيس اي ثلاثي التعليم لأنه كان يصف الباري تعالى بثلاث صفات ذاتية هي الوجود والحكمة والحياة. والعرب تسميه إدريس. وقيل ان الهرامسة ثلثة: الاول هرمس الساكن بصعيد مصر الأعلى وهو أول من تكلم في الجواهر العلوية وانذر بالطوفان وخاف ذهاب العلوم ودرس الصنائع فبنى الاهرام [٣] وصور فيها جميع الصناعات والآلات ورسم فيها طبقات العلوم حرصا منه على تخليدها لمن بعده. والثاني هرمس البابلي سكن كلواذا مدينة الكلدانيين وكان بعد الطوفان وهو أول من بنى مدينة بابل بعد نمرود بن كوش. والثالث هرمس المصري وهو الذي يسمى طريسميجيسطيس اي المثلث بالحكمة لأنه جاء ثالث الهرامسة الحكماء ونقلت من صفحه نبذ وهي من مقالاته الى تلميذه طاطي على سبيل سؤال وجواب بينهما وهي على غير نظام وولاء لان الأصل كان باليا [٤] مفرقا والنسخة موجودة عندنا بالسريانية. وقيل ان هرمس الاول بنى مائة وثمانين مدينة صغراها الرها وسن للناس عبادة الله والصوم والصلاة والزكاة والتعييد لحلول السيّارة ببيوتها واشرافها [٥] وكذلك كلما استهل الهلال وحلت الشمس برجا من الاثني عشر. وان يقرّبوا قرابين من كل فاكهة باكورتها ومن الطيب والذبائح والخمور أنفسها. وحرّم السكر والمآكل
_________________
(١) [١-)] حنوخ ر أخنوخ. [٢-)] متوشلح ر متوشلح. [٣-)] من المعلوم ان الاهرام بناها ملوك مصر بعد الطوفان بزمان ليجعلوها مدافن لهم. وان الهرم الأكبر بناه كيوبس والثاني اخوه كيفريم. [٤-)] وفي نسخة بالبابلي. [٥-)] واشرافها. في احدى نسخيّ بريتش موزيوم «وإشراقها» .
[ ٧ ]
النجسة. والصابئة تزعم ان شيث بن آدم هو اغاثاديمون المصري معلم هرمس. وكان اسقليبياذيس الملك احد من أخذ الحكمة عن هرمس وولّاه هرمس ربع الأرض المعمورة يومئذ وهو الربع الذي ملكه اليونانيون بعد الطوفان. ولما رفع الله هرمس اليه حزن اسقليبياذيس حزنا شديدا تأسفا على ما فات الأرض من بركته وعلمه وصاع له تمثالا على صورته ونصبه في هيكل عبادته. وكان التمثال على غاية ما يمكن من اظهار اهبة الوقار عليه والعظمة في هيبته ثم صوره مرتفعا الى السماء وكان يمثل بين يديه تارة ويجلس اخرى ويتذكر شيئا من حكمه [١] ومواعظه على العبادة. وبعد الطوفان ظن اليونانيون ان الصورة لاسقليبياذيس فعظموه غاية التعظيم. وكان ابقراط إذا عهد الى تلامذته يقول:
نشدتكم الله باري الموت والحياة وابي وأباكم اسقليبياذيس. وكان يصوره وبيده نبات الخطميّ رمزا منه الى فضيلة الاعتدال في الأمور واللين والمؤاتاة والمطاوعة في المعاملة.
وقال جالينوس: لا يجب ان يرفض الشفاء الذي يحصل عليه المرضى بدخولهم هيكل اسقليبياذيس. أقول كلما ورد من اخبار ما قبل الطوفان ولم يسند الى نبإ نبوي فهو حدس وتخمين لعدم [٢] المخبر به على الوجه.