لما بنى رَسُول الله ﷺ مَسْجده بنى بَيْتَيْنِ لزوجتيه عَائِشَة وَسَوْدَة ﵄ على نعت بِنَاء الْمَسْجِد من لبن وجريد، وَكَانَ لبيت عَائِشَة ﵂ مصراع وَاحِد من عرعر أوساج، وَلما تزوج النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ بنى لَهُنَّ حجرات وَهِي تِسْعَة أَبْيَات، وَهِي مَا بَين بَيت عَائِشَة ﵂ إِلَى الْبَاب الَّذِي يَلِي بَاب النَّبِي ﷺ. قَالَ أهل السّير: ضرب رَسُول الله ﷺ الحجرات مَا بَينه وَبَين الْقبْلَة والشرق إِلَى الشَّام، وَلم يضْربهَا فِي غربيّه، وَكَانَت خَارِجَة من الْمَسْجِد مديرة بِهِ إِلَى جِهَة الْمغرب، وَكَانَت أَبْوَابهَا شارعة فِي الْمَسْجِد. قَالَ عمرَان بن أبي أنس: كَانَت مِنْهَا أَرْبَعَة أَبْيَات
[ ٢٦٨ ]
بِلَبن لَهَا حجر من جريد، وَكَانَت خَمْسَة أَبْيَات من جريد مطينة لَا حجر لَهَا، على أَبْوَابهَا مسوح الشّعْر. قَالَ النجار: وذرعت السّتْر فَوَجَدته ثَلَاثَة أَذْرع فِي ذِرَاع، وَكَانَ النَّاس يدْخلُونَ حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ بعد وَفَاته يصلونَ فِيهَا يَوْم الْجُمُعَة حَكَاهُ مَالك، وَقَالَ: كَانَ الْمَسْجِد يضيق على أَهله، وحجرات أَزوَاج النَّبِي ﷺ لَيست من الْمَسْجِد وَلَكِن أَبْوَابهَا شارعة فِيهِ. وَقَالَت عَائِشَة ﵂: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اعْتكف يدني إِلَى رَأسه فأرجله، وَكَانَ لَا يدْخل الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان. وَعَن عبد الله بن يزِيد الْهُذلِيّ قَالَ: رَأَيْت بيُوت أَزوَاج النَّبِي ﷺ حِين هدمها عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَت بُيُوتًا بِاللَّبنِ وَلها حجر من جريد، وَرَأَيْت بَيت أم سَلمَة وحجرتها من لبن فَسَأَلت ابْن ابْنهَا، فَقَالَ: لما غزا رَسُول الله ﷺ دومة الجندل بنت أم سَلمَة بَابهَا وحجرتها بِلَبن، فَلَمَّا قدم رَسُول الله ﷺ نظر إِلَى اللَّبن فَقَالَ: " مَا هَذَا الْبناء "؟ فَقَالَت: أردْت أَن أكف أبصار النَّاس. فَقَالَ لي: " يَا أم سَلمَة شَرّ مَا ذهب فِيهِ مَال الْمُسلمين الْبُنيان ". وَقَالَ عَطاء الخرساني: أدْركْت حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ من جريد النّخل على أَبْوَابهَا المسوح من شعر أسود فَحَضَرت كتاب الْوَلِيد يقْرَأ يَأْمر بإدخالهم فِي الْمَسْجِد، فَمَا رَأَيْت باكيًا أَكثر من ذَلِك الْيَوْم. وَسمعت سعيد بن الْمسيب يَقُول يَوْمئِذٍ: وَالله لَوَدِدْت أَنهم يتركونها على حَالهَا ينشأ نَاس من أهل الْمَدِينَة فَيقدم القادم من الْآفَاق فَيرى مَا اكْتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته، فَيكون ذَلِك مِمَّا يزهد النَّاس فِي التكاثر وَالْفَخْر. وَقَالَ يزِيد بن أُمَامَة: ليتها تركت حَتَّى يقصر النَّاس من الْبُنيان، ويروا مَا رَضِي الله ﷿ لنَبيه ﷺ ومفاتيح الدُّنْيَا عِنْده. وَأما بَيت فَاطِمَة ﵂ فَإِنَّهُ كَانَ خلف بَيت النَّبِي ﷺ عَن يسَار الْمصلى إِلَى الْقبْلَة، وَكَانَ فِيهِ خوخة إِلَى بَيت النَّبِي ﷺ، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا
[ ٢٦٩ ]