وَذَلِكَ أَنه لما اسْتعْمل عمر بن عبد العزبز على الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أمره بِالزِّيَادَةِ فِي الْمَسْجِد، فَاشْترى عمر مَا حوله من الْمشرق وَالْمغْرب وَالشَّام، وَمن أَبى أَن يَبِيع هدم عَلَيْهِ وَوضع لَهُ الثّمن، فَلَمَّا صَار إِلَى الْقبْلَة قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن عمر: لسنا نبيع هَذَا هُوَ فِي حق حَفْصَة، وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يسكنهَا، فَلَمَّا كثر الْكَلَام بَينهمَا قَالَ لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز: أجعَل لكم فِي الْمَسْجِد بَابا وأعطيكم دَار الرِّفْق، وَمَا بَقِي من الدَّرَاهِم فَهِيَ لكم يَعْنِي الَّتِي تفضل من الْعِمَارَة فَفَعَلُوا، فَأخْرج بابهم فِي الْمَسْجِد وَهِي الخوخة الَّتِي تخرج من دَار حَفْصَة ﵂، وَقدم الْجِدَار فِي مَوْضِعه الْيَوْم، وَزَاد من الشرق مَا بَين الاسطوانة المربعة إِلَى جِدَار الْمَسْجِد، وَمَعَهُ عشرَة أساطين من مربعة الْقَبْر الشريف إِلَى الرحبة وَإِلَى الشَّام، وَمد من الْمغرب إسطوانتين، وَأدْخل فِيهِ حجرات أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَبَيت فَاطِمَة ﵂ وَأدْخل فِيهِ دور عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَدَار عبد الله بن مَسْعُود، وَأدْخل فِيهِ من الْمغرب دَار طَلْحَة بن عبد الله، وَدَار سُبْرَة بن أبي رهم، وَدَار عمار بن يَاسر، وَبَعض دَار الْعَبَّاس وَعلم مَا دخل مِنْهَا فَجعل سَائِر سواريها الَّتِي تلِي السّقف أعظم من غَيرهَا من السَّوَارِي، وَبعث الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَى ملك الرّوم إِنَّا نُرِيد أَن نعمل مَسْجِد نَبينَا الْأَعْظَم ﷺ فأعنا فِيهِ بعمال وفسيفساء وَهِي الفصوص المزججة المذهبة فَبعث إِلَيْهِ بِأَرْبَعِينَ من الرّوم، وبأربعين من النبط، وبأربعين ألف مِثْقَال عونًا لَهُ، وبأجمال فسيفساء، وسلاسل الْقَنَادِيل الْيَوْم، وَهدم عمر الْمَسْجِد وأخمد النورة الَّتِي يعْمل مِنْهَا الفسيفساء سنة، وَحمل الْقِصَّة من النّخل، وَعمل الأساس بِالْحِجَارَةِ والجدار بِالْحِجَارَةِ المنقوشة الْمُطَابقَة، وَجعل عمد الْمَسْجِد حِجَارَة حشوها عمد الْحَدِيد والرصاص، وَجعل طوله مِائَتي ذِرَاع، وَعرضه من مقدمه مِائَتي ذِرَاع، وَمن مؤخره مائَة وَثَمَانِينَ ذِرَاعا، وَعَمله بالفسيفساء والمرمر، وسقفه بالساج وَمَاء الذَّهَب، وَأدْخل الحجرات والقبر الْمُقَدّس فِي الْمَسْجِد وَنقل لبن الحجرات فَبنى بِهِ دَاره فِي الْحرَّة. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: فَهُوَ بهَا لليوم لَهُ بَيَاض على اللَّبن. وَقَالَ الَّذين عمِلُوا الفسيفساء: إِنَّمَا عَملنَا على مَا وجدنَا من صور شجر الْجنَّة وقصورها، وَكَانَ عمر بن عبد
[ ٢٨٢ ]
الْعَزِيز إِذا عمل الْعَامِل الشَّجَرَة الْكَبِيرَة من الفسيفساء وَأحسن عَملهَا نفله ثَلَاثِينَ درهما، وَكَانَت زِيَادَة الْوَلِيد من الْمشرق سِتَّة أساطين، وَزَاد من الشَّام الاسطوانة المربعة الَّتِي فِي الْقَبْر الشريف أَرْبَعَة عشر إسطوانًا، مِنْهَا عشرَة فِي الرحبة، وَأَرْبَعَة فِي السقايف الأولى الَّتِي كَانَت قبل، وَزَاد فِي الإسطوانة الَّتِي دون المربعة إِلَى الْمشرق أَربع أساطين، وَأدْخل بَيت النَّبِي ﷺ فِي الْمَسْجِد، وَبَقِي ثَلَاثَة أساطين فِي السقايف، وَجعل لِلْمَسْجِدِ فِي أَربع زواياه أَربع منارات، وَكَانَت الرَّابِعَة مطلة على دَار مَرْوَان، فَلَمَّا حج سُلَيْمَان بن عبد الْملك أذن الْمُؤَذّن فأطل عَلَيْهِ فَأمر بهَا فهدمت، وَأمر عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بنى الْمَسْجِد بِأَسْفَل الأساطين فَجعل قدر ستْرَة اثْنَيْنِ يصليان إيها، وَقدر مجْلِس اثْنَيْنِ يستندان إِلَيْهَا، وَلما صَار إِلَى جِدَار الْقبْلَة دَعَا مشايخه من أهل الْمَدِينَة من قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَالْعرب والموالي فَقَالَ: احضروا بُنيان قبلتكم، لَا تَقولُوا غير عمر قبلتنا فَجعل لَا ينْزع حجرا إِلَّا وضع حجرا. وَهُوَ أول من أحدث الشرافات والمحراب وَعمل بالميازيب من رصاص، وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا مِيزَابَانِ، أَحدهمَا فِي مَوضِع الْجَنَائِز، وَالْآخر على الْبَاب الَّذِي يدْخل مِنْهُ أهل السُّوق يَعْنِي بَاب عَاتِكَة، وَعمل الْمَقْصُورَة من سَاج، وَجعل لِلْمَسْجِدِ عشْرين بَابا وَكَانَ هَدمه لِلْمَسْجِدِ فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمكث فِي بُنْيَانه ثَلَاث سِنِين، فَلَمَّا قدم الْوَلِيد بن عبد الْملك حَاجا جعل ينظر إِلَى الْبُنيان فَقَالَ حِين رأى سقف الْمَقْصُورَة: أَلا عملت السّقف مثل هَذَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذا تعظم النَّفَقَة جدا فَقَالَ: وَإِن كَانَ، وَكَانَت النَّفَقَة فِي ذَلِك أَرْبَعِينَ ألف مِثْقَال، وَلما استنفد الْوَلِيد النّظر إِلَى الْمَسْجِد الْتفت إِلَى أبان بن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَقَالَ: أَيْن بنياننا من بنيانكم؟ فَقَالَ: إِنَّا بنيناه بِنَاء الْمَسَاجِد وبنيتموه بِنَاء الْكَنَائِس. وَقَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وخلا فِي بعض الْأَيَّام الْمَسْجِد فَقَالَ بعض الرّوم: لأبولن على قبر نَبِيّهم، فَنَهَاهُ أَصْحَابه فَلم يقبل فَلَمَّا هم اقتلع حجر فألقي على رَأسه فانتثر دماغه، فَأسلم بعض أُولَئِكَ النَّصَارَى، وَعمل أحدهم على رَأس خمس طاقات من جِدَار الْقبْلَة فِي صحن الْمَسْجِد صُورَة خِنْزِير فَظهر عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز فَأمر بِهِ فَضربت عُنُقه، وَكَانَ عمل القبط مقدم الْمَسْجِد، وَالروم مَا خرج من الصقف من جوانبه ومؤخره، وَأَرَادَ عمر بن عبد الْعَزِيز أَن يعْمل على كل بَاب سلسلة تمنع الدَّوَابّ، فَعمل وَاحِدَة فِي بَاب مَرْوَان، ثمَّ بدا لَهُ عَن الْبَوَاقِي، واقام الحرس فِيهِ يمْنَعُونَ النَّاس من الصَّلَاة
[ ٢٨٣ ]
على الْجَنَائِز فِيهِ. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَالسّنة فِي الْجَنَائِز بَاقِيَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا إِلَّا فِي حق العلويين والأمراء وَغَيرهم من الْأَعْيَان، وَالْبَاقُونَ يصلى عَلَيْهِم خلف الْحَائِط الشَّرْقِي، إِذا وقف الإِمَام على الْجِنَازَة كَانَ النَّبِي ﷺ على يَمِينه. وَقَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَكَذَلِكَ الْأَمر بَاقٍ إِلَى هَذَا التَّارِيخ، والوليد بن عبد الْملك هُوَ الَّذِي بنى مَسْجِد مَكَّة وَمَسْجِد الْمَدِينَة وَمَسْجِد دمشق وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى وقبة الصَّخْرَة، وَأنْفق على مَسْجِد دمشق أحد عشر ألف ألف مِثْقَال ونيفًا، وَقيل: أنْفق عَلَيْهِ خراج الدُّنْيَا ثَلَاث دفعات، وَهُوَ أول من نقل إِلَى مَكَّة أساطين الرخام مُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَتِسْعَة أشهر، وَتُوفِّي بدير مَرْوَان وَحمل إِلَى دمشق فَدفن فِي مَقْبرَة الفراديس، وَكَانَ مَسْجِد دمشق للصابئين، ثمَّ صَار لليونانيين، ثمَّ صَار للْيَهُود، وَفِي ذَلِك الزَّمَان قتل يحيى بن زَكَرِيَّا وَنصب رَأسه على بَاب حيرون، وَعَلِيهِ نصب رَأس الْحُسَيْن، ثمَّ غلبت عَلَيْهِ النَّصَارَى ثمَّ غلبت عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ.