روى القَاضِي عِيَاض فِي " الشِّفَاء ": أَن مَالك بن أنس ﵁ كَانَ لَا يركب فِي الْمَدِينَة دَابَّة، وَكَانَ يَقُول: أستحيي من الله أَن أَطَأ تربة فِيهَا رَسُول الله ﷺ بحافر دَابَّتي. وَرُوِيَ أَنه وهب للشَّافِعِيّ ﵀ كُرَاعًا كثيرا كَانَ عِنْده فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: أمسك مِنْهَا دَابَّة فَأَجَابَهُ بِمثل هَذَا الْجَواب. وَكَانَ قد أفتى مَالك ﵀ فِيمَن قَالَ: تربة الْمَدِينَة رَدِيئَة. بِضَرْب ثَلَاثِينَ درة وَأمر بحبسه وَكَانَ لَهُ قدر، وَقَالَ: مَا أحوجه إِلَى ضرب عُنُقه تربة دفن فِيهَا رَسُول الله ﷺ يزْعم أَنَّهَا غير طيبَة. وَعَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة رفع الله تَعَالَى الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس فتمر بِقَبْر النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَتَقول: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَيَقُول ﵇: " وَعَلَيْك السَّلَام يَا كعبة الله مَا حَال أمتِي؟ فَتَقول: يَا مُحَمَّد أما من وَفد إليّ من أمتك فَأَنا الْقَائِمَة بِشَأْنِهِ، وَأما من لم يفد إليّ من أمتك فَأَنت الْقَائِم بِشَأْنِهِ ". رَوَاهُ أَبُو سعيد الْموصِلِي فِي بَاب رفع الْكَعْبَة المشرفة إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس. فَانْظُر لسر زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام للنَّبِي ﵇ وَدخُول الْكَعْبَة المشرفة مَدِينَة خير الْأَنَام وَكفى بِهَذَا الشّرف تَعْظِيمًا. قَالَ الشَّيْخ عبد الله الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس والأسرار فِي تَارِيخ دَار هِجْرَة الْمُخْتَار ": لما جرى سَابق شرفها فِي الْقدَم أَخذ من تربَتهَا حِين خلق آدم فأوجد الموجد وجودهَا من بعد الْعَدَم. قَالَ أهل السّير: إِن الله تَعَالَى لما خمر طِينَة آدم ﵇ حِين أَرَادَ خلقه أَمر جِبْرِيل أَن يَأْتِيهِ بالقبضة الْبَيْضَاء الَّتِي هِيَ قلب الأَرْض وبهاؤها ونورها؛ ليخلق مِنْهَا مُحَمَّدًا ﷺ فهبط جِبْرِيل فِي مَلَائِكَة الفراديس المقربين وملائكة الصفح الْأَعْلَى، فَقبض قَبْضَة من مَوضِع قبر رَسُول الله ﷺ وَهِي يَوْمئِذٍ بَيْضَاء نقية، فعجنت بِمَاء التسنيم ورعرعت حَتَّى صَارَت كالدرة الْبَيْضَاء ثمَّ غمست فِي أَنهَار الْجنَّة كلهَا، وطيف بهَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض والبحار، فَعرفت الْمَلَائِكَة حِينَئِذٍ مُحَمَّدًا ﷺ وفضله قبل أَن تعرف آدم وفضله، ثمَّ عجنت بطينة آدم بعد ذَلِك، وَلَا يخلق ذَلِك الْجَسَد إِلَّا من أفضل بقاع الأَرْض. حَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ. وَحكى أَبُو عبيد الجرهمي وَكَانَ كَبِير السن عَالما بأخبار الْأُمَم: أَن تبعا الْأَصْغَر وَهُوَ تبع بن حسان بن تبع سَار إِلَى يثرب فَنزل فِي سفح جبل أحد، وَذهب إِلَى الْيَهُود وَقتل مِنْهُم ثَلَاثمِائَة وَخمسين رجلا صبرا وَأَرَادَ إخرابها، فَقَامَ إِلَيْهِ حبر من الْيَهُود
[ ٢٣٢ ]
فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك مثلك لَا يقبل على الْغَضَب وَلَا يقبل قَول الزُّور وَأَنت لَا تَسْتَطِيع أَن تخرب هَذِه الْقرْيَة. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَنَّهَا مهَاجر نَبِي من ولد إِسْمَاعِيل يخرج من هَذِه البنية يَعْنِي الْبَيْت الْحَرَام فَكف تبع وَمضى إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ هَذَا الْيَهُودِيّ وَرجل آخر عَالم من الْيَهُود، فكسا الْبَيْت الْحَرَام كسْوَة وَنحر عِنْده سِتَّة آلَاف جزور وَأطْعم النَّاس، وَلم يزل بعد ذَلِك يحوط الْمَدِينَة الشَّرِيفَة ويعظمها. ويروى أَن سُلَيْمَان ﵇ لما حَملته الريخ من اصطخر على مَمَره بوادي النَّمْل سَار إِلَى الْيمن فتوغل فِي الْبَادِيَة فسلك مَدِينَة الرَّسُول ﷺ فَقَالَ سُلَيْمَان ﵇: هَذِه دَار هِجْرَة نَبِي فِي آخر الزَّمَان طُوبَى لمن آمن بِهِ وَاتبعهُ. فَقَالَ لَهُ قوم: كم بَيْننَا وَبَين خُرُوجه؟ قَالَ: زهاء ألف عَام. ووادي النَّمْل هُوَ وَادي السديرة بِأَرْض الطَّائِف من أَرض الْحجاز. قَالَه كَعْب. وَقيل: هُوَ بِالشَّام. وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا قدم من سفر فَنظر إِلَى جدران الْمَدِينَة أوضع رَاحِلَته، وَإِن كَانَ على دَابَّة حركها. وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: يُوشك أَن يضْرب النَّاس أكباد الْإِبِل يطْلبُونَ الْعلم فَلَا يَجدونَ أحدا أعلم من عَالم الْمَدِينَة. قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: هُوَ مَالك بن أنس ﵁. وَعَن عبد الرَّزَّاق أَنه قَالَ: هُوَ الْعمريّ الزَّاهِد. قَالَ التوربشتي فِي " شرح المصابيح ": وَمَا ذكره ابْن عُيَيْنَة، وَعبد الرَّزَّاق فَهُوَ مَحْمُول مِنْهُمَا على غَلَبَة الظَّن دون الْقطع بِهِ، وَقد كَانَ مَالك ﵀ حَقِيقا بِهَذَا الظَّن فَإِنَّهُ كَانَ إِمَام دَار الْهِجْرَة والمرجوع بهَا إِلَيْهِ فِي علم الْفتيا، وَكَذَا الْعمريّ الزَّاهِد وَهُوَ عبد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵁ وَقد كَانَ الشَّيْخ وَحده وَكَانَ من عباد الله الصَّالِحين الْمَشَّائِينَ فِي عباده وبلاده بِالنَّصِيحَةِ، وَلَقَد بلغنَا أَنه كَانَ يخرج إِلَى الْبَادِيَة؛ ليتفقد أَحْوَال أَهلهَا شَفَقَة مِنْهُ عَلَيْهِم أَو ألحق النَّصِيحَة فيهم فيأمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر، وَكَانَ يَقُول لعلماء الْمَدِينَة: شغلكم طلب الجاه وَحب الرياسة عَن تَوْفِيَة الْعلم حَقه فِي إخْوَانكُمْ من الْمُسلمين، تركتموهم فِي الْبَوَادِي والفلوات يعمهون فِي أَوديَة الْجَهْل ومتيهة الضلال، أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ التوربشتي: وَلَو جَازَ لنا أَن نتجاوز الظَّن فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة لَكَانَ قَوْلنَا إِنَّه
[ ٢٣٣ ]
عمر أولى من قَوْله إِنَّه لعمري مَعَ الْقطع بِهِ فقد لبث بِالْمَدِينَةِ أعوامًا يجْتَهد فِي تمهيد الشَّرْع وَتبين الْأَحْكَام، وَلَقَد شهد لَهُ أَعْلَام الصَّحَابَة بالتفوق فِي الْعلم حَتَّى قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ يَوْم اسْتشْهد عمر ﵁: لقد دفن بِمَوْتِهِ تِسْعَة أعشار الْعلم. انْتهى. قَالَ الْعَفِيف الْمرْجَانِي: سَمِعت وَالِدي يَقُول: كنت ذَات يَوْم جَالِسا فِي الْبُسْتَان فَإِذا بِمِقْدَار ثَلَاثِينَ أَو أَرْبَعِينَ فَارِسًا لابسين ثيابًا معممين ملثمين جَمِيعهم قَاصِدين الْمَدِينَة، فاتبعتهم فِي أَثَرهم فَلم أجد لَهُم خَبرا، فَسَأَلت عَنْهُم فَلم أجد من يُخْبِرنِي عَنْهُم بِخَبَر وَلم أجد لَهُم أثرا، فَعلمت أَنهم من الْمَلَائِكَة أَو من مؤمني الْجِنّ أَو صالحي الْإِنْس أَتَوا لزيارة النَّبِي ﷺ قَالَ: والبستان الْيَوْم بَاقٍ مَعْرُوف بالمرجانية بِالْقربِ من الْمصلى. قَالَ الْعَفِيف: وسمعته يَقُول: من بركَة أَرض الْمَدِينَة أَنِّي زرعت بالبستان بطيخًا أَخْضَر فَلَمَّا اسْتَوَى أَتَانِي بعض الْفُقَرَاء من أَصْحَابِي فأشاروا إِلَى بطيخة قد انْتَهَت وَقَالُوا: هَذِه لَا تتصرف فِيهَا هِيَ لنا إِلَى الْيَوْم الْفُلَانِيّ. فَلَمَّا خَرجُوا أَتَى من قطعهَا وَلم أعلم فتشوشت من ذَلِك وَنظرت فَإِذا بنوارة قد طلعت مَكَان تِلْكَ البطيخة وعقدت بطيخة فَلم يَأْتِ يَوْم وعد الْفُقَرَاء إِلَّا وَهِي أكبر من الأولى فَأتوا وأكلوها وَلم يشكوا أَنَّهَا الأولى. وَقَالَ الْعَفِيف فِي " تَارِيخه " أَيْضا: سَمِعت وَالِدي يَقُول: سحرت امْرَأَة من أهل الْيمن زَوجهَا وغيرت صورته، وَاتفقَ لَهُم حِكَايَة طَوِيلَة ثمَّ شفع فِيهِ بعض النَّاس فَقَالَت امْرَأَته: لَا بُد أَن أترك فِيهِ عَلامَة فأطلقته بعد أَن نبت لَهُ ذَنْب كذنب الْحمار، فحج وَهُوَ على تِلْكَ الْحَالة فَشَكا ذَلِك إِلَى أبي عبد الله مُحَمَّد بن يحيى الغرناطي فَقِيه كَانَ بِمَكَّة فَأمره بِالسَّفرِ إِلَى الْمَدِينَة، فسافر فِي طَرِيق المشيان إِلَيْهَا قَالَ: فَعِنْدَ وُصُوله إِلَى قبَاء سقط مِنْهُ ذَلِك الذَّنب بِإِذن الله تَعَالَى.